لا أدري هل أنا التى تسير وتنمو فتتطور ؟ أم الزمن الذي حولى يسير ؟ أم كلانا مسير ؟
هذا الزمن .. جمعت بيننا الحياة ، فكنت الحركة وكان الاطار ، هل هو الذي صنعني .. إذ مد لي جزءا منه ليحملني على أن أكون ؟ أم انا التى صنعته ببعثي فيه حركتي ؟ صنعته بوجودى ، بحسى ، بعقلي وذاكرتى.
لو لم تكن هذه الذاكرة آلة تسجل ماضى الزمن وذبذبات الحس تلتقط حاضره والعقل يلتقط ذيذبات المستقبل ، هل سيكون هناك امتداد أبدؤه أنا وينتهي معى ، اسمه الزمن ؟
لو لم يكن الانسان بحركته منذ البدء ، منذ البدء السحيق ، بوجوده المتطور ، هل ستكون هناك استمرارية فى الكون ؟
مجزأة أنا إلى مسافات ، قسمها ذلك التطور عنوانها الزمن ، لا أدري ، انا؟ أم الزمن ! أم طرف ثالث قام بتلك التجزئة ؟ أصنعت ! أم صانعة أنا !؟ لا أدري .
مسافرة انا راحلتى التفكير الى محطة اليقين ، أوزع أسئلتي علنى أجد جوابا. تهويمات فى ما وراء الغيب تخترق بى عوالم الكون المخيم بضباب الشك حولى ، وأنا أسأل عن قصتى والزمن علنى أجد جوابا ، أسئله مبعثها اللايقين فى داخلى مزقتني في التواءات الحيرة .
كلما هوم بي التفكير في متاهات الغموض أبحث عن هويتي دفعني التهويم الى ساحل الاعياء متعبة الفكر . والجواب أخيرا هو خيوط أنا مشدودة فى دائرة الزمن ، خيوط نسجتني عناكب الحياة ووزعتنى بين مسافات ثلاث وربطت بعضي ببعضي فكنت انسانا ، وربطت بين المسافات فكان الزمن وجمعت بيننا في ظل سائر محفوف بالعدم ، فى درب يطول أو يقصر اسمه العمر ، جمعت
بين الحركة والاطار ، بين المادة والمعنى ، بين المسافات وبعضى أنا فكنت أنا والزمن .
وفى المسافة الوسطى أقف الآن وقد كبر فى كل شئ حتى استوى ، كبر العقل والنفس والجسد ، وكبر فى الذاكرة بينهما الخوف أيضا ، أمشى فيمشى الخوف معى ويسبقني الى المستقبل وما استطعت الآن أن أبعد بعضي عن بعضي وما استطعت أن أفصل بين المسافات .
مظلمة للطفل هي الاسرة ، حين يكون البيت مهددا بالخراب فى كل حين ، بالانهيار على رأسه إذا كان أبواه فى خصام دائم لا ينتهى الا ليتجدد اكثر عنفا وشراسة فاذا كل ذلك مولد للخوف.. مفاعل للرعب.. ثم إن الارواح تخرج من الظلماء ، والجن من الماء والسواقى ، والشياطين تسكن الدمى والفتاة.. الفتاة تملك شيئا يجب أن تخاف عليه حد الموت ، وإن فقدته فالموت ينتظرها ، الموت مصيرها المحتوم ، الموت لا عقاب غيره ، كل هذا زرع بذوره المحيط فى الساحة الباطنية للنفس.
علامات الخوف فى أغوار كل شعورى تسابقني في السير وتسبقني أعيشها فى حاضرى ، وخلفي سحابة سوداء غطت طفولتى وأعجزتنى العمر كله عن الهروب من دائرتها . صور كلما عشت الحاضر تجذبنى اليها ، فينتشر عند حلولها على سطح الشعور الالم الموجع على مستوى الابعاد العميقة في نفسى حتى تضيع مع جزئيات التلاشى بسمتى ويقتتم مستقبلى بالعتمة الكئيبة.
الصورة الاولى ، صورة أمي وأبى والخصام المتواصل والصياح والضرب وانا الطفلة الصغيرة على هذا اللحن المزعج كنت أنمو وأكبر فينمو الخوف معي . خصام حياتهما ثم شجار ومشاكسة.. وخوفا كانت حياتي.
