الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

الانسان بين اللغة واللسان *

Share

(2)

التعريف تجويف وتجفيف

البحث العلمى لا يتصاغر أمام دين ، ولا يذل أمام أغلبية ، ولا يخدم ركاب ملة أو حزب أو عاطفة ، ولا حتى ركاب صاحبه .

ما هى اللغة ؟

لقد درجنا - فى سعيدا للبحث والتنقيب - على إصدار الحكم قبل ضبط الحيثيات ، ناسين - أو متناسين - أن الحكم غاية لا سبيل .

وقد غاب عنا أن النزاهة فى الحكم تقتضى الشك أولا والتطهير ثانيا وتعقيم الاساليب ثالثا .

غاب عنا أن التعريف حكم يتطلب سعيا فى سبيله . هو فى ختام عملية شديدة التعقيد ، تختلف باختلاف زاوية النظر ، واتساع السبل ، وبعد الاهداف ، ويقظة الضمير ، ونجاعة الاساليب . هو الغرور يوهمنا المقدرة المطلقة على ضم كل لب سمين . وكم تكون دهشتنا إن فتحنا العيون فلم نجد سوى القشور الضحلة عالقة بالصدور

قال أنيس فريحة : " اللغة جزء من كياننا البسيكولوجى الروحى. وهى عملية فيزيائية اجتماعية بسيكولوجية على غاية من التعقيد".

تعريف كهذا التعريف اقرب الى التفلسف الفواش منه الى العلم الغواص . ادعاء ماسخ هذا الذى يحملنا على اعتباط التعاريف الجامعة الشاملة

ان أقزام الفكر - لدينا - يتعملقون ! من سمات التقدم عمق في النظر ، ومن سمات الانحطاط سعة فى الوهم !

ما التعريف الذي أطلقه أنيس فريحة على اللغة إلا احدى ظاهرات النظر المسطح الجائر ، هى احدى نتائج القوقعية المهنية . هى تسخير للهدف فى سبيل الطرائف .

لم يفهم أناسنا بعد - أن التخصص ليس الا طريقا من طرائق البحث ، وأن الطرق وسائل ، وأن الوسائل خادمة ، وأن الخادم ليس خادما إلا إذا كان أمينا .

ولم يفهم أناسنا - بعد - أن الامانة ليست فى كشف الحقيقة . إنها فى كشف الحقيقة كلها . فى ارجاع المؤتمن كله .

الاختصاص الذى ينشد العمق ويهمل الشمول اختصاص غير أمين هو لا يخدم الحقيقة . هو ليس من طرق البحث الموصلة . هو من طرق الاختلاس والتشويه الناجعة .

من ذلك أن التعريف الذي أطلقه أنيس فريحة على اللغة تعريف أدبى باعتبار ان الادب أخذ من كل شىء بطرف . هو تعريف أطلقه التخصص الادبى ساعيا الى ضم أطراف الحقيقة . وقد ضاعت في طياته طلاوة الادب وضاع فى كلماته المنفوشة المتورمة عمق التخصص وانحلت فى سيوله المظلمة متانة الحقيقة ووضوحها .

وقد راح الكثيرون من علمائنا ومتعالمينا ينسجون على منوال التجزئة الاختصاصية شباكا من التعاريف طوقوا بها عنق اللغة عموما وطوقوا بها عنق اللغة العربية المشرئب ، ناسين أن اعتبارهم اللغة كائنا حيا يناقض تعاريفهم من الاساس .

عرف كلنا ان التعريف تجميد وتقييد .

بقى علينا أن نعرف أن الكائن الحى المعرف وأن الكائن الحي المقيد كائن سجين ، كائن ممسوخ التصرف ، كائن لا مجرى لحياته ، كائن قتيل .

فى السمات

قال بعضهم إن من قسمات الوجه ما يصور معنى . وقال آلان Alain : "وجه الرجل شكل لغوى ذو معنى بليغ يحمله الى كل  مكان بدون ان يفهمه الآخرون ، ولا حتى هو نفسه " (1).

