الأغنية هى الأصل فى فن الموسيقى العربية ، لأن شعبنا العربى فى جميع اقطاره يميل منذ الزمان الأول الى الغناء اكثر من ميله الى الموسيقى الخالصة التى تعزفها الآلات غير مصحوبة بالغناء . . وليس هذا عيبا ولا قصورا فى طبيعة الشعب العربى ووجدانه ، فلكل شعب طبيعة ووجدان صنعتهما عوامل تاريخية عميقة ينفرد بها ، ولا احد يستطيع أن يفرض عليه طبيعة ووجدانا من خارج ذاته ، ولا يمكن الغاء الذوق الفنى لشعب من الشعوب فجأة واقناعه بان يتكلف ذوقا آخر يستعيره على علاته ، من هنا أو هناك .
ليس فى مقصودنا أن الشعب العربي ينفر من عزف الآلات الموسيقية ، فان هذا أبعد شئ عن مقصودنا ، وان لنا نحن العرب لتاريخا طويلا فى تذوق عزف الالآت الموسيقية العربية كالعود والناى والقانون والبزق والالآت الاخرى التى استعربت ونطقت بالنغمات العربية كالكمان . ولم تنفصل الاغنية العربية الحضارية قط عن مصاحبة الالآت الموسيقية . . ونشأت حول الاغنية هوامش موسيقية خالصة ، بعضها عزف منفرد ، وبعضها الآخر عزف جماعى اتخذ أسماء فنية مختلفة ، منها ما نعرفه الآن بالبشارف والسماعيات والتحميلات واللونجات وغيرها ...
هذا هو واقع الاغنية العربية - حتى اليوم - قوميا ومحليا . فهى أصل السماع عند الغالبية الكبرى من المستمعين العرب . . يتصل بها العزف منفردا أو جماعيا ، ولا ينفصل عنها الا فى مقطوعات تكاد تكون بجملها الموسيقية وايقاعاتها لونا من الغناء الصامت - ان صح هذا التعبير - ولا تخرج المقطوعات فى تكوينها الاساسى عن " اللازمات " الموسيقية التى تصاحب الاغانى ، الا فى بعض المؤلفات ذات القوالب الفنية المتعارف عليها سماعيا وهى قوالب بسيطة خالية من التراكيب الموسيقية . .
وهذا الواقع فى الاغنية العربية - وخاصة الاغنية القومية - يحاول بعض المتعجلين تغييره فورا ، بل ينادى بعضهم بالغائه ، لانهم يرون أن سيطرة
الاغنية على المستمع العربى تحول دون اهتمامه بالتأليف الموسيقى البحث المستند الى أسس فنية أكثر تركيبا ، على غرار ما نسمعه فى الموسيقى الاوروبية
ولكن منصقى الاغنية العربية يرون أنها ليست هى الحائل دون انتشار التأليف الموسيقى البحث بتركيباته الفنية ، وانما الحائل هو التقليد الحرفى للموسيقى الاوروبية ، ثم محاولة فرض هذا التقليد على ذوق المستمع العربى .
ومشكلة مقلدى الموسيقى الاوربية فى الوطن العربى كلة هى عجزهم عن التأليف بغير الاساليب والاشكال والمفاهيم الاوروبية فى الموسيقى ، لانهم تعلموا هذه الموسيقى مدرسيا وفاتهم ان يتعلموا الموسيقى العربية ، بل فاتهم أن يتذوقوها بلا تعال عليها ولا زراية بها ..
ولو اتيح لهم بناء موسيقى عربية الملامح بقدر الامكان ، ولا نقول " عربية الوجه واليد واللسان " . . لكان خيرا لهم وللمستمع العربى الذى ليس فى الامكان ان يفرض عليه الموسيقون المقلدون موسيقاهم بحذافيرها ، لان له الحق فى رفضها كما أن لهم الحق فى تأليفها . . وقديما قيل : " الذوق شىء ليس فى الكتب " .. ونجتزىء هنا من معانى الذوق المتعددة بالذوق الفنى ، وبخاصة الذوق الموسيقى ، وعلى الاخص ذوق المستمع العربى الذى يحاولون الغاءة بعد بضعة عشر قرنا من الزمان اكسبتة ثباتا هائلا ، وان كان فى جوهرة من أكثر أذواق الشعوب مرونة وتقبلا للجديد والمستحسن من كل ما يرد عليه من انحات العالم بلا استثناء ..
