الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

الاصالة ودورها في البناء الحضاري

Share

1 ) المقــدمــة :

لئن كثر الحديث في عصرنـا الحـالي عن عـالم يعد متقدمـا فى الميـدان   الاقتصادى وعالم آخر يتعثر فى محاولاته المتكررة للحـاق بالعـالم الاول فان   الحديث عن التبعية الثقافية ليس أقل أهمية نظرا لما نعلمه ونلاحظه من ترابط   بين الاقتصاد والثقافة . فمنذ دخول العالم العربي الاسلامى عصـر النهضـة   اصبحت مجتمعاته تتمزق بين نزعتين متضاربتين فى الثقافة احداهما سلفية   تدعو الى العودة للسلف الصالح للتمسك بسيرته والاقتداء بها وغلق الاعيـن   عن سواها والثانية لائيكية متعاصرة تدعو الى ترك كل القيم السالفة والاقبال   على أسباب الحضارة والتقدم التى ظهرت فى الغرب . وكان التوفيق بين هاتين   النزعتين عسيرا ان لم نقل مستحيلا لما فى كل منهما من تطرف .

    وها اننا اليوم في أواخر القرن العشرين والمشكل نفسه تقريبا لا يـزال   قائم الذات يدعونا الى ان نعرف بأنفسنا ونحدد أهدافنا فيطلب بعضنـا ان   يكون أصيلا ويستنجد بعضنا الآخر بالتفتح على الحضارات الغربية ويحـاول   اخرون جادين التوفيق بين الاصالة والتفتح دون ان يروا فى ذلك تصادمـا   أو تضاربـا .

    ولم يخف مشكل ( الاصالة ودورها فى البناء الحضاري ) عن الاستاذ محمد   مزالى ولم يخشه وانما درسه دراسات اوحاها له فكره من ناحية وتجربته من   ناحية أخرى ووقف مواقف بينت وجهات نظره فيه وانعكس كل هـذا فيمـا   كتبه من مقالات قديما وحديثا وجمعها فى كتبـه الاربعـة التى صـدر أولهـا   وهو من وحي الفكر سنة 1969 وثانيها مواقف سنة 1973 وثالثها دراسـات   سنة 1974 ورابعها وجهات نظر سنة 1975 .

     فما هى - انطلاقا مما كتبه الاستاذ مزالى أو قـاله ثم كتبـه - مقومـات    الاصالة ؟ وفيم تتمثل الازمة الحضارية ؟ وما هو دور الاصـالة حـاضرا   ومستقبـلا ؟ .

2 ) مقـومــات الاصــالـة :

  الاصالة لغة مصدر لاصل يأصل أى كان له اصل أو رسخ أصله أو كان   من أصل شريف فهو أصيل ، وتأصـل صـار ذا أصـل وأصـل كل شئ   اسفله . فهل تعنى الاصالة الثقافية عند هذا المفكر أن يعود المـرء الى منبـع   الثقافة العربية الاسلامية أو منبع الثقافة التونسية التى تعتبر عصارة حضارات   عديدة متعددة ؟ ان كنت لم أعثر شخصيا على تعريف للاصالة قائم بذاته فـى   مقالات الاستاذ مزالى فانى وجدت مشتقات هذه اللفظة مقترنة بألفاظ  شبـه   اصطلاحية هى خاصة التونسة  والانغلاق  والتجذر  والتفتح فيصـرح السيـد   محمد مزالي ص 117 من دراسات بأن ( غايتنا هى خلق أجيال تونسية نريدها   متأصلة فى بيئتها ونريدها معتزة بكونها تونسية مشدودة الى تاريخها البعيد   والقريب )  .

     وهل يعنى الاعتزاز بالشخصية التونسية رفضا لمبدإ الاتصـال بالعروبـة    والانتماء لها هذا ما يوضحه لنا الاستاذ مزالى ص 37 من مواقف ( ان التونسة    لا تعنى الانفصال عن العروبة ولا تتنافى مع محبتها والاخـلاص لتراثهـا و لا    أقصد بها التملص من مشكل التعريب وانما التونسة روح قبل كل شئ ووفاء    للذات وعمل لخلق شباب تونسى مؤمن بمقومات أمتـه الاسـاسية : الـدين    الاسلامي والحضارة الاسلامية واللغة العربية والتاريخ القومى ) .

