" لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر : ) القرآن الكريم (
راق لى - وقد دعيت للاسهام بالكتابة والتحدث مع المتحدثين - أن يكون حديثي الى قراء المنهل عن الاسوة الحسنة وتعرف اهدافها والتحدث عن بعض الاتجاهات ومناحى السلوك فى مبلغ احتضانها ومدى الاخذ بها كمبدأ ، أو كوسيلة للوصول الى غاية حميدة ونجح مضمون . والأسوة الحسنة حلبة استباق لأولي العزائم الصادقة فى تعشق المثل العليا وترسم الهدي السديد وتتبع الخطو الراشد . ومن رحمة الله بعباده أن بعث لهدايتهم خير خلقه ولارشادهم صفوة مباده ، وجعل التأسى به طريق الوصول اليه ومسلك الراغبين الى دار السلام فى أمن وسلام وأنزل عليه فى محكم كتابه توجيها للامة فى انتهاج نهجه والسير على سننه ، انزل عليه قوله : " لقد كان لكم فى رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر " الآية ، وليس بعد هذا التوجيه مجال لهوى ومتنفس لمنزع ، وليس وراء حصر الاسوة فى رسول الله لمن يرجو لقاء الله وحسن جزائه نهمة فى ناحية رشاد ، أوتطلع لمهيع سداد ، غير ما ترسمه هذه الاسوة وتوحى به . ولقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوضيح اتجاهاتها وجمع منتجعاتها والافصاح عن غايتها فقال : ) والذى نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لماجئت به ( ومدلول الحديث على ما يبدو ، توجيه الانظار وتكريس الجهود وحصر الهمم فى متابعته فذلك مقتضى الايمان الكامل والتأسى الراشد . يوضح ذلك قول الله تبارك وتعالى : " قل ان كنتم
تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم " فاخذ الاسوة شرط فى محبة الله ، وبفقد الشرط ينعدم المشروط ، ومحبة بلا احتذاء دعوى بغير تدليل
وتتعدد صور التوجيه والوان المكاشفات بالغرض المقصود من هذه الاسوة وطريق المتابعة . فمرة يكون التوجيه اليها ببيان انخفاض الايمان عن مستواه الكامل كما مر في حديث : ) لا يؤمن احدكم ( الحديث - واخرى يكون عن طريق الاغراء واستنهاض العزائم وحفز الهمم والسيطرة على الشعور كما يلحظ ذلك من آية : ) قل ان كنتم تحبون الله ( الآية ، وثالثة يكون بالتبصير بطريق الغواية والتحذير من الابتداع والتنديد باتباع الاهواء كما يصور ذلك قول الله تعالى : " وما آتاكم الرسول فخذوه ومانها كم عنه فانتهوا " وقوله فى قصة موسى : ) فان لم يستجيبوا لك فاعلم انما يتبعون اهواءهم ومن اضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ان الله لا يهدي القوم الظالمين ( وقوله : ) ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا ( وقول الصادق المصدوق فى حديث ابن مسعود قال : خط لنا رسول الله خطا ، ثم قال : ) هذا سبيل الله ( ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال : ) هذه سبل ، على كل سبيل منها شيطان يدعو اليه ( ثم تلا : ) وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ( .
أما أقوال السلف رضوان الله عليهم فى ضرورة أخذ الأسوة والتحذير من البدعة وسلوك السبل الملتوية فحدث عن كثرتها وبلوغها الحد الاوفى من ذلك قول حبر الامة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عندما سأله سائل الوصية فقال : ) عليك بتقوى الله والاستقامة اتبع ولا تبتدع ( وقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : ) كل بدعة ضلالة وان رآها الناس حسنة ( وفى سنن أبى داوود عن حذيفة رضي الله عنه قال : كل عبادة لا يتعبدها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تعبدوها فان الاول لم يدع للآخر مقالا . وقال الخليفة عمر بن عبد العزيز : اوصيكم بتقوى الله والاقتصاد فى أمره واتباع سنة رسوله وترك ما احدثه المحدثون بعده
وهذا غيض من فيض كما يقول المثل العربى وجزء مما تناقله الرواة وحفظه لنا التدوين الصحيح . بقي أن نتعرف مدى هذه الاسوة والى أى حد يجب أن نتقيد بها وفى أى مجال يجب أن نترسمها ونسير على سننها .