صحيح أن الموسيقى لغة عالمية . ولكن اللغة الواحدة ذات الاصل الواحد والقواعد الراسخة ، ينطقها أهلها انفسهم بلهجات متعددة ، كتعدد أقطارهم وبيئاتهم وظروفهم .. فكيف يصح فى الاذهان ان يقال ان لغة الموسيقى ، يتحتم على الناس جميعا فى كل اصقاع الارض أن يتكلموها بلهجة واحدة ، وحرام على قومية هنا أو قومية هناك أن تكون لها فى الموسيقى لهجة مستقلة وطريق خاص ؟! ..
أليس الاصح أن يقال ان الموسيقى - على طابعها العالمى - لا تضيق بتعدد القوميات فى داخلها ، وانها وان كانت لغة واحدة ، فانها ليست باللغة المصطنعة أو المفتعلة كلغة الاسبرانتو ، لا روح تنبض فيها ، ولا جنسية تنتمى اليها ؟ . .
ان الغناء والموسيقى يغرقهما التجريد الميتافيزيقى ، ويزهقهما البطلان . والاخفاق اذا تجردوا من الطابع القومى والمحلى ، وخلت تعبيراتهما ونغماتهم من الملامح التى يرى فيها كل شعب وجهه ، كما يرى سماء بلاده وماءها وخضرة أرضها وجمال طبيعتها . .
من المفارقات أن الذين هاجموا الاغنية العربية فى الزمن الاخير بوصفها عقبة كؤودا فى طريق التأليف الموسيقى البحث وازدهاره ، أسهموا - على عكس ما أرادوا - فى توسيع نطاق الاستماع والاستمتاع بالاغنية الفردية العربية على المستويين القومى والمحلى ، لان مؤلفاتهم الموسيقية المترفعة عن ملاقاة ذوق المستمع العربى ، تعمدت أن تترفع عن ملاقاته وآثرت أن تتحدى هذا المستمع المتواضع المتطلع دائما الى الجديد ، المستعد فى كل وقت للتذوق والتفهم والتصفيق لما يستحسنه ويستطيبه .
ومع ذلك فان الاتجاه السائد الآن فى غالبية الاوساط الموسيقية المصرية . والعربية المتصلة بالمستمعين اتصالا مباشرا وثيقا ، هو الاعتراف بضرورة تطوير مفهومنا للغناء والموسيقى بوجه عام ، وما يترتب على تطويرهما شكلا ومضمونا من خطوات فنية بصيرة لا تتخبط ولا ترتطم بالتقليد الحرفى ، فالشعب العربى فى يقظته الحديثة لم يعد يغض الطرف عما فى التأليف الموسيقى الخالص كالسيمفونيات مثلا من آفاق رحبة ، بشرط أن تكون المؤلفات الموسيقية متفقة والذوق العربى ، غير متعاليه عليه ، ولا متأفقة من عدم استجابته لما لا يرضى عنه .
ومن المستطاع فى هذا المجال تأليف موسيقى عرضة الذوق والوجدان قائمة على أسس الموسيقى الاوروبية أو " العالمية " - على حسب التعبير المتداول . ومن الواجب تأليف موسيقى عربية قائمة على السلالم الموسيقية العربية ، مستغنية بتكتيك الموسيقى الاوروبية فى الحدود المناسبة التى لا تؤثر فى جوهر الموسيقى العربية والغناء العربى ، فان سلم الموسيقى العربية المنقسم الى اربعة وعشرين قسما قد تعددت طرق استخدامه من عصر الى عصر ولكنه لبث دائما محتفظا بقياس تردد الاصوات الموسيقية العربية التى يتذوقها العرب على المستوى القومى أو المستوى المحلى ..