الاختلاف فى كل شئ ، العناد قد انتصب بينهما فى البيت كالمارد يهمس لكل واحد منهما بأن يكون غالبا غير مغلوب ، حاكما غير محكوم ، أن يكون فى البيت الاقوى صاحب الامر فيه مالكا لكل شئ ، حتى انعدم بينهما التفاهم فى أقل شئ.
تصيح لأتفه الاشياء أمي تملأ البيت ضجة ، تملأ داخلى خوفا ، يخترق صياحها الابواب والنوافذ يصلنى إن كنت العب.. أتوقف عن اللعب.. أهرع
للدخول والخوف يطرد الاطمئنان من كل جزء في كيانى .. صياحها يخترق نومي .. يخترق اطمئناني .. حركتى .. سكينتى .. يخترق كل لحظات نموى .. صياحها كان سلاحا تتحدى به أبي حتى تتشنج أعصابه ويخرج من دائرة العقل الى بركان الغضب فينهال عليها ضربا ، أين تجدنى أنا ؟ وكيف ؟ لا استطيع أن أحلل كيف ! وفترة ذلك الزمن بعيدة عنى الآن ، لكن كنت أسرع بالهرب الى سريرى لأحمى بالغطاء رأسى لأزرع دموع الخوف علي مخدتي .. فحيطان الامن تنهد فى كيانى كله .
الابوان مزرعة أمن وحب وسلام تمتد داخل قلب الطفل فتزدهر فى هذه المزرعة سنابل حياته وتخضر أعشاب سعادته حتى تغطى مدى كيانه وزمانه ، هما ملاذه عند الرعب والجدار الذي يحميه من كل خطر ، لكن عندما يتداعى هذا الجدار ويصبح هو الخطر الذى يخيفه ويتحول هو المفاعل للرعب ، عندما نثور أثرية المزرعة غيارا وتنفخ فيها الاعاصير فتنسف جذور السنابل وتبدد الاعشاب ، أين ملاذه عندئذ ؟ الى فراشه الخشبى ! الى مخدته الجامدة ! او غطاء ينعدم فيه الاحساس والحنان والشفقة !
انتهى الخصام ووضع حد للمشاكلة بينهما بأن خرجت أمي من بيت أبي ، لتدخل بعد مدة بيت زوج ثان . ودخلت البيت زوجة أخرى . . وحضنتني جدتى وأخى الاصغر . هناك فى بيت جدتى كان السمر يطول عند زيارة الاقارب لنا والحديث فيه كان يحوم حول الارواح .. والشياطين .. والجن ..
حكايات مخيفة ، مريعة ، غريبة.. كنت أنصت اليها باهتمام حتى رسخت فى باطني على مدى سنيي.
اخي ، كان يحتل حجر جدتى منذ بداية السهرة ، تضمه اليها .. تعطف عليه .. تدفئه .. تهدهده لتجلب النوم اليه .. لكنها كانت تخيفه بالغول عندما لا يريد أن ينام فيقلقها تحركا .. فيحشر رأسه الصغير فى حضنها خوفا من الغول حتى ينام .
وكثيرا ما كنت أزاحمه على جزء من ركبتها أتكئ عليه . أضربه عندما يلمسني .. تنشب معركة بيننا من حين الى حين عندما يقلقني بتحركاته .. تفض هذه المعركة نجدتى بتدخلاتها الحميدة ، تحاول خالتى اقناعى بالذهاب الى فراشى ، أرفض وتساندنى جدتى ، أرفض لان رغبة خفية تلح على
أن ابقى لأنصت باهتمام الى كل تلك الحكايات حول الارواح والشياطين والجن، كان النوم بغالبنني فأغلبه وانا أنصت الى بقية حكاية من حكايات كثيرة ، مخيفة ، مريعة ، غريبة .
