المشهد الأول
(المشاهد كلها تجرى فى غرفة صغيرة فى دار بقرية فى الضفة الغربية من فلسطين المحتلة . فى ركن من الغرفة سرير متواضع ، وفي الركن الآخر طاولة عليها اوراق وجرائد . . . تسمع فى الخارج اصوات اطفال يتصارعون . . . فى لحظة سكوتهم يسمع صوت آلة خياطة تدور . . . تتوقف فجأة اصوات الصبية وصوت آلة الخياطة . . يسمع صوت رجل يخاطب صبيا فى باحة الدار ) .
الرجل : ابراهيم . . تعال . . اذهب لدار خالك حسين وقل له ان يأتيني بسرعة . هيا عجل .
( يفتح باب الغرفة ويدخل شاب . . وهو فى حدود الثلاثين له شارب أنيق الا ان ملابسه غير أنيقة . . . يحمل تحت ابطه رزمة من الجرائد . . يضعها على الطاولة ويستلقى على السرير متناولا احداها يتصفحها . . تدخل عجوز فى حدود الستين تحمل طبقا عليه ابريق شاى وكأسان . . . كذلك صحن صغير فيه شىء من اللبن المصفي . . ورغيف خبز فلسطيني . . . يرفع الشاب رأسه ويضع الجريدة . . . )
الشاب : أهلا بأم العبد . . . العجوز : أهلا بك أنت . . فانت العائد من غياب . . خير ان شاء الله . . الشاب : ( مبتسما وقد لاحظ تخوفها ) خير يا أمي . . . أتعرفين ابنك صاحب شر . . ؟ الأم : حاشاك . . . ( فترة صمت . . ) شغلت بالنا . . . أين كنت بالأمس
الشاب : ( مبتسما ) ولم ينشغل بالكم ؟ هل هى المرة الاولى التى لا ابيت فيها فى البيت ؟ الأم : لا . . ولكن . . .
الشاب : ألم أقل لك اننا سنسهر عند حسين سرقنا الوقت فبت عندهم . . وبالناسية . . بنتك فتحية تسلم عليك . . وقد وعدت بالقدوم في رمضان . .
الأم : إذن كنت في جنين ليلة أمس . . الشاب : قلت لك كنت عند حسين . . الأم : على هامان يا فرعون . . من أين جئت بسلام فتحية إذن ؟ الشاب : (ضاحكا) آى . . هذا هدف سجلته على . . . على كل حال كنا ساهرين عند حسين ابن الحاجة تمام الأم : طيب . . أبوك من قبلك . . . قم كل لقمة قبل ان يبرد الشاى . . . هذه لبنة . . هل آتي لك بشئ من الزعتر ؟
الشاب : ( يقوم من السرير . . . نحو الطاولة ) لا لزوم لذلك . . ليس لى نفس للأكل رأسى يوجعنى الأم : من السهر يا ابنى عند ابن الحاجة تمام الابن : ( يضحك لها ويلعب بشعرها مدللا ) ما أحلاك من أم الأم : قدر الله الخير يا ولدى .
الابن : هو خير ان شاء الله . . لا تقلقى . . ولا تشغلى بالك . . . وانت لست جديدة على الصنعة الأم : القلب انكوى يا ابني . . . ولم يعد يقوى على الاحتمال . . فى هذا العمر . . انت كل عمرك قوية . . لست انسى ما كان الوالد المرحوم يقول وهو يتأملك تروحين وتجئين هذه المخلوقة ليست من طينة البشر . . . وكم حدثني . . . وكم حكى لى . . ايام ال 29 وال 36 وال 47 . . الأم : يا ابنى صخور الجيل تتفتت . . مع الزمن . . . وهل قليل ما ارانى الزمان . . . أبوك في ال 47 وأخوك فى ال 56 . . . وها أنت تسير على نفس الدرب . . . من جديد . . . ولست ادرى اين سيرسو هذا المركب . . .
الابن : خلى اتكالك على الله . . من كان الله معه لا يضيع . . وهذا هو قدرنا الذي قدره الله علينا . . الأم : لكن ألا يكفينا نحن ؟ ألم يأت دور غيرنا ؟ أخذنا نصيبنا أليس للغير نصيب ؟
الابن : انت تعرفين اكثر من غيرك ان قدر الناس يلحق بهم . . لا يستثنى من ذلك احدا . . المرتاح او التعبان . . . ولذلك من العبث ان نخاف او نهرب ٠٠ اما انا فدعاؤك ورضاك اقوى درع لى بحول الله . .
الأم : الهي يرضى عليك ويأخذ بيدك انت وكل من معك . . كمل يا ابنى كمل . . . القضاء ما منه مهرب . ( تمسح دمعة تسيل من عينيها . . فلا يتمالك الابن نفسه فيقوم ويحتضنها بحرارة ويأخذ فى تقبيلها . . دون ان يقول شيئا ) . . ( يسمع الباب الخارجي للدار يفتح . . ويتوقف الاطفال من الصياح . . ويسمع صوت رجل يتنحنح صائحا " يا ساتر يا رب " - وهي عبارة الاستئذان للدخول فى القرى الفلسطينية ) .
الأم : هذا حسين جاءك . . . ( تخرج ) . ( يسمع صوت الأم ترحب بالقادم . . . ) حسين : مساء الخير يا خالتى . . الأم : يسعد مساك . . كيف حالك يا حسين . . كيف حال نجمة والاولاد ؟ حسين : يقبلون الايادى ويطلبون الرضى والدعاء . . اين الصبى . . ؟ ( الابن فى الداخل يبتسم ويهز رأسه ) .
الأم : تفضل . . . في الداخل . . ( يظهر حسين وهو رجل يقرب من الخامسة والأربعين ضخم الجثة . . . قد تقاسمت الشعرات البيض والسود رأسه بالتساوى . . ) حسين ( مبتسما ) وبلهجة مشيخية ) السلام عليكم الابن : وعليك السلام . . كيف الحال . . ؟ حسين : مشتاق وعندى لوعة . . كما ان الذى مثلى لا تخاف عليه . . الابن : المهم ماذا فعلت . . ؟
حسين : جئتك فى الصباح . . . فقالوا لم تبت الليلة فى الدار . . الابن : وانت ؟ هل بت في الدار . . .
حسين : اسأل اختك . . بالحرام مستعدة ان تقسم لك بالثلاثة اننى ما تركت البيت . . . وانا بالحرام قمت في نصف الليل . . وانسللت مثل النمس . . . واوصلت الامانة لاصحابها ورجعت ونمت . . . فما احست . . لا بخروجى ولا بعودتى . . وقامت فى الصباح فوجدتنى كما تركتني بجانبها . . ما رأيك؟
الابن : عظيم . . . لص بالسليقة ٠٠ . . حسن : الله يحفظك . . . كله من افضالك . . لا تنس انها دروسك . . الابن : المهم . . .
حسين : المهم ان الامانة وصلت . . . وأبو عبيد يسلم عليك . . . ويقول ان الامور تسير حتى الآن حسب المطلوب . . . ويذكرك بمسألة أبى غنيم . الابن : ( يهز رأسه فاهما ) طيب . . . وانت . . ؟ معنوياتك . . كيف حالها . . ؟
حسين : (مستهجنا السؤال ) ولو . . يا أبو ايمن . . . تسألني عن معنوياتي ؟ تعرفنى خواف . . سامحك الله يا رجل . . أبو ايمن : ( وهو اسمه الآن بعد ان ذكره حسين ) . . اريد ان اقول ان وراءنا عملية كبيرة غدا او بعد غد . .
حسين : شبيك لبيك . . ابن خالتك حسين . . يداه بيديك . . أبو ايمن : طيب اسمعني . . حسين : اسمعني انت اولا . . . قبل انسي . . صاحبنا المختار . . فى نيته ان يلعب لعبة .
أبو ايمن : القلوب عند بعضها . . اردت ان اسالك عنه . . حسين : أرأيت . . ؟ ابن خالتك يفهمها وهي طايرة . أبو ايمن : لكن كيف سيلعبها برايك . . ؟ ( يصب كأسا من الشاى و يقدمه لحسين ) . حسين : شكرا . . صاحبنا يا سيدى سيلعبها هذه المرة عليك . . يتوعد
ويتهدد . . هذا الولد ابن عبد الفتاح . . . انا اعرف كيف اربيه . وهو يحلف بالحرام ان يطيرك من المدرسة . . ويبدو ان عنده هذه المرة شيئا . . ذكر لى صبحي بن الحاج على انه سمعه يقول لأبيه انها لن تطول لابن عبد الفتاح . . وانه يعرف كيف يوهرفه .
أبو ايمن : والله لا ادري ما دهاه . . باع نفسه للشيطان لحما وعظما . . حسين : الانكى من هذا انه يدعو الناس للابتعاد عمن يسميهم بالاولاد الطائشين . . الذين سيخربون البلد . . وقد عرفت ما فعل أول امس . حين وقف فى الجامع بعد صلاة الجمعة يدعو الناس للتآلف والتكتل لتوفير الامن والهدوء للقرية بالابتعاد عن الاولاد الذين ينطحون الصخر بقرون من مطاط . . . وقرأ لهم بيان الحاكم العسكرى ان السلطة سوف تنسف بيت كل من يشتبه ان له علاقة بالفدائيين . .
أبو ايمن : على كل حال لن تطول معه . . . حسين : والمسكين الشيخ صبحي قام يحتج على جعل بيت الله منبرا للسلطة . . فاشبعه الكلب تهديدا بانه سيرفع امره للحاكم العسكري . أبو ايمن : بسيطة ٠٠
حسين : هل علمت من كان عنده امس . . . الملازم راؤول . . أبو ايمن : علمت . . . لكن كم بقى عنده . . حسين : لا ادرى . . انا لم أره شخصيا . . لكن قالوا لى . . أبو ايمن : ورؤول هذا . . ما له عشق القرية هذه الايام . . . ؟ كل يوم والثانى وهو فيها .
حسين : عملية تخويف . . يريد ان يضيع الناس . . . ويسند المختار امام الناس . . . يا رجل الا يمكن القضاء عليه ؟ أبو ايمن : ليس اسهل من ذلك . . . لكن ما هى النتيجة ؟ القضاء على القرية بكاملها . . فهل هي عملية رابحة ؟ حسين : اخ يا ابن خالتى . . علة فى قلبي . . لو انكم فقط تكلفوني بذلك . . . بالحرام بالثلاثة لأطير لحم مخه . . هو والكلب احمد الغانم . . يا رجل لو انك رأيته آخر مرة وهو معه فى الجيب . . يطوف شوارع
القرية . . . وكانه يقول للناس تعالوا فروني . . . يبرم شاربيه والرشاشات تحيط به من كل جانب . . . ويا ارض اشتدى ما عليك احد قدى . .
أبو ايمن : طول بالك . . . له يوم . . وقد يكون قريبا . . لكن الآن اسمعني . . بعثت لك لتذهب لسليمان بن الشيخ تاج . . . قل له أبو ايمن يريدك ان تأتيه الى الدار مساء فى السابعة . . . وحاول ان لا يراك احد تدخل بيته . . . هيا اشرب الشاى . . وعجل .
حسين : ( وهو يجرع شايه ) من غير ان اذكر له السبب ؟ أبو ايمن : لا ، لغير سبب . . حسين : قلت يكون هنا فى السابعة . . . ؟ أبو ايمن : فى السابعة . . . وحاول ان لا يراك احد . حسين : لن يرانى احد بحول الله . . ( وهو يقوم ) والآن بخاطرك . . . أبو ايمن : مع السلامة . . . ولا تطل الغيبة . . حسين : ( وهو خارج ) لا . . ان شاء الله . . ( يسمع صوت حسين فى باحة الدار ) . . يا خالتى بخاطرك . . صوت الأم : ( صائحة ) مع السلامة . . . بوداعة الله . .
( أبو ايمن يتناول معطفه من فوق العلاق . . يسوى من شعره . . . ويشد حزام سراوله . . ويرتشف آخر قطرة من فنجان الشاي . . ويخرج . . . مع انتهاء المشهد ) .