ولو صدقت النيات والجهود فى هذا الاتجاه لتحولت الموسيقى العوبية - بفرعيها الغنائى والآلى البحث - الى موسيقى عالمية ذات كيان خاص ، بجانب الموسيقى الاوروبية التى أصبحت عالمية بفضل سعة جمهورها الذى استغرقته
اساليبها قرونا متوالية ، وبفضل غلبة أصحاب هذه الموسيقى على الشعوب الاخرى ومن بينها الشعوب العربية فى الماضى " فكان من الاسباب التى لا يمكن انكارها - حيث التحدث عن غلبة الموسيقى الاوروبية - ما ذكره ابن خلدون من قوله الشهير عن تقليد المغلوبين للغالب ..
ومن حسن الطالع أن اشهر وابرع العاملين فى الغناء العربى والموسيقى العربية الآن كعبد الوهاب والسنباطى والرحبانية ، فضلا عن أم كلثوم ، لا تغيب عنهم هذه الحقائق وقد ساير انتاجهم الفنى تمسك الشعب العربى فى غالبيته بالغناء العربى والموسيقى العربية وما يمتازان به من خصائص فنية رئيسية مثل السلم الموسيقى وتركيب المقامات وكسور الاصوات التى اشتهرت بارباع الاصوات - وحقيقة ربع الصوت هنا هى ثلاثة ارباع الصوت وما الى ذلك من خصائص تتشكل على اساسها الاغنية العربية القومية والمحلية ويقوم كيان متطور خاص لهما ، يطرق باب " العالمية " ويدخله حين تصبح وراءه أمة متحدة متطورة قوية ذات صوت مسموع فى العالم ..
نشأة الاغنية العربية :
نشأت الاغنية العربية نشأة خاصة ، فهى لم تنشأ تراتيل جماعية فى المعابد كالأغنية الاوروبية مثلا . . . وما زال مؤرخو الأغنية العربية يبحثون عن تاريخ ميلادها . وبعضهم يرد ميلادها الى ثلاثة آلاف سنة مضت ، عندما كانت القبائل العربية تتبلور فى الجزيرة العربية وكانت اللغة العربية أيضا تتبلور وتتجه نحو شكلها الذى اتخذته فى نضجها كما يفرضه علينا الشعر الجاهلى الذى وصل الينا جانب منه وضاع جانب . .
وارتبطت أصول الغناء العربى منذ نشأته بالشعر العربى ، بل بالكلمة العربية المفردة فان تفصيلات الشعر العربى هى ايقاعات ميلودية قصيرة قائمة على سلم الغناء العربى الذى ينقسم كما اسلفنا - دون سائر السلالم الموسيقية فى العالم - الى أربعة وعشرين قسما . . وليس ممكنا - على سبيل المثال - توزين تفعيلات الشعر العربى - فضلا عن بحوره الكاملة - على ايقاعات الموسيقى الهندية التى ينقسم سلمها الى اثنين وعشرين قسما . . دعك بطببيعة الحال من الايقاعات الانسيابية فى الموسيقى الاوروبية الكلاسيكية ، فليس ممكنا توزيع الشعر العربى عليها . . ولو تمردت تفعيلات الشعر العربى على ايقاع الغناء العربى - بالشروط التى ذكرناها - لخرجت من الاوزان العروضية العربية القائمة على اساس الصوت العربى واجزائه الدقيقة ..
كذلك الكلمة العربية المفردة ، لا تخرج عن هذه القاعدة ، لان اشتقاق المفردات العربية أساسه التوزين الصوتى فى سلم الموسيقى العربية . وبهذه الميزة أو هذه الخاصية تنفرد اللغة العربية عن اللغات الاوروبية القائمة على النحت ، ويختلف الغناء العربى عن الغناء الاوروبى . . وقد التفت الخليل من أحمد الى هذه الناحية - قبل ألف عام - فى كتابيه " كتاب النغم " " كتاب الايقاع " . .
هذا الامتزاج الدقيق بين الغناء والشعر واللغة عند الامة العربية جعل للغناء العربى منذ بداية أمره طابعا قوميا لا يخص قبيلة فى الجاهلية ، ولا يخص قطرا بعد الاسلام ، بل يعم العرب جميعا ، ويعم العجم المستعربين أيضا واحتوت فطرة الانسان العربى على الغناء والشعر واللغة كلا لا يتجزأ ، حتى عند الاميين وغير العارفين بالشعر واللغة الفصيحة .