تحدثت ذات ليلة احدى السامرات تحكى .. وكنت أنصت اليها باهتمام ككل من حولها - :
" فى الشعبة الغربية هناك بجانب الغابة حذو الوادى كثيرا ما تتمثل لمن يشق الشعبة أو في القيلولة روح مرعبة ، يقولون : إنها روح فتاة ذبحها أهلها بعد زواجها بيوم واحد ورموا بجثتها فى تلك الشعبة ، سمعت أمي تحكى ونحن صغار قالت : " مر قريبى من هناك على حصانه ليلا ، فخرجت له " وقد سمعته يحكى قصته معها : " كنت مارا بالشعبة ليلا وكانت الليلة شتائية قارصة البرد ظلماء .. اذ رأيت فجأة كببة نار تسير أمام حصانى على بعد قليل منى ، فظننت أن مسافرا داهمه الليل الى جانب الغابة أشعل نارا يتدفأ عليها ، فكرت أن أميل نحوه لأتدفأ قليلا وأتلمس أخباره .. لكن فاجأتني تلك الكبة تقفز إلى جانب حصاني ثم الى الجانب الآخر ثم صارت تقفز على يمينه وشماله ثم بين ساقيه حتى تلعثم الحصان في السير وكاد يسقط بى ، ثم تشخصت في صورة عروس فى هودجها تبتسم لى على جمل يمشى الى جانب الحصان أحيانا ، وأمامه حينا آخر . عندها تيقنت أنها روح الفتاة خرجت لى بدأت أقرأ بعضا من القرآن فتقهقر بها الجمل قليلا لكنه لم يغب ، تذكرت أن الروح تختفى عند سماعها الأذان فأذنت ثلاث مرات حتى اختفت وواصلت سيرى .
سألت جدتى ، لماذا ذبحها أهلها !؟
- قالت : ستعرفين ذلك عندما تكبرين.
نمت ليلتها ملتصقة بجدتى وكلما رأيت في أحلامي العروس تبتسم لى أيقظتها خائفة لتحميني
وذات ليلة اخرى وامرأة أخرى .. وحكاية اخرى مخيفة حول الدمى .
وكنت مسندة رأسى على جزء من ركبة جدتى ودميتي تنام الى جانبى ، كنت أنصت باهتمام بالغ الى كل حكاية غريبة ، التفتت المرأة نحو دميتى وأمرتني أن لا أجانبها ، " فهي صنم يسكنها الشيطان أحيانا فتخنق صاحبتها " .
واسترسلت تحكى حكاية غريبة ومخيفة حولها : " هذه القصة عاشتها عمتى ، حكت لنا ذات مرة فقالت : كنت فى صغرى مولعة بالدمى وكنت أملك دميتين أخاطتهما لى جارتنا الخياطة وحشوتهما وحدى بالنخالة ثم البست واحدة منهما لباسا ريفيا وكنت أتحدث على لسانها حديث أهل الريف وجعلت الثانية من المدينة تلبس لباسها وتتحدث حديثها . وكانت أمي كلما طلبتني لأعينها على عمل ما فى المنزل أو لتبعث بى الى السوق لقضاء حاجه لها وجدتني منغمسة فى اللعب بهما ، كانت تغضب على وتقول لى : أتمنى أن يسكن الشطان يوما هذين الدميتين ويقتلانك خنقا ، فيريحانى منك .
وذات ليلة غابت أمي عن البيت وكنت فى فراشى لم يغمض النوم عيني بعد ، وكان الضوء خافتا ، والسكينة تشمل البيت كله والجميع نياما ، التفت الى ركن من الغرفة تعودت أن أضع فيه الدميتين لأخفيهما عن ايدي اخوتي إذ بى أرى فى ذلك الركن امرأتين واحدة بلباس ريفي وسمعتها تتحدث حديث أهل الريف والثانية بلباس المدينة وتتحدث حديثها ، انقطع نفسي هلعا وخوفا وجمدت في مكاني حتى كادت روحى تصعد الى خالقها.. كان العرق بتصبب مني وأنا ادعو الله أن يستيقظ أحد النيام فيدركني ثم رويدا رويدا تقدمتا الى حتى اقتربتا مني ثم هممتا بخنقي ، عندها صحت صيحة شديدة ، عميقة ، قوية ، أيقظت كل من في البيت ، وفي الغد مزقتهما حتاحت ورميت بهما فى الزبالة ولم أعد للعب بالدمى مرة أخرى .
ما إن أكملت المرأة حكايتها الغريبة المخيفة حول الدمى حتى رميت بدميتي وارتميت في حضن جدتى خائفة أصيح . ونمت ليلتها وتلك الصورة المخيفة فى ذهنى تكررها أحلامي واستيقظت مرات خائفة لاحتمي بجدتى.
