الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

الإسم الموصول

Share

تنتصب جذعا خاويا وسط الاشجار الوريقة التى تجبه المبنى الرسمى ، ترمق الباب العريض ذا المصراعين الضخمين وتظل تنتظر ويطول انتظارك فيلسعك البرد . تتدثر فى قشابتك اتقاء سياط الريح الغربية وتنهشك عيون الغادين والرائحين . تحط عيون غريبة رحالها عليك ، تدنو منك ، تحاصرك ، تتشابك نظراتها وتتضافر وتعود تتفحصك كمعلم من معالم المدينة . تلهج الالسن برطانة وتدنو منك متوددة ، تشيح بوجهك عنها دون ان تفهم طلبها ، يلاحقك لسان عربى :

- يدفعون لك فى المقابل ما تريد .

ولكنك تتصامم وتركز نظرك على الباب العريض وقد بدت بفتحته حركة نشيطة . دقيقة .. ثلاث ، عشر ، لن يتأخر وستعبر الشارع جريا حال خروحه . جريا ؟ تتحسس ركبتيك وخاصرتك فيورق فى وجهك الالم . لم يثنهم شيبك ولم يرحموا سنك ، نهروك فى اليوم الاول وشتموك وعدت ثانية فدفعوك وأوقعوك وركلوك ، وعانق وجهك اديم هذه الارض للمرة الثالثة فى حياتك .

تذكر انك ارتميت طوعا فى بنزرت تدفئ كيانك بحماها وحين أتاك حديث باردو عفرت جبينك بطيب ثراها ، ولكن لم يجل بخلدك قط ان اللقاء الثالث سيكون عنيفا . واختلط دمك بدمعة انحدرت على خدك كحمم بركان . لطالما سالت منك دماء ولم تنحدر من عينيك دمعة . تناوبت على ظهرك متاريس البوليس وسياط الجلادين تقلع عظامك وتمزق جلدك ، حتى ألفت دماءك السجون وظللت ضرغا ما يزار فى الحديد ولا يهاب ورد الردى . تذكر الموت فتكبر نقطة الالم فى صدرك ، وتلفك غمامة شفافة واهنة تحملك الى حيث لا

تدرى . تتبدل معالم الاشياء وتتلاطم الصور ويطل من وراء الغيم أبوك بشاشيته القرمزية التى كان يعتمرها وجبته القمراية التى كانت لا تفارقه يشكو الوحدة والوحشية ولفح الزمهرير ، ويرجوك مده بما يبعث الدفء فى شرايينه الهامدة . وترددت فبرنسك اللدن لم يطوق كتفيك بعد لكن أباك يلح مرتجفا فتسلمه اياه والالم يعتصر كيانك . وأفقت مذعورا تنسل نظراتك عبر غابة الليل الموحش وتبقى تجوس فى منعطفات الخيال وتهيم فى دروبه . ومن الغد يلتحق ابنك الاكبر بأبيك . تهيل على قبره التراب وترتد كئيبا يمور الالم فى صدرك وتنقلب المشاهد فى ناظريك شوهاء بشعة وتعود تردد :

(( الطريق )) (( الطريق )) .

- صورة واحدة ولك ما تريد

ويقتحم الصوت هواجسك ، ترفع رأسك فجأة . تجيل بصرك حواليك . تبصره متجها نحو المرسيدس فتتذكر ديكك " السوري " فى مطلع كل فجر ، تغوص فى الذكرى حتى تكاد تنسيك ما لاجله قدمت ، تتحامل حتى الطوار المقابل ملوحا بظرف اصفر صارخا :

- سيدى سيدى من فضلك

ينفتح باب (( المرسيدس )) .

يهم بالركوب ولكنه يلتفت صوب الصوت ، يصفعك بنظرات مقيتة ويتقدم نحوك رجاله ، فى أعينهم نظرات ليست غريبة عنك ، نظرات تورق فى النفس ذكرى سحيقة القدم ، كنت تظن انها رحلت الى غير رجعة ولكن ها هى ذى أمامك تزحف نحوك وتعريك . تستعد للوكز والرفس والركل ولكنهم باشارة منه خفية يتوقفون قبل ان تلامس ايديهم قشابتك . ويتقدم منك مفتر الفم عن ابتسامة عريضة مربتا على كتفك . سائلا عن حاجتك .

