بقية قرى الفلج التاريخية
٦ - المحطي
وقد يسمى محطى الفلج ، ومحطى بنى جعدة . وعن المحطى قال الاصفهانى : (( ومنازل جعدة فيما بين الزهدمى وسوق الفلج بمكان يقال له المحطى وهو محطى الفلج بين نخيل ودور وحيطان (١) . ))
وعلق عليه محقق بلاد العرب بقوله : ( لم أر له ذكرا ) .. ولكن حسب التقريب يمكن لنا تحديد موضعه بموجب تحديد الاصفهانى حيث حصره بين الزهدمى وسوق الفلج . . فسوق الفلج عرفنا موقعه في الحلقة الاولى وهو شمال شرقى قرية الخرفة الموجودة الآن .. والزهدمى ، قال عنه الاصفهانى : انه من قرى الفلج وانه مفض الى البياض ، ويقال ان جنوب شرقى السيح خربات قديمة فلعلها بقية الزهدمى المذكور، وعلى ضوء هذا يكون المحطى ، الآن ، بين قرية الخرفة - غربا - وقرية السيح
- شرقى المحطى - ، والمحطى الان طمته الرمال كالأهلة .. وقد حدثنى صديق لى قال : (( ان فلانا - وذكر اسمه - قبل ١٧ سنة جاء من العمار على حمار متوجها الى السيح ، وكان على الطريق الذى بين الرمال قوز بسيط من الرمال تشط منه الحمير ،
فقدر أن يعثر حماره في ذلك القوز الرملى فسقط فنزل عنه فاذا جانب من اطار آنية فخارية ، فبحث ، فاذا اناء من الفخار في حجم الأزيار الموجودة الآن مليء بالذهب فنقله وأغناه الله تعالى .. وذلك في أرض المحطى ، مما يدل على وجود كنوز في الفلج ، فهل من باحث ؟
٧ - سيح الرقادى :
يقول الهمدانى عن الرقادى : (( ولبني حعدة سبحان يقال لأحدهما الرقادى (٢) ..
فأما الرقادى فان مخرجه من عين يقال لها عين أبى صمح ومن عين يقال لها الزباء مختلطتين (٣) )) . فالرقادى كان يجرى مع أراضى السيح الآن، وقد اندثر سيح الرقادى ولم يبق له ذكر .. والعينان اللتان كان يخرج منهما - وهما عين ابن أصمع والزباء المختلطتان- ما زالتا على قيد الوجود ومختلطتان ولكن تغير اسمهما فهما الآن يعرفان بعين أم هيب وعين الباطن ولكن لا يعرف أيهما ابن أصمع وأيهما عين الزباء ، انما يدل عليهما اقترانهما الا اذا كان الهمدانى بدأهما بالترتيب من الشمال الى الجنوب فلعلهما تتميزان عن بعضهما .
على سواق حفرها الاهالى بعضها حديث وبعضها قبل مائتى سنة تقريبا .
٨ - سيح أطلس :
وقد يعرف فيقال : سيح الاطلس . .
وعنه قال الهمدانى : (( ولبنى جعدة سيحان يقال لأحدهما الرقادى ، وللآخر أطلس . .
وأما الأطلس فان مخرجها من عين يقال لها : عين الناقة ، ويقول أهل الفلج في اشتقاق هذا الاسم ان امرأة مرت بها على ناقة لها فتقحمت بها الناقة في جوف العين فخرج بعد سوارها بنهر محل بهجر البحرين (٤).))
سيح أطلس المذكور ليس بعيدا عن سيح الرقادى وقد اندثر ولم يبق له ذكر . . أما عين الناقة فقد سألت عنها المؤرخ الفلكى الشيخ عبد الله بن عبد العزيز الفالح فقال : هى ما يعرف اليوم بالرأس وهى آخر العيون جنوبا . . وقد رأيتها طويلة جدا ان يبلغ طولها أكثر من كيلين تقريبا وعرضها أكثر من ٤٥ كيلا تقريبا ، وماؤها مر الطعم وهى الآن لا يخرج منها شئ من سواقى الماء . وقد جاء فى عهد الملك المرحوم عبد العزيز رجل اسمه النشمى وبدأ بحفر ساق عرضه أكثر من مترين وذلك (( بالدركترات ))- ان صح هذا التعبير - حتى صار طوله أكثر من ١٠ كيلومترات تقريبا .. وهنا عارض أهالى السيح لتخوفهم من جفاف العيون الصغيرة التى يشرب منها السيح وطلبوا الغاء هذا الساقى ، وفعلا أوقف الحفر قبل اكمال المشروع . . وليت ذلك تم، اذن لكان خيرا كثيرا . . ولكن للأسف !.. أفلا تأمر الحكومة الرشيدة باكمال المشروع واصلاحه حتى يشمل أراضى واسعة صالحة للزراعة شرقى السيح ؟. . لنا أمل وطيد في حكومة جلالة الفيصل أيده الله .