أما واقع الاسوة ومدى التعرف عنها فهو ما اسلفت الحديث عنه من كونها مضمارا تتفاوت فيه العزائم بقدر ما ارتسم فى النفوس من تصور لعظمة المتأسي به وبقدر ما يلابس هذا التصور من جلال وبهاء . وأما حد التقيد بالاسوة فموضوع له اعتبارات خاصة بالنسبة لاتجاهات الناس فى تفهم مدلولها . فمن الناس من يذهب الى أن الاسوة مجرد انتساب ودعوى ، لا اقل ولا اكثر وحسبه أن ينتسب الى الاسلام ويتسمى باحمد ومحمد ويتسم بأنه سنى سنوى بكرى عمرى وهو فى واقعه امعة تتقاذفه اعاصير الاهواء والاضاليل ، نتراه يتعبد بالاستحسانات والتخرصات والبدع والخرافات وما الى ذلك مما لا يتفق وواقع الاسوة الصحيح فى قليل أو كثير ولسان حاله يعبر عن الكلمة السائرة المشهورة : سمعت الناس يقولون شيئا فقلته .
ومنهم من يرى الاسوة فى السير على نهج الآباء والتقيد بعقائد الاسلاف كيفما كانت وعلى أى لون شطحت دون اعمال فكر وفر ودون ما تعقل وتدليل على صحة للتحى أو خطئه وهذا الفريق يتحد منطقه ومنطق الجاهليين وتتشابه أقوالهم وقد كفانا الله مؤونة حجاجه والرد عليه اذ يقول فى غير ما آية من كتابه : ) واذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ( واذن فليس فى هذا المنحى اتباع رشيد أو أسوة صالحة .
وفريق آخر طغت عليه فكرة التقليد ولكنه من طراز آخر أسرف فيه وتطرف لدرجة الغلو الذميم فلم يعد يستجيب لدعوة الا وعليها طابع التقليد أو يستمع لقول راشد حتى يحمل صك التمذهب ، تقول له صح الحديث عن الصادق المصدوق بكذا ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا ، فيرد عليك بصف وعنف ضارنا بقول رسول الله عرض الحائط لاويا صفحة عنقه قائلا :
فليس هذا مذهبي ولم يقل بهذا امامي . تعرض على مسامعه أقوال الائمة رحمهم الله فى النكير على التقليد وتقليدهم بالذات كقول الامام مالك رحمه الله : " كل يؤخذ من قوله ويترك " وقول الامام الشافعي رحمه الله : إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط ، وقوله ايضا بعد تأليف كتبه : لابد ان يوجد فى كتبى الخطأ لقول الله تعالى : ) ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ( فما وجدتم فيها مما يخالف الكتاب والسنة فقد رجعت عنه ، وقول احمد أو أبى حنيفة رحمهما الله : إذا صح الحديث فهو مذهبى - تقص ذلك أو بعضه أو اكثر منه فيتعامي ويتصامم ويتمادي فى غلوائه متطرفا فى انتحائه - هذا الصنف من الناس له من الاسوة الحسنة بقدر ما قارب فيه الحق وسار فيه على النهج . أما الغلو والتطرف واما الاسراف فى التقليد والتعبد من غير اخذ دليل أو معرفة حجة فالحكم فيه لله وحده والمرد له سبحانه وهو أعدل الحاكمين .
أما مجال الاسوة فيما يتعلق بأمور الدنيا من ابتداع صنائع ومخترعات وألبسة ومشارب ومطعومات ومن اتخاذ مرافق وامتطاء مراكب والتعارف على أوضاع والتواضع على تقاليد لم تكن فى العرف القديم فليس فى ذلك مؤاخذة ومعتبة وليس علينا فيه نقد أو تجريح ، وحجتنا فى ذلك قول الرسول الاكرم : " أنتم أعلم بامور دنيا كم قاله فى حادثة تأبير النخل المعلومة ففتح بها الباب على مصراعيه وافسح المجال للنشاط الفكرى للابداع والابتكار وتعرف اوجه المصالح والهداية الى أساليب النجاح والتمتع بالمباح فى أوسع الحدود دون وضع حواجز او فرض قيود
وبعد فهذه كلمة عجلى وعرض سريع عمدت فيه الى تصوير واقع الأسوة الحسنة ومجال الاتجاهات فى فهم مدلولها ومبلغ الأخذ بها كوسيلة للنجاح وطريق للفلاح ولست أقصد من وراء ذلك الا الخير والا توجيه الانظار الى الاخذ بالحظ الاوفر فى هذا المضمار ، طلبا للنجاة ، ودركا لمدارج ، السالكين ، وسيرا على النهج القويم
والله الهادى الى سواء السبيل .