وقال محمود الوراق :

واذا تلاحظت العيون تفاوضت وتحدثت عما تجن قلوبها

ينطقن والافواه صامتة فما يخفى عليك بريئها ومريثها

وقال أحمد شوقى

وتعطلت لغة الكلام وخاطبت عيني فى لغة الهوى عيناك

قالوا إن بين أفكارك والاعصاب علاقة

وقالوا إن بين أفكارك والعضلات صلات

فاستدارة الفم والعينين تشير الى دهشة ، وانطباقة الفم مع انحناءة الظهر وتدلي جلود الوجه تعنى هما واهتماما ، والخطوط الطولية على الجبين تدل على غضب وثورة ، والخطوط العرضية على الجبين تشير الى سبحات فى الخيال ، وانطباقة الفم والشدقين تدل على عزم وتصميم وتكشيرة الفم مع انطباقة الاسنان اشارة الى ألم ، وعض الشفة السفلى يرمز الى مزاج عصبى والابتسامة تعنى الرضى أو السخرية ، والقهقهة تعنى تحمسا في الرضا أو السخرية والنظرة المتجهمة اللاهبة تدل على غضب شديد ، والنظرة الشزراء تشير حقد كمين ، وانطباقة الاجفان مع تورد الوجنتين خجل وخفر . و . . و . . الخ .

قاموس لغوى كامل يمكن وضعه لو تتبعنا قسمات الوجه وحده أو هكذا يزعمون

إنهم لم ينسوا ذلك الذى جمدت فى وجهه القسمات ، بل جعلوا

جمودها دلالة الى هدوء Impassibilite ولست أدرى كيف يمكن للوجدان ألا يتحرك !

إنه قاموس فقير جدا ذلك الذى يريد السمائيون وضعه . ويشهد الدكتور يوسف مراد بان " لغة الاشارات والايماءات أضيق نطاقا وأبطأ تعبيرا من لغة الكلام " (2).

تخيل معى مجتمعا من البكم ، وتخيل عبقريا منهم يريد أن يبحث عن تعريف للغة ! لا شك أنه مشير - بالاشارات - إلى ان اللغة إشارات !

كيف يمكن للابكم أن يحدثك عن لغته ؟ كيف يمكن له أن يشير الى لغته بالاشارات وهي اشارات ؟ كيف يمكن له أن يقول لك مثلا : تدلي جلود الوجه لا يعنى الكمد فقط ؟ ندرك من هنا أن التعبير السمائى تعبير سطحي هو تعبير إيحائى . والايحاء لا يكون الى فكر .

الاشارة غمزة . تنوء بالتحليل . والفكر تحليل منشأ وتعبيرا . الاشارة تعبير اجمالي . هى تضم حالة . هى تستوعب موجة . والفكر غير ذى امواج . هو سهم مستقيم . هو السير المطمئن . هو لا ينط ولا يشط الاشارة استفزاز والفكر اعتدال .

من فوضى العبث ان تبحث للاشارة عن باطن فكرى . هى انفعال هي رد فعل عصبى . هى التورم والتبرم . تورم عاطفى وتبرم حسى . تلك هى الاشارة .

ميدان العاطفة والحس أرضه قلب . الاستقرار عدو المشاعر والاحاسيس . هى ما تنفك فى تحول وتقلب . هي فورية المد والجزر ، دفاقة السيلان ، لا تخضع إلا لحينها . (3) وقد قيل إن المشارقة عصبيون ، يخطبون فيشيرون !

ولا عجب آن تكون لغة الانفعالات من جنسها ، تزول بزوالها متلاحقة المشاهد من نقيض لنقيض .

ولا عجب أن نعبر عما نحس بلغة الحواس ، ولكن من السخف أن ننسب للسمات الفقيرة المتشابهة مضامين فكرية غنية سيالة مجردة ، رغم سلامة موسى الذى آباح أن ينتهى عهد الكلمات ويجئ عهد السمات . (4)

وقد أجاب الدكتور بالارد عن السؤال التالي : " هل نستطيع التفكير بدون لغة ؟ " بقوله : " إذا أمكن التفكير من غير لغة فإن هذا التفكير لا يستمر طويلا . (5)

لاشك أن هزة الكتفين واستدارة العنق والوجه أفصح من الكلام تعبيرا عن عدم الاكتراث .

ولكن حاول أن تعبر عن عدم اهتمامك في أمسك أو غدك مستندا الى دوافع وأسباب . تدرك أن الاشارة لغة الشعور العاير ، إن تعدى مداها شؤون الحواس .

