فى عدد سابق طلبنا من مراسلنا الكريم أن يواصل بحثه لأنماط الأدب وأساليبه اذا كان هذا يجتذبه ويسترعى اهتمامه ، ورغبنا منه بالمناسبة أن يتعمق فى البحث آخذا نفسه بالصبر اذا شاء ل" دراساته" ان تكون " مستوعبة " أو على الاقل مركزة . والذى نورده فيما يلى هو جزء من محاولة وصلتنا مؤخرا لكن لا يتوفر فيها أحد الوصفين . فلنقل انها جملة من الملاحظات التى لا يخلو الاطلاع عليها من فائدة ، ولربما دعا نشرها الكاتب الى مزيد من الاستقصاء والاناة فى البحث .
حينما ننظر فى الانتاج الادبى الذى اتيح لنا من الادب الفلسطينى وهو مجموعات شعرية وقصصية ودراسات أدبية نجد أن طبيعة الظروف التى ابدع فيها هذا الانتاج الادبى قد تركت بصماتها بوضوح على الشكل والمحتوى ، فهذه الاشكال الادبية الجديدة من التعبير الادبى تظهر بين المقاتلين فى المعارك ، وتمارس بينهم فعالية كبيرة ، مقترنة بالطابع الاجتماعى للادب والوظيفة الانسانية له تجعله يتشكل فى كل منطقة بالصورة التى يصبح معها أكثر فعالية فى الواقع الذي يصدر عنه . كما تؤكد فى الوقت نفسه الطبيعة الطبيعة الطبيعة الطبيعة الطبيعة الجدلية له .
فقد تركت الوسيلة التى ينتقل عبرها الادب بصماتها على شكل هذا الادب واسلوبه. . . فاته أدب كتب ليقرأ ويحفظ معا . . ليحث المقاتلين على مواصلة القتال . . والامساك بالبنادق والخروج لمواصلة مسيرة كل ابن استشهد أو أب . أسر أو زوج صرعته القنابل ، أما أكثر الالوان تلاؤما مع طبيعة التجربة الفلسطينية ، وأسرعها استجابة لها فهو الطبيعة البنائية والتداولية ، ولان معظم النصوص التى توفرت لنا من أدب التجربة الفلسطينية نصوص شعرية كتبت داخل السجون أو بين نيران المعارك .
فاستمع الى هذه الاببيات من محمود درويش :
" وطنى ليس حقيبة وأنا لست مسافر
انما أنا العاشق والأرض حبيبة "
ومن النماذج الاخرى المحلية ملحمة " خالد ابو خالد " اجتياز الليالى الالف يبدأ بخطوة واحدة " يتصدى فيها للعدو الصهيونى ويدافع عن الامة العربية :
واقف واقف
عنترة
وجم الفرس
والروم
كان وحيدا . والغبار
الذى تصاعد فى الشرق والغرب
كان غبار الهزيمة . . تلو الهزيمة . . . .
يقول أبو نضال في أحد دراساته حول الشعر الفلسطنينى المقاتل عن مفهوم المحلية : " ان المحلية ببعدها المعاصر والتاريخى هى مدخل اساسى للشعر العظيم ."
أما فى الشعر العالمى فيقول : الشاعر يملك صوتا خاصا ومميزا يعبر فيه عن نفسه وعن ظروف المنطقة والمرحلة التى يعيشها . . فان الشعر العالمى النضالى المقاتل يدخل الى ميدان الشعر العظيم . . فى العالم - مثلا طاغور كان شاعرا هنديا أصيلا فلهذا طاغور شاعر عالمى . ناظم حكمت شاعرا تركيا يعبر عن نفسه وعن تركيا قبل أن يصبح شاعرا انسانيا عظيما . " ثم نجد الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور يتحدث عن الفلسطيني الذي يقاتل وحده ويموت بعد أن يتخلى عنه الجميع غير أنه يرفض الموت والصمت :
أدركنى بالكلام الصباح .
ولكننى لا أريد السكوت
فعندى الكلام المباح
وعندى السلاح
وفى خلدى أن يرى على رأسى رمح
وان الجياع الرماح . .
ومن القصائد التى تعبر عن المعاناة وتخلق الشعر العظيم تجربة ايلول " سبتمبر" فى عمان والتى كتب وشارك فيها كثير من الشعراء الفلسطينيين منهم الشاعرة الفلسطينية مى صايغ :
عبرتك قلعة شماء لم تسجد وكان الموت فى الطرقات . . . مألوفا لدى الاطفال . موجودا بلا حلية . . كما الافريز والاسفلت. والقطع التى تهوى من الجدران عند القصف.
هذه الابيات كتبتها فى ايلول ( سبتمبر ) تحت بالقصف الصهيونى الشاعرة مى صايغ وهي أم لاربعة أطفال . . خلال ايلول كان يفصلها عنهم الرصاص والموت . . .
وكما يبدو لنا أن شعراء هذه القصائد والملحمات الشعرية قد أدركوا واقع الحرب العنيفة يتخذ الوعى مكان المخيلة . . ومن هنا كان وعي الشاعر الفلسطينى فى هذا النوع من القصائد فوق المخيلة . . واستطاع الشاعر كما قال هوفمان " أن يصنع أداة حساسة . وأن يخلق نوعا من الكتابات الادبية والشعرية يلائم نوعا من الحرب والثورة لتكسب أى نوع من المجد . "