وفى عصور التدهور القومى والاجتماعى اغتربت الامة العربية فى أوطانها - كما اعتدنا أن نقول - ولكنها احتفظت فى اعماقها بهذه الفطرة الراسخة العجيبة التى لم يكد فجر النهضة العربية يبزغ ، حتى انطلقت من جديد تعمل عملها ، وتعلن عن وجودها واستمرارها . .
ولم يكن مدهشا أن يحمل لواء النهضة فى الغناء العربى والشعر العربى مجموعة واحدة متجانسة فى مصر والشام وبقية البلاد العربية ..
وقامت نهضة الغناء العربى فى القرن التاسع عشر على أسس قومية ، فان كتاب " سفينة شهاب " الذى ألفه الشاعر الموسيقى الشيخ محمد شهاب قائم كله على الموشحات الاندلسية القديمة ، أى على تراث قومى كانت له بطبيعة الحال محليته فى زمنه القديم ..
وحتى الكوارث الماحقة التى نزلت بالامة العربية كهجمة هولاكو وتدميره بغداد ثم غزوة تيمورلنك وتخريبه دمشق وغيرها ، ثم سقوط غرناطة فى أيدى القشتاليين وانطواء صفحة العرب فى الاندلس . . كل هذه الكوارث التى مزقت روح الامة العربية لم تستطع أن تغير اتجاه فطرتها القومية فى فن الغناء ..
وبعد حبوط غزوة بونابرت لمصر ، أسهم ملحنو النهضة العربية الاوائل فى تخليص الغناء العربى من العجمة العثمانية والفارسية والغجرية ، واعادته الى
اسلوبه القومى مضافا اليه ما أتاحه زمانهم من اضافات وتجديدات استخرجت من مقامات الغناء العربى الحانا لم تكن تخطر على بال الاولين الذين نشأ الغناء على ايديهم فى بداية الدولة العربية الكبرى نشأة قومية ، كطويس وابن مسحج وابن سريج والغريض وابن محرز . . ثم عباقرة العهد العباسى كالموصليين ابراهيم وابنه اسحق ، وابراهيم ابن المهدى ومخارق وغيرهم كثيرون .
عود على بدء :
ويطول الحديث فى هذا الاتجاه ، ولكن الثابت أنه ينتهى بنا فى كل حال الى التدهور القومى والاجتماعى الذى أثر فى الغناء والشعر وكل فن وعلم بعد تلك النهضة التى قل أن شهد لها التاريخ مثيلا . .
وقد نوهنا بما صنعه رواد النهضة الحديثة منذ القرن التاسع عشر حتى الآن فى الغناء والشعر . . ولعلنا لا نغالى اذا قلنا انه بتحرير هذين الفنين العربيين من العجمة والغناء اكتملت لهما ثروة غنية مزدوجة ردت اليهما الملامح العربية . . واكتملت لفن الغناء العربى فى ايامنا اسباب التقدم والتطور على الصعيد القومى لأن الأسس التى صحت عند الملحنين والمطربين لاخلاف فيها الا على التفاصيل . . فلا فرق فى استعمال مقام الحجاز كاركرد مثلا بين ملحن مصرى وملحن مغربى أو ملحن عراقى الا فى طريقة التعامل مع هذا المقام ، على حسب موهبة الملحن وقوة نفاذه الى اسرار الجمال فى هذا المقام . . وقس عليه المقامات الأخرى ، والايقاعات .. مع الاعتراف بأنه - حتى الآن - لا توجد مناهج ثابتة للتعليم والتمرين فى الغناء والموسيقى عند جميع البلدان العربية ..
ان النهضة الحديثة فى الغناء العربى كانت بمثابة حركة احياء ، ولكن - برغم كل ما حققته حركة الاحياء هذه من نجاح - بقيت مشكلات تواجه الغناء العربى والموسيقى العربية فى جميع البلاد العربية . . مثل التوزيع الأور كسترسترالى فى الموسيقى العربية وعلاقته بالالآت الموسيقية العربية التى تستعمل فى الاوركسترا الاوربى . . وتطبيق قواعد الهارمونى والكونتربونيت فى المؤلفات الموسيقية والغنائية العربية . . ثم المسرح الغنائى الذى انكمش أمام الاغنية الفردية ، وعجز عن أن يحقق مثلها امتدادا شاملا فى الوطن العربى كله ، فأصبحت الأغنية الفردية قومية بينما بقى المسرح الغنائى محليا .. ويمكن أن يقال انه ما زال امتدادا غير ناضج للمسرح الغنائى الاوربى الا فى عدد من الاعمال التى قدمها الرحبانية وفيروز فى لبنان وقدمها من قبل سيد درويش والخلعى وزكريا احمد فى مصر .