إن كان الكلام اقتناعا وإقناعا ، فالاشارة تأثر وتأثير (6)  إنها ظهور مباشر قريب لباطن مباشر قريب .

الاشارة بروز عائم لباطن عائم . انها ظهور مباشر قريب لباطن مباشر قريب

فمن الشعوذة أن نسجل تقاطيع الوجه وقسماته أثناء الاشارات سعيا وراء استكشاف الشخصية الفردية . هى مشاعة للجميع . هي تساند الكلام وتساعده عربية كانت الكلمة أم روسية . إن الكلمة لتغيب عنك فتحولها عفويا - إلى اشارة . لهذا قلت لدى المتمكن من لغته الحنجرية .

حول نظرك الى نفسك تدرك أنك تحس وتشعر وأن أعصابك هى التى تهتز وعضلاتك هى التى تتقلص لما تحس وتشعر .

فى الاصوات

هل كل الاصوات الانسانية معبرة ؟ هل من شأن الاصوات الانسانية أن تبلور الوجدان الانسانى كله ؟ هل المقطع الصوتى هو فيصل التفرقة بين الكلمة الانسانية وصرصرة الصرصار ؟

أسئلة لست أرى لها مفرا من التعريج على بعض المغالطات التى سعى بها بعض الادباء والعلماء لرفع اللغة الملفوظة - كتابيا - الى أعلى درجة من سلم القيم اللغوية .

أسئلة تكشف الاجابة عنها عن قيمة الصوت فى الوجود اللغوى ودوره فى حياة اللسان لدى الفرد والجماعة .

من العبث أن نجهد النفس ونضيع الوقت النفيس فى تسجيل الاصوات الانسانية المختلفة ، جهوريها وأجشها صارخها وهامسها ، متناغمها ومتنافرها منسقها وعشوائيها . . لجدولة المعبر منها . . لتعداد المشحون منها . لتقدير الكهرباء الايجابية فيها . عبث كل ذلك وتعمير للفراغ .

إنك لتريد أن تشحن صوتا من الاصوات معنى - وقد يكون مغايرا لمعناه المألوف فتفعل

وإنك لتريد أن تعيد صوتا شحنه غيرك معنى فتفعل ، وقد تكون اعادتك له على سبيل المزح أو التنكيت والمسخ أو الحفظ أو الببغائية والتقليد . وإنك لتحدث أصواتا حنجرية لا تريدها ، فسعل إن اصابك زكام وتتجشا إن أفرطت فى تناول التوابل ، وتغط ان التوى منك العنق عند نوم فيصبح السعال والتشجؤ والغطيط تعبيرا عن زكام وسوء هظم والتواء عنق .

وتفرط فى ترديدك : يعنى - سيدى ربى يهنيك - فهمتش - هاكا هو عاد - يا مرحوم الوالدين . الخ . إفراطا ليس الى التعبير بقريب .

أكد بويسون أن اللغة اللامقطعية مشاعة للانسان والحيوان وأن اللغة المقطعية خاصة بالانسان ، .(7)

تصنيف الاصوات على أساس المقطعية واللامقطعية كما فعل بويسون - تصنيف ينقضه التاريخ نقضا ويرفضه الواقع رفضا .

فهو تصنيف يتضمن الاعتقاد بأن : اللغات مقطعية النشأة من الوجهة التاريخية باعتبارها جهازا صوتيا ممقطع التكوين .

اللغة اللامقطعية لدى الطفل - لا معنى لها ولا معنى لاصواتها وان الطفل المريد واللامريد لا يعنى شيئا قبل أن يمقطع أصواته في النسق اللغوي المألوف .

اللغات كلها ممقطعة البناء . وهو تصنيف يتجاهل أن أحد الفوارق الاساسية بين الفرنسية الفصحى والفرنسية العامية مثلا يتجلى فى تبسيط العامية للمقاطع أو اسقاطها اياها تماما

. . لكى ندرك علاقة الوجدان بالاصوات علينا أن نبدأ من الوجدان لا من الاصوات .

ولا عجب أن يصل بويسون - وقد انتهج السبيل المعاكسة - الى نتائج شبيهة بتلك التى حصل عليها الزاعمون بأن الشمس منبع النيل !

