الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

الاسلاميات, الاسلام والتنمية والاقتصاد العصري, كلمة تقديم

Share

يعتبر الاستاذ علال الفاسى قطبا من أقطاب الاسلام ، فقد كرس حياته من أجل القضايا الاسلامية مجاهدا في سبيلها .

وتعتبر محاضرته هذه : " الاسلام والتنمية في الاقتصاد العصرى " نموذجا حيا لأفكاره النيرة في سبيل بناء أمة اسلامية دستورها القرآن وشعارها التضامن والرفعة .

ونظرا للروابط الأخوية التى تجمع  الاستاذ علال الفاسى بالشيخ العلامة عبدالقدوس الانصارى ، فاننا اقترحنا على الاستاذ علال نشر محاضرته القيمة ب "المنهل" فلبى هذه الرغبة نظرا للدور الذي تقوم به "المنهل" في نشر الثقافة العربية الاسلامية .

(الرباط )

بسم الله الرحمن الرحيم

حينما اراد الباحثون الغربيون والعرب تحليل موضوع التنمية الاقتصادية في الاسلام فكروا قبل كل شئ فى التسلسل التاريخي للتطور الاقتصادى كما وقع فى الغرب أو فى الشرق الاسيوى . ثم اخذوا يطبقون ذلك على عالم الاسلام باحثين عن أين يمكن وضع التطور الاقتصادى للمسلمين متجاهلين وجود اقتصاد اسلامى مستقل وعوامل تطوره التاريخية القائمة على عقائده واخلاقه التى تجعل اقتصاديات الامم على اختلاف اشكالها خاضعة لسير محورى يبدأ من القرآن واليه يعود .

بقسم " والت ريتجان روستو " مراحل النمو التى جرى عليها فى تحليل التنمية الاقتصادية الى خمس لا بد أن تمر كل جمعية بواحدة منها : وهي المجتمع التقليدى وفترة التهيؤ

فالانطلاق والنضج ثم الاستهلاك الوفير الشائع (١).

ويقسم ماركس الكيفية التى استطاعت بها المجتمعات التقليدية أن تجعل النمو المطرد من الصفات الاساس لهيكلها عن طريق الالمام بجنبات الاساليب الفنية الصناعية الحديثة ، وقد بين أن المراحل التى تمر بها تلك المجتمعات حتى المرحلة النهائية للرخاء التى فى نظره هى الشيوعية الحق ، هى الفيودالية والرأسمالية البورجوازية ثم الاشتراكية واخيرا الشيوعية .

وقد بين روستو أوجه الشبه والاختلاف بين النظريتين اللتين يعترف الباحثون بأنهما فى الاطار الفكرى للغرب ، اذ هما تحليلان متقاربان لمجتمع واحد .

ومن غير أن ندخل فى دراسة أوجه الشبه والاختلاف هذه ، نتساءل اليس هنالك تقسيم آخر يمكن أن نمضى عليه لفهم التسلسل التاريخي لتطور النمو الاقتصادى منذ البعثة الى ان تدحرج العالم الاسلامى فى مزلق التخلف والاسباب التى أدته الى ذلك ، ووسائل معاودته سيره الطبيعى المتحتم ؟

ذلك ما سأحاول أن أجليه الآن فى المباحث الاتية :

أولا - ما هي مراحل التسلسل التاريخي لاطراد النمو الاقتصادى الاسلامى ؟

ثانيا - ما هي اسباب التخلف الاقتصادى في العالم الاسلامي ، وما هى عوائق النمو ؟

ثالثنا ما هي وسائل التنمية الاقتصادية ؟

رابعا - هل لا بد من سلوك المنهج الرأسمالى لمعاودة اطراد النمو عند المسلمين ؟

أم لا بد من اتباع المنهج الماركسي لتحقيق الغرض المذكور ؟ واخيرا هل يمكن اتباع النظرية الجديدة القائمة على نظام اقتصادى لا رأسمالى لمجتمع بورجوازى أم يجب أن نتم التنمية عند المسلمين على أساس العقائد والاخلاق الاسلامية ؟

مراحل التنمية الاقتصادية

تنحصر مراحل التنمية الاسلامية بعد العصر الجاهلى وعهد الحمى ، بالعهد النبوى من البعثة حتى غزوة تبوك ، ثم من تبوك يبدأ عهد الفتوحات الاسلامية فى القرن السابع والاستيلاء على طرق الذهب .

