تمهيـــــد
لقد طرحت قضية التراث ومكانته فى البناء الحضارى هذه السنوات بصفة جدية ، أى بعد نكسة حزيران 1967 على وجه التحديد ، التى أعادت للكثير من أبناء الأمة العربية وعيهم المفقود فراحوا يتحسسون وجودهم ويفتحون أعينهم على الحقائق بكـل جرأة وشجـاعة لم يعتادوهمــا زمـن الغيبـوبة والغفلـة و (( السـردكـة )) و (( التفـاحـل )) والتقـادر الوهمى : فتعددت الدراسات واختلفت باختلاف الدارسين وتكونهم ومناهجهم ( 1 ) وتنوعت الاسئلة : ماذا يجب أن نختاره من التراث لنستغله أرضية ضرورية للانطلاق نحو ما تنشده أمتنا من مطامح فى هذا الظرف الدقيق من تاريخها المتأزم ؟
ماذا يجب أن نعي منه وما هى القيم الصالحة لعصرنـا وبالتـالى الجديـرة بالاحياء والبعث حتى لا تصبح شعارات إحياء التراث أشبه ما تكون بقميص عثمـان ؟
على أى نحو يكون التمسك بتراثنا الدينى والثقافى العربى ممسكا لنا من الانهيار والهزيمة ؟
كيف السبيل الى ثقافة قومية أصيلة موائمة بين فكر وارد من الغرب بدونه يفلت منا عصرنا وبين تراثنا الذى بدونه تفلت منا عروبتنا ؟
قد يبدو للكثير ممن اعتادوا شن الحملات البربرية على التراث من أذناب الاستعمار الثقــافي المرددين لشعــارات المنهجيــة والعلمــانية والموضـوعية والهيكلية - وهم عنها غافلون - أن الرجوع الى التـراث نوع من الـردة و الرجعة ودعوة الى التحنط في متاحف الاقدمين بدعوى أن التراث الاسلامي خال من القيم الاخلاقية والثوروية ( ولا يقال ثورية لانها نسبة الى الثور لغة ) الجمالية إذ كانت محاور اهتمام القدامى تدور حول مشكلات دينية مأخوذة من زاوية بعيدة جدا عن المجال الفكرى الذى يتحرك فيه العصر الحاضر ومن يريد العيش فيه ( 1 ) وبدعوى أن القيم والآراء والتيارات الفكرية والـروحية التى حواها تراثنا نشأت في ظروف اجتماعية وفكرية قد تجاوزها الزمان .
لذلك ظلت هذه الاسئلة مطروحة على المثقف العـربى المـؤمن بمسؤولية الكتابة أى تائقا الى تكميل انسانيته بواسطة الحرف المناضل ، وفيا الى مكانة الانسان فى الكون فى نظر الشريعة الاسلامية التى اعتبرته خليفة الله فى الارض ومدعوا الى تحمل مسؤولية الكون والمصير . وفى هذا التيار الفكرى والاخلاقي يمكن أن ندرج الاستاذ مخمد مزالى الذى اختار - فى جرأة المثقفين الحقيقيين - الجمـع بين الالتــزام الفكــرى والالتــزام ولو راجعت مختلـف (( مواقفه )) و (( دراساته )) و (( وجهات نظره )) وغير ذلك من المقالات لأدركت انه شعر عميق الشعـور بخطورة التذبـذب الفكــرى والتخـلف الحضـارى والأخلاقي والروحي ورد أسبابها الى ازمة الأصالة حينا وأزمة المناهج التربوية والثقافية حينا آخر وأزمة التيار الثقافي المنشود طورا ثالثا .