من زيغ النظر أن نؤرخ حياة الشيخ ابتداء من شيخوخته وانتهاء إلى ما ورثه عن أبيه وأمه من جسد وطبع .

ذلك ان الكائن الحى يفعل وينفعل فيتطور . يؤثر ويتأثر فيتغير شأنه يغذي ويتغذى فينمو .

واللغة كائن حى يتفاعل فيه الفعل والانفعال . لها فى الفرد أثر ولها منه اثر . لها من المجتمع غذاء وله منها غذاء . مدها اشعاع وجزرها امتصاص .

لها فى الناس جذور ولها منهم جذور . وجودها فى الفكر ووجود الفكر فيها .

إن الدراسة اللغوية التى تغفل شأن هذا التخاصر بين اللغة والفكر والمجتمع دراسة لغوية لا لغوية .

تقييم المعنى حسب المقطعية واللامقطعية تقييم لا قيمة له . إثبات النية بثبوت الحدث اتهام أكثر مما هو اثبات . الحكم باللامعنى استنادا الى اللامقطع حكم جائز .

الحكم الذي يثبت للكلمة المقطعية معنى ينكره على الكلمة اللامقطعية حكم يسخر الفكر للمقطع . هو حكم يحول اللغة الى مقاطع مرصوفة ، الى قوالب صوتية متلاحمة .

الاصوات محدودة الانغام . القول بجوهرية المقطع قول بأن اللغة محدودة النمو وقول بأن الفكر محدود المدى .

ألا ما أقصره فكرا هذا الذى تقف خطواته عند الحدود الصوتية إذا تمقطعت وتلولبت !

والعجيب فى هذا الشأن أن القائلين بجوهرية المقطع الصوتى فى التعبير قد اتخذوا لزعمهم حقائق حسبوا أنها حجج لهم .

قالوا إن الذين لا يفهمون اللغة المقطعية ولا ينطقونها ذوو تأخر عقلي كبير .

وقال صالح الشماع : درس اثنان من الباحثين عشرين طفلا فى سن سنة ونصف فوجدا أن 26 في المائة من أصواتهم كانت ذات معنى ، وعندما بلغت سنهم سنتين ونصفا كانت نسبة المقاطع ذات المعنى 89 % وبعد أربع سنين بقليل بلغت النسبة 99.6 % " (8).

وقال محمد خلف الله:

" إن الاطفال لا يراعون الترتيب فيما يسردون ولا المنطق فيما يرددون " (9) .

لقد كنت تقرأ الآن نوعا رصينا من أنواع الدجل الكثيرة ! لقد كان فهم الطفولة قائما على تصغير الرجولة بتخفيف وزنها وتقصير قامتها وقلع آسنانها وإفراغ دماغها وترقيق عظمها .

وقد مرت القرون قبل أن يفهم الناس - والاقتناع لم يجد بعد - الى نفوس بعضهم مدخلا أن شخصية الطفل مختلفة عن شخصية الكهل اختلاف كيف لا اختلاف كم ، وأن وحدة القيس لدى الطفل مختلفة عنها لدى الرجل اختلاف نوع لا اختلاف حجم

وقد عجز العلماء عن الاتفاق بخصوص ظواهر اللغة لدى الطفولة الاولى " رغم أن المناهج المتبعة فى دراسة الطفولة قد زاد اتقانها الى أكبر الحدود والجهود المبذولة من جانب العلماء والباحثين شىء فوق التصور " (10)

وإن هذا العجز عن الاتفاق يدعونا وحده - الى المزيد من الحذر عند الحديث عن أصوات الطفل - مقطعيها ولا مقطعيها - فى امتلائها بالمعنى أو فراغها منه !

قيل إن الذين " لا يفهون اللغة المقطعية ولا ينطقونها " ذوو تأخر عقلي كبير (11)

هى حقيقة ، فهم منها القائلون بجوهرية المقطع الصوتى فى اللغة أن لافكر بدون مقطع . أن لا معنى بدون مقطع ، أن لا فكر بدون صوت ، لا معنى بدون صوت .

هي حقيقة ، فهم منها هؤلاء أن الصوت هو كل شئ في اللغة .