ثم عهد النهضة الصناعية فى اوربا وكيف تفوقت على المسلمين واسباب ذلك .

عهد الاستعمار والوقوع فى التخلف . بداية النهضة ومستقبل التنمية فى الاسلام .

الاقتصاد في العصر الجاهلى وعهد الحمى

لن أحاول أن أخص حالة العرب قبل الاسلام بوصف الجاهلية ، بل سأعمم الاطلاق على كل الامم والشعوب التى بعث اليها محمد عليه السلام.

ولن أدخل فى تفاصيل الحالة التى كانت عليها الشعوب حتى ميلاد الرسول وبعثته ،

فذلك ما هو مسطور في كتب كثيرة ، وانما اكتفى بالاشارة الى مختلف الانظمة المالية التى كانت سائدة فى العالم .

فالاسترقاق كان عاما فى كل بلاد الحضارة الشرقية والغربية والمملوك الانسانى كان موردا من موارد الثروة ، وكانت مصادر

الرق هى الحرب ، فالاسرى كانوا يعتبرون ارقاء ولو كانوا من جنس الآسرين.

ثم خطف الانسان الحر فى غير حرب واسترقاقه .

وثالثا الميراث . فابن الامة يبقى رقيقا ولو كان أبوه حرا .

وهذه المصادر الثلاثة وجدت عند العرب فى جاهليتهم كما وجدت عند اليهود واليونانيين والرومانيين .

ومن مصادر الرق عند اليهود السرقة والعجز عن دفع الدين ، فالسارق والمدين العاجز يباعان بيع الرقيق لاستيفاء قيمة التعويض عن ثمنه بل كانوا أحيانا يشتركون مع المدين العاجز في زوجاته وأولاده .

وهذا ما كان معمولا به فى عصر القانون الرومانى القديم ، ٥٩٠-١٣٠٠ قبل الميلاد ، فيجوز للدائن أن يبيع مدينه المعسر خارج روما وراء نهر التيبر ، ويمنع أن يصبح الرومانى عبدا فى روما ، ومن قبيل الاسترقاق في القانون الرومانى الحاق المدينين العاجزين بدائنيهم والمدينين بمبلغ من المال طبقا لعقد القرض القديم فكان للدائن حبس المدينين فى سجنه الخاص واذا لم يؤد المدين دينه بعد ستين يوما كان للدائن حق بيع مدينه خارج روما كرقيق ، بل كان له الحق في التحكم فيه كيف يشاء بالقتل أو بإطالة الحبس وقد نقل المهدوى والطحاوى ان الاسلام أدرك العرب وهم يبيحون بيع من أعسر ، وأنكر بعض العلماء ذلك ، ولكن الذي لا شك فيه أن العرب فى الجاهلية كانوا يكرهون فتياتهم على البغاء تكسبا بذلك كما كانوا يستخدمون الارقاء فى مصالحهم من غيرصحة ورعاية وغيرها.

ولم يكن غير الارقاء فى المجتمعات التى انضوت تحت لواء الامبراطورية الرومانية أحسن حالا من العبيد فقد كانت الطبقية تتحكم فى رقاب الشعوب مؤيدة بالقياصرة والرهبان ، فكانت الارض ملكا خاصا بالارستقراطية التى اصبحت تحمل بعد فى الغرب الاوروبي اسم الفيودالية وكان المزارعون عبيدا للملوك وللاشراف . يستعملونهم في الزراعة وخدمة المنازل حالما كان الأشراف والامراء يتعاطون الفروسية والحرب.