- وضـع المشكـل :
فما هو تصوره - من خلال كتاباته - للثقافة الاصيلة وعلاقتها بالتـراث والمعاصرة وما مكانة نظريته تلك من مختلف المناهج الحديثة والرؤى المختلفة لعدد من المفكرين العرب المعاصرين ؟
سأقتصر على تحليل مفاهيم التراث والاصالة والتفتح - فى هذا المجال - ومقارنة تلك النظرة بموقفين لمفكرين شرقيين هما الدكتور زكى نجيب محمود والدكتور محمد عمارة وبموقف مفكر تونسى وأديب معروف وهو الاستاذ محمود المستعدى ( 1 ) : فما الاصالة عندهم وما هى ميــادين التأصيل وغاياته وما هى طرقه وأدواته ؟ وما هى علاقة الاصالة بالتراث والتفتح ؟
- تعـريـف الأصــالـة :
- لو بحثت عن تحديد الاصالة تحديدا لغويـا أو اصطلاحيا فيما كتب الاستاذ مزالى لما ألفيته بل كثيرا ما تجدها بمنزلة الوصف والنعت بمظـاهر النشاط البشرى إذ يحدد لك فى مقدمة كتاب مواقف ( 2 ) :
(( الكاتب الاصيل يتخذ دائما موقفا دون مواربة وفي غير التواء لانه يؤمن بقدرة الارادة البشرية على تغيير الواقع ولانه لا يكفر بشئ كفـره بأسطورة حتمية التاريخ وترديد بعضهم لمأساة الانسان فى عالم تدير شـؤونه قوى ماورائية عمياء أو نواميس اقتصادية ومادية قاهرة . . . ولانه يأبى أن يعوى مع العاوين إذ هو يرفض مجتمع الذئاب ويأبى أن يهتف مع الهـاتفين لانه يحقر المنافقين ويرفض أن يصمت مع الصامتين ، لان الصمت ليس دائما من ذهب ، بل قد يكون رصاصا يثقل فيميت )) . ويعرف الكاتب التعليم الاصيل أنه تعليم غير منفصل (( عن بيئة التلاميذ وحضارتهم أو متنكر لمقومات الامة التى ينتسبون اليها والأرض التى يحيون على أديمها والشعب الذي يتضامنون معه فى الحال والاستقبال )) ( 3 ) .
فالأصالة عنده من خلال النعوت - وإن ابتعدت عن التعريفات المعجمية وعن التحديدات العلمانية المحنطة فكانت وصفا حيا لمجموعة من المفاهيم - ترتكز على جملة المعطيات الاساسية ويمكن تجسيمها على صعيد التربية والتعليم باعتباره المجال العملي لبعث أنماط التفكير وخلق التيـارات الروحـية والاخلاقية على مستوى المتعلمين .
ألم يطالب الاستاذ مزالى بضرورة خلق تيار قومى إرادى يكون متحـررا من المذاهب الفكرية المستوردة ومن القوالب الجاهزة بل عدوانا عليها ، حينما يقول (( ولعل خلق تيار قومى إرادى يصبح ميسورا اذا ما أقدمنـا على مراجعة فلسفة التربية والتعليم واتجاه وسائل الاعلام والتثقيف الجماهيري وأعدنا النظر في محتواهما واتفقنا على سلم قيم روحية وحضارية واجتماعية تكون بمثابة الجذع المشترك والمرجع الوجودى الذى يشدنا بعضنا الى بعض ويضمن وفاءنا لذاتنا الفردية والقومية وطموحنا الى الغد المشرق )) ( 1 ) .
أما عن محتوى هذا التيار فقد ضبطه تحت محور خصائص الأمة التونسية في خمس نقاط تتمثل فى الروحانيات التى نستمدها من الشرق ، وفى التفاعل مع روح البحر المتوسط وفى اللغة العربية كوطن عقلي وإطار وحدانى ، وفي التاريخ القومى المتميز ، وفى المطمح المشترك وهو تحرير الانسان من كافة القيود المادية والمعنوية )) ( 2 ) .