غاب عنهم آن اللغة نتاج اجتماعى . أنها ظاهرة اجتماعية . أنها ميزة المجتمع البشرى . أن لا لغة بدون مجتمع بشرى .

غاب عنهم ان المجتمع هو ذلك التاجر بالجملة يتوسط اللغة والفكر غاب عنهم ان سبيل الفكر الى اللغة يمر بالمجتمع لا بد للفكر من تعريج على المجتمع كى يأخذ منه بردته وعصاه . بردة الفكر من نسيج المجتمع .

أكثر من هذا الفكر يصنع نفسه حينما يعبر عن نفسه . هو إذن لا يصنع نفسه إلا بعد تعريجه على المجتمع . الا فكر إلا فى المجتمع البشرى . لا فكر الا بالمجتمع البشرى بين الميلاد الفكرى والميلاد اللغوى مجتمع . المجتمع هنا معمل تصنع فيه من القوة الفكرية فعلا فكريا . هو الفرق الذى يزودك بالطاقة التى تجعل من هيولاك صورة تقرأ أو تسمع .

غاب عن القائلين بجوهرية الصوت المقطعي هذا المنعرج الاجتماعى . جعلوا الصلة مباشرة بين الفكر واللغة عند تحول الفكر الى لغة . جعلوا الصوت المقطعى نابعا من الفكر فى خط مستقيم .

أغفلوا الجسر الاجتماعى الذى زود الفكر بما يتوكأ عليه . جعلوا العجز عن المقطعة قصورا فكريا .

وقد نسوا - أو تناسوا - ان المقطعة شىء يلقن ، يحفظ ، يورث ، يكتسب .

أغفلوا - إذن - أن العجز عن المقطعة يمكن أن يكون عجزا عن حفظ المقطعة ، عن اكتسابها .

أغفلوا - إذن - أن العجز عن المقطعة يمكن أن يكون عجزا تربويا ، عجزا اجتماعيا ، عجزا نفسيا أو عجزا حسيا .

الاصوات المقطعية أصوات غير غريزية . هى أصوات مكتسبة . هى تندرج فى المعارف الانسانية . والمعارف مداخلها الحواس .

العجز عن تلقى الاصوات المقطعية عجز عن تلقى المعرفة . قد يكون -

إذن - عجزا حسيا : قد يكون - إذن - عجزا فيزيولوجيا وقد يكون عجزا نفسيا أو تمردا نفسيا أو خللا عصبيا .

وكذلك الشأن فيما يتعلق بأصوات الطفولة الاولى . الحكم على اللغة اللامقطعية لدى الطفولة الاولى - حكم الكهولة بمقياس الكهولة - ضرب من الجور .

أليس الجور فى زعم محمد خلف الله حينما قال إن الاطفال لا يراعون الترتيب فيما يسردون ولا المنطق فيما يرددون.؟

لولا أنه أردف أن المنطق والمحافظة على الحقيقة وليدا الاجتماع : لكان زعمه سبا وشتما ! ذلك أن للطفل منطقه الفردى وترتيبه .

أن يزعم أن بعض أصوات الطفل غير ذات معنى مألوف لتلك الاصوات فقد يكون زعما مباحا ، وأما أن يزعم أنها غير ذات معنى - إطلاقا - فذلك زعم يستوجب استدلالا ويستوجب بعد ذلك تعليلا .

ثم على أى شىء يدل خلو أصوات الطفولة الاولى من المعنى المألوف ؟ أعلى فراغ في وجدان الطفل ؟ أعلى تبلد في حسه وشعوره ؟ اليس أقرب الى الصواب أن ننسب ذلك الى أن الطفل لم ينسجم بعد فى مجتمعه ؟

اللغة اللامقطعية طلاسم مغلقة بالنسبة إلينا . هي - عندنا - لا تعنى شيئا . لكنى لست من المؤمنين بلا جدوى الظواهر . ليس من السهل إنكار شئ لا ندركه . هو يتطلب من الادلة والبراهين ما يتطلبه الاثبات وأكثر ؟ الاصوات اللامقطعية أصوات فردية . هى ليست لسانا . لكنها - عندى قد تكون لغة

البحث عن نوع ما يدور فى وجدان الطفولة اللامقطعية الاصوات من هنا يجب ان نبدأ ، وفى البدء منه تدرك علاقة الوجدان بهذه الاصوات

لست اشك فى وجود نوع من العلاقة بين الدماغ والحنجرة . ولست أشك فى وجود علاقة متينة بين الاعصاب والحنجرة .

