الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

الادب الشعب وادباؤه

Share

الادب الشعبى ادب توحى به الفطرة السليمة الفياضة فيجرى على لسان الشاعر فيضا لا ينضب له معين فى استرسال انيق وسهولة جذابة وروعة فاتنة وانسجام بعيد المدى عميق الاثر فيصدر عن قائله فى غير كلفة ولا تصنع ولا مشقة شان الامور الفطرية الطبيعية التى تنبعث عن الطبع عفوا ولا ترهقه ولا تجشمه مشاق التحليق في افاق يضيع فى مهامهها القصد الاصلى والهدف الادبى المطوب والغاية المنشودة ويرجع الفضل فى هذه السهولة الى اللغة التى تمرس بها الاديب الشعبى ومرن عليها وتصرف فيها تصرف ابى القاسم الحريرى فى لغة العرب . واللغة الشعبية ليست فى حاجة الى الصناعة والزخرة

والسجع والتورية والطباق ولا الى اخضاع القوافى الشاردة وتذليل الصعوبات المتعاصية عن الحل . ومن هنا كان شعور الاديب الشعبى شعورا حقيقيا صادقا يمتزج بشعره وادبه الذى تؤديه لغة سهلة مرنة تهزا بكل قيد ولا تخضع لاى حكم من الاحكام المطردة او الشاذة النادرة . وقد شعر الادباء الشعبيون بهذه اللغة كما شعر زهير بن ابى سلمى وامرؤ القيس وطرفة بن العبد بالفصحى فلا تتعتع ولا تعثر ولا تلعثم وعلاوة على ذلك اطراد هذا النوع من السهل الممتنع فى اشعار ادبائنا الشعبيين فى لغتهم الشعبية كما كان ينبعث ويطرد عن البحترى فى سلاسته ورقته وطلاوته . ولئن حظى اولئك الفصحاء بتهافت حملة الاقلام وعشاق الادب العربى يدونون نفثاتهم ويسجلون خاطرتهم فقد حرم الادباء الشعبيون من ذلك والعذر لهم واضح لانهم كانوا يخاطبون فى القديم عامة الشعب والعامة لا تقيم وزنا للتدوين ولا تحفل بالتسجيل ولا تطرب الا للسماع ولا تهتز الا لذلك ولو رزق ادباءنا الشعبيون بعض ما رزقه شعراء الفصحى لكان لدينا المجلدات من الادب الشعبى الطلى

الرائق في سائر صنوفه وضروبه . لانه ما خلا فى سائر اطواره من معان رائقة وحكم حصيفة بديعة شيقة ومن وصف بديع بارع وتدوين لحوادث تافهة او جسيمة مرت بالشعب فى كثير من تقلباته بل ولم يفتهم التغنى بالحب والتفنن في ضروب الغزل الرقيق . وقد كان لبعض ادبائنا هواية فى شعر هؤلاء الادباء حتى جمعوا من ذلك مجموعات رائقة ولا زلت اذكر ما كان للاديب الكبير بهذا الساحل التونسي الشاعر الفحل المغفور له الاستاذ

سيدى محمود موسى الشريف المنستيرى من الشغف بهذا الادب حتى انه لشدة ولوعه به جمع منه مجموعة خطيرة ضاهى بها مجموعة ابي تمام فى اختيار اشعار الفصحاء من العرب فاختار الشيخ محمود قصائد بارعة لشعراء شعبيين بالساحل اشتهروا بالبراعة والبلاغة والرقة والتوليد للمعاني الغريبة فى انتقاء للالفاظ جميل فكان شعراء ذلك الرعيل اقرب الى السلاسة والطلاوة الادبية من كثير من شعراء العربية الذين ترامت شهرتهم وذاع صيتهم : وربما كان الشعراء الشعبيون أول من قاوم الاستعمار الفرنسي بهذه الديار ودعوا الى مناهضته ومحاربته ففاقوا غيرهم فى النعرة الوطنية والدعوة الى الذود على الوطن ولهم فى هذا الباب ايات بينات تحتاج الى تاليف يجمعها :

وللشاعر الشهير جدنا المعروف بالونى من القلعة الصغرى الذى كان يعيش فى اوائل الحملة الفرنسية على تونس قصائد رنانة اطال فيها اللواعج واظهر الانين والاسى والاسف والتحرق وهاجم فيها الاستعمار فى ابان صولته وطغيانه على البلاد وتراميه على هتك حرمتها والعبث بكرامتها بدون مبرر ولا حجة ولا كتاب منير . وقد بقى من اثاره الادبية ابيات قليلة ترددها السنة العامة من ذلك ما جاء فى قصيد اطال فيها النفس فى وصف حادثة الاحتلال ونكبته لتونس قال فيها :

اش كون كان يظن تونس عزها وعملها وقدرها بين الدول يطيح

الفرنسيس يملك براجها وقشلها لا بارود شعشع لا سند صحيح ؟

ويستمر على هذا المنوال يثير الشعور ويلهب الاحساس ويغرى النوام بالوقوف فى وجه هذا التيار الجارف ومقاومة الغزاة الغاصبين يقول هذا والجيوش الفرنسية انذاك سنة 1881 تهاجم البلاد وتهيمن على العباد وتطارد الاحرار وتتحدى الشعور الوطنى وتهزا بالعواطف وبالرغم عما لاقاه الشاعر الونى من محنة احمد زروق وزير حرب دولة الصادق باى بالساحل وامتحان زروق لرجال الثورة العامة المعروفة بثورة على بن غذاهم ومن ضمنهم الشاعر الونى الذى صفد فى الاغلال وامتحن اشد الامتحان فلم يصرفه ذلك عن الدفاع عن حرمة البلاد واذاعة الاشعار المهيجة التى كانت نواة للمقاومة الشعبية فيما بعد للغاصبين المعتدين وشجى فى حلوقهم وطالما اسرف المستعمرون فى ريعان امرهم فى تعذيب بعض هؤلاء الادباء الشعبيين ورموا بهم فى قاع السجون وقد بالغوا فى تتبع اولئك الادباء فى اثناء الحرب العظمى سنة 1914 فارهقوهم خوفا من السنتهم المسمومة التى كانت تفضح مساوى المستعمرين وتشن عليهم غارة شعواء تقض مضجعهم وتؤلمهم وتعطل كيدهم وتثير صيدهم