- علاقتها بالتونسة والتعريب :
كما ضبط علاقة مفهوم الأصالة بمفهومى التونسة والتعريب باعتبارهما اداتي تأصيل ومظهرى تجذير للثقافة القومية . فلم يعتبر التونسة انفصـالا عن العروبة وبعدا عن الاخلاص اليها بل (( هي روح قبل كل شئ ووفاء للذات وعمل لخلق شباب تونسي مؤمن بمقومات أمته التونسية )) كما أنها لا تعنى ايضا الانغلاق على النفس ولا الادبار عن العـالم المتمــدن والوفـاء للثقـافة البشرية ( 3 ) )) وهي أيضا عمل بسيكولوجى لا قانوني ولا مادى ، وتقتضى بالضرورة التمسك باللغة العربية كأداة تعلم وتعليم ولكن لا يعنى حذف اللغات الاجنبية بل ينبغي التفتح عليها على قاعدة الاخذ على قدر العطاء حتى لا يمسى التفتح انفتاحا ، وشتان بين التفتح والانفتاح .
- الأصــالــة والتــراث :
وتفرض الأصالة فى نظر الكاتب الاستناد الى التراث الفكرى والاخلاقي والسياسي والجمالى الذى يكون الارضية الثقافية ومنها يجب الانطلاق للبناء
والابداع - لكن هذا الاستناد لا يجب ان يمسى ضربا من ضروب التحنط فى مخابر الماضين والغوص حتى الذقن فى محـاور اهتمامـاتهم التى تجاوزتهــا أحداث التاريخ فى أغلب الاحيان .
ولئن اعترف المؤلف - فى موضوعية الباحثين - بخلو التراث العربي من تقاليد عريقة فى المسرح والقصة مثلا فانه لا يقبل التنكر لهذا التراث ، ويطالب كل مثقف نزيه محترم لنفسه بالاطلاع على تـراثه اطلاعـا شـاملا وبالتضلع في اللغة العربية كشرطين من شروط الأصالة وحرصا على اجتناب التقليد الاعمى والذوبان فى الغير .
كما ينكر بشدة حجج متزعمي الثورية فى الادب وهم الذين يعتقدون أن من شروط الأدب الأصيل طلاق الماضى لانه فى نظرهم مـاضى الظلم والجـور والتفاوت الاجتماعى إذ يجيبهم بقوله ( 1 ) : (( وهذا خطأ لان التنكر للماضى هو تضحية بجـانب حى منـك فأنت متكون من مـاض وحـاضر ومستقبـل ومستقبلك هو المـاضى ، لأن ماضيك - أحببت أم كرهت - هو الذي يكيف مستقبلك )) .
- مقارنة بينه وبين المسعدى :
فالأصالة عنده ليست تبركا بالماضى وانغلاقا في الحاضر على التـيارات الفكرية والفلسفية والدينية المعاصرة ، وليست انفتاحا عليها وانبطاحا لها بل هى مزج عجيب بين معطيات التراث وقيم الحاضر لاستشراف المستقبل أى الابداع والخلق والابتكار .
وهو عين الغرض الذي ذهب اليه الاستاذ محمود المسعدى ( 2 ) محددا الأصالة فى ملتقى ثقافى منعقد بسوريا مع فرق فى العبارة اذ يقول : (( الأصالة هي أن تقيم الدليل على انك قادر على إضافة حلقة جديدة قيمة طـريفة لســابق حلقات ثقافتك وحضارتك وعلى أن عبقريتك أو عبقرية أمتك لا تزال قادرة على إنجاب غزالى حديث أو ابن خلدون جديد يفتح فتحا علميا آخر أو شعراء محدثين يستنبطون أنغاما شعرية جديدة كالذين استنبطوا قبلهم الموشحات ولا يكتفون بنقل طريقة الشعر الحر عن الغير )) .
والفرق بين النظرتين فى تحديد الاصالة يتجاوز العبـارة للمحتـوى ألا نلاحظ بالقياس الى عمق نظرة مزالى فى تعريف الاصالة ودورها فى البنـاء الحضارى ومناهج التأصيل وميـادينه وأبعـاده التـربوية والاجتمـاعية فى أسلوب منهجى متماسك المقدمات موحدها بساطة تحليل المسعـدى لهذه الظاهرة جاعلا من مفهوم الأصالة مرادفا فى الـواقع لمفهوم الطرافة مهمـلا الطرق العملية للوصول اليها وأدوات تجسيمها وميادين تطبيقها ؟
فلم يقف محمد مزالي من قضية الأصالة عند حد المستوى النظـرى كمـا فعل المسعدى بل قدم اقتراحات عملية فى مجال التأصيل معتبرا أن التربية والتعليم والاعلام وسائل لتكييف الذهنيات وخلق انماط السلوك والتفكير .