لكنه من الافراط فى تبسيط الامور أن نربط بين المعنى والصوت ربطا نهائيا . من الافراط فى " الشعبية " ان نزوج بين بحر وكأس شاى ، بين عملاق وقزم ، بين صاحب المليارات والمتسولة .

الصوت وحده قناة ضيقة لا تسع التيار الفكرى والشعورى الزاخر .

نعم ، لست أنكر وتشهد بذلك حكايات الصوت حكايات الصوت Onomatopees في مختلف اللغات - ان مخارج الحروف كانت شديدة الايحاء بالمعنى ، وثيقة الصلة بالوجدان الناطق وآن الصوت كان مندفعا فى صمت الكلام ، (13) الانسانى منذ كان آلة تعبير انفعالي بحت .

لكنه من الخطا - عندى - أن نزعم أن الصوت ضمان المعنى وأن الفكر رصيد صوتى . من الخطإ نؤكد أن الفكر يتنفس من رثة واحدة نسمعها ولا نراها . إن فكرا من هذا الطراز فكر ناقص . هو رنان لكنه لا يدوم . هو ذاهب مع الريح .

من الخطا أن نجزم بأن كلمة (حجر) بحائها وجيمها ورائها تعبر صوتيا - عن مادة الحجر .

ومن الخطا آن نجزم بأن كلمة (شفقة) بحروفها الاربعة تعبر - صوتيا عن حالة وجدانية معينة .

لو كانت الحقيقة ما زعم الصوتيون لفهم الامريكى من الكلمتين ما أفهمه منها ، بما أن القضية قضية حناجر وهي متشابهة لدى ولديه

ثم ما للفرنسيين - والقضية قضية أصوات - لا يقولون Scaner عوضا عن Habitter  أو لا نقول : هبت عوضا عن سكن ؟

لو كانت الحقيقة ما زعم الصوتيون لكان لله معنيان مختلفان فى العبارتين :

(أو من بالله) و (قال الله) بما أن صوت (الله) فى هذه يختلف عنه فى تلك لو كانت الحقيقة ما زعموا .

- لكانت الجملة التالية مليئة بالتكرار جوفاء من كل معنى (طرقت الباب حتى كل متنى . فلما كل متنى كلمتنى).

- لما امكن أن نقرأ (بيتا) من الشعر ونسكن  (بيتا) من حجر . لما امكن أن يكون فى الناس (مولى) يقود و (مولى) يقاد . لكنا (نعقل) المشكل كما (نعقل) الدابة فنستعمل فى الادراك ما نستعمل فى القيد من سلاسل وحبال .

لو كانت الحقيقة ما زعم الصوتيون : - لكنا نكتب كما ننطق ، بما أن الاصل - لديهم - ما تقرعه الشفاه . لو كانت الحقيقة ما زعم الصوتيون : لكنا نكتب كما ننطق ، بما أن الاصل - لدبهم - ما تقرعه الشفاه .

مالنا - إذن - لا نسخر همزة الوصل لقانون الصوت فتحذفها ان توسطت ؟

ما لنا إذن - لا نسخر أسماء الاشارة لقانون الصوت فنزج بين هذا وذلك وهؤلاء ألفا حكم عليها أن تحتجب ؟

ما لنا - إذن - نسمح لعمرو الداهية بأن يختلس " واوه من داود الصبور ؟

ما للفرنسيين - إذن - لا يطرحون عنهم هذه الs البكماء وهذه ال فى آخر الكلمة وما للانكليز لا يكتبون كما ينطقون ؟

لو كانت الحقيقة ما زعم الصوتيون لكان للسطرين التاليين معنى واحد : Gal , amant de la Reine , alla , tour magnime , Gallmant de L,arene a la tour Magne, a Nimes

ولكن للسطرين التاليين معنى واحد : L' inspecteur dit : le Maitest ane L' inspecteur dit le mitre , est ane

اشترك في نشرتنا البريدية