    بما ان الاصالة ليست اذن رفضا للشخصية العـربية الاسـلامية بل هى   تمسك بها ويمقوماتها فلا بد ان تكون رفضا للذوبان فى شخصية اخرى غير   الشخصية العربية اذ ان الاصالة رد فعل يلجأ اليه المرء عند الشعـور بخطر   الذوبان بداهمة ، ويوضح لنا الاستاذ مزالى ذلك قائلا ص 119 من دراسات   ( ان الانغلاق على النفس لم يكن ولا يمكن ان يكون . ان الاهم قد يكون فى الحاضر   التأصل والتحذر حتى لا نتيه فى مجارى الاهواء . . . والواقع ان الاصالة   التى ننادى بها تقتضى التفتح على العلوم والفنـون والتكنولوجيـا واللغاـت   الحية ) فالاصالة هي اذن اعتزاز بالدين الاسلامى والحضارة الاسلامية واللغة   العربية والتاريخ القومي وهي ايضا تفتح على العلوم الصحيحة التى تطـورت   ولا تزال عند الغربيين والتفتح ايضا على اللغات الحية كوسسائل توصل الينـا   هذه العلوم .

    ويبدو ان تعريفا مثل هذا يؤكد على التمسك بما مضى والوفاء له والتفتح    على ما يوجد عند الغير لأستهلاكه لا يبعث على الامل فى المستقبل كثيرا اذ ان

 الحاضر يتحدانا والمستقبل سيتحدانا اكثر ان نحن بقينا مجرد محـافظين او    مستهلكين ولم نسع الى الخلق سعيا حثيثا .

3 ) الازمـة الحضــاريـة :

   الحديث عن الاصالة هو نتيجة لوضع متأزم يعيشه ابناء العالم الثالث بصفة   عامة وابناء الحضارة العربية الاسلامية بصفة خاصة لشعورهم أو شعور بعضهم   بأنهم كانوا فى وقت من الاوقات روادا للحضارات فى العالم واصبحوا اليـوم   مجرد متفرجين فى أمم غربية تتصارع احيانا وتتعاون أخرى ليكون لها سهـم   السبق فى درجات التقدم الحضارى .

   ونجم عن هذا الوضع اقبال على ثقافات متنوعة متعددة تهـدد المجتمعـات   العربية بالتفكك وقد اشار الاستاذ مزالى الى ذلك بقوله : ص 109 دراسـات   ( فهناك المشكلة الثقافية مثلا ومن أهم مظاهرها تعدد الثقافات . . . فوجـود   ثلاث ثقافات متباينة يؤدى الى قومية مضطربة المشارب . . . متضاربة الاهداف   مشوهة ممسوخة ) ولم يفته الشعور بخطر هذه الحالة على المجتمعات فأكد على   ذلك بقوله ( واذا نحن حللنا هذا الواقع الثقافي أكثر مما فعلنا وجدناه سببا   لامراض اجتماعية كثيرة وناتجا هو نفسه عن أسباب سياسية واقتصادية )  .

  أصبح العربى اذن يعيش مأساة يتمزق فيها من التشبث بالاصل تشبثـا   كليا والاندماج فى كل ما ينعت بالمعاصرة اندماجا كليا ويتذبذب أحيانـا بين   هذا وذاك دون ان يعلم ايهما يضمن له النجاح ونلاحظ آثار هذه المأساة عندنا   فى تونس على مستويين . يتمثل الاول فى الاحتشام من المقومـات الحضارية   الاصيلة باسم المعـاصرة والتحضر والاعتزاز بمـا يوجـد عنـد اشقائنـا   الشرقيين من ادباء او ساسة او مفكرين . وقد ابدى الاستاذ مزالى رأيه في   بعض هذه المشكلة بقوله ص 118 من دراسات ( نجد انفسنـا بازاء بعض   العقليات والمفاهيم الغالطة . . . البعض يبالغ فى التقليد ويستحى من المقومات   القومية باسم مواكبة العصر وانا شخصيا ارى انه ينبغى مواكبـة العصر اذا   اخترنا الحياة لكن يجب الحذر من المفاهيم الغالطة مثل تصور البعض للتفتح و   عندهم انفتاح كأن تونس انغلقت على نفسها فى يوم من الايام )  .

