يفصل بيننا وبين المؤتمر المقبل للحزب الحر الدستورى التونسي ، الذي سيدرس تجربتنا الاشتراكية ، بضعة اسابيع فلا بد لنا ، وقد اوشكنا على انجاز المخطط الثلاثى التمهيدى وعلى الدخول فى المخطط الرباعي الموالى ، من استخلاص العبر من هذه التجربة التى غيرت مفاهيمنا الاقتصادية والاجتماعية التقليدية الموروثة ووضعت