الادب فى جوهره ومبناه تجاوز للذات واقرار لها فى دائرة اوسع من الوجود حتى لتشمل الجماعة والامة بل الانسانية كافة . فعلى قدر استجابة الكاتب ( او الشاعر ) لدواعى الحياة فى مختلف مظاهرها من جمال وقبح ، من حزن وفرح , من بؤس ونعيم وعلى قدر انفعاله بهذه المظاهر والمعانى تكون قوة طبعه واصالة فنه .
لقد يصح القول بانه فرض على الكاتب - لما اوتيه من خصوبة الشعور وخفة الخيال ومرونته - ان يحيا " اضعافا " من الحياة ، ضروبا والوانا من الحياة . فبينا تراه بناحى روح هذه العاشقة البائسة ويعيش مرارة يأسها اذا هو ينقلب فردا من تلك الطبقة المحرومة حقها فى العيش والكرامة ويثور منددا بمظالم فئة البغاة المستبدين .
وهكذا من حال الى حال ولا قرار . نفس مشاعة تتجاذبها عوامل الوجود وتتزاحم عليها - وهنا بعض من محنة الكاتب ووجه من مأساته - اذ يلتمس حدودا لنفسه يسكن اليها ويرتاح ، فيعدمها . فليس له من نفس خاصة به انما هو نهب للغير دائم الترحال متواصل الاسفار فيعيش غريبا عن ذاته قريبا منها ويعانى طرفى النقيض : غربة عن الذات وأنس وامتزاج بالغير .
ولن يتحرر من قلق هذه الحال - من ثنائية فى الشعور وجدية فى الموقف - الا بأن يتصدى للعمل الفنى فيلفظ شعوره ويستريح الى حين . فتوزع الذات وتبددها وتواضعها حتى لا تستكنف من ان تكون صوتا للغير ومرآة . . . هذه الابوة او الصداقة الشاملة . . . او هذه الحرية والسلطة فى مستوى الكون بأسره والوجود اجمعه . . تلك هى عظمة الفنان وهى ايضا ثمن الشاعرية الباهظ وتبعتها العظيمة .
ذلك لان الكاتب مسؤول لدى نفسه اولا مدعو بدافع قوة جامحة لا ترد ، الى تجسيم احساسه ونفخ الروح فى فكرته لان فى ذلك اكمالا لذاته . فما دام لم يبرم عملية الخلق يظل يشعر بالنقص فى شخصيته فيندفع الى الكتابة اندفاع الباحث عن ذاته الغامضة المحتجبة متطلعا متحرقا الى معرفتها والكشف عنها . ثم هو مسؤول عن الغير يرى ان من واجبه ارضاء حاجتهم الى المعرفة والجمال ، لانه اذا ما انتشى ، ساعة الوحى ، بما يختلج فى صدره من احاسيس وخواطر احس بان لديه سرا ثمينا ، ذخرا نفيسا حريا بان ينعم ويسعد به الناس ,
فيرغب رغبة ملحة فى اشراكهم فى افكاره واحساساته اعتدادا وانتصارا لها وامتاعا للغير لان فى طربهم مضاعفة لسروره واعجابه بفنه .
هذا الشعور بالمسؤولية نحو الغير مرده ايضا احساس الكاتب بانه تفود - من بين سواد الناس - بالقدرة على التعبير عن احساساته واحساسات الغير التعبير الاكمل الانسب . فيعتقد ان تلك هى وظيفته الطبيعية التى اعد لها ومهمته التى خص بها دون غيره . فان صمت او تغافل او تجاهل فقد تخلى وخذل وتقاعس حيث كان الناس بانتظاره . - لانه ضميرهم الحى الناطق - والكاتب الواعى لا يستطيع ان يسلم - فى مثل هذه الحال - من الشعور بالنقص ومرارة الخلف وشقاء النكران والخيانة .
وقد ادرك العرب بصادق فطنتهم ولطافة ذوقهم ما فى الشعور الفنى من تفتح وتسام فقرنوا بينه وبين الكرم والجود واطلقوا لفظة " الاريحية " - تجوزا - على اللذة الفنية فى اشرف مظاهرها حين يخيل للمرء بل هو يحس ان نفسه تنمو وتتعالى وتتسع وتزداد ظمأ الى الوجود واحساسا بمعناه وايمانا بقيمته ، ايا كانت هذه القيمة .
ويعترى الانسان فى هذه الحال ضرب من الصلف الرفيع اذ يشعر بلذتين : روعة الفن وانتشاء النفس بذاتها .
وظاهرة " التجاوز " هذه التى لاحت لنا فى الادب من حيث هو شعور تتأكد وتبرز حينما يتخطى الكاتب هذه المرحلة الى مرحلة الخلق الفنى فيسعى جهده فى التوفيق بين نقيضين : ابراز ذاته والتجرد عنها فهو يبرزها بمقدار ويكشف منها الجوهرى الاصيل ويتخذها سلما ووسيلة الى الشمول .
وهذه هى المعجزة فى الادب اعنى اختيار الكاتب لما فى شخصيته ( او فى شخصيات نماذج ابطاله ) من ميول وملامح وخصال جديرة بان يهتز لها سائر البشر ويتجاوبوا معها ويكتشفوا بعضا من كيانهم او كل كيانهم فيها .
وبعبارة اخرى الادب هو الاهتداء الى " الوحدة " الانسانية عن طريق الفرد واعنى بالوحدة الصلات القوية العميقة التى تجمع بين البشر فى حدود الزمان والمكان - وايضا عبر هذه الحدود وعلى الرغم من اختلافها ، اذا الوجود البشرى - بوجه عام - اشبه بالدوائر بعضها اوسع من بعض مردها جميعا الى مركز واحد وليس بينها الا اختلاف نسبى .