    الوضع اخطر من ان يتصوره الانسان فى الظاهر اذ اننا اصبحنا نعيش وضعا     شبيها بالوضع الذى عرفته الحضارة الاسلامية فى العهد العباسي الذي طغت

فيه النزعة الشعوبية والتعلق بالفارسي المتحضر مع نبذ العربى البدوى لكن   ان كان ذلك الوضع قد خدم الحضارة الاسلامية لانها قدرت على هضم الحضارة   الفارسية لاستغلال العلوم التى نقلتها عن الاغريق وغيرهم والتقدم بها شوطا   لا بأس به ، فان وضعنا اليوم لم يثمر ولا يمكن أن يثمر ما دمنـا لـم نشعـر   بخطورته ولم نسع لحله لاننا فى وضع المغلوب اقتصاديا وعسكريا وثقافيا فى   حين كان العرب متغلبين عسكريا وان كانوا مغلوبين فى البداية حضاريا .

   وقد تولدت عن هذا الوضع ازمة فى الانتاج الادبى فاصبـح العربى يبحث   عن التحرر شكلا ومضمونا باسم رفض الماضى عنوان التأخر ، أو الاقبال على   ما يوجد عند الآخر المتقدم . واصبح الاديب او المفكر ينتـج لمجتمـع عليه ان   يراعي اهواءه فلا يكتب له درس اخلاق لانه فى عزوف عن الوعظ والارشاد و لا   يكتب له شعرا عروضيا لانه لا يتماشى وذوقه وامكانياته التى لا تسعفه بفهمه   وهو الحل الاسهل بالنسبة لكل من الاديب المنتج والمجتمـع المستهلـك الا ان   الطريق السهل يبتعد عن المشكل ولا يحله .

 4 ) دور الاصــالـة :

    ولا ينادى المرء بالاصالة الا لانه يرى ويؤمن انها قـادرة على حل الازمـة   الثقافية . ففيم يتجسد دورها ؟ ان اداة الناجعة لنشر الثقافة هي المـدرسة   لذلك تفرض الاصالة نفسها على صعيد التربية والتعليم قبل كل ميدان آخر   وشهدنا فى الماضى اختلافـا بين برامـج التعليم فى الزيتـونة والصـادقية   والخلدونية وغيرها من المدارس العربية الفرنسية وادى هذا الاختلاف الى   وجود ثقافات متعددة رمى المستعمر من ورائها الى قطـع الصلـة بين المثقـف   والمثقف والجاهل ولكن كانت عكس ذلك وهو ما يفسره الاستاذ مزالي بقوله   ص 272 من دراسات : ( فهذا التعليم عربي اسلامي قومى لا ينقصه شئ فـي   الظاهر فاذا حللت برامجه الفيته غير منسجم مع الواقع ولا ملائما للحياة ولا معينا   على تكوين الشباب الذي نريد . . . وهناك التعليم المدرسي الذي يـدعى انه   اخذ باسباب الحياة وامتاز بالجدة الا انه لا يخلو في الحقيقة من سموم ينفثهـا   فى نفسية الشباب فيمسخه فبرامجه مستوردة من الخارج لم يراع فى وضعها   روح الامة فى تونس . . . ان الشباب التونسى لم يمسخ تماما ولا هو انحل   ذلك ان عاملا قويا اثر فيه اعني في الوعى القومى والحركة التحريرية . لذا   تعلق الشباب التونسى بالدين الاسلامى وحضارته وان جهل اركانه وتعلـق

باللغة العربية وان هو لم يحذقها وتعلق ايضا بتاريخ هـذه البـلاد واحيـا   أمجادها وايامها الغر وان لم يحط بها باعتبارها من دعائم الوطن ) .

    ونشهد اليوم اتحادا في برامج التعليم بين مختلف المعاهد وان وجد اختلاف   فهو على أساس التخصص لا على اساس التفرقة ولكن التلاميذ يجدون انفسهم   ايامنا هذه ضحية تفاوت واختلاف فى تكوين أساتذتهم فتختلف بذلك طرق   تدريسهم مختلف المواد او المادة الواحدة احيانا بين سنة دراسية واخرى زد   على ذلك يجدون انفسهم احيانا يدرسون برامج لا تتصل بالواقع من بعيـد أو   قريب وفي بعض الاحيان الاخرى تشوه محتويات البرامج لضعف فى الفهم أو   الغاية من الغايات التى يصعب احصاؤها . لذلك تفرض الاصالة نفسهـا فى   تحوير برامج التعليم كما قال الاستاذ مزالى  ص  274 من دراسات : ( ولا بـد   ان نفكر في تحوير برامج التعليم بأكمله وهذا يقتضينا ان نتعرف على مقومات   الامة التونسية وأخص خصائصها حتى ننشئ اجيالا على غـرار الامـة التى   نريد . . . إن الوقت قد حان لنستقل ثقافيا وذلك لن يكون حتى نوفق الى وضع   النظام التعليمي الملائم لروح هذه الامة فى تمسكها بماضيها الزاهر وفي توقها   الى غدها الباسم ) .