وبدأت أكبر ، وبدأت جدتى تصنعني وتصنع أخي ، تصنعني للحياة ، للظروف ، للصعاب ، للمستقبل ، فصنعتني نفسا ضئيلة ، ضئيلة تحمل الف ازمة ، ألف عقدة ، ألف مركب ، يلعب الخوف في محيطها بين العمق والسطح ، يمسح فضاءها ضباب يعكرها حد العتمة وقد كبر فى كل شئ حتى استوى ، وما استطعت الآن أن أجعل محيطها يلفظ هذا الخوف وما استطعت أن أجعل فضاءها صفاء.
بدأت أكبر وبدأت جدتى تصنعني وتصنع أخي ، كانت تقول لى : " لا تصاحبى الفتيان ، لا تلعبى معهم ، لا تبقى وحدك فى القسم مع المعلم ، لا
تعودي وحيدة بعد الخامسة من المدرسة انتظرى أخاك وعودي معه ، لا تدخل المبزة إن ذهبت لشراء الخبز انتظرى فى الخارج حتى يأتيك بالخبزة الخباز ، لا تنامي نوما عميقا إن بت خارج بيتا ، لا تصاحب ابنة فلان ، خالتها فرت من بيت أبيها مع عامل فى دكانه ، أوصيك ثم أوصيك : " لا تدخل مكانا مظلما أو تستحمى أو تتخطى ساقية ماء دون أن تذكرى اسم الله " .
- سألتها لماذا؟
قالت : " الجن يسكن هذه الاماكن ، وقد يستحسن أحدهم أحيانا فتاة ما فيتملكها .
قلت : كيف؟
أجابت كالوائق مما يقول : " تصير ملكا له يتكلم على لسانها يسب من يشاء سبه ويضرب من يريد ضربه ، يصيح ويصرخ بلسانها ، يهشم ويكسر ، يمزق ثيابها وشعرها بيديها .
- قلت : ويتملكها مدي الحياة؟
قالت : " لا يخرج من جسدها إلا على يد عزام قدير ماهر "
كانت تقيد كل تصرف منى وكل حركة ب ( لا ) ، وكل ( لا ) فيها جزر وخوف وتحذير من عاقبة غير حميدة وكل (لا) كانت معها شحنة خوف تسكن باطني .
وفي الحين نفسه كانت تقول لأخي والليل أظلم إن استحقت الى حاجة ولم تجدها : " اذهب الى السوق وأتنى بها وعندما يتململ خوفا من ظلام الليل كانت تقول له : " أتخاف وانت رجل ! أتخاف كالنساء؟أنت جبان ! لست ابنى إن كنت جبانا ، الزجل لا يخاف ، انزع الخوف من قلبك وإلا لم تعد ابنى " حتى أصبح يشق الظلام ويغامر ويتحدى المخاطر أحيانا و يخاف .
ثم أصبحت تقول لى : " ( لا ) تذهبي الى السوق أخوك يحذرك من الذهاب اليه ، ( لا ) تلبس القصير أخوك ( لا ) يحب منك ذلك ، ( لا )
تتحدثي مع احد عند عودتك من المدرسة اخوك يغضبه ذلك ، ( لا ) ... أخوك . . ، ( لا ) . . أخوك ،( لا)...أخوك.. و كل ( لا ) كل تحمل معها شحنة خوف تسكن باطني ، ثم قالت لى يوما : " ( لا ) تذهبي إلى المدرسة ، أخوك قرر أن ( لا ) تذهبي اليها بعد اليوم ، ثم تزوجى من فلان أخوك قرر أن يزوجك منه . كنت أكبره عقلا وعمرا لكنني كنت أخافه صنعت جدتى فيه الجرأة والاقدام والشجاعة والسيطرة والتحكم وحتى التجدي والاستبداد ، وصنعت مني الرضوخ والخوف ، كنت أخيفه وانا طفلة و يحتمي بي وهو خائف وأضحك من جبنه كثيرا ، واليوم أصبحت أخافة .
خيوط أنا مشدودة في ذاكرة الزمن ، خيوط نسجتنى الحياة ووزعتنى بين مسافات ثلاث وربطت بعضى فكنت انسانا ، وربطت بين المسافات فكان الزمن . وفي المسافة الوسطى أقف الآن وقد كبر فى كل شئ حتى استوى كبر العقل مني والنفس والجسد وكبر بينهما فى باطنى الخوف ايصا ، وما استطعت الآن أن أجعل محيط نفسي يلفظ هذا الخوف وما استطعت ان أجعل فضاءها صفاء .