المشهد الثاني
( الشاب نفسه فى نفس الغرفة . . رزمة من الجرائد والمجلات العربية والعبرية والانكليزية مكدسة على طاولة صغيرة بحانب السرير . . . . الشاب جالس على السرير ساهم لا يقوم بأي عمل ٠٠ فى تلك اللحظة يسمع صوت انفتاح الباب الخارجى وصوت رجل يحيى امرأة . . . ) الرجل : مساء الخير . . خالتى أم حسين . الأم : يسعد الله مساك . . تفضل . . .
( يقوم أبو ايمن فيفتح الباب فيدخل الشاب القادم ويتصافحان . . . الشاب القادم فى حدود الثلاثين . . اسمر البشرة كث الشاربين . . . )
الشاب : مرحبا . . أبو ايمن : اهلا أبو على ٠٠ تفضل . . أبو على : ( وهو يدخل ) كيف الحال . . ؟ أبو ايمن : الحمد لله . . تفضل . . اجلس أبو على : متى عدت ؟ أبو ايمن فى الصباح أبو على : ها ٠٠ ؟ قمحة . . أم شعيرة ؟ أبو ايمن : ( مبتسما ) وهل فيها قمح أو شعير ؟ أبو على : المهم . . هات ما عندك . . أبو ايمن : القرار اتخذ . . أبو على : عال . . . هذه هي القمحة أبو ايمن : يا رجل . . صل على النبي . .
أبو على : وهل صلى هو على النبي حتى نصلى نحن ؟ اتعلم من عنده الآن ؟ الملازم راؤول يغوصون فى الدجاج المحمر حتى الاذان . . اسمعت ما فعل هذا الصباح ؟ قام باستعراض فى سيارة الجيب مع راؤول هذا فى دروب القرية كلها . . تحديا للناس جميعا . . . ولكن ما دام القرار اتخذ . . فلا باس . . . . هي فورة دم بعدها يتفجر .
( أبو ايمن ساكت مطرق . . . فترة صمت . . ) . . ما لك ؟ كأنه لا يهون عليك ؟ أبو ايمن : فعلا . . لا يهون على ٠٠ انسيت صحبته فضلا عن ان العملية كلها كنت اود لو لم تكن . . . أبو على : ومن منا يود ان تكون ؟ . . ولكن ما دامت الامور وصلت الى هذا الحد . . فلا بد من عمل شئ ( يعود أبو ايمن الى صمته ) . . . ما لك أبو ايمن ؟ ( لا يرد ) يبدو ان فى الامر شيئا . . .
( أبو ايمن يهز راسه ان نعم ) . . ايوه . . وهل هو ٠٠ ؟ أبو ايمن : لا ٠٠ ليس سرا . . . ولكن اثرت مواجعى . . علمت هذه المرة في حنين . . ان اللعبة مزدوجة . . وان احمد الغانم . . لا ينفذ تعليمات السلطة الاسرائيلية فحسب . . بل السلطة الاردنية كذلك . . اذ ان التعليمات تأتيه من عمان للتعاون تعاونا مطلقا مع الاسرائيليين . . فى مقاومة الحركة . .
أبو على : هكذا اذن ؟ . . هذا اذن سر غداوته وروحاته بين القدس وعمان . . ولهذا كثر زواره من عمان فى المدة الاخيرة . . . والمخاتير من هنا وهناك قد جعلت بيته كعبتهم هذه الايام فى الامر شئ اذن . .
أبو ايمن : هاك رأيت اللعبة الكبيرة . . والمختار احد بيادقها . . أبو على : ولذا وجب القضاء عليه اليوم قبل الغد . . . قبل ان تكتمل خيوط اللعبة . . وقبل ان يستفحل الشر . . ويضربون ضربتهم . . قبلنا . . ألم نتعلم ان نضرب اولا . . .
أبو ايمن : كنت اقول لو اننا حاولنا معه من جديد . . أبو على : يا رجل . . . كم مرة حاولنا معه . . فما ارتدع ولا تراجع . واحسبه الآن يزداد غلوا بعد ان ضمن تأييد السلطة فى عمان واصبح مقربا منها . . الآن . . يجب القضاء عليه ليكون عبرة لغيره . . قبل ان يستصغروا شأن الحركة . . ويثبتوا للناس انهم يستطيعون ان يفعلوا ما يريدون دون ان يخشوا جانب الحركة . . . وما دام القرار اتخذ من القيادة من حيث المبدأ . . فلا مجال للتردد . . نحن الآن في معركة اثبات الوجود .
يجب ان يعرف الجانبان اننا هنا . . واننا نستطيع ان نفعل . . . ونستطيع ان تكون سادة الموقف . . وهذه تجربة يجب ان نخوضها . . وننجح فيها . . ( خلال كل ذلك . . أبو ايمن ساكت مطرق . . . ) ٠ ٠ ( يسمع طرق على الباب الخارجى . . فينتبهان . . يسمع فى الخارج كلام مبهم . . نسمع بعده الأم تدق على الباب . . ثم تفتحه وتطل برأسها . . . )
الأم : واحد يسأل عنك . . . يقول انه أبو الفوز . . أبو ايمن : ها . . أبو الفوز . . امر جديد من جنين . . أبو على . . ( يشير للغرفة المجاورة ( للغرفة الاخرى من فضلك . . . ( يخرج أبو ايمن مع أبي على . . ثم يعود أبو ايمن مع شاب آخر هو ايضا فى حدود الثلاثين . . . ) . . . اهلا وسهلا . . أبو الفوز . .
أبو الفوز : وبك . . كيف الحال . . ؟ أبو ايمن : الحمد لله . . . ها ؟ أبو الفوز : عندي رسالة من جنين . . أبو ايمن : خيرا ان شاء الله . .
أبو الفوز : القيادة علمت ان الملازم راؤول توجه الى هنا مع دورية كاملة . . أبو ايمن : فعلا . . وهو الآن هنا عند المختار . .
أبو الفوز : اتخذت القيادة قرارا بمهاجمة الدورية اثناء عودتها لجنين هذه الليلة . . ولذلك تطلب منكم ان تأخذوا احتيااطاتكم . . . اذ يحتمل ان تتعرض القرية للحصار والتفتيش بعد العملية .
أبو ايمن : هذا متوقع حتى من غير مهاجمة الدورية . . طيب . . بلغ أبو السعيد اذن . . ان العملية ستتم الليلة بدلا من الغد . . . نظرا لمسأله الدورية هذه . .
أبو الفوز : على بركة الله . . عن اذنك الآن . . أبو ايمن : هكذا سريعا . . فنجان قهوة على الاقل . . أبو الفوز : شكرا . . على ان اعود لجنين فى الحال . . . الجماعة فى حالة استنفار . . .
أبو ايمن : طيب . . مع السلامة . . سلم على الاخوان . . وموفقون ان شاء الله . . ( يخرجان معا . . سنما يعود أبو على الى الغرفة . . . يسمع صوت انغلاق الباب الخارجي . . ويعود أبو ايمن . . . )
أبو على : ها . . . هل من جديد . . . ؟ أبو ايمن : تطورات جديدة . . فى الموضوع نفسه . . هل انتم مستعدون للتتنفيذ . . أبو على : فى كل وقت . . .
أبو ايمن : كان في الحسبان ان تتم العملية غدا او بعد غد . . لكن يبدو من الافضل ان تتم الليلة . .
أبو على : انا لم آتك الا لأقنعك بهذا . . انا حاضر . . والترتيبات جاهزة . اسمع . . . الملازم راؤول عنده الآن . . . يتناولون العشاء . . ينتهون فى حوالى العاشرة . . يبقون الى الحادية عشرة . . . او نصف الليل على الأكثر ٠٠ ثم يغادرون القرية . . . هل تستطيع التنفيذ . . بعد منتصف الليل بساعة ٠٠٠
أبو على : وهو كذلك . . . أبو ايمن : طيب . . هناك مسألة اخرى . . . افهمنى جيدا . . نحن الآن فى حدود السابعة . . اى قبل التنفيذ بخمس ساعات تقريبا . . . القرية سوف تحاصر فى الصباح الباكر . . . وعليه فمنذ الآن . . . وحتى الواحدة صباحا يجب اخراج كل قطعة سلاح فى القرية واخفائها . . شئ فى الحاكور رقم 6 . . . وشئ آخر فى رقم 9 والباقى فى رقم 2 . . .
أبو على : على بركة الله . . أبو ايمن : بقى أن أقول إنك والأخوان يستحسن أن يسهر كم واحد منكم فى جهة وعند جماعة غير مشتبه فيهم والأفضل أن تقضوا السهرة فى لعب الورق أبو على : كلام معقول .
أبو ايمن : والآن . . النقطة الهامة . . . اما تزال عند رأيك في عبد القادر ٠٠ ؟ أبو على : بكل يقين . . أبو ايمن : الا تظن ان فى الامر شيئا من المخاطرة . . ان تكلف واحدا بقتل زوج خالته . .
أبو على : هذا احد اسباب الاختيار . . . ثم انه اقدر الناس على ذلك . . وكذلك اكثرهم حماسا له . . . وقد كاد ان يفعلها وحده منذ اسبوعين وفى الجامع . . حين وقف اخونا يخطب فى الناس داعيا للتمسك بالسلطة الهاشمية . . ثم انه يتحرق ليمسح عار العائلة ولو فعلها غيره لما غفر لنا . .
أبو ايمن : لعله فقد حماسه الآن . . . ولعله . . أبو على : لا تقل لى لعله . . عبد القادر معي منذ عامين وانا اعرف به من غيرى . .
أبو ايمن : طيب . . تصرف كما تريد . . . بقيت مسألة . . اريد منك غدا ان تعمل بما يقول لك ابن خالتى حسين . . . ومعك الاخوان جميعا . . دون
مناقشة او تذمر . . . وقد يكون مما لا يرضاه الاخوان . . . ولكن اريد ان اوكد ان المسألة فى صميم الخطة . . ويجب التقيد بالتعليمات بكل دقة . . أبو على : الا يمكن ان اعرف . . .
أبو ايمن : (مقاطعا) ستعرف غدا . . عندما يأتيك حسين . . وبالمناسبة . . قد يتم اعتقالى انا غدا واذا تم ذلك فسيكون اتصالك مع الشخص الذي يقول لك كلمة " عفارم " وستعرف وقتها . .
أبو على : يا رجل شوقتني وما ذوقتني . . أبو ايمن : لا بأس . . انت تعرف لم . . أبو على : اعرف ولكن . . طيب . . غير مهم . . ( يقوم استاذن اذن . . ( يقوم أبو ايمن . . فيقفان لحظة وجها لوجه . . ثم يجدان نفسيهما مندفعين للتعانق من غير سابق تفكير . . يخرجان من غير ان يقول اى منهما اية كلمة . . . ثم يعود أبو ايمن متعب قسمات الوجه . . فيلقى بنفسه على السرير . . . وينتهى المشهد . . )
المشهد الثالث
( نفس الغرفة السابقة . . . أبو ايمن يجلس الى طاولة عليها ادوات الشاي . . معه شاب آخر فى حدود الخامسة والثلاثين . . الاثنان يحتسيان الشاى . . . والشاب الآخر يدخن . . . )
أبو ايمن : بناء على ما شرحت يا أبو عزو . . يحتمل ان يكون المختار كشف للملازم اليهودى ما يتخوف منه وربما يكون ذكر له بعض الاسماء . . فاذا فعل فمن المؤكد ان أعتقل غدا . . . ولم أقرر الهرب لانه اذا تمت العملية بنجاح وكذلك الكمين فلن تكون لمعرفة الملازم اية قيمة اذ يكون هو وصاحبه قد انتهيا . . .
أبو عزو : وإذا فرضنا ان الملازم لم يمت عند مهاجمة الدورية . . وهذا محتمل جدا كاحتمال موته . . . واذا فرضنا ان جنديا ممن كانوا معه يعرف ما يمكن ان يكون المختار قد قاله . . ثم لم يقتل هذا مع الملازم . .