وهناك مشكلة التدوين الموسيقى المستعار من الطريقة الأوربية . . هل يمكن أن يقال انه يلبى جميع حاجات الموسيقى والغناء العربى بلا استثناء ؟ وهناك المقامات العربية الكثيرة . وقد اقترح بعض الموسيقيين الجادين فى خدمة الموسيقى العربية ضغط المقامات الكثيرة الى احد عشر مقاما فقط .. ثم اقترح آخرون ضغطها الى سبعة مقامات أساسية على أن تبقى مشتقاتها لمن يريد أن يتبحر ويتوسع كيفما شاء .
هذه المشكلات تواجه الأغنية العربية قوميا ، مما دعا الى عقد مؤتمرات للموسيقى العربية فى السنوات الأخيرة بعد أن انقطع عقدها زمنا طويلا منذ أول مؤتمر للموسيقى عقد سنة 1932 ، كما أنشئ فى ظلال جامعة الدول العربية " مجمع الموسيقى العربى " الذى عقد حتى الآن مؤتمرين ، وكان من بحوثه فى مؤتمره الثانى بحث موجز عن " الاغنية العربية " جاء فيه انه " من الشواهد الواضحة على تغلغل الغناء فى طبيعة الشعب العربى طغيان العنصر الغنائى فى الموسيقى الشعبية بالمقارنة الى موسيقى الالآت البحتة . وهذا كله يفرض على الباحثين فى هذا المجال أن يتعمقوا فى بحث هذه الحقيقة ذات المغزى البعيد ، حقيقة سيطرة الجانب الغنائى فى الموسيقى العربية بجانبيها الشعبى والفنى " .
ان الاغنية بمعناها الحديث هى المتداولة الآن فى الوطن العربى . . وقد سقت مصر غيرها من الشقيقات العربية بمائة سنة فى هذا المجال - على حد تعبير للمطرب اللبنانى وديع الصافى - وهو تعبير صحيح اذا ماقسناه علميا ، لأن تلاميذ الشيخ محمد شهاب يعملون فى هذا المجال منذ مائة سنة على الأقل ..
وهذا ما جعل الاغنية الحديثة ذات الشكل الفنى أغنية قومية ، ولما كانت مصر هى التى سبقت تاريخيا فى هذا المجال فقد أصبحت الاغنية المصرية معروفة ومحبوبة ومتداولة على المستوى القومى ، أى فى جميع أنحاء الوطن العربى . . وأثرت الأغنية المصرية فى أغانى البلاد الشقيقة ، فنهضت الاغنية اللبنانية الفردية وبدأت تتخطى حدود لبنان الى المجال القومى الواسع ، وكذلك الاغنية السورية . .
ويستمر تأثير الاغنية المصرية فى البلاد العربية التى سارت حديثا فى طريق التطور والنهضة ، فنجد الاغنية الكويتية الحديثة تنسج على منوال الاغنية المصرية ، وكذلك الأغانى فى بقية البلاد العربية ، مما يدل على أن جميع البلاد العربية تحاول أن تسمع صوتها الغنائى لشقيقاتها من المحيط الى الخليج .
الا أن التراث القديم كالموشحات مثلا ، يتقاسمه عدد من البلدان العربية ففى تونس مثلا تنهض الموشحات على مستوى يتيح لها القبول والاعجاب من جميع البلاد العربية وقد اعلنت فى تونس أخيرا نتيجة مباراة فى تلحين تواشيح جديدة ، فاز بجائزتها الاولى ملحن لبنانى واشترك فيها ملحنون من الوطن العربى كله ، بينهم ملحنون مصريون ..