وكان المجتمع العربى الجاهلى يختلف نوعا ما عن تلك المجتمعات ، اذ كان الماء والمرعى والأرض الزراعية فيه ملكا مشاعا للقبيلة ، ولا يحد منه الا ما كان للرئيس أو الملك من حمى يفرضه على الناس.

والحمي عبارة عن أرض فسيحة جيدة . المرعى او صالحة للصيد يقتطعها الرئيس لنفسه ويمنع غيره من الوصول اليها او الاستفادة منها ، وكان لكل ملك عربى حمى ، وكان الغزو أحد وسائل التسلط على الارض وامتلاكها ، وعلى الحيوانات الممتلكة . للقبيلة المغلوبة فى الحرب

والتجارة مصدر مهم من مصادر الثروة فى العالم يسلك اليها الاسلوب العقلانى التنمية رأس المال الخاص لشراء السلع وبيعها ، ولم تكن روادع الديانات وتقاليد الكرم والضيافة والاخلاق المتعارف عليها عائقة للتاجر عن انتهاز كل فرصة تعرض له للكسب والاستغلال.

والاساس الذى تقوم عليه المعاملات هو الربا وأكل أموال الناس بالباطل ، فكانت هنالك مصرفية حرة تقرض المحتاجين بالربا اضعافا مضاعفة .

وكان الرهبان وكهنة الديانات الوثنية يكنزون الذهب والفضه ، ولا ينفقونهما ، لتروج وتنتج بالعمل وما يعم فائدته على كل عامل وفى الوقت الذى تجوع فيه الشعوب وتعرى ، كانت قبور المصريين ومخابئ الفرس تمتلئ بالآثار الثمينة التى بقيت مجمدة طيلة العصور الغابرة.

فالرقية والفيودالية والحمائية العربية والطرق الاستغلالية في التجارة ، والربا وتجميد الاموال بكنزها تلك هى الأسس التى قام عليها الاقتصاد التقليدى في العهود الجاهلية ، وطبعا فانها لم تكن لتحقق انطلاقة التنمية الاقتصادية التى تصل الى رأسمالية حقيقية على النمط الحديث أو لتغرس في الاوساط الايمان بعدالة اجتماعية يتم معها التوازن في التوزيع وفي الانتاج.

مرحلة التنمية في العهد النبوي

كان من الضرورى أن يستجيب القدر للنداء الذى ظل يرنفع الى السماء من مختلف الشعوب طلبا لعهد تتحقق فيه - الى جانب الاحكام الدينية - وسائل الانطلاقة المنشودة والقضاء على تلك العوائق التى عددناها ، والى جانب الايمان بالله والدار الآخرة والاخاء بين الناس والمساواة فى الحقوق والواجبات وحرية العمل والفكر فقد جاء الاسلام بمذهب اقتصادى معتدل ، قوامه العمل وهدفه تحقيق العدل الاجتماعى.

. ١ - فقد منع الاسترقاق فى كل صوره المذكورة ، ولم يبق منها بصفة موقتة مع الاعراب عن تشوقه لمحوها الا حالة أسارى الحرب التى تقوم لاعلاء كلمة الله ، وهكذا تقرر تحرير الانسان من امتلاك أخيه

الانسان له ولم يعد عمل الانسان في ميزان غيره . اذ (وان ليس للانسان الا ما سعى ، وان سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى ).

ومع بقاء هذه الحالة من الاسترقاق فقد كانت معاملة الخدم حسنة الى درجة كبرى ولم يعند المسلمون فى الغالب ، استعمال خدمهم فى خدمة الارض ، وانما كانوا يكلون اليهم خدمة البيوت وما أشبهها.

وأعلن الاسلام منع الحمائية المعروفة عند العرب وأحرى أن تحرم معها الفيودالية وكل ضروب الاستغلال . وفي الحديث : (لا حمى الا حمى الله ورسوله )وفي الحديث الثاني : (ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وان حمى الله في أرضه محارمه ، فالمحرمات الشرعية حلت محل الحمى الذى يضعه الملوك .