أبو ايمن : يبقى احتمال ان يكون المختار لم يقل شيئا . . . أبو عزو : وهل تظنه يترك الفرصة تفلت بعد الذى كان . . . يوم الجامع . .
وهو يعرف اننا نحن الذين ألبنا الناس عليه . . واننا وراء مقاطعة انتخابه من جديد . . . وهل تظن استعراضه امس مع الملازم اليهودى الا من قبيل التحدى وكأنه يقول : " ها انا مختار رغم انوفكم جميعا " .
أبو ايمن : على كل حال لا أظنه يملك علينا حجة مادية . . . وهو يتمنى لو يكون له ذلك . . أبو عزو : ان طال به العمر فسيجد تلك الحجة ويقدمها لاسياده . . .
أبو ايمن : هو على كل حال على اتصال دائم بعمان . . . ولا أظن المخابرات الاردنية الا على اطلاع كامل بما يجرى فى البلد . . . وبالطبع . . التنسيق كامل بين هؤلاء والسلطة اليهودية .
أبو عزو : بالنسبة للسلطة الاردنية . . لن يكون الامر مهما . . اذ لا عودة لها باذن الله الى بلدنا . . أبو ايمن : وهل تظن ان اليهود سيجلون عن البلد قبل ان يسلموها لهم وهم مطمئنون . . .
أبو عزو : وماذا يهم ما دامت البنادق في ايدينا . . وسبقى مستمرين فى الطريق . . . وليس مهما ان يتكلم العدو العبرية او العربية . . اما من جهتى انا فعلى الحرام بالثلاثة . . . وامرأتى طالق بكل كتاب . . سماوي او ارضى . . لن يدخل هذه القرية ممثل عن السلطة الاردنية وانا حى وفى عرق ينبض ٠٠٠
أبو ايمن : هون عليك يا رجل . . . فليس هذا وقته . . . لنبحث الآن ما نحن فيه . . .
أبو عزو : ما نحن فيه الآن . . هو ضرورة القضاء على المختار . . . مهما كانت المخاطر . . . اعتقلنا ام لم نعتقتقل . . كشف عنا ام لم يكشف . . يكفى انه على اتصال بالسلطة الهاشمية . . . وهذا سبب كاف للقضاء عليه مثنى وثلاث ورباع . . .
أبو ايمن : القضاء عليه قرار لا رجعة فيه . . المهم الآن النتائج المترتبة على ذلك . . . نحن نريد ان نجنب البلد العواقب . . . أبو عزو : عواقب وجوده اكثر من عواقب القضاء عليه . . ولو اننى معك في انه يجب ان نعمل بحذر . . .
أبو ايمن : وهل انت معي في القيام بأى عمل لتجنب الانقسام والعداء فى البلد ؟ أبو عزو : من غير شك . . .
أبو ايمن : افهمنى اذن . . . اذا تمت العملية بنجاح . . . فعليك ما يلى . . . تنظيم حملة قوية في البلد لخروج كل الناس فى الجنازة . . . ورجال ونسوان وحتى الاطفال . . . ويجب ان يخرج الشيخ ياسين لتلاوة القرآن . . . و . . .
أبو عزو : هيه . . . انتظر . . . ما هذا ؟ أبو ايمن : اسمعنى جيدا ولا تقاطعنى . . . ما اقوله داخل فى الخطة . . . قلت جنازة كبيرة عريضة . . وفيها غسيل وصلاة وقرآن ودفن من آخر طراز . . . مفهوم يا اخانا العزيز ٠٠؟
أبو عزو : والله ما هو مفهوم أبو ايمن : اسمع يا أبو عزو . . . ما اقوله لك على غاية من الاهمية . . وان اى تهاون فيه يمكن ان يتسبب لنا فى مشاكل كبيرة . . . افهمنى جيدا . . . وسوف ينكشف لك كل شئ خلال يومين اذا سارت الامور حسب الخطة المرسومة . . .
أبو عزو : انا على كل حال مستعد لتنفيذ كل ما يطلب منى . . . لكن الناس . . . كيف يمكن اقناعهم وانت تعرف كراهيتهم للمختار . . .
أبو ايمن : يجب ان يقتنعوا . . . وانت مكلف بذلك ٠٠ وتستطيع الاعتماد على أبو على ٠٠ وسيضع نفسه تحت امرك . . بعد ان تعطيه كلمة السر . . .
أبو عزو : كلمة السر . . ؟ أبو ايمن : ان تهمس له بكلمة "عفارم" . أبو عزو : ( هامسا) عفارم . . .
أبو ايمن : نعم . . وكذلك ابن خالتى حسين . . وهذا يستطيع ان يجر وراءه نصف اهل القرية . . . وكلمة السر له . . . ( متفكرا ) " شواربك طوال ". بو عزو : ( رافعا يده الى شاربه من غير وعى ) شواربى طوال . . . أبو ايمن ( ضاحكا ) لا اعنى كلمة السر . . "شواربك طوال". . . أبو عزو : ) وهو يتلمس شاربيه ( ايوه . . . هذه حلوة . . .
أبو ايمن : كويس . . . هذه واحدة . . الثانية اننا لن نلتقى لاسبوع كامل . . . أبو عزو : كيف . . . ؟ لم ؟
- أبو ايمن : اذا اعتقلت انا غدا . . فلن نلتقى بطبيعة الحال . . او ربما نلتقى فى السجن . . . واذا لم اعتقل فسأكون فى الجنازة . . ولكن بعيدا عنكم . . ولن اكلمكم . . . وسأحاول ان القي كلمة التأبين . . فأنا على كل حال مدير المدرسة . . . وانتم من جهتكم . لا تحاولوا الاتصال بى . . . حتى ابعث . . . لك . . .
أبو عزو : حتى الآن الامر مفهوم . . ولكن اذا اعتقلت انا كذلك . . . ؟ أبو ايمن : سيتولى الامر آخر . . . أبو عزو : طيب . . ومتى ترى ان يكون الاتصال بالناس . . اعنى للجنازة . . .
وايمن : الافضل ان يكون ذلك بعد الظهر . . . اذ يحتمل ان لا يتم الدفن قبل المساء . . . اذ يحتمل ان تؤخذ الجثة للتشريح فى جنين . . ولا يتوقع ان يأتوا بها قبل العصر . . . ثم ان هنالك ابنيه فى القدس . . . المهم تفاهم انت مع الاخوان منذ ان تسمع النبأ . . واعطهم توضيحا للامر . . . ووزعهم على العائلات . . وليكن اتصالكم بالكبار منهم . . . فهؤلاء اسهل اقناعا . . . ولا سيما فى القيام بواجبات الجنازة . . .
أبو عزو : على بركة الله . . . ( ينظر فى ساعته ) لأمش الآن . . وارجو ان اراك بخير . . . ( يقوم ) . أبو ايمن : ان شاء الله . . ( يتصافحان . . وقد بدا عليهما التأثر . . . بشدان اليدين بحرارة زائدة . . . أبو عزو . . . انت دائما رجال . . .
أبو عزو يتأمل أبا ايمن صامتا . . ثم يتمالك نفسه فيحتضنه بحرارة . . . وهو يغالب الدمع ان يسيل من عينيه . . . يخرج الاثنان معا . . . ثم يعود أبو ايمن ويجلس على السرير وهو يضم رأسه بين كفيه . . . يدخل ابن خالته حسين من غير ان يشعر به . . . ) .
حسين : مرحبا . . . أبو ايمن : أهلا حسين . . . تفضل . . .
حسين : جئت قبل قليل . . . وكنت مع الوالدة . . . أبو ايمن : جئت في وقتك . . . حسين : خيرا ان شاء الله . . . أبو اين : خير . . ماذا عملت انت اولا . . .
حسين : بلغت الامانة . . . وابن الشيخ تاج سيأتيك فى الوقت المحدد . . . أبو ايمن : اسمع . . . غدا يأتيك شخص . . . من هنا من القرية . . . تعرفه جيدا . . . ويهمس لك . . ." شواربك طوال" . . . هذا الشخص هو الذى بنوبنى في تسيير الامور . . وعليكم التقيد بأوامره . . . حسين : خيرا ان شاء الله . . وانت اين ذاهب بالسلامة . . . ؟
أبو ايمن : لست ذاهبا . . وانما من قبيل الاحتياط . . فقد أعتقل . . وحتى ان لم أعتقل وبقيت فى القرية . . . فان تروني . . واريدك انت ان تنقطع عن الاتصال بى لاسبوع كامل على الاقل . . . حسين : ولم كل هذا . . . هل من جديد ؟
أبو ايمن : دورية الملازم راؤول ستتعرض للهجوم اثناء عودتها لجنين . . . هذه الليلة . . . فعليك ان لا تخرج من الدار هذه الليلة . . . واذا خرجت فحاول ان تسهر مع جماعة من الناس . . . تلعبون الورق . . . حسن : وهل علينا ان نستعد للمجابهة . . .
أبو ايمن : لا . . ابدا . . لن يوزع عليكم السلاح هذه المرة . . . حسين : شغلت بالى يا رجل . . . ولم اذن تعتقل انت . . . أبو ايمن : احتمالا لانتقام المختار . . . على كل حال . . المسألة فى حكم الاحتمال . . المهم ان تنفذ ما يقوله لك صاحب كلمة السر . .
حسين : كلمة السر ؟ نسيت والله ذكرنى . . . أبو ايمن : خل عقلك في راسك يا رجل . . " شواربك طوال" حسين : شواربك طوال . . . أبو ايمن : هذه كلمة السر . . . ولا تنس الوصية الاخرى . . حسين : ما هى . . . ؟ نسيت .
أبو ايمن : لا تتصل بى ولا تأت الى هنا حتى ابعث لك . . واذا رأيتنى غدا . . فلا تقف معى اينما كنت . . . والآن . . . من غير مطرود . . . امش تعش . . وابحث عن سهرة مع جماعة . . . أو ادم . . . حسين : وهل تعرفنى أعاشر الأوادم ؟
أبو ايمن : حاول اليوم . . . على الاقل . . والآن . . انا خارج وحدى . . ابق انت مع خالتك حوالى نصف ساعة . . . ثم اخرج ان شئت . . . حسين : طيب . . مع السلامة . . . في حفظ الله . أبو ايمن : (يمد يده لحسين مصافحا ومبتسما ) عهدى بك رجال يا حسين . . . حسين : ولا يهمك . . . ما عندك الا الرجال . . . امس واليوم وغدا . . . توكل على الله . . . الله معك . . . يخرج أبو ايمن . . . مع انتهاء المشهد . . . )
المشهد الرابع
(نفس الغرفة . . أبو ايمن يجلس على حافة السرير . . . عليه مظاهر التعب شعره غير منظم . . ولحيته غير حليقة . . . معه ابن خالته حسين . . ) أبو ايمن : يا رجل . . الم اقل لا تأتينى قبل اسبوع . . ؟ صين : لم استطع . . . لو لم يكونا آتيين لما أتيت . . لكننى لا اطمئن لهما وانت وحدك . .
أبو ايمن : اما انا فلست خائفا . . انت لا تعرفهما مثلى . . تخوفاتك لا محل لها . . . حسين : انا فعلا متخوف . . . قلبي يحدثني انهما يدبران امرا . . لعلهما عرفا شيئا . .
أبو ايمن : لا اظن . . . تصرفهما معى . . امس واليوم كان وديا . . . حسين : لعله الخبث . . . يخفيان تحته حقد الانتقام . . هل تظن ان من السهل عليهما القبول بمصرع والدهما . . . وهل تظن انهما لن يحاولا معرفة من وراء ذلك . . ثم الاخذ بالثأر . . . ؟
أبو ايمن : يبدو انهما كانا يتوقعان مثل ذلك الامر . . تصرفهما كان بالفعل غريبا . . . الاستسلام التام للقدر الذى وقع . . .
حسين : حتى افراد العائلة الآخرون . . . هل لاحظت . . ؟ لم تظهر عليهم امارات الحزن الشديد لمقتل واحد منهم . . . هو من كبار العائلة على كل حال . . .