ويتجه الملحنون والمطربون فى جميع البلاد العربية الآن الى توحيد اتجاههم فى التلحين والغناء على نحو ما يصنعه مشاهير الملحنين المصريين الذين كانوا وما زالوا - للأسباب التاريخية التى اشرنا اليها - هم القدوة لسائر أهل هذه الصناعة فى البلاد العربية ..
ومعنى ذلك أن الاغنية الفردية تتجه الى طابع قومى مشترك فى طريقة الغناء والتلحين ، وحتى فى الكلمات التى تلحن وتغنى .. وهذا من اسباب ما تتمتع به الاغنية الفردية الآن من كثرة جمهورها فى البلاد العربية ، وبخاصة اذا أديت بأصوات محبوبة كصوت أم كلثوم مثلا .. وقد طافت أم كلثوم أخيرا بالمغرب وتونس ولبنان والكويت والسودان ، فكانت أغانيها تقابل فى كل مكان بتذوق وفهم ، لان أغنية أم كلثوم هى النموذجية الآن عند المجتمع العربى ولهذا اتخذ الالتفاف حول فن أم كلثوم شكلا قوميا ، تتمثل فيه اذا أنعمنا النظر وحدة الذوق الغنائى لدى شعوب الامة العربية ..
وتتخذ التواشيح والادوار والقصائد القديمة التى تؤديها فرقة الموسيقى العربية فى مصر ، طريقها الى المستمع العربى ، لانها تتيح له الاستماع الى شكل قومى للغناء تتفق عليه جميع الاذواق العربية ، وتوجد فى البلاد العربية الاخرى فرق من هذا القبيل تؤدى الى الهدف نفسه . .
ولا جدال فى أن وسائل الاعلام الحديثة كالاذاعة والتليفزيون تحمل على جناحها كل هذه الاصوات التى تعمل لتوحيد الذوق الغنائى فى البلاد العربية ، وتجميعه حول شكل قومى للغناء ، هو الشكل الذى بدأ فى مصر وما زال اكثره ينبع من مصر . . ويتوقف مستقبل الغناء القومى على مدى التفاعل بين الانتاج الغنائى فى البلدان العربية وتفاعل هذا الانتاج وتبادله .
ولكن هناك بلادا عربية استقلت حديثا ، نخص منها بالذكر الجزائر ، ما زالت الاغنية العربية " القومية " فيها أقل انتشارا منها فى البلاد العربية الاخرى ، لان للجزائر فى هذا المجال وضعا خاصا ، فاللغة العربية ذاتها ما زالت هناك تكافح للعودة الى مكانها الطبيعى الذى عمل المستعمرون على طردها منه طوال مائة وثلاثين عاما . . والعمل من أجل اللغة العربية والغناء العربى فى وقت معا ، هو بلا جدال عمل شاق فكلاهما مرتبط بالآخر ، وكلاهما
يصطدم بالتفرنس اللغوى والأدبى والفنى الطويل الذى فرضه الاستعمار على الجزائر . . ومع ذلك استطاعت الجزائر تكوين فرق للغناء العربى ، بعد انبعاث العروبة هناك . . وارتبط تعريب اللسان فى البلد الشقيق بتعريب الحناجر فلا يمكن أن يكون لبلد لسان عربى وغناء غير عربى ..
وفى السودان يوجد نوعان من الغناء . . أحدهما الغناء الذى يتخذ من أسلوب الغناء المصرى منوالا ينسج عليه ، والثانى هو الغناء المحلى . . وبين هذين اللونين من الغناء فروق فنية معروفة ، فالغناء السودانى المحلى قائم على السلم الخماسى ، وهو غير السلم العربى ، ولهذا يقوم هناك ازدواج غنائى بين الاغنية السودانية الحديثة وهى قومية فى اتجاهها الفنى ، أى أنها تسير على درب الاغنية العربية . . وبين الاغنية المحلية ذات الطابع المحلى المحض .
وبعض الموسيقيين السودانيين يرون أن الاغنية السودانية المحلية ذات السلم الخماسى يمكن الاستغناء عنها ، ولكن هذا الرأى لا يمكنه أن يثبت وجوده ويحقق غرضه بجرة قلم ، لان الاغنية المحلية فى كل مكان من العالم تقوم الى جانب الغناء الفنى ، أو " الغناء المتقن " على حد التعبير الذى نراه فى كتاب الاغانى ، وليس السودان هو البلد العربى الوحيد الذى توجد فيه الى جانب السلالم الموسيقية العربية ، سلالم افريقية أو آسيوية . . ففى بعض ما يغنيه مطربو سواحل الجزيرة العربية أثر هذه السلالم غير العربية ، نظر! للاختلاط الذي استمر طويلا بين سكان هذه الجهات وبين النازحين اليهم من الاقطار الافريقية والآسيوية على مر الأجيال.