واذن " فخرافة " الاديب الذى لا يكتب الا لنفسه ان هى الا وهم باطل فما من كاتب جدير بهذا الاسم الا وهو - على الاقل - يخاطب طبقة من الناس . وما انطواء النفس وانغلاقها دون محيطها الا قتل للادب وضرب من الانتحار الفكرى .
وبديهى ، اذا كان الامر كذلك ، ان الخصومة القائمة بين بعض الادباء حول طبقة قراء الكاتب ، أهى الخاصة ام العامة خصومة لاغية فالاديب فى عالمنا اليوم ( ولا سيما فى بلدنا ) ينبغى له ان يخاطب العامة والخاصة على السواء . وعليه أن يروض نفسه رياضة قد يكون فيها الكثير من العسر والمشقة حتى يحرز على مفاتيح شتى النفوس والضمائر وتتوفر له الاداة الصادقة الصالة لابراز ما يلمحه فى الكون وفى النفس من حقيقة وجمال ابرازا نيرا جميلا .
وليس خيرا - فى هذا الصدد - من قول بعض القدامى شعارا لكتابنا الذين يبحثون مخلصين عن الطريقة الناجعة الكفيلة بخلق الادب الحى الشامل الكبير . قال : " خير الشعر ما فهمته العامة ورضيته الخاصة " .
واذا نظرنا الى الكاتب من غير هذه الزاوية وجدناه بين امرين يتنازعانه : ميل الى ان يأخذ الحياة مأخذا سهلا فى يسر وببساطة ، فى غرارة وغفلة كشأن الناس جميعا . يلتذون ويقفون عند حدود اللذة ، او يغضبون وليس الا ان تثور ثائرتهم ثم يهدأون .
ثم ميل ، من جهة اخرى ، الى اتخاذ هذا الشعور من لذة وغضب وحسرة وسرور وسيلة الى غاية ، مادة صالحة لصنع الجمال .
وهنا تزول " براءة " احساس الكاتب لازدواج موقفه من الاحداث والكائنات : فيه الانسان الذى ينفعل عفوا فيذوق ويطعم ، وينفر ويقبل ، ويحب ويكره . . . لنفسه .
وفيه الفنان وكأنه العين او الرقيب الذى قد يخفى ، ولكنه لا ينى يدفع الكاتب ، من حيث يشعر او لا يشعر ، الى ان يعيش لفنه . ولا تزال عين الفنان تتحسس وترد فى نهم الاحساسات والخواطر فتصطفى هذه وتنبذ تلك حتى لقد يضيق الكاتب بهذا الوضع ، ويتبرم بهذه الرقابة المضيقة المسلطة على عيشه فيحن الى صفاء الشعور ويتوق الى معين الحياة غير مشوب بشائبة من فن او تفكير ، ويشق عليه ويضنيه الا يكون هو غاية لنفسه .
لذا نجده فى صراع مع ذاته ينشد العدل بين عيشه وفنه فلا يدع الفن يطغى ويستبد فتبتذل الحياة وتضمحل طهارتها فيكون مثله كمثل هؤلاء السياح يشغلهم تصيد الجمال بآلات التصوير عن تذوقه واستساغته وتمليه . وذاك السخف والعبث .
واذن فالحياة قبل الفن . هى اول وهو المحل الثانى ، هنا - فى نظرى - تنجم فكرة الالتزام فى الادب ، وهو لن يكون الا وفاء للحياة واخلاصا لها فى مختلف مظاهرها وشتى احوالها ، لا تعصبا اهوج لمذهب او تلاشيا فى جماعة .
واذن فلا " صعلكة " ولا اندماج فى " العشيرة " الى غاية امحاء الشخصية وانما الاعتدال بين الفردية الضيقة وبين " جماعية " القطيع .
وليس معنى ذلك ان كل ادب " متمذهب " خلو من القيمة الفنية فها هو ذا الادب السوفياتى مثلا ( والادب الشيوعى بوجه اعم ) يقيم الدليل على ان الادب والعقيدة السياسية قد يجتمعان ويتلاءمان . ويكفى ان نذكر فى هذا الصدد اسماء لشعراء وكتاب كما ياكفسكى (Maia Kovaki) وشلوكوف (Cholokov) وبسترناك ( Pasternak ) وارقون ( Aragon ) والوار(Eluard) و (Bertolt Brecht) وغيرهم .
الا انه ليس من شك فى ان اعظم آثار هذا الادب الروسى او الشيوعى الحديث هى التى ابتلع فيها الادب السياسة وهضمها هضما وبرزت فيها شخصية الكاتب بل انسانيته قوية جياشة خصبة ، وهى التى لا يصل امر المبالغة المذهبية فيها الى حد تحريف الواقع والجور عليه
وقس على ذلك الادب كافة ، بما فيه ادبنا العربى الذى لم تكن ازهى عصوره واعظمها الا تلك التى كان فيها الكاتب - كما قلت آنفا - ضمير الشعب الحى الناطق .
ان الادب الكبير - قديما او حديثا - لهو ذاك الذى اوتى من الصدق والعمق وقوة الغوص على جذور النفس الانسانية واعماقها ما يسمو به من الخاص المحدود الى العام الشامل . تلك حقيقة لا يزال التاريخ يشهد بها على الرغم من تباين العصور وتغير الاوضاع وتقلب الاحوال .