أبو ايمن : فعلا . . . بل أكثر من ذلك . . . كأننى أحسست ان عند الكثيرين منهم شعورا خفيا بالارتياح . . . لموت انسان كانوا يعتبرونه وصمة عار فى العائلة . . . ولولا النعرة العصبية لقتلوه هم بانفسهم . . .
حسين : لو انك فقط تشفى غليل قلبي . . . فتعلمني من من الاولاد كان له الحظ فى اراحتنا منه . . .
أبو ايمن : سوف تعرف كل شئ فى الوقت المناسب . . . انا لا اخفيه عنك الا للضرورات السلامة . . .
حسين : وهل تخاف منى .. ؟ أبو ايمين : لا . . . أخاف لحظة الضعف . حسين : ولو يا أبو ايمن . . . حسين يضعف ٠٠٠ ؟ أبو ايمن : كل الناس يضعفون فى بعض الاوقات . . حتى الانبياء . . لكن ما أهمية ان تعرف من قام بالعملية . . . المهم العملية نفسها . .
حسين : يا رجل تمت بمنتهى الدقة . . حقيقة هو ابن ابيه بالفعل . . ذاك الذي قام بها والله يستحق بوسة من بين عينيه . . . لكننى والحق يقال حزين اشد الحزن اننى لم اكن انا صاحب اليد البيضاء . . كانت فرصة العمر وضاعت منك يا حسين . .
أبو ايمن : ولكنك قمت بعمل لا يقل اهمية . . حسين : ونلت نصيبا وافرا من السباب واللعنات . أبو ايمن : وهنا ظهرت قوتك الحقيقية . . .
حسين : يا رجل . . . لم ادر والله كيف انزل الله على الصبر وطول البال . . بالحرام لو ان واحدا منهم تفوه فى الاحوال العادية بكلمة واحدة مما قاله فى الجنازة لأخرجت له عينيه واطعمتهما للقطط . . . . لكن الله لا يبتلي حتى يعين . . . أبو ايمن : كانت مهمتك صعبة بالفعل . . .
حسين : ان تقنع الناس ان يمشوا فى جنازة واحد كل فرد منهم يتمنى لو كان قاتله . . أبو ايمن : وكانت فعلا جنازة كبيرة . .
حسين : يا رجل ما ان انزلناه فى الحفرة حتى كادت ارواحنا ان تطلع . . كم خفنا ان يقوم احدهم بافساد التركيبة . . وكم كنت ان اخشى ان يرمك احدهم بحجر وانت فوق القبر تلقى خطبة الرثاء . . . فينزل لك فى الحفرة معه ( أبو ايمن يضحك للفكرة ) . . . تضحك ٠٠ ؟
أبو ايمن : اضحك لطرافة الفكرة . . ان اكون واحمد الغانم في حفرة واحدة ٠٠ . حسين : الفكرة ليست من عندى . . سمعت احدهم يقول . . آه يا كلب يا ابن الكلب . . يا من يعطيك واحدة تنزلك معه فى القبر . .
أبو ايمن : لا باس . . عندهم الحق . . المهم ان الامور سارت حتى الآن سلامات . . لان الغريب ان القرية لم تحاصر حتى الآن . . . بخصوص الملازم راؤول . . .
حسين : جزين فدتنا . . . صبوا عليها غضبهم كله . . . وخرجنا نحن سلامات أبو ايمن : دورنا فى الطريق . . لن تسكت السلطة عنا . . . الا ان هما غطى على هم . . . لا اظنهم يسكتون على مصرع المختار . . .
حسين : وقتها . . لكل حادث حديث . . . لكن الآن . . ( يسمع طرق علا الباب . . . ) ( يقوم حسين فورا . . فيسحب مسدسسا من جيب سرواله الخلفى ثم يعده للاطلاق بوضع الخرطوشة فى بيت النار . . . )
أبو ايمن : حسين . . ما لك ؟ مجنون ؟ حسين : لا . . . احتياطا للطوارئ . . لست مطمئنا . أبو ايمين : يا رجل اعقل ولا تورطنا . . هات المسدس . حسين : ( يضع المسدس فى جيبه ) لا . . . لا تخف . . سأكون حذرا . . لكن ساظل معك . .
أبو ايمن : قلت أعقل ولا تكن اهوج . حسين : لا تقلق . . سأكون كما تريد . . . لكن دعنى ابقى معك . . ولن أتكلم ٠٠
أبو ايمين : ( يهز رأسه محنقا ومحرجا ) لا حول ولا قوة الا بالله . . ( يخرج من الغرفه . . ويسمع صوته فى الخارج يرحب بالقادمين . . ) اهلا . . اهلا . . تفضلوا يدخل الغرفة رجل في حدود الاربعين . . . يتبعه اخر أصغر منه ببضع سنين . . ثم يدخل أبو ايمن . . . حسين يستقبل القادمين . . . )
حسين : ( مصافحا الاكبر ) البقية فى حياتك يا اخ صالح . . . ( مصافحا الاصغر ) يسلم راسك يا أخ صادق . . الاخ الاكبر : لا اراك الله مكروها . . الاخ الاصغر : وراسك سالم يا أخ حسين
أبو ايمن : تفضلوا . . ( يعد لهما كرسيين فيجلسان . . . ويجلس حسين فى ركن من الغرفة ويلقي أبو ايمن عليه نظرة تنم عن تخوف . . . وتذكره الالتزام بالتعقل . . ) كيف حال الاولاد الآن . . عسى ان تكون احزانهم خفت . . .
الاخ الاكبر : نسبيا . . . والفضل للوالدة الكريمة . . وشكرا على ما قامت به هذه الايام الثلاثة . . أبو ايمن : لا شكر على واجب . . نحن اهل . .
الاخ الاكبر : نحن فى الواقع عاجزون عن التعبير عن مشاعر الامتنان . . بومن : استغفر الله . . فلم نقم الا بالواجب . . لاخ الاكبر : كانت كلماتكم الرقيقة فى تأبين الوالد فى غاية التأثير . .
أبو ايمن : كان المرحوم عزيزا علينا . . كما كان عليكم . . . كنا معه ربما اكثر مما كنتم انتم معه الاخ الاكبر : بالفعل . وهذا ما يؤسف له . . . ان يتشتت الولد عن والده . . فى ظروف . . . . قاسية كظروفنا هذه . .
أبو ايمن : كم كان افضل لو كنتم فى القرية . . يصير عليكم ما يصير على الناس . .
الاخ الاكبر : ايه . . جروح القلب تتفتح من جديد . . . ولا اظنه تخفى عليك ظروف رحيلنا عن القرية . . . ولو ان الوقت الآن غير مناسب للكلام . أبو ايمن : هي اقدار على كل حال . . . الاخ الاصغر : اقدار صنعناها بايدينا . . وبذور حصدنا سنابلها .
أبو ايمن : وماذا يفعل انسان مسؤول فى ظرف احتلال . . . لاخ الاصغر : مسؤولية ما كان اغنانا عنها . . الاخ الاكبر : كم حاولنا ان ننهاه عن هذه المخترة . . رحمه الله . . الاخ الاصغر : كان متعلقا بها وكأنها ملك هرون الرشيد . .
أبو ايمن : لا عجب فى ذلك . . فالانسان انسان قبل كل شئ . . له طموحه . . واقتناعه . . ولعل المرحوم كان مقتنعا ان فى المخترة خدمه للقرية والناس . . .
الاخ الاصغر : وهل رضي الناس ؟ . . هل انتخبه الناس ؟ . . ألسنا نعرف جميعا ظروف وضعه وتنصيبه ؟ . . لم خالفناه اذن . . وهربنا منه . . وتفرقنا مشتتين . . ؟
الاخ الاكبر : صل على النبي الآن يا صالح . . نحن لم نأت لهذا . . الاخ الاصغر : لا استطيع ان انسى هذا . . . لا فى ليل ولا فى نهار . . ايهون على ان يقتل أبى وهو فى عين الناس خائن . . ؟
أبو ايمن : ( لابن خالته ) يا حسين . . بالله قل لخالتك . . فئحان قهوة . . ( يلقى اليه بنظرة من يريده ان يترك الغرفة ) ( يلتفت للاخ الأكبر ) عفوا قطعت عليك كلامك . . ( حسين يخرج ).
الاخ الاكبر : الواقع ان الانسان لا يجد ما يقول فى مثل هذه الظروف . . . الاخ الاصغر : اللعنات تقذف فى وجوهنا علنا . . . حتى فى الجنازة . . لم يكن خافيا ان الوجوه الصامتة كانت شامتة . .
الاخ الاكبر : على كل حال . . كثر الله خيركم وخير الناس . . على الاقل ساروا فى الجنازة . . أما القلوب فالله وحده اعلم بها . .
أبو ايمن : الحقيقة انك تأتي لتلوم فتعذر . . . اهل البلد معذورون . . يرون سلطة الاحتلال ورجالها يترددون على الوالد فلا يملكون الا الغضب . . . ونحن لا نستطيع ان تفرض فى الناس جميعا ان يقدروا موقفه كمختار للبلد . . وبصورة اخرى ممثلا لهذه السلطة . . . شرعية كانت أم غير شرعية . .
الاخ الاصغر : وما الجأنا نحن لهذا . . . ما لنا والتنطع لهذا الامر . . . . الإخ الإكبر : بالله . . اتركونا من هذه القصة الآن . . . نريد يا استاذ ان نطمئن عليك اعنى فى مسألة التحقيق . . .
أبو ايمن : لا داعي للقلق . . . لم يتتجاوز الامر الاستجواب . . . أين كنت ، أين سهرت ، ما علاقتك بالمرحوم ، وفيمن تشك . . . وما الى ذلك . . . وما يزال بعض الاولاد فى المركز فى جنين .
الاخ الاكبر : اسمع يا استاذ . . بكل صراحة . . نحن ابناء المغدور وباعتبارنا المعنيين فى الامر مباشرة . . نريد ان نعتبر الامر منتهيا . . بالنسبة لنا هو قدر من الله ولا اعتراض على حكمه وهو الذي هيأ له اسبابه . . نحن لن ندعى على احد . . ولن نلاحق احدا ويهمنا ان نفتح مع اهل القرية صفحة جديدة . . . ولقد عملنا جهدنا ان نبعد التهمة عن الجميع . . . . ولا سيما بالنسبة لك خاصة . . . ولا نخفى عنك . . . ان رائحة الشكوك تدور حولك انت بالذات . .
الإخ الاصغر : فعلا . . الاسئلة فى التحقيق فى معظمها تدور حولك انت . . أبو ايمن : في مثل هذه الاحوال يمكن ان توجه التهمة الى اى فرد فى القرية . . تريد السلطة ان تتخلص منه ٠٠ كما انها مناسبة لخلق بذور الانقسام فى البلد وبث العداوة بين العائلات . . عن طريق الايحاء بان فلانا يشتبه فيه وان الفلان الفلانى يشك فيه حتى يصبح ذلك حديث الناس وتتحول الشكوك الى يقين فى نفوس بعض الناس وتبدأ الاقاويل فى الانتشار . . ويكثر القيد والقال . . . وانا من جهتى اوكد لكم ان جميع الموقوفين الآن ابرياء وان ليلة الحادث كانوا يسهرون عند سليمان بن الحاج موسى . . .
الاخ الاكبر : انا قلت قبل قليل اننا نريد ان نعتبر المسألة منتهية . . ما وقع اراده الله ان يقع وان أيا من افراد العائلة لن يثير المشاكل فى القرية بسبب هذه المسألة . . . وان هنا وبصفتك مدير المدرسة ورئيس جمعية المواساة تستطيع ان تتصرف على هذا الاساس
أبو ايمن : المهم الآن ان نحافظ على تماسك اهل القرية . . . المهم ألا نسمح للسلطة المحتلة ان تستغل الحادث لاحداث الشقاق بين العائلات . . وسوف نحاول ذلك . . بالصاق التهم فى هذا او ذاك من الناس . . او الهمس فى اذن بعض اهل الفقيد بان هذا او ذاك هو الفاعل .