- مقارنة بين نظرته الى التراث ونظرة زكى نجيب محمود ( 1 ) ومحمد عمارة ( 2 ) :
و لو قارنا نظرته الى التراث برؤى غيره من المفكرين المشـارقة الـذين تعرضوا للقضية لألفيناه متفقا معهم فى ضرورة احيـاء الجـوانب الانسانيـة الخالدة من التراث بدون تعصب وانتقاء الصفحات المجيدة الممجدة للشـورى والنضال البطولي والمقاومة الشعبية لموجات الغزو ، وللتحـرر من سلطـان الهوى والمؤمنة بحرية الفرد ومسؤليته والحاوية لعقلانية السلـف وللمواقـف الاخلاقية الملحمية ، والمتضمنة للتفكير العلمي والاقتصادى والسياسي الـذى قد يساعدنا - على بعد الزمن - على تجاوز الحاضر وصنع المستقبل ، فيصبح حينذاك طاقة وأداة للتقدم تنضاف الى (( طاقات أمتنا فى معركتها من أجل التقدم )) على حد تعبير محمد عمارة .
لكنه يختلف معهما فى مفهومهما للتراث المتمثل فى التيارات الفكـرية والمذاهب والفرق والفلسفات اذ يحصرانه أولا فى الجانب الفكرى والفلسفي مهملين جوانب الثقافة الاخرى ومقتصرين ثانيا - لاسباب عقائدية مذهبية معروفة لايمانهما بالوحدة العربية والقومية - على التراث العربى الاسلامى مساندين بذلك التعريف التقليدى للتراث عند ابن منظور وابن فـارس
اللغوي والفيروزابادى اذ عرفوا التراث بـ (( أن يكون الشئ لقوم تم يصير الى آخرين بنسب أو سبب )) ( 1 ) .
أما الاستاذ مزالى فانه يعطى للتراث بعدا انسانيا متجاوزا بذلك البعد العربي الاسلامي وفاء لمذهبه الفكرى والنسق الاخلاقى الانسانى ( Humaniste ) الذى كان محور عمله وغايته الاولى .
فلا فرق عنده بين أبي حامد الغزالي وشكله أو بين ابن خلدون وفلسفتـه الاجتماعية أو بن مالثوس ورأيه فى تحديد النسل أو بين ماركس ومنهجـه بصرف النظر عن انتمائهم الى الاوطان واللغات والاجناس والمعتقدات ، بل على من رام الأصالة الاستناد الى تراث الانسانية وانتقاء ما يتماشى ومقتضيات الحالة شريطة عدم الذوبان وترك التبرك ورفض التقليد .
- تســاؤل :
ولكن ما يثير الانتباه هو بناء الاستاذ مزالى نظرية الأصـالة على أساس طريف من التراث والمعاصرة فى نطاق خلق تيار قومى قد يبـاعد بينه وبين غيره من التيارات القومية فى البلاد العربية الاخرى ويعمق البعد بينهـا ، مما جعل الرؤى الفكرية يبتعـد بعضهـا عن بعض فتمسى الثقافـات متبـاينة و مطامح التوحيـد العـربى فى عـالم التكتـلات - حتى على صعيـد الثقافة مستحيلا - .
تلك هي القضية التى أردت إثارتها وهى لعمري مساهمة فى حوار يجب أن بتواصل بصفة مباشرة أو غير مباشرة كالحوار الذى دار بين كتابة الاستاذ مز الى وغيره من المفكرين المعاصرين بما فيه من طرافة الاتفاق والاختلاف .
آخر دعوانا أن (( لكل مثقف ما سعى )) ( 2 ) .