- سيح اسحاق :
سيح اسحاق جنوبا عن سيحي أطلس والرقادى ، وهو لبنى قشير وعنه قال الهمدانى : (( وأما سيح قشير فاسمه سيح اسحاق ( ٥ ) )) . وذكره الاصفهانى بقوله : (( وفي ناحية قرن سيح اسحاق الذى اقتتلت فيه جعدة وقشير لأنه كان لقشير لاسحاق ابن فلان فاشترته جعدة فمنعتها قشير فوقعت بينهم فيه حرب وكانت جعدة اشترته بثلاثمائة ألف درهم وهو نهر مخرجه من قناة وهو بطيحة واسعة وعليه من النخيل ما لا يدرى ما مبلغه ( ٦ ) )) . وسيح اسحاق ما زال موجودا ولكن تغير اسمه فيعرف الآن (( ساقى سويدان )) لأنه صار يسقى قرية تعرف بهذا الاسم وهى من قرى الافلاج وما زالت القناة ينبع منها الماء ، وساقي سويدان عليه كثير من النخيل الطبيعية - التى نمت من تلقاء نفسها ويسمونها الغاط واحداها غاطة*، وقد سألت الشيخ عبد الله الفالح عن
سيح اسحاق فقال : هو ساقى سويدان الآن ، مما يزيل الوهم الذى يخامرنى نحوه .
١٠ - حصن مرغم :
من الحصون الأثرية في قرية السيح . .
يقول عنه الهمدانى : (( ثم على أثرها من سيحي جعدة حصن يقال له مرغم - أى يرغم العدو بامتناعه دونه وهو لبني أبى سمرة (٥) )) هذا الحصن ما زالت بعض جدره باقية وقد شاهدته بعينى ودخلته فرأيته قصرا حصينا يبلغ عرض جداره ٣ أمتار والباقى من جدره يبلغ طولها أكثر من خمسة أمتار وما زال جمع حائطه باقيا ، غير ان بعضه قصير لتداعيه ، ويبلغ عرض الحصن أكثر من ٧ أمتار وطوله أكثر من ١٠ أمتار ومدخله من الشرق ، والحصن مقسم الى ثلاثة أقسام :
فالقسم الجنوبى محط بجدار حصين ويفصل بينه وبين القسمين الآخرين جدار آخر وبينهما مدخل . . ومدخل القصر من القسم الجنوبي ولعل هذا مجلس القوم في مشاوراتهم الذى يقضون فيه فراغهم.والقسمان الشماليان مليئان بالحجر وبينهما حاجز أيضا وبه مدخل بينهما وهما مرتفعان جد عر الارض .. وبزوايا القصر عدة بروج للحماية وقت الخطر . وأساس القصر مقام بالطين وبه أخلاط من العظام كثيرة جدا .. فلعل العمال يأكلون الابل ويبنون بعظامها الجدر . وعثرت في القصر على كثير من قطع الأوانى الفخارية . .
والحق يقال انه قصر حصين جدا وهو على اسمه (( مرغم )) .
وسألت الاهالى عن اسمه فقالوا : (( قصر العنقرى )) .. وسألت الشيخ عبد الله الفالح عن قصر العنقرى فقال هو حصن مرغم
(٥) صفة جزيرة العرب ص ١٦٠ (٦) بلاد العرب ص ٢٢٥ (*) (المنهل) : هذه النخيل التى تنمو من تلقاء نفسها وأصلها النوى يقع فى الارض فتسقيه الامطار فينبت وينمو تسمى فى لهجة أهل المدينة المنورة باسم (( الصيران )) ويطابق هذا الاسم ، ما فى مراجع اللغة العربية الفصحى .. ومفرد الصيران - لغويا - صور وصير . ولكن أهل المدينة لا ينطقون بهذا المفرد لقد اكتفوا بالجمع عن المفرد حتى قام مقامه لديهم . بخلاف بنى سليم فان لهجتهم العامية الحالية تعرف مفرد الصيران ولكنها تحرفه عن صحته فتنطق به ( صار ) بالالف . . بدلا عن ( صير ) و ( صور ) . . كما أوضحناه بمافيه الكفاية فى عدد رحلة بني سليم الصادر في شهر شعبان ١٣٩٠ ه ص ١٠٢٥ .