وعرف الاسلام ان في المعاملات التجارية وغيرها ما هو حلال وما هو حرام فوضع بذلك مبدأ الرقابة والتدخل الحكومي والتوجيه في كل الاعمال المالية .

ومنع الربا بكل أشكاله القديمة والحديثة وذلك يعني عمليا جعل الصيرفة بما فيها من صك النقود وخزنها وخلق النقود الحسابية بيد الدولة وحدها حيث يختص ببيت المال ودار الضرب والصيرفة التى تخلق النقود الائتمانية .

ونعي على الرهبان والاحبار كنز الذهب والفضة وتوعد بالعقاب الشديد كل من لا ينفق المال ويحتكره ، وفى ذلك نزلت الآية الكريمة : (يا أيها الذين آمنوا ان كثيرا من الاحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ، والذين

يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم ).

أما الملكية ، فقد جعل منها الاسلام هلية عامة وملكية خاصة . فالاولى تشمل المواد الاساس وهى : الماء . . ويشمل المانعات والمرعى وكذلك كل ما هو موزون ، والحطب - ويدخل فيه كل مواد الوقود ويشمل الغابات . ويشمل كل المعادن ، ولا مانع من أن يضاف اليها كل ما يرى المسلمون مصلحة فى جعله ملكا عاما ، كما فعل عمر ابن الخطاب عام الرمادة .

والملكية الخاصة ، وتشمل ما يحتاج اليه الانسان من مسكن ، وغذاء ، ولباس وما اليها ، وكل ما يكسبه الانسان بكد يمينه وعرق جبينه أو يستحقه بميراث أو عطية فهو ملك حلال له .

ولكن هذه الملكية الخاصة ليست ذاتية للانسان لأن المالك الحقيقى هو الله وكل مال فهو ملكه تعالى سواء أتمثل ذلك المال في (سلعة اقتصادية) أم في سلع حرة )، وقد استخلف الله الانسان فى الارض وأمره بالانتفاع بخيراتها للوفاء بحاجاته واصلاح معاشه ، على أن يكون انتفاعه متفقا مع مصلحة المجتمع الذي هو فيه ومصلحة البشرية كلها على العموم ، وهذه الخلافة فى ملك المال تبيح أن ينسب ملك المال الى أفراد الخليقة والى الجماعة كما قال تعالى : (لتبلون في أموالكم وانفسكم ) (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التى جعل الله لكم قيما).

والغرض من هذا التكليف تدبير مال الله ، والانتفاع به حتى تصبح للملكية وظيفة اجتماعية يظهر آثارها في تطبيق تكاليف ايجابية أوجبها الدين على الناس:

١ - وجوب استثمار المال اذا كان المال من مصادر الانتاج.

٢ - الزكاة وغيرها من الاداءات التى تجب بحسب المصلحة .

٣ - الانفاق في سبيل الله الالزامي في أصله الاختيارى في نطاقه .

٤ - الانفاق في سبيل الله بمعنى ترويج المال واستعماله في الخدمات العامة.

ملكية الارض

الارض اما زراعية أو أرض بناء .

فالارض الزراعية يصح امتلاكها لمن يحرثها ، ومن أحيا ارضا مواتا فهى له . . ولا يجوز اهمال الارض ، فاذا لم يستطع صاحب الارض أن يقوم بحراثة أرضه فعليه أن يتركها لغيره من المواطنين القادرين على احيائها ولا يصح له اكراؤها سواء بمال ثابت أم ببعض ما يخرج منها ، لأن القاعدة الشرعية ان الغنم بالغرم . . فاذا لم يشتغل فى الارض واكتفى باكرائها فانه يكون قد ضمن لنفسه الغنم ، نجح الحرث أو لم ينجح ، بينما يبقى على المكترى الغرم ، وقد ثبت فى حديث البخارى (ج ٣ ص ٢١٧ ): (من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فان أبى فليمسك أرضه ).