ولولا ضيق المجال لاوردنا الكثير مما نفثه اولئك الهواة من افانين الدعاية المشوهة لاعمال اولئك الغاصبين الذين ركبوا كل صعب وذلول فى تخدير الشعب والتصرف فى حظوظه وامكانياته لغير صالحه

ومن الطريف ان نذكر لونا من الادب الحصيف ضرب فيه هؤلاء الشعراء باعظم سهم فقد نبغوا فى ارسال المثل والشاهد والحكمة التى يستلهمونها من الاوساط التى يعيشون فيها ويستوحونها من محيطهم الخاص فيؤدون رسالتهم في الوعظ والارشاد ومن ذلك القبيل ما قاله الونى رحمه الله

نعطيك      هدره        ضامرة        فاعقلها

لا تعجبك نفسك لا تفضلها اخط التعجب راه موش مليح

زوجتك شتلها ما تاخذها من ضعيف اصلها

ما دمت صنديد وتحبلها تقول راجلى بين الرجال فصيح

واذا دار الزمان واحتجت لها تصك صكة بغل صحيح

الدنيا فركستها وفركست مدخلها ما لقيت فيها كان كلام ربى مليح

اقبل على توبتك حصلها واقدم على المولى يعرض مليح

فارسال الحكمة والامثال الملائمة لاوساطهم كادت تكون اكبر مزية لادبهم فى القرن الثانى عشر والثالث عشر من الهجرة عند ما كان الشعب يرزخ تحت مظالم البايات ويرسف فى قيود الجهالة

وقد تنبه هؤلاء الادباء الشعبيون منذ القديم الى تاثير هذا الادب الطريف في النفوس فاستخدموه الى مقاومة المسرفين المتنكبين عن الجادة فى معاملة الشعب فى تصرفهم المنافى لروح العدالة فى نظرهم . . ففثوا النقد اللاذع الذي ترعد له الفرائص وتطير له النفوس شعاعا من شدة وقعه فى افئدة الذين يانفون من عداوة الشعراء ويتقون هجاءهم ولا ينصبون انفسهم هدفا لالسنتهم المسمومة ونبزهم الفاضح لا سيما اذا صادف مطعنا حقيقيا منهم.

وقديما كان مؤرخو الحوادث من التونسيين يهملون هذا الادب ولا يعنون برجاله ولا يحفلون له ولعل اقدم نقد فى هذا الصدد سجله التاريخ التونسى بين صفحاته ما رواه صاحب اتحاف اهل الزمان عند الحديث عن دولة على باشا ابن حسين بن على مؤسس العائلة الحسينية المتوفى سنة 1196 ه قال : ان عامله على الوطن القبلى المورالى : اساء السيرة فى اقتضاء الجباية فاتى جمع من اهل العمل شاكين تتقدمهم اطفالهم . . . من المكاتب وعلى رؤوسهم الواح قراءتهم للقرآن العظيم صارخين بقولهم ( يا رب الطف بنا المورالى جار علينا )

ولما سمع اى الباى على ضجيجهم امام باردو وعلى لحن يذيب الجماد ارتاع وفاضت دموعه وبعث من يبشرهم بعزله . . . ويقول بعد ذلك ان قاضى على باشا بباردو منصور المنزلى قال لمولاه : ان ضجيج الرعايا ليس من المال الذى يصل اليك . . انما ضجيجهم من الزائد الذى تاخذه العمال . . . وان آردت تحقيق ذلك فعرفنى بمجموع ما على الوطن القبلى من الجباية وانا اوزعه عليهم بحسب تفاوتهم فى الكسب من غير ضرر واكون وكيلك فى ذلك وباشر القاضى العمل بذلك قال : ودام ثلاث سنين وفى خلالها رجع للوطن عمرانه وثروته وازداد دخل الدولة فقال للباى ارايت مصداق قولى فشكره ثم طلب منه الاقالة . .. فابى فالح عليه الى ان قال له ان تقلنى اقلت نفسى . .. ولا ابقى لحمى طعمة للجهلة من ابناء صناعتى ولانذال السفهاء من العمال .. فقد بلغني ان قيل فى من الشعر العامى

يا منزلى خذ الفلوس بزايد

              فى الصبح قاضى وفى العشية قايد

ولما الح عليه اقاله اهـ باختصار . . فانتم ترون اثر مطلع هذا القصيد الحافل بالنقد المضحك المؤلم . . فى نفس رجل كان فى ذلك العهد من كبار اعيان الدولة . . فيتخلى قسرا عن اداء مهمة شهد التاريخ بكفاءته لها ولم يقدر على الوقوف امام سهام النقدة من الادباء الشعبيين الذين لم يراعوا فيه الا ولا ذمة وسلقوه بالسنة حداد . هذا ولعلنا نستقصى حديث هذا الموضوع الطريف فى فرصة اخرى عند الاقتضاء ان شاء الله

اشترك في نشرتنا البريدية