الذى ذكره الهمدانى . . وهكذا فحصن مرغم صار يعرف بـ (( قصر العنقرى )) ولعل أحدا من قبيلة العناقرة قد نزله بعد أهله وما ذلك ببعيد (٧) .
١١ - القصر العادى :
قال فيه الهمدانى : (( والقصر العادى بالآثل من عهد طسم وجديس. وصفته : أن بانيه بنى حصنا من طين ثلاثين ذراعا دكه ثم بنى عليه الحصن وحوله منازل الحاشية للرئيس الذى يكون فيه والأثل والنخل وساكنه اليوم بنو أبى شمة (٨) )) . .
سألت عن هذا القصر العادى الشيخ عبد الله الفالح ، فقال : هو فى قرية السيح ، ويعرف الآن بالحائط وهو غربى حي القطين وجنوبى قصر العنقرى (( حصن مرغم )) بقدر ١٦٠٠ م تقريبا . .
وقد دخلت قصر الحائط من الغرب حيث مدخله الأصلي وجلت فيه بنظرى فرأيته قصرا واسعا ذا كهوف كثيرة على جوانب الجدر الداخلية اذ يبلغ تعدادها أكثر من ٢٦ كهفا منحوتا في الجدار يتسع الكهف لاثنين أو ثلاثة ، وبعضها مرتفع في الحائط . .
ودواخل الكهوف مطلية بالرماد وفي بعضها أثر النار التى تشعل في الشتاء . . وشرقى
قصر الحائط بناية أخرى تابعه له ويصل بينهما مدخل صغير مكمور بالحجارة ومطلي بالجص ..
ويقول بعض أهالى المسيح ان حصن مرغم والقصر العادى كانا يتصلان بخندق تحت الأرض لمساعدة بعض من فيهما عند الحاجة.
وفي المسيح رأيت حصنا آخر لم أعرف اسمه وبه كثير من البروج الحربية وبه بئر صغيرة ومسجد صغير ومجلس للقوم أثناء راحتهم . والقصر على العموم جدره عريضة وواسع . ويبعث على التفكر والاعتبار . .
١٢ - الزهدمى :
من قرى الفلج قديما ، وقد اندثرت ولم يبق الا أطم قليلة .. وقد ذكرتها من عداد قرى الفلج فى الحلقة (١) وطبعت خطأ (٩) حيث وردت (( الزهدحى )) وهذا خطأ والصحيح الزهدمى - بميم بعدها ياء -
وقرية الزهدمى ذكرها الاصفهانى وأغفلها الهمدانى وعنها قال الاصفهانى : فأسفل الفلج لجعدة ، ولهم فيه سيح يقال له الزهدمى وقد بنوا فيه حصنا هو فى أسفل الفلج وهو مفض الى البياض )) - ص ٢٣ .
ويقول أهل السيح ان في جنوب شرقى السيح خربات مفضية الى البياض يسمونها قصيرات عاد - على صيغة التصغير - ولعل هذه الخربات هى بقايا الزهدمى الذى يحد محطى بنى جعدة من الشرق والزهدمى أيضا لبنى جعدة كما ذكر الاصفهانى .
١٣ - الجدول :
يقول الهمدائى عن الجدول : (( والهيصمية لقشير والجدول أعلى منها لبنى قشير(١٠)))
عرفنا موقع الهيصمية وهى شرقى مدينة ليلى على الطريق المؤدية الى قرية السيح ،
والهمدانى يقول ان الجدول أعلى من الهيصمية . فلعل الجدول يقع غربا من الهيصمية حيث تقوم الآن مدينه ليلى .. ولعل نخيل وقصور ليلى الشرقية قامت على أنقاض الجدول .. وهو غير الجدول المعروف الآن شرقي قريتى مروان وسودان والذى هو برار وقفار .
١٤ - المذارع :
والمذارع من قرى الافلاج الأثرية التاريخية وليست من قرى الفلج ولكنه يضارعه في الكبر والحصانة ، وتبعد المذارع عن الفلج بمسيرة نصف نهار على المطية - تبعد البديع (( المذارع )) عن ليلى بـ ٣٢ كيلا - والمذارع لم يذكرها الاصفهانى وذكر قسما منها وهى (( صداء )) ولكن ذكر المذارع، الهمدانى بقوله
(( وأما قشير فهى بالمذارع وبه الحصون والنخل والزرع والسيح يجرى تحت النخل، والآبار أيضا ، فأول حصون بنى قشير بالمذراع حصن العقيدة من بنى فراش وأهله جفنة الفلج كرماء وجوه ( ذوو ) العد ( وحصن ) السمريين وهم بنو أبى سمرة من جعدة ، وحصن الفراشيين من بنى فراش وحصن بنى عياض وعياض من الحريش بصداء من المذارع (١١) )) . وذكر الهمدانى أيضا كثيرا من الحصون والركائز بعضها بالمذارع وبعضها في غيره ..