تداخل الزمان والمكان فى مخيلتك ونزت حبيبات عرق من جبينك وشغلك الذهول عن عرض طلبك . تغوص عيناك فى هذا الوجه الذى لم يعرف الشمس . يأخذ من يدك الظرف فيما كان بصره يجتازك الى ما خلفك ، تلتفت فاذا الغرباء يلتقطون صورا تذكارية .

ينصرف المقرئون ويظل الرجال على البساط الباهت يتطامنون ، تتقارب رؤوسهم فتصلك همهمات وزفرات من قلوب وجيعة فيهيج بك الشوق إلى وحيدك وتعتصرك الذكرى اعتصارا . تحت ظلال الاوكاليبتوس الوارفة وجدته ، لحما مخذعا وسط حطام مركبته ، تراقصت الارض تحت قدميك ومال جذعك حتى انهار وصحوت على أصوات الحاضرين يواسونك . قالوا : (( انزلاق )) وقالوا : (( سرعة )) وقالوا : (( فوران الشباب )) .

كنت ساهما ترمق الاخاديد المنشقة وسط الشريان المرقط كجلد أفعى ، ذكرتك رؤيته بسنى القحط وامتد بصرك غير بعيد فوقع على هيكل من الحديد كان بالامس القريب سيارة .

هناك قبرت آمال وانتحرت أحلام وفجعت نفوس .

في ظلمه الليل الساجى يرتفع عواء حاد ينتشلك من شرودك . تتأمل الحاضرين . وجوه أليفة . على اديم هذه الارض صهدتها الشمس وغسلتها الانواء وبعثرت أوراقها ريح الخريف .

يسألك أخوك :

- أتظن أما فعلناه صائب ؟

فلا تجيب . كنت مشدودا الى تلك الابتسامة التى أضاءت وجهه الصارم فجأة . فاجأه العرض كما فاجأتك يده الطرية وهي تلتقط اصابعك وتضمها ، واندفعت انفاس الكبر تنفخ صدرك . فى تلك اللحظة احتقرته شعرت بأنك قوي رغم ضعفك . أقوى منه تمنحه ما لا يقدر أن يعطيك عشره . في البدء بدت على وجهه الريبة ، وجه نحوك نظرات مهددة ولكنك بددت سحب الشك التى رانت على قلبه :

- أردنا أن تكون للجهة (( شخصية )) تشرف بذكرها .

فتصنع الجد محاولا كتمان فرحه ، ومنحته باسم الرجال قطعة من الارض (( الظهرية )) يفعل بها ما يشاء .

يتململ ابن عمك فى مكانه ويقول فيما يشبه الهمس

- حين يتم البناء والتسييج سنعرف ان كنا على صواب .

تمضي أيام ، تضع بقرتك عجلا . تموت احدى عنزات أخيك . يعض كلبك غريبا . ينقض عقاب على فراخ فيصيب واحدا ، ينبت العشب على قبر ابنك وتبرز اقحوانة صفراء فاقعة ، تتفتح اكمام الزهر وتتحلى اشجار اللوز والمشمش والاجاص بالوان بديعة . وتظل معلقا بالمسكن الجديد ، تبني مع لبناته احلاما وتعد وتنتظر .

وحين ينتصب على الارض (( الظهرية )) شامخا يهزأ ببيوتكم ، يقيم صاحبه حفلا ، ولا يدعو من رجال القرية احدا . لا يهمك ذلك كما لا يهمك أنه بعث من الغد رحاله يوزعون بقايا الاطعمة والشراب ، كنت تنتظر شيئا أهم .

ولم يطل انتظارك . فى بداية الاسبوع الثالث تفيق على ضجيج يذكرك بتحركات الوحدات العسكرية ، وحين تطل تكون المنساحات والجرافات والجرارات والشاحنات والمرداسات تصطف على قارعتى الطريق وسط أكداس الحصى والحجارة وبراميل الزفت .

اشترك في نشرتنا البريدية