    ونحن نبارك الخطوة التى خطاها التعريب فى بعض مواد التعليم الثانوى أو   العالى ونرجو ان نسير حثيثا نحو تعميمه فى المواد الانسانية خـاصة والمـواد   العلمية متى توفر لها الاطار الكفء الذى يتقدم بتدريس هذه المواد او غيرها   الى الامام ولا يرجع بها الى الوراء بالتحريف والتشذيب لعدم الكفاءة وقد فهم   الاستاذ مزالى ان الظروف ليست كلها سامحة بفرض التعريب او تعميمه دفعة   واحدة لان المنادى به قد يلبس جبة المتعصب المتخلف فحدد مفهوم التعـريب   بالنفي قائلا : ص  37  من مواقف ( التعريب لا يعنـى حـذف اللغـات الاجنبية   وليس هو عمل رجعى ليس كل المنادين به من المتعصبين ولا تعنى الدعوة اليه   العمل به وتعميمه حالا لاننا لسنا من المغامرين او البسطاء )  .

   ولا يمكن ان ننادى بتأصيل التعليم او بتحويره ولا يمكن لنـا ان نبـارك   خطوة من خطواته دون ان نكون على بينة من الاهداف التى نريد أن نصير اليها   فالهدف الاسمى الذى نرمى اليه هو ان نكون الشاب التونسى تكوينا أصيلا   فتعتز بشخصيته التونسية لا بغيرها فلا يستأصل من بيئته ولا ينتـزع من   تاريخه فيخسر نفسه ويخسره قومه ويكون عالة على الغير  .

   والاضواء التى يمكن ان تهدينا الى تكـوين هذه الشخصية التونسيه هى    التى عرف بها الاستاذ مزالى ص 120 و 153 و 270 من دراسات ( فبرنامتج    التعليم . . . هكذا يخلق فى التلاميذ ما ينمى الجرأة أو القـدرة على النقـد   والمناقشة وبالتالي يعينهم على تثبيت اقدامهم وتقوية شخصيتهم ، واذن فالتعليم    الصالح يكون الشباب يعلمهم التمييز ولانه يغـرس فيهم ايضا جملـة من    الصفات الضرورية لتكوين الشخصية . . . يجب الآن ان نضع مثـالا للبنـاء    الذي نريد تشييده ، مثالا نبتغيه صورة لمكانتنا فى المستقبل وشاهدا على    محدثنا وعزتنا وعربونا على مضينا فى طريق الامـم المتحضـرة النيـرة . . .   وصفوة القول ان التربية يجب ان تهدف الى تكوين اجيـال تونسيـة معتـزة    بتونس مؤمنة بتاريخها متعلقة بمقوماتها الروحية اى بدينها وبلغتها ومقبلة   فى نفس الوقت على العلوم واللغات تتمرس بها وتستوحى اسرارهـا وان    رسالتكم كمر بين هى ان تتبينوا المذهب التربـوى الضـامن لتحقيـق هـذه    الغاية ) .

   ترمي هذه الرؤى لمستقبل تكوين الشـاب التونسى الى ربط الصلـة بين   حاضره وماضيه ومستقبله ويعلق الاستاذ مزالى آمالا عريضـة على التربيـة   ورجال التعليم ولكن التربية ورجال التعليم كلاهما يصطدم بمــا يجد عنـد   التلاميذ من تشبث بالماضى يصـدهم عن التفتح على الغـرب أو ما قد يوجد   بينهما من تضارب وهي حالة قليلة التواتر او يصطدم بما يوجد عند التلاميذ   الكثيرين من عزوف عن المقومات القومية وقد ذهب بهـم الظـن الى ان هـذه   المقومات القومية هى التى تسببت فى تأخر بلادهم . اما من اراد ان يوفق بين   الماضي والحاضر مفكرا فى المستقبل وجد نفسه متمزقا بين متناقضات قد  لا   تتلاءم فما هو الانجع يا ترى التفكير فى التأليف بين مـا قـد يتنـاقض من   الحضارات أو التفكير فى خلق كائن جديد نسهـم بها فى الحضارة الانسانية   بصفة عامة .

ر . ب . ح .

اشترك في نشرتنا البريدية