الاخ الاكبر : نحن من جهتنا لن نستمع لا للتهم ولا للهمسات . . وكذلك افراد العائلة جميعا . الاخ الاصغر : ما دمنا فتحنا الموضوع . . . اريد ان ابين نقطة ٠٠ بعض الاولاد فى العائلة يقولون ان العملة قام بها ابن الحاج موسى . . .
أبو ايمن : ومن هم هؤلاء الاولاد . . هل كانوا بين المعتقلين ؟ الاخ الاصغر : بعضهم كان أبو ايمن : أرأيت يا أخ صالح . . بدأوا فى زرع جرثومة الخلاف فى البلد . . من المحتمل ان يكونوا اوحوا لهم بالفكرة اثناء التحقيق . . وتركوها فى قلوبهم . . وهل عرفت لم وجهوا الاضواء نحو ابن الحاج موسى . . اولا للخلاف الذى حصل اثناء انتخابات المخترة . . ثانيا لما عرد من تناحر بين عائلتكم وعائلة الحاج موسى من قديم الزمن . . . واخيرا العراك الذي جد فى الجامع مؤخرا . . بين المرحوم والشيخ تاج الموسى . . .
الاخ الاكبر : انا كما قلت لن آخذ بهذه الاقوال . . حتى لو كانت فعلا صحيحة . . .
أبو ايمن : انا على كل حال اشاطر الاخ الصادق في اهتمامه بالموضوع . . هذا شئ طبيعي وكنت فى الواقع افكر في بحث الامر معكما لانه يهمنى انا شخصيا . . فكل واحد منا معني مباشرة بكل ما يجرى فى البلد من خير او شر . . وكل واحد مسؤول مباشرة فى هذه الفترة الحرجة من حياتنا وتاريخ بلدنا . .
الاخ الأكبر : انا من جهتى مستعد للانضمام لكل جهد يهدف لتحقيق هذه الغابة . . .
أبو ايمن : لست ادرى ان كنت متطفلا حين ارجو منكم ان تعتبروني واحدا منكم فى هذه المحنة التى نعيشها جميعا . الاخ الأكبر : انت واحد منا . . . دائما . . ولولا ذلك لما فتحنا لك قلوبنا . . ولعلك لا تعرف كما نعرف نحن ما كانت عليه العلاقة بين والدينا . . من ايام ال 29 وال 36 .
أبو ايمن : اعرف ذلك . . وكم حدثني والدى رحمه الله عن مراحل الجهاد . . الذى شارك فيه مع والدكم . . .
الاخ الاصغر : ومات أبوك شهيدا . . ومات أبي خائنا . . لاخ الاكبر : صل على النبي يا صالح . . هذا عقوق . . لاخ الاصغر : انا اقول ما يقول به الناس . لاخ الاكبر : فليقل الناس ما يشاؤون . .
الاخ الاصغر : ان لم يكن كذلك فماذا يكون اذن . . انا لا اجد لذلك تفسيرا . . كيف يكون المجاهد الكبير فى ال 29 وال 36 يحارب اليهود والانكليز معا ثم يقبل ان يكون الآن مختارا فى رعاية اليهود وظلهم . . ؟ أبو ايمن : هذه هي النقطة التى يجدر بنا ان ننظر فيها ونحاول ان نكشف ما وراءها
الاخ الإكبر : الانسان ابن الظرف . . والقلوب بيد الله يقلبها حيث يشاء . الاخ الاصغر : انا لا استطيع ان افهم هذا . . . ولا اقبله . .
أبو ايمن : انا فى الحقيقة عندى تفسير آخر للمسألة . . . ( يسكت قليلا . . وينتظر الاخوان منه ان يستأنف الحديث ) . . . عندى سؤال . . ان سمحتم . . هل سمعت يا أخ صادق ما أعلنته رابطة الدفاع اليهودية مؤخرا من أنها ستنبش فى ملفات حوادث ال 29 وال 36 ؟
الاخ الاصغر : تعنى انهم كشفوه . . أبو ايمن : الا يحتمل ان يكون ذلك . . . ؟ الاخ الاصغر : تعنى انهم هم الذين دبروا امر اغتياله ؟ أبو ايمن : الا يحتمل ذلك ؟ بطبيعة الحال ليس عندى ادلة على ما أقول . . . لكن هذا الاحتمال اقوى من احتمال ان يكون ابن الحاج موسى هو الذي قتله . . . وهو الذى كان يسهر مع عدد من الناس الى ما بعد منتصف الليل . . . وقت الحادث . . .
الاخ الاصغر : ولكن كيف لهم ان يقتلوه وهو يعمل معهم . . اعني في ظل احتلالهم . . وحكومتهم هى التى نصبته مختارا على البلد . . .
أبو ايمن : اكلوه ثمرة . . ورموه قشرة . . بل لعل اختياره بالذات والاصرار على تعيينه . . له مغزى بعيد . . الاخ الاصغر : لم اعد افهم شيئا . .
أبو ايمن : انا اعتقد ان تعيين الوالد ثم اظهار كل ذلك الود له كان يرمى لهدف بعيد . . كانوا يريدون ان يقولوا للناس . . . انظروا ثائركم القديم . . وزعيم الثوار فى ال 29 وال 36 . . وال 48 . . انظروا ال طأطأ الرأس لنا وتعاون معنا . . . واصبح سوطا لنا عليكم . . ارادوا ان بفقدوا الناس الثقة برجالهم ماضيهم وحاضرهم . . . وما دام الوطني الشريف يمكن ان يكون يوما خائنا فما الفائدة فى الثورة والثوار . . .
الاخ الاكبر : ومع الاسف : نجحوا الى حد كبير . . بات الناس يعتبرونه خائنا . . .
الإخ الاصغر : ولم لا نقول الحقيقة . . . . لم لا نعترف بالحقيقة . . ل لا نقول انه هو الذى فعل بنفسه ما فعل . . لم لا نقول انه اراد ان يستسمح اليهود عما فعل . . ان يقدم لهم شواهد الغفران . . ان يعفوا عنه . . ان يسامحوه . . ان يبقوا على حياته . . .
الاخ الاكبر : . . " ونفس وما سواها ، فألهمها فجورها وتقواها . . " الاخ الاصغر : هكذا . . ابق العمر كله هات الآية تلو الآية تبريرا للاعمال الصالحة والطالحة . . الاخ الاكبر : يا أخي وماذا نملك نحن ان نفعل . . قضاء من الله وقد وقع . .
الاخ الاصغر : انا لا افهم هذا . . اريد ان افهم . . لم يعد بهمني من الذي فتلة . . ولست مهتما بثار او بعار . . . اريد ان افهم كيف يمكن لمن كان لا يخرج للمعركة الا بكفن الشهداء . . ان يصبح . . وبكل صراحة ومرارة . . احببنا ام كرهنا . . . خائنا . .
أبو ايمن : اسمع يا أخ صادق . . . لا ترم الكلام هكذا جزافا . . ترو قليلا واحترز . . قل مثلا . . . هو هكذا فى اعين الناس على الاقل . . الاخ الاصغر : لم افهم . . ماذا تقصد ؟ ابو ايمن : اقصد ان ليس كل ما يعتقد الناس او برونه . . هو الحقيقة دائما . . .
الاخ الاصغر : ما زلت لم افهم . أبو ايمن : هذه هي الحقيقة . . . . ولنضع النقاط على الحروف . . . وهي مسألة كنت أفضل ان لا نبحثها الآن . . . لكن ما دام الحديث قادنا الى لب الموضوع . . . فلنكشف كل الاوراق . . .
الاخ الاكبر : تفضل . . . استاذ أبو ايمن : فى ذهن الاخ صادق نقطة مبهمة . . هو لا يستطيع ان يقبل ان يكون والده متعاونا مع اليهود وله الحق فى ذلك . . اذ لا يعقل ان يكون الشيخ احمد الغانم خائنا . . وهو الذى قضى حياته كلها مناضلا بل من زعماء المناضلين . .
الاخ الاصغر : هذا ما اريد ان افهمه . . أبو ايمن : لا يا أخ صادق . . . أبوك عاش مناضلا مجاهدا . . . ومات وهو مناضل مجاهد . . . الاخ الاصغر : لم افهم . . .
( يدق الباب ويدخل حسين يحمل صينية عليها ثلاثة فناجين من القهوة . . يقدم واحدا لكل من الضيفين . . . وعندما يقدم الثالث لأبى ايمن يغمز بعينيه وبعض على شفتيه محاولا ان يوحى لأبى ايمن بشئ . . الا ان ابا ايمن يتجاهل اشاراته . . وتجنب ان ينظر اليه خشية ان يلحظ الاخوان الاشارات . . حسين ينتهى من تقديم القهوة فيضع الصينية على الطاولة فيأخذ لنفسه مكانا على السرير . . . يخيم الصمت على الجميع مع الشعور بالحرج لوجود حسين . . )
أبو ايمن ( لحسين ) : وانت لا تشرب ؟ حسين : شربت قبل ان آتي ٠٠ شكرا . . ( لحطات اخرى حرجة . . يتشاغل فيها الجميع بشرب القهوة . . . ) . أبو ايمن (يقطع الصمت) : بالله يا حسين . . . خالتك بحاجة لطحن القمحات . . . وهي منذ يومين متعطلة . . لا تجد من يحملها للمطحنة . . . ان لم تكن مشغولا . . .
حسين : ( يقوم وقد شعر بالحرج . . اذ فهم ان ابا ايمن يريده ان يخرج من الغرفة ) حاضر . . . بخاطركم يا اخوان . . . ( يصافح الاخوين ويخرج . . لحظة صمت اخرى . . . لالتقاط الانفاس . . . واستعادة الافكار التى قطعها قدوم حسين . . . ) .
أبو ايمن : أردت ان اقول ان عندى تفسيرا آخر لاغتيال المرحوم . . . كنت ذكرت علاقة رابطة الدفاع اليهودية بذلك . . اريد ان اربط معها حقيقة ان المرحوم قد قلب القدر فوق رأس الطباخين . . اعنى ان اليهود ارادوه عينا لهم فكان عينا عليهم . . وعندما اكتشفوا امره . . دبروا امر اغتياله . . وفى ذهنهم انهم استنفدوا اغراضهم منه . . اعنى تشويه سمعته عند الناس . . . ومعه سمعة كل المجاهدين . .
الاخ الاصغر : تعنى . . ( لا يستطيع ان يكمل . . اذ قد ارتج عليه . . ) . أبو ايمن : نعم . . . اعنى ان المرحوم كان يقوم بدور الخائن المتعاون . . . كان فى فم الاسد ولكنه كان يخلع له انيابه . .
الاخ الاكبر : لا حول ولا قوة إلا بالله . . أبو ايمن : وفي لحظة الالم . . اطبق عليه فكيه . . وقتله . . الاخ الاصغر : تعنى انهم اكتشفوا امره . . أبو ايمن : يبدو ذلك . . الاخ الأكبر : آمنت بالله . . يصرف الامور كيف يشاء الاخ الاصغر : اكاد لا اصدق . . . شئ غريب . .
أبو ايمن : نعم . . كان المرحوم والدكم يقوم بمهمة انتحارية . . . من منا بلغت فيه اللوطنية درجة يقبل معها ان يوصم بالخيانة . . . ويتعرض للاحتقار . . واخيرا للموت . . من اجل بلد ابناؤه ، يلعنونه فى السر والعلن . . وهو صابر كاتم للسر عامل بصمت . . متوقعا كل يوم ان يفتك به واحد منهم . . أو من اليهود انفسهم لو حصل وانكشف امره . . وهذا ما حصل فعلا ٠٠
( الاخ الاصغر يدفن وجهه بين يديه . . بينما الاخ الاكبر صامت متفكر . . يتجلد خوفا من أن تنهمر الدموع من عينيه . . . ) ( ستأنف أبو ايمن الحديث ) ولعل اكبر شاهد على ذلك . . اخه بينما كان الملازم راؤول وجنوده يتعشون
مع الوالد . . كان الشباب ينصهون لهم الكمين . . ولعل الوالد كان دبر امر العشاء خصيصا لذلك . . . رحم الله الحاج . . حتى الناس أبوا ان يشيعوه الى مقره الاخير . . .
الاخ الاكبر : وكان ظاهرا انهم دفعوا لذلك دفعا . . أبو ايمن : حق الشهداء علينا . . ووفاء للذين ما يزالون بين فكى الاسد فى هذه القرية وغيرها من قرى الوطن . . .
( فترة صمت . . يكون خلالها الاخ الاصغر ما يزال يدفن رأسه بين كفيه . . ) هون عليك يا أخ صادق . . . ليس اشرف من ميتة المرحوم . . الاخ الأصغر : ( من غير ان يرفع رأسه ) وما الفائدة . . هو عند الناس خائن . . .
أبو ايمن : في يوم ما سوف يعرف الناس الحقيقة . . . وعندها سيكبر فى عينهم كأكبر ما يكون الشهداء الإخ الاصغر : ) يهز رأسه أسفا ويأسا . . يمسح عينيه بمنديل . . بينما يسود الصمت الجميع ( شهداء . . شهداء . .
أبو ايمن : ) مستأنفا الحديث ) ما دمنا بحثنا الامور كلها . . . وما دمنا فتحنا الحديث . . عندى مسألة اود لو تسمحوا لي ان ابحثها . . الآن . . . اذ قد لا تتاح لنا فرصة اخرى مناسبة . . . قبل وقت طويل . . .
الاخ الاكبر : تفضل يا استاذ أبو ايمن : هناك مسألة المخترة . . الاخ الاكبر : ماذا تعنى أبو ايمن : أعني مسألة خلافة المرحوم فى مخترة البلد . . الاخ الاكبر : لم افهم قصدك تماما . . .
أبو ايمن : اعنيى . . ما رأيكم في عمكم الحاج عبد السلام . . ؟ ( يتبعه الاخ الاصغر ٠٠ ويرفع رأسه لكنه لا يقول شيئا . . منتظرا ما سيقوله اخوه الاكبر . . . ) . الاخ الاكبر : عمى عبد السلام ٠٠ ؟ أبو ايمن : بالضبط . .
الاخ الاكبر : ولم . . ؟ . . لم عمى عبدالسلام بالذات ؟ أبو ايمن : ولم لا ؟ الاخ الاكبر : ... لا ... لا ... غير معقول . . بعد الذي كان . أبو ايمن : ولم ؟ وماذا كان ؟ . . وقد عرفتم كل شئ . .
الاخ الاكبر : يا استاذ اسمع . . اريد ان اقول وبكل صراحة . . نحن فى قرارة نفوسنا قد حمدنا الله ان ارتحنا منها . . استغفر الله . . اعنى يكفينا ما عانت العائلة حتى الآن . . .
الاخ الاصغر : ( متدخلا فى الحديث ) اسمع يا ابن عمى . . خل الدور لغيرنا . . . نحن يكفينا . أبو ايمن : ولكن لا تنسى ان عائلتكم هى اكبر عائلة فى البلد . . ومن الطبيعي ان يكون المختار منكم
الاخ الاكبر : نحن على كل حال متنازلون لغيرنا . . . لأى واحد تختارونه . . أبو ايمن : المسألة يا أخ صالح ليست امتياز يمكن التنازل عنه . . هي خدمة للبلد . . تضحية . . . ( فترة صمت . . . الحيرة تأخذ الاخوين . . . ) ٠٠ وانا واثق لو ان المرحوم عاد للحياة مرة اخرى . . وعرضت عليه لما تردد فى القبول . . . ( فترة صمت اخرى . . الاخوان حائران ) على كل حال ان اردت فترة للتفكير فلا بأس . . هذين اليومين . . .
الاخ الاكبر : استاذ اسمح لى لحظة . . اريد ان اكون اكثر فهما للموضوع . . . اريد ان اضع النقاط على الحروف . . . هل كلفتك القيادة بذلك . . ؟ أبو ايمن : طبعا لا . . . لان المسألة بنت الساعة . . . ( فترة صمت )
الاخ الاكبر : انا على كل حال لا اعرف رأى عمى فى الموضوع . . . لكنى اعتقد انه لن يرضى . . . أبو ايمن : لكن انا واثق انك تستطيع ان تقنعه لو حاولت مخلصا . . فكلمتك مسموعة فى العائلة . . الاخ الاكبر : دعنى اقول بصراحة . . انا نفسي غير مقتننع بالفكرة من حيث
المبدأ . . اراها غير معقولة لس من المعقول ان تكون المخترة احتكارا لنا . . فى البلد كثير غيرنا . . أبو ايمن : لكن انتم الاكثر عددا . . الاخ الاكبر : ثم يكفينا الوصمة التى لحقتنا حتى الآن . .
أبو ايمن : دعنى أقول يا أخ صالح ان اختيار واحد منكم فيه على الاقل براءة للمرحوم مما يتهم به . . .
الاخ الاصغر : ( متدخلا بحدة ) بالعكس . . . ستزداد نقمة الناس علينا . . . وهم لا يعرفون الحقيقة . . . . ولا يمكن لهم أن يعرفوا . . سيعتبرون اختيار عمى تحديا آخر . . ثم انه يثبت الوصمة فى العائلة كلها . . . كعملية لليهود . . .
أبو ايمن : الناس نحن نتكفل بهم . . نحن نضمن له النجاح بالاكثرية الساحقة . . المهم ان يقبل وتقبلون انتم . .
الاخ الإصغر : حتى لو قبل هو وقبلنا نحن فان العائلة لن تقبل . . . لن يرضى اى فرد من العائلة ان نعود للهم الذى كنا فيه . . . ولولا الخوف من الله لقلت ان موت الوالد اراحنا من الكابوس الذى كان يركبنا ليل نهار . .
أبو ايمن : حتى بعد الذى عرفته من امر الوالد ؟ الإخ الاصغر : ليس المهم ان اعرف انا . . المهم ان يعرف الناس . . لنستطيع ان نعيش . . . أبو ايمن : ومالك وللناس . . . ؟
الاخ الاصغر : مالى وللناس ؟ واين نعيش نحن ؟ ألسنا بين الناس ؟ انظر اليهم كيف ينظرون الينا . أبو ايمن : المهم هو القيام بالواجب . . . امام الله والوطن . . الاخ الاصغر : نحن بشر . . . نعيش مع الناس . . وحين يكرهنا الناس لا نستطيع ان نعيش ولا ان نكسب لقمة الخبز . . نحن عندنا اولاد يهمنا ان يعيشوا فى المجتمع من غير ان يشعروا بالعار . أبو ايمن : ولو نظر كل فرد الى نفسه لمن نترك خدمة الوطن ؟
الاخ الاصغر : نحن مستعدون ان نقوم بواجبنا نحو الوطن . . . بالمال ان اردتم . . والنفس ان لزم . . أنا شخصيا مستعد ان احمل البارودة والتحق بالمغاور مع الفدائيين وأموت . . .
أبو ايمن : وهل كل الفدائيين فى المغاور . . ؟ الثورة بحاجة الرجال العاملين حتى فى عقر دار العدو . . الا تظن انه حتى من بين الفلسطينيين الذين تجندهم اسرائيل فى جيشها يوجد من يتعاون مع الثورة ؟ والذين يعملون فى المصانع الاسرائيلية اتظن ان ليس من بينهم فدائيون ؟ وهؤلاء أليس لهم ابناء وأهل ؟ هذه هي الفدائية العظيمة . . ماذا تقول يا أخ صالح ؟
الاخ الاكبر : والله لا أدرى المسألة كبيرة . أبو ايمن : ألم يكن للنبي فدائيون بين قريش ؟ ألم يكونوا كفرة فى عيون المسلمين فى سبيل الله . . وقد اتى اليوم الذى عرف فيه الناس حقيقتهم . .
الاخ الاكبر : اللهم اجعل لنا من امرنا رشدا . . والله لا ادرى الاخ الاصغر : ان كنت انت لا تدرى فانا ادرى . . انا لن اسمح لواحد من العائلة ان يكون مختارا . . وبالحرام بالثلاثة ان قبل عمك عبد السلام هذه المخترة اللعينة لاكون انا قاتله بيدى هذه وخل القيامة تقوم . .
الاخ الاكبر : يا صادق صل على النبي ما هذا الكلام . . ؟ وكيف لك ان تقيس وتفصل وحدك ؟ العائلة فيها رجال يجتمعون ويقررون ما يرونه مناسبا . . وليس ما يمنع ان نعرض الامر عليهم .
الاخ الاصغر : هذا الامر سيقسم العائلة . . ويثير فيها الخلاف . . الاخ الاكبر : إذا كانت خدمة الوطن تثير الخلاف . . فهل الخيانة تخلق الوئام ؟
الاخ الاصغر : لكن الخيانة فى ما تريده من العائلة . . أليس العمل فى خدمة اليهود وتحت رعايتهم خيانة . . ؟ الاخ الاكبر : الحرب خدعة . . . أبوك قتله اليهود . . ويجب ان ننتقم والجهاد بكل الصور والوسائل
الاخ الاصغر : الجهاد فى صورة الخيانة . . الاخ الاكبر : لا تهمنا الصورة . . تهمنا النية . . . وعمك فوق الشبهات الناس جميعا يعرفونه مجاهدا فى ال 29 وال 36 وال 48 . . . وكل عمره رفيق للمرحوم أبينا . . .
الاخ الاصغر : وسيكون امام الناس خائنا . . تماما كالمرحوم أبيا . . الاخ الاكبر : الله وحده اعلم . . الاخ الاصغر : وستظل هذه العائلة توصم بالخيانة للأبد . . أبا عن جد . الاخ الاكبر : انظل ننظر للناس . . . ؟ أليس الواجب قبل الناس ؟ سيأتي يوم يعرف فيه الناس الحقيقة
الاخ الاصغر : " عيش يا كديش ليطلع الحشيش " . . هل ضمنت من الله عمرا حتى يعرف الناس ؟ الاخ الاكبر : ان متنا فالله اعلم بحالنا . . وكفى بالله شهيدا . .
الاخ الاصغر : تثيرني بمنطقك هذا . . . وآياتك التى تأتى بها فى كل حال . . . هل شهادة الله تنزل آية للناس ليعرفوا حقيقتنا . . الذى يهمنى ان استطيع العيش . . . ان يستطيع ابنى ان يذهب الى المدرسة من غير ان نسبه الناس بخيانة اهله . . ان يذهب لبائع الحلوى فلا يرده امام الاولاد لانه ابن الخونة . . ان يسير فى الشارع دون ان يلحق به الاولاد بالحجارة . . ان يجد اولادا يلعب معهم فى الحارة . . . هذا الذى يهمنى الآن . . وهذا الذى بريده مني اولادى . . انسيت ونحن الكبار كيف هربنا من أبينا . . هذه حقيقة يحب ان لا ننكرها . . . لم غادرنا القرية ؟ لم انقطعنا عن المجيء اليها حتى فى الاعياد . . انسيت اننا اتفقنا ان لا تأتي بالاولاد الى هنا كى لا يسمعوا بخيانة جدهم من اولاد القرية ؟ ٠٠ حصل هذا ام لا . . ؟ هذا هو الواقع الذي نعيشه واريدك ان تجد لى حلا له قبل ان تقبل ان يرث عمك المخترة . . بل الخيانة كما يراها الناس . . انت نفسك . . . هل كنت تعترف حين تسأل عن أحمد الغانم . . بانه أبوك ؟ ألم نكن ننكره كما ينكره الناس . . ؟ وطنيا كان أم خائنا . . .
الاخ الاكبر : هذا امتحان من الله . . نسأله ان يجعلنا من الصابرين . . وعندما يتحرر الوطن وتعرف الحقيقة . . . . وسوف تعرف باذن الله . . عندها سنفتخر بأنفسنا . . وبأبينا . . وبعائلتنا . . .
الاخ الاصغر : لا فائدة . . . لم تفهمني . . لم تفهمني . . كلام تلقيه فى الهواء هكذا . . من غير ان يكون له مدلول محسوس . . أبو ايمن : ( يتدخل في الحديث ) عفوا يا أخ صادق . . انظر هذه الجموع من
الشهداء هل تراها حين اقدمت على الموت كان أمامها مدلول محسوس . . . تراه بعينها وتلمسه بيدها ؟
الاخ الاصغر : انا لا اعنى هذا يا استاذ انا اعرف ان الشهداء ماتوا مدفوعين ببصيرة ذاتهم ماتوا وكأنهم يرون ما ماتوا من اجله ماثلا اما بصيرتهم . . . وانا قلت اننى مستعد ان اموت فى المغاور . . لكن هذا المخترة . . لا ادري كيف يمكن . . . لا ادري فى الحقيقة ما اقول . . . النفس ترفضها
الاخ الاكبر : يا استاذ . . عفوا . . . لنترك هذا الامر الآن . . سنبحثه فيما بعد . . . وفي متسع من الوقت . . . زد انت فابحث الامر مليا . وسأبذل انا جهدى مع العائلة وعمى عبد السلام . . فان لم يكن هو فقد تختار العائل غيره . . .
الاخ الاصغر : ارجوك لا تلق الكلام جزافا . . . الامر اخطر مما تظن . . من فضلك يا استاذ تأخذ الامر على انه محقق . . . بل الاغلب ان لا يتحقق بالنسبة لنا . . . ويستحسن ان تعول على واحد آخر . .
الاخ الإكبر : طيب . . طيب . . . خل الامر الآن . . ( يقوم ) علينا ان نقوم الآن . . . أنا مسافر غدا للقدس . . . وسأعود يوم السبوع . . . وعندها وعندها نبحث الموضوع بشكل اوسع . . . وقد يكون صالح وقتها قد أعاد النظر فى موقفه . . . وان شاء الله خير . . . اريد ان اكرر الشكر لكم وللسيدة الكريمة والدتكم . . والحقيقة اننى كنت جثت وقلبى كله صدا . . واخرج الآن وقلبي مجلو . . . امتلأ ارتياحا . .
( يمد له يده مصافحا . . بحرارة واطمئنان . . يتصافح أبو ايمن وصادق . . ويخرج أبو ايمن وخلفه الاخوان . . عندما بخرجون يدخل حسين يبدو عليه الحنق والانفعال . . يلقى بنفسه على السرير وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة ثم فجأة يتناول المخدة فيضرب بها الحائط . . . متأففا . .
حسين : شئ يجنن . . . شئ يفلق . . ( فترة قصيرة . . . يسمع خلالها وقع اقدام أبي ايمن عائدا . . يدخل فيرفع حسين نظره اليه دون ان يقول شيئا . . . فترة سكون بينهما . . توحى بان كلا منهما متحفز
لشئ ما . . . وينتظر الآخر ان يبدأ . . يجلس أبو ايمن على كرسى متفكرا . . يتأمله حسين قليلا . . . ثم يقوم فيقف قبالة الحائط . . . وظهره لأبي ايمن . . . (
حسين : دين العمر . . . ودين هاحياة . . أبو ايمن ( غاضبا ) حسين ( حسين لا يرد ولكنه ينصت . . ) . . قلت حسين حسين : ( دون أن يلتفت ) نعم تفضل . أبو ايمن : أنت تهذى يا حسين
حسين : وهل بقى للواحد عقل . . . امام مايرى ويسمع أبو ايمن : الذين لا عقل لهم يذهبون للمكان المخصص لهم اتعرفه ؟ حسين : شئ يجنن . . . شئ يجعل الدم يغلي في الراس . . . أبو ايمن : الذي يغلى الدم فى رأسه . . امامه هذه الحيطان الاربعة . .
حسين : ( يلتفت محنقا ) بالله . . . بربك . . بسماك . . هذا عمل تعمله ؟ أبو ايمن : حسين . . يبدو انك نسيت نفسك . . . من فضلك اعرف مركزك . . . ولا تتعد مكانك . . حسين : عجبا . . هذا الكلام تقوله لى . . . ؟
أبو ايمن : نعم لك انت . . ابن خالتى العزيز . . . (فترة صمت) منذ متى بدأت يا أخانا تتجسس على وعلى أعمالى وأقوالى . . ؟ حسين : انا . . ؟ انا اتجسس عليك . . ؟ أبو ايمن : ترابط على الباب . . تتسمع لحديثى مع الناس
حسين : ارجوك صحح عباراتك . . . انا يا افندى . . كنت ارابط على الباب لحراسة جنابك . . خوفا عليك . . . المسدس باليد . . . ليكون فى نجدتك عند اللزوم . . .
أبو ايمن : ومنذ متى كنت حارسا لى ؟ حسين : انا يا سيدى الكريم . . . مسؤول عن سلامتك بصفتك القائد المحلى هنا . . . اظنك نسست . . هذا اذا لم اقل انك ابن خالتى . . . لكن الحارس
والمحروس . . باتا فى ذمة اولاد احمد الغانم ذاك الذي قتلناه ثم مشينا فى حنازته . . والآن نستقبل ابناءه بالعناق والقبل . . . فليهنأ اذن احمد الغانم . . . كلنا الآن يمكن ان نكون ثمنا لموته . .
أبو ايمن : (لا يتمالك نفسه فيضحك) يا رجل ما اصغر عقلك . . حسن : صحيح . . . والله صحيح . . عقلي صغير . . لدرجة أننى لم أعد افهم شيئا . . يا رجل كلامك للرجلين . . ادخل الشك فى رأسى فى المسألة كلها . . .
أبو ايمن : اية مسألة ؟ حسن : اية مسألة . . ؟ وهل هناك مسائل غير هذه ؟ نقتل رجلا على انه خائن صدر عليه قرار من محكمة الثورة . . . ثم نمشى فى جنازته . . وندعو الناس بل ندفعهم للمشاركة فى تشييعه والترحم عليه . . ونقف فوق قبر نؤبنه بكلام مكتوب بماء العين . . . ثم الادهى والامر ننصب اخاه مكانه . . وندعو الناس . . بل ربما نرغمهم على انتخابه . . .
أبو ايمن : انتهيت يا ابن خالتى العزيز . . حسين : اسمع . . لا ابن خالتك . . ولا ابن أمك . . . اترك القرابة جانبا . . انا هنا مثلك عضو عامل فى الحركة . . . . وكل واحد مسؤول عن سلامتها وسلامة ابنائها . . . ولو انك المسؤول الاول هنا . . لكن اسمح لى ان اقول انك كشفت اكثر من اللزوم . . .
أبو ايمن : طيب . . انتهيت ؟ حسين : لا ادرى والله . . . وان كان ابناء الغانم اولاد أبيهم . . لانتهيت انا وانت والحركة كلها فى هذه القرية . .
أبو ايمن : (مبتسما) يا رجل احيانا تأتيك لمحات من الذكاء الخارق . . . وأحيانا تركبك بلاد متناهية فلا تعود تفهم شيئا . . حسين : من فضلك . . لا تخرج عن الموضوع . .
أبو ايمن : يا رجل . . . افهمني قبل ان تثور . . . وتغضب حسين : اولا وقبل كل شئ . . . اريد ان افهم وبكل صراحة . . المختار خائن أم لا .
أبو ايمن : عجبا . . تسأل ؟ حسين : انا نفسى دخل الشك راسى . . بعد الذى سمعت . . واكاد اقول اننى اقتنعت بالذى كنت تقوله لابنيه قبل قليل . .
أبو ايمن : ألست على اطلاع بنفسك . . ان محكمة الثورة اصدرت عليه الحكم بعد بحث وتثبت وترو . . ألم يبحثك أكثر من واحد من الاخوان هنا فى هذه الغرفة ؟ ألم تبعث انت بنفسك التقارير عن نشاطه . . ألم تذهب أنت بنفسك لترمى بالانذارات بالقتل تحت باب بيته اكثر من مرة ؟
حسن : اذن . . . ؟ أبو ايمن : اذن ماذا . . ؟ تريدنا ان نفاخر اننا قتلنا خائنا من ابناء أمتنا ؟ حسين : الخائن . . خائن . . . وليس أمامه الا القتل . . . وكل الامم ظهر فيها خونة
أبو ايمن : وهل مما يشرف شعبنا ونضالنا ان نعلن عن وجود الخونة بيننا ؟ حسين : ولكنهم موجودون . . عندنا وعند غيرنا . .
أبو ايمن : نعم . موجودون . . . هذه حقيقة . . . ونحن نعمل على التخلص منهم . . . ولكن ما يمنعنا ان نستغلهم في قبورهم ؟ لن نخسر شيئا . . . بل ربما ربحنا اشياء . . . حسين : وماذا نربح ؟ أبو ايمن : نربح الكثير . . . فى القرية هنا . . . مع الناس . . اليهود انفسهم . . نحن معهم فى لعبة خطرة . .
حسين : اصبحت لعبا اذن . . أبو ايمن : الآن نعم . . كلانا بيده بعض الاوراق يلعب بها . . ألم تر بوادر اللعبة التى بدأها اليهود معنا هذه المدة . . ؟ أرأيت كيف استغلوا مصرع المختار ليثيروا عائلته على الحركة . . . . ألم تلاحظ موقف الصادق ابنه . . وكيف اوحوا له ان اولاد الحركة هم الذين اغتالوه . . أرأيت كيف حاول أن يشم ولو رائحة ضعيفة تدله على الفاعل ؟ أرأيت اثر اشتراكنا فى الجنازة وتنظيمنا نحن لها . . . ؟ ألم نمتص كل نقمة عائلته ؟ تصور اننا لم نفعل . . وقاطعنا الجنازة . . اتظن ان اهله لن يقوموا بتنظيم جنازة طويلة عريضة تطوف كل ازقة القرية من الصباح الى المساء . . وهم يصيحون
ويتحدون . . وعندها تنقسم البلد . . ويكون الرصاص الحكم بين الناس . وانت تعرف ان عائلة الغانم تعد اكثر من ثلث ابناء القرية .
حسن : ولكنه خائن . . . واهله انفسهم يعرفونه متعاونا مع اليهود . . انست أبن أخته الذى ضربه بالحذاء فى السوق وامام الناس جميعا . . ؟
أبو ايمن : نعم . ولكن لو يومها ضربته انت . . لقطع ابن اخته رقبتك فى مكانك . . هم يعرفونه خائنا . . . متعاونا مع اليهود . . ولكنهم يودون لو يخفون هذا العار . . اتحسبهم راضين عن ذلك . . . ثم ما ادراك ان يكون واحدا منهم هو الذي قتله ؟
حسين : (صامت لا يدرى ما يقول ) . . امن : لا يا حسين . . . لم نخسر شيئا بل كسبنا العائلة جميعها . . ألم تلحظ سمات الامتنان على وجوه افراد العائلة يوم الجنازة . . كانوا يشعرون ونحن نعزيهم كاننا نعطيهم وثيقة براءة من التهمة التى كانت لاصقة بالمختار . . . محمود بن الحاج سليمان . . تعرف عداءه لى . . أرأيت كيف جاء يكب على يعانقني ويبكى . . اسمعت ما همس لى . .
سامحنى . . كنت غلطان . . . ألم تمسح الجنازة من قلوبهم كل رغبة فى الانتقام والثأر ؟ ترى لو يقينا على موقفنا . . . وجاهرناهم العداء وعيرناهم بخيانة كبيرهم . . . هل كانوا يتركون دمه يذهب هدرا . . أتراهم كانوا بكتفون منا بواحد او حتى بخمسة ؟
حسين : وهل نحن عاجزون ؟ أبو ايمن : لا . . لسنا عاجزين . . . في النهاية نستطيع ان نسيطر . . . لكن ما هو الثمن . . ؟ . . الدماء فى كل مكان . . . . الموت فى كل بيت . . ستنقسم القرية قسمة عداء الى الابد . . الرصاص ليس الحكم دوما . .
حسن : تريد ان تقنعني ان ابناءه وعائلته واليهود انفسهم لا يفهمون . . وستنطلى عليهم هذه اللعبة .
أبو ايمن : يفهمون يا سيدى . . اكثر مني ومنك . . وهذا ما نريده نحن بالفعل . . . ان يفهموا . . وقد فهموا فعلا . . . نحن فلعب ضد اليهود لعبة . . . كسبنا فيها حتى الآن الجولة الاولى واذا فهمتني . . . ونفذت التعليمات كسبنا الجولة الثانية والخامسة . . .
حسين : خيرا ان شاء الله . . أبو ايمن : اختيار الحاج عبد السلام . . او احد ابناء الغانم خلفا للمختار . . حسين : هكذا . . وبكل بساطة .
أبو ايمن : لا . . . المسألة ليست بسيطة . . لكن يجب ان تتم . . حسين : الناس طفح كيلهم يا رجل . . . فى كل يوم ندعوهم الى ما يكرهون . . . سيأتي يوم يرفضون فيه ما ندعوهم اليه . .
أبو ايمن : يجب ان لا يأتي ذلك اليوم . . . يجب ان يثقوا بنا . . ويطيعوا اوامرنا . . . حسين : الثقة والطاعة لهما حدود . أبو ايمن : لا . . . يجب ان يكونا من غير حدود . . الثقة يجب ان تكون مطلقة . . والطاعة عمياء . .
حسين : يثقون ويطيعون عندما يفهمون . . . انا نفسى يهتز ايمانى عندما لا افهم رغم ثقتى المطلقة .
أبو ايمن : الذي يثق ثقة كاملة لا يطلب ان يفهم كل شئ . . ولا سيما فى مثل ظروفنا . . لكن شعبنا اعتاد ان يدس انفه فى كل شئ . . ليعرف كل شئ فقط لاشباع شهوة الاستطلاع . . فى نفسه . . ان كان يمكن التساهل فى هذا فى الامور الخاصلة للانسان . . . فيجب ان لا يكون ذلك فى القضايا الهامة التى تهم الوطن والثورة . . . يجب ان يعرف الناس هذا . . بحب ان نعلمهم ذلك . . إذا كنت تحب ان تعرف ان كانت امرأة فلان جميلة أم قبيحة وان فلانا قال كذا او فعل كذا . . . فيجب ان لا يهمك ان تعرف من الذي قتل المختار مثلا . . . ولماذا قتله ؟ ومن الذى يقود فى هذه المنطقة أو تلك ؟ ولماذا تقول الحركة هذا . . . ولا تقول ذاك . . هذا ما يجب ان يتعلمه الناس يا حسين . . .
حسين : انا معك . . ولكن انا أتساءل كيف يمكن ان نحرز على ثقتهم الآن بالذات . . ونحن نطلب منهم ما يكرهون . .
أبو ايمن : اعمالنا . . تبرر مطالبنا . . كلهم يعرفون اننا تخلصنا من خائن ونحن الذين قمنا بهذا العمل اما لماذا نشيعه كوطني ونؤبنه بالكلام الجميل . . ونعزي اهله ونواسيهم . . فهذا من شأننا نحن . . وفي مرحلة النضال . .
لا يجوز لكل فرد ان يعرف كل شئ . . او يطلع على خفايا الامور . . اعطيك مثلا . . . هل تذكر ذاك أبو النجوم . . . ؟ حسين : ذاك الذي استشهد فى معركة الجديدة ؟
أبو ايمن : هو بعينه ؟ حسين : وما له ؟ أبو ايمن : لم يكن شهيدا . . ولم يستشهد في المعركة . حسين : اذن . . . ؟ أبو ايمن : كان جاسوسا . . حسين : (مذعورا ) يا رسول الله .
أبو ايمن : نعم سيدي . . . وحكمت عليه محكمة الثورة . . واعدم رميا بالرصاص . . . حسين : وكيف اذن ؟ أبو ايمن : نعم اضفناه لقائمة الشهداء . . . وشيعناه . . واكرمناه . . ونحن الآن ندفع المعاش لزوجته واولاده . . .
حسين : معنى ذلك ان يطمئن الخونة والجواسيس الى انهم عندما يموتون سيعتبرون شهداء مكرمين .
أبو ايمن : لا احد يشترى الموت عن قصد . . . مهما عظم الثمن . . . اما نحن فيهمنا الاحياء . . . يهمنا ما نكسبه من موت فلان . . . خائنا كان أم وطنيا . . . وأبو النجوم كسبنا من موته . . واعتباره شهيدا بالكذب . . . حفظنا لأهله كرامتهم . . . وهم من ابناء شعبنا . . . وانا واثق ان اكثر من واحد من ابنائه سيسيرون على طريقه . . . اعنى الطريق الذى يعرفونه عنه . . . طريق الجهاد . . . ولو كنا كشفنا امره . . . لظلوا العمر كله يعيشون كابوس الخيانة والعار . . وسيحقدون على الثورة والثوار والناس اجمعين . . . وسيعتبرون ان أباهم قد مات ظلما . . . لان لا احد يصدق ان يكون أبوه خائنا . . . وان عرف ضمنا فانه لن يعترف بذلك . . . انظر الى ابناء الذين خانوا فى ال 36 وال 47 . . . واللذين عوقبوا وعرف امرهم . . . اين هم الآن ؟ هل ترى الكثيرين منهم فى صفوف الثورة . . ؟ القليل النادر . . ؟ كلهم الآن خارج
ساحة النضال يلتفون بعارهم وذلهم . . . خوف الناس . . . ومعرة الناس . . . بل واجزم انهم من المنتقدين المشككين . . . هذه غلطة فى ثوراتنا السابقة يجب ان نتفاها . . لكن هذا الشئ لا نستطيع ان نقوله للناس كلهم . . . حسين : وقعنا بين الدجاجة والبيضة . . . لا نستطيع ان نكسب ثقة الناس من غير ان يفهموا . . ولا يمكن ان يفهموا حتى يعرفوا . . ولا يمكن ان يعرفوا . . . وهكذا . . . ندور . . .
أبو ايمن : وهذه محنة المناضلين . . . وعلى هذا يجب ان تعود نفسك . . . النضال ليس شيئا سهلا . . . يجب ان ندخل بيت كل واحد فى القرية . . . نقنعه بالطاعة حتى من غير ان يفهم . . . هذا اذا كان يثق بنا . . . والثقة الآن موجودة . . . مصرع المختار . . الهجوم على الدورية . . ومقتل الملازم راؤول . . وأ أهل البلد يعرفونه . . . كل هذا يعزز ثقة الناس بالحركة . . . ويجعلهم يطيعون من غير ان يعرفوا كل شىء . .
حسين : والله لا ادري . . الامور اختلطت على ٠ ٠عد افهم راسى من مداسي . . أبو ايمن : اذن افهم الكلام . . ونفذ التعليمات . . حسين : وهل خالفت التعليمات يوما . . ؟ أبو ايمن : لا . . . ولكن بدأت تتعب . .
حسين : انا لم اتعب . . ولكنى خائف . . نوعا ما . . . خائف لانك كشفت لابن الغانم اشياء كثيرة امرك انكشف لهما على ما اظن . .
أبو ايمن : (مبتسما) لم ينكشف لهما اليوم . . أتظنهما لا يعرفان . . او على الاقل يشكان . . لماذا جاءا لنا نحن من دون الناس . . لماذا اسلموا لنا القياد يوم الجنازة وتركونا نتصرف كما نريد . . . أليس هذا اعترافا وتسليما بان الحركة هي سيدة البلد . . ألم تسمع ما قاله ابناه من انهما بريئان مما كان يفعله أبوهما ولماذا يقولان ذلك لى من دون الناس . . اتظن انهما اقتنعا مائة بالمائة بما قلت من ان واللدهما من رجال الثورة وانه كان يخدمها فى صورة عميل لليهود والملك . . . لكن هى قشة النجاة يتمسكون بها لعلها تنحبهم من بحر الخيانة الذى يعرفون فى قرارة نفوسهم ان اباهم كان يعوم فيه . . لقد كسينا فردين يا حسين . . لهما وزنهما فى القرية وفي عائلة الغانم . . اصحا الآن مستعدين للتضحية مثلى ومثلك . . تماما . . انظر
الى صالح هو نفسه سيتولى اقناع عمه بقبول المخترة وبجمع افراد عائلته واقناعهم هو نفسه سيكون ممثلنا عندهم . . أليس هذا كسبا كبيرا . . ؟
حسين : وهل تغيب مثل هذه اللعبة على اليهود . . . ألم يشكوا فى المختار الجديد ؟
أبو ايمن : كما سيشكون فى كل متعاون معهم . . وهذا كسب آخر . . حسينا رأسه ( هازا رأسه ) الله اعلم . .
أبو ايمن : وبهذا نفتح باب التوبة امام المتعاونين معهم الآن . . . فيبدأون بالتعاون معنا . سينتهزون الفرصة لمساعدتنا فى كل المعلومات التى تقع تحت يدهم . . وهذا اعظم كسب . . .
حسين : الله اعلم . . . أبو ايمن : ونحن ايضا يجب ان نعلم ٠٠ المهم ان نعرف كيف نستغل الظروف . . . ونطبق التعليمات حسين : انت تعرف اننى لا اخالف التعليمات ابدا . .
أبو ايمن : والتعليمات الجديدة ايضا . . غدا او بعد غد . . . . تبدأ الحملة للتهيئة الناس لانتخاب المختار الجديد . . . حسين : وتبدأ المحنة من جديد . . . أبو ايمن : هذا طريق المناضلين الصادقين . .
حسين : والله . . . صرت افضل لو اكون فى القواعد والمغاور . . . ذاك اشرف . أبو ايمن : أرأيت . . ؟ نفس كلمات صادق . . . فما الفرق بينكما اذن . . . ؟ حسين : والله لم اعد اعرف ! . . انا نفسي . .
أبو ايمن : افهمني يا حسين . . الامر يجب ان يتم . . وسأكلف بقية الاخوان بالاستعداد للعمل . . . حسين : طيب . . اسمح لى . . .
أبو ايمن : (مقاطعا) ارجو ان لا نستأنف الجدال من جديد . . . حسين : انا لن أجادل اريد فقط ان اقول ان المسألة فيها مخاطرة . . أبو ايمن : الأعمال الكبيرة لا بد لها من المخاطرة . . . وفى بعض الظروف لا بد من المجابهة المباشرة مع الخطر . . .
( حسين مطرق صامت . . . فترة تأمل بينهما ) والآن نظم امورك . . . واتكل على الله . . وانت عند اللزوم رجال . . . وسيد الرجال . . واريدك ان تعرف اننى لن ابيت الليلة هنا . . وسأعود غدا صباحا . . . وقد يكون من الضرورى ان نعقد اجتماعا لننظر فى احتمالات الموقف واحتمال هجوم قوات الامن . . . فردود فعلهم لم تظهر حتى الآن . . . ويبدو انهم تريثوا ليروا ابناء القرية يأكل بعضهم بعضا . . وما دام هذا لم يحدث . . . فسيظهرون . . . ولذا فأمامنا عمل كبير وشاق . . اما انت فاسترح هذين البومين ان شئت . . فقد تعبت بما فيه الكفاية . . واستعدادا للعمل الكبير الذى ينتظرنا . . .
( حسين لا يقول شيئا . . فترة صمت . . . حسين يرفع رأسه يريد ان يقول شيئا ثم يتراجع فيسكت . . يقوم من مجلسه . . وهو يقاوم الدمع ان يتدفق . . . يصافح أبا ايمن بصمت . . . ويستدير للخروج . . أبو ايمن يضع يده على كتفه . . فيستدير . . ) حسين . . . تلتقى العيون فترة والاثنان صامتان . . أبو ايمن يجذب ابن خالته اليه معانقا بحنان . . . وحب . . . يخرج حسين من الغرفة . . . دون ان يقول شيئا . . أبو ايمن يلقي بجسمه المنهك على السرير . . . ( ويسدل ستار الختام )