والمذارع اليوم قامت على أنقاضه قرية البديع التى تعد أكبر قرية فى الافلاج بعد مدينة ليلى - القاعدة - وجميع الحصون التى ذكر الهمدانى اندثرت الا قليلا منها لا يعرف اسمه لأنه يختلف في اسماء الحصون فلا يعرف أن هذا الحصن اسمه كذا في الجاهلية . . وهناك أعظم حصن في البديع لا يزال قانما ويعرف اليوم بقصر (( سلمى )) ولا أعرف من أين جاءته هذه السمية . وقد شاهدت قصر سلمى ، وتحت جدره خندق عريض وعميق يملأ بالماء وقت الخوف حتى لا يقتحم العدو جدر الحصن أو يحفر أصولها .
وعن (( سلمى )) حدثنى ثقة بقوله : (( قلعة سلمى تحاط بأربعة أسوار عظيمة عرض جدارها السفلى حوالى ٣ م ونهايتها حوالى متر واحد ، وبين السور والآخر ١٠٠٠ م ، وارتفاع السور حوالى ١٠ م .
هذا ، والقلعة نفسها مصممة على شكل سداسى ، في كل زاوية برج كبير للمراقبة والدفاع ، ولها سور عظيم من الأسفل ٤ م وارتفاعه ١٠ م وحوله خندق عرضه ١٠ م وعمقه كذلك ، وذلك لملئه بالماء عند غارة الفرسان وحتى لا يستطيعوا حفر الجدران من أسفلها ( ١٢ ) )) . وقلعة سلمى الآن مقام في داخلها قصور جديدة ، وتقع سلمى في البديع الشمالى . . وقلعة سلمى هى أعظم الحصون وما زالت باقية . .
والهمدانى بدأ في عده للحصون ، بحصن العقيدة ومدح أهلها وأجلهم . . فأنا أعتقد ان قلعة سلمى اليوم هى حصن العقيدة قديما .
صداء :
صداء من المذارع . وبذلك قال الهمدانى حيث قال : (( وحصن بنى عياض وعياض من الحريش بصداء من المذارع وحصن بنى نبيت من بنى قرة ، بصداء من المذارع ( ١٣ ) )) . فالهمدانى عد صداء من المذارع خلافا لمن قال ان صداء في بلاد بنى تميم في واد يقع عن بلد مرآة ، جنوبا ، وبهذا قال ابن بليهد ، وأنا لا أوافقه على ذلك .
فصداء التى ذكرها سميت حديثا ويدل على ذلك عدم ذكر المؤرخين جميعهم لها ، فكل من ذكر صداء ، قرن معها الفلج ، أو المذارع . فذكرها الهمدانى وقرنها بالمذارع والمذارع من الافلاج وتعرف اليوم بالبديع وذكرها الاصفهانى وقرنها بالهدار أحد أودية وقرى الافلاج قديما وحديثا حيث قال عنها الاصفهانى : (( وحذاء قرن قرية أخرى يقال لها صداء لبنى الحريش، وللحريش واد يدفع على صداء يسمى الهدار (١٤) )) .
بل قرنها الاصفهانى بقرن أيضا أحد قرى الفلج التاريخية الداثرة اليوم . . وذكرها أيضا عبد لبني قريط ، اسمه مطير ،
وقرنها بالبياض حيث قال .
ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة
وصداء مني والبياض بعيد (١٥)
والبياض شرقى الفلج مباشرة ، وهذا يثبت ان صداء المشهورة التى ذكرها المثل القائل ((ماء كصداء ومرعى ولاكالسعدان)) هى من قرى الافلاج التاريخية الدائرة اليوم ، وليست في أراضى مراة .
ولعل سكان صداء في زمانها خليط من بنى قشير وبنى الحريش وغيرهم . . وقد نعمت صداء بعيش رغيد في الجاهلية والاسلام الى ان اندثرت في عهد لا استطيع تحديده ولكن لعله كان عهد بنى العباس .
وبعد ، فهذه بقية قرى الفلج والمذارع ومنها صداء والفلج والمذارع تقع في الصحراء الممتدة شرقى جبال طويق .
وفي الحلقة الثالثة سوف نتحدث عن قرى الافلاج التاريخية الواقعة في جبال العارض من برك الى الشطبة - ان شاء الله تعالى- والله الموفق .
- للحديث صلة -