وفى كل بلد عربى ، يوجد غناء شعبى بسيط ، أو غناء محلى الى جانب الغناء الفنى أو الغناء المتقن ، ومعظم هذا الغناء من الفلكلور القديم وقد انبعثت فى السنوات الاخيرة حركة لتذكير المستمعين بهذا الفلكلور ، واتخذت هذه الحركة طرقا متنوعة ، بعضها يعود بالضرر على الفلكلور لانه يطمس معالمه ، أو يبتره . .
الا أن الفلكلور والغناء الشعبى بصفة عامة ، لا يبتعد فى مصر والبلاد العربية التى لم تعلق بغنائها خيوط السلم الخماسى والموسيقى الاسيوية .. لا يبتعد عن أصول الغناء العربى ، فالاغنية المحلية المصرية أو اللبنانية أو العراقية أو السورية وغيرها ، تقوم فى صميمها على أصول الغناء العربى ، وان كانت عليها مسحة من السذاجة ، مما يدل على أن الفلكلور الغنائى فى هذه البلاد العربية هو فى صميمه تفرعات من الغناء العربى المتقن انبثقت منا على مر العصور ولم تخرج عن أصوله الفنية . .
بقى أن نقول انه بالرغم من انتشار الاغنية الفردية الآن واتخاذها الطابع القومى أو الطابع المحلى ، فان مستقبل الغناء العربى - على الصعيدين القومى والمحلى - لا يتعلق بالاغنية الفردية وحدها ، على اهميتها عندنا الآن وفى المستقبل أيضا - ويستطيع المسرح الغنائى أن يلعب فى هذا المجال دورا بالغ الاهمية . . ولن يضير نهوض المسرح الغنائى مستقبل الاغنية العربية بفرعيها القومى والمحلى . . ولن يكف المستمع العربى عن الاستماع الى الاغنية الفردية ابدا ، لان الاغنية الفردية موجودة فى العالم كله ، بانواع متعددة قومية ومحلية لا حصر لها .
كذلك ينبغى ألا نقول ان المجتمع العربى يميل الى الغناء اكثر من ميله الى عزف الالآت غير مصحوبة بالغناء . . ثم نسكت عن هذا القول . . فان من تمام نجاح الغناء العربى أن يقوم الى جانبه فن الموسيقى العربيه على مستوى رفيع .
شئ واحد يجب أن نحرص عليه ، هو ألا نقول ان فننا الغنائى والموسيقى متخلف وأننا نستطيع أن نستبدل به فنا ننقله بلا تصرف وبلا تبصر من " نوتات " الموسيقى الاجنبية ومن قوالب الموسيقى الاجنبية . . فليس التقليد - طبق الاصل - هو السبيل الصحيح الى أغنية عربية قومية أو محلية ، ولا الى مسرح غنائى عربى قومى أو محلى . . ولا الى موسيقى عربية بحتة ذات تركيبات رفيعة المستوى كالتركيبات التى نراها فى شوامخ الموسيقى الاوربية . . لان الغناء العربى بألوانه المختلفة لم تنقض مرحلته التاريخية ، ولم يستنفد اغراضه ، ولم يتحول إلى تمثال عتيق يوضع فى المتاحف .. ولان الشرط الاول لتطوير غنائنا وموسيقانا هو أن نتجنب النقل الحرفى من " نوتات " الموسيقى " الجاهزة " .. والا يتعالى الموسيقيون - أو بعضهم - على ذوق شعبنا وعبقريته الخاصة فى فن الغناء والموسيقى ..
وفى مثل هذا الجو الفنى تستطيع جميع الوان الغناء العربى أن تلعب دورها فى خدمة المستمع العربى ، وان تستمر الاغنية فى أداء دورها الدائم بين القومية والمحلية .