ومن طريق رافع بن خديج عن ابن عمر أنه كان يكرى مزارعه فذهب الى رافع بن خديج فسأله فقال رافع : (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ للأرض أجر أو حظ ).

وأرض البناء مباحة التملك فى الاصل ، أما ملكية رأس المال وهو مجموع مدخر

من مجهودات سابقة في صورة مادية قصد استغلالها في استثمار لاحق فهو مباح أيضا (٢)

وبما أن أساس كل اقتصاد هو المال والعمل فقد نظم الاسلام المال على الشكل المذكور وجعل كل غش أو ربا أو انحراف عن قواعد الشريعة فيه ممنوعا ، ودعم ذلك بأن جعل العمل فريضة دينية ، وحده السبب الشرعى فى الحصول على الرزق الحلال ، ولست بحاجة لأن آتي بالأدلة القرآنية والحديثية على وجوب العمل وفضله ، والى جانب ذلك دعا الى صرف الفائض وانفاق ما فضل عن الحاجة في وسائل الانتاج قال تعالى : (يسألونك ماذا ينفقون ؟ قل العفو )أى الصافي الحلال الفاضل من حاجاتكم.

وقسم التركة على الأقرباء من ذوى الفروض والعصبة في الميراث ليتفتت ما عسى أن يكون قد تراكم من ثراء وغنى في يد واحدة .

وتلك هي الأصول التى يقوم عليها المذهب الاسلامي المتعادل في الاقتصاد . وهي التعاليم الاسلامية التى كونت الانطلاقة الاسلامية في طريق التنمية الاقتصادية على أسس من التوزيع المتعادل للثروة القائم على العمل وعلى الاحسان .

وفي العهد النبوي طبقت هذه الأحكام بصفة وجدانية لا انحراف فيها ، وأصبح المجتمع الاسلامى يتدحرج في طريق الازدهار والرخاء وكان للغنائم أثرها الكبير في تمويل الخدمات التى ظل المسلمون يقومون بها ، كما ان الامن العام ووحدة النظام سهلا طريق التجارة وأعانا على ازدهارها ، وهكذا

تكون في الوسط الاسلامى الجديد جو من الرخاء لم يكن له مثيل من قبل .

ومع وجود أغنياء متسعى الثروة فانهم كانوا أداة تنمية اقتصادية واجتماعية بما يؤدونه من زكاة وما ينفقونه من مال عن طريق الاختيار فى تجهيز الغزوات واقامة الاوقاف والخدمات النافعة .

وكانت السياسة النبوية متجهة الى توسيع دائرة الامة الاسلامية نحو الروم وفارس والشرق الاوسط كنقطة انطلاق لفتوحات الاسلام وما تحمله معها من اصلاح شامل وعوامل تنمية مجدية ، وتجلت هذه الرغبة في غزوة تبوك التى وجهها الرسول لمحاربة الروم الذين تحدث عنهم أنهم يريدون الهجوم على المسلمين ، ولكن لم يتم ذلك فلم تكن حرب .

وتوفي الرسول وقد جهز جيش أسامة لفتح الشام وما وراءها . . وتلك كانت الانطلاقة العظيمة خارج دار الاسلام ، لنشر التوحيد واقامة النظام الاسلامي ومحاربة الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونهما في سبيل الله .

مرحلة الفتوحات الاسلامية

واصل الخليفة الاول تطبيق التعاليم النبوية كما تقتضيه مقاصد الاسلام ومصالح الامة ، وأعظم دليل على ذكائه وقوته محافظته على نقطتين عظيمتي الأهمية .

الاولى : الزكاة ، فلم يفرق بينها وبين الصلاة وقاوم المرتدين الذين رفضوا أداءها ، والزكاة في الاسلام ليست عبادة فقط ولكن وسيلة اجبارية لتحقيق الضمان الاجتماعى الشامل لكل طبقات المجتمع الاسلامي.

والثانية : توجيه جيش أسامة الى الوجهة

التى أرادها الرسول . لأن مهمة الرسالة وخلفائها هي نشر الدعوة وتحقيق الاصلاح العام وتوحيد البشر في تواجيد الاسلام الدينية واللغوية والاجتماعية والاقتصادية على كلمة سواء ، وفي دولة موحدة العقيدة والمذهب والنظام والقانون ، قوامها : الاخاء والحرية والمساواة في الحقوق والواجبات .

واستمر خلفاء الاسلام الراشدون في الفتوحات المتوالية ، ولم يوقفها انتقال الحكم من نظام الخلافة إلى نظام الملك في العصرين الأموى والعباسى.

ولم يقتصر أثر الفتوح الاسلامية في القرن السابع والثامن على مجرد انشاء أمبراطورية واسعة امتدت من المحيط الهندى الى المحيط الاطلسي ولكنها أقامت من كافة البلاد المفتوحة التى كانت الى ذلك الحين تتبع مناطق اقتصادية مختلفة وهي بلاد الشرق الساساني ( الفارسي ) والامبراطورية البزنطية أو بلاد الغرب الخاضعة للبرابرة - ملكا اقتصاديا جديدا هو العالم الاسلامي الذي استمر بعد تفكك الخلافة كما استمر العالم الهلينستى بعد تفكك أمبراطورية الإسكندر.

ومنذ القرن الثامن الى القرن الحادي عشر أصبح للعالم الاسلامى سيادة اقتصادية لا شك فيها على الشرق والغرب على حد سواء وترجع هذه السيادة على وجه الخصوص الى امتلاك الذهب والى قيمة النقود الاسلامية التى اعترف لها العالم أجمع (٣)

لقد كانت البلاد التى فتحها المسلمون في هذه الانطلاقة السريعة هى تلك البلاد التى تجمع فيها ذهب العالم وهي ( ما وراء

النهرين وايران الخاضعتان لآل ساسان) والبلاد التى تمتص الذهب ( مصر وسوريا) الخاضعتان للبزنطيين .

وكانت أولى نتائج الفتح الاسلامى:

أولا - اعادة هذه الاموال المكتنزة في الكنائس المسيحية والقصور الفارسية إلى التداول النقدى تفسيرا لمقتضيات الآية : ( يا أيها الذين آمنوا ان كثيرا من الأحبار والرهبان . . الخ . . ) أى تنفيذا للمبدأ الاساسى الذى هو وجوب ترويج المال والمعادن الثمينة وعدم تجميدها ذلك الترويج الذي هو أساس حسن التوزيع والتنمية .

ثانيا - تطبيق مبدأ احتكار الدولة للمصرفية بما فيها من صك النقود وخزنها وخلق النقود الائتمانية .

يقول موريس لومبار : ان الفتوح الاسلامية التى أعادت الى التداول الذهب الذي تجمع فى كنوز الشرق واستولت على ذهب السودان تحتل فى التاريخ النقدى بل في تاريخ العالم الاقتصادى مكانة وسطا بين فتوح الاسكندر التى فتحت كنوز الفرس ومناجم آسيا للعالم اليونانى ، وبين الفتوح الاسبانية التى جلبت الذهب والفضة من أمريكا إلى العالم القديم (٤) اسكندر .

ويقول لومبار ايضا ان القرنين السابع والثامن هما فترة الفتح أى الغنائم.

والقرنان : الثامن والتاسع هما فترة التنظيم الاداري أى عودة المعادن الثمينة التى تجمعت فى كنوز الكنائس الى الدورة النقدية .

والقرنان : التاسع والعاشر هما فترة البحث المنتظم عن الكنوز في مصر ، أى الكشف عن الثروات المخبوءة في القبور الفرعونية.

وان اعادة هذه الكمية الضخمة من الذهب

المكتنزة في الشرقين الأدنى والأوسط على هذا النحو الى التداول تعد من أهم الحقائق في التاريخ الاقتصادى للعصر الوسيط الاول ، وهي بالنسبة الى هذا العصر الذى لم يبلغ فيه الانتاج الذهب الجديد مبلغا كبيرا توازى الكشف عن مناجم جديدة.

ولكن الفتح الاسلامى كان مرحلة حاسمة كذلك فى ميدان استغلال المناجم (٥)

ويصف لومبار كيف اتجهت السيادة والتجارة الاسلاميتان الى كافة البلاد الكبرى المنتجة للذهب سواء في آسية أم أفريقية وتمكنتا من امتصاص انتاجها كلها فاتجهتا الى القوقاز وأرمينية وآسية الوسطى ووادى السند وساحل ملبار الذى يصل اليه ذهب التيبت والدكن والساحل الشرقي لأفريقية التى تصل اليه السفن العربية لشحن الذهب القادم من الداخل ، والى بلاد النوبة وشمال السودان ودنقلة التى هى أهم مراكز تجارة الذهب في السودان.

وأشرف عمال الخليفة في عهد الفاطميين على استخراج الذهب.

ويقول لومبار فيما يخص امتداد السيادة الاسلامية على كل الشمال الافريقى : ان ذلك هيأ للمسلمين الحصول على مورد من أهم الموارد التى غذت التيار الرئيسى للذهب الجديد المتجه الى البحر المتوسط من القرن التاسع الى القرن الحادي عشر ، ألا وهو بلاد السودان ، فبعد أن دخلت الابل في أفريقية الشمالية فى القرن الثاني بعد الميلاد على وجه التقريب رحلت قبائل البربرالتى تقطن الداخل متقدمة صوب الجنوب عبر الصحراء الكبرى ، وأخذت تستولى على الصحراء على مراحل متقاربة ، وأنشأت

الواحات ووطدت الصلات مع أطراف البلاد السودانية . ثم أن فتح المسلمين لبلاد المغرب وبسط سيادتهم على قبائل البربر ، وامتداد تجارتهم الى الجنوب ضم هذه الشبكة من الصلات الصحراوية الى أسواق أفريقية الشمالية وأصبحت سلجماسة التى أسست بأقليم تافيلالت عام ٧٥٧-٧٥٨ م مدينة كبرى من مدن القوافل ، ومرسى المتاجر السودانية ترحل منها في كل خريف ( قافلة الذهب ) وفي القرن العاشر بلغ دخل بيت المال من الضرائب المفروضة على الواردات السودانية أربعمائة ألف دينار فى السنة.

ولم تلبث أن قامت بالاضافة الى هذا الخط الغربى المار بسلجماسة وتيشيت والسودان علاقات أخرى امتدت من ورجلة الى منحنى النيجر مارة بتيديكلت ، وفي الشرق قامت كذلك الطرق التى وصلت ما بين الجريد وطرابلس من ناحية وغدامس وعاير والسودان من ناحية أخرى ، هذه هي الطرق الصحراوية الثلاثة للذهب .

وقد قام صراع عنيف في سبيل السيادة على أطراف هذه الطرق بين مختلف دول الغرب الاسلامى ، وبعد هذا الصراع بمثابة المرشد الذى يهدينا وسط التاريخ المضطرب لشمال أفريقية في العصر الوسيط ، ففي القرن التاسع كان الامويون فى قرطبة قد ضمنوا تقريبا تبعية أسرات البربر الصغيرة في غرب بلاد المغرب وولاء الرستميين في تاهرت الذين امتد سلطانهم أو نفوذهم من جبل نفوسة حتى سلمجاسة عن طريق ورجلة أى أنهم كانوا في واقع الأمر يتحكمون في منافذ الطرق الصحراوية كلها ، ولكن الفاطميين في السنين الأولى من القرن العاشر بعد أن استولوا على أفريقية والجريد وطرابلس قضوا على امارة تهرت واحتلوا

سلجماسة فأصبحوا سادة طرق الذهب كلها وقتا ما ، مما هيأ لهم انشاء احتياطي ضخم من المعدن النفيس لاتمام مشروعهم الكبير وهو غزو مصر ، وخصصوا مبالغ ضخمة لدعايتهم فى وادى النيل .

وفي أثناء غزوتهم الأخيرة المظفرة حملوا معهم الى مصر ألف حمل من الذهب لنفقات اقامتهم الاولى .

ومنذ ذلك الحين غزت السوق المصرية الدنانير المغربية التى أعجب بها في القرن التالي الرحالة الفارسي ناصر خسرو .

وفي أثناء القرن العاشر تمكن الأمويون من استعادة الاشراف على الطريق الصحراوى الغربى وظل الفاطميون أصحاب السلطان على الطريقين الشرقيين ، وتفرع مجرى الذهب السودانى الى فرعين وهذا هو أوج خلافة قرطبة في الغرب ، وأوج خلافة القاهرة في الشرق .

وفي القرن الحادي عشر امتدت فتوح المرابطين على طول الطريق الغربى للذهب من السودان الى مراكش ثم الى أسبانيا .

وقد ظل المرابطون على صلة وثيقة بأطراف البلاد السودانية فاستطاعوا أن يسكوا كميات ضخمة من عملتهم الذهبية الجميلة المعروفة بالمرابطية ، والتي ظلت بلاد الغرب المسيحى تتنازع عليها الى اليوم الذي وصلت فيه السفن الايطالية إلى المرسى الكبير لتتمون مباشرة من الذهب السودانى الجديد .

وفي تلك الأثناء حدثت في الطرف الآخر من أفريقية الشمالية غزوات بنى هلال لأفريقية فقطعت الطرق التى كانت تمون ملك الفاطميين بالذهب السودانى عن طريق

الصحراء الكبرى الشرقية والجريد وطرابلس . وبذلك فصلت بين مصر والشرق الاسلامى وبين بلاد الذهب السودانية مما كان له أثره في ضعف هذه البلاد وهو ضعف أفاد منه الأتراك ثم الصليبيون .

ومن ناحية اخرى نجد أن الغزوات الهلالية قد عزلت الحوض الغربى للبحر المتوسط عن بقية العالم الاسلامى . وبذلك سهلت المشروعات التجارية التى قامت بها جنوة على شواطئ بلاد البربر كما هيأت لها فى القرن الثاني عشر تحويل ذهب السودان عن طريقه لصالح الغرب المسيحي . الا أنه سواء أكان الذهب الجديد القادم من أفريقيا الغربية متجها الى مصر أم الى أسبانيا ، فانه ظل الى آخر القرن الحادى عشر يصل الى أراض اسلامية .

وعلى ذلك فان اعادة الذهب المكتنز الى التداول ، واستغلال كافة مناجم الذهب القديمة المعروفة في الشرق الاسلامى ، وورود ذهب السودان الى الغرب الاسلامى كلها قد جعلت من المسلمين سادة الذهب الخ . . . ولم تكن هذه الثورة المضادة للكنز ذات أثر اقتصادى واجتماعى فقط ولكنها ساهمت في توجيه المسيحية البرنطية وجهة التحرر من هيمنة الالكيروس وعبادة الصور فبدأت الدولة الروسية تحطم الأيقونات ( ٧٢٦ - ٨٤٢ ) وبذلك عاد جزء كبير من الثروات المتجمعة فى الكنائس والأديرة البزنطية الى التداول ، وحدث فى بيزنطة بعض ما حدث في العالم الاسلامى ، وأثر المثل الذى ضربه الخلفاء من هذه الناحية على سياسة الأباطرة وأنصار تحطيم الأيقونات.

( بقية هذه المحاضرة في العدد القادم ان شاء الله )

اشترك في نشرتنا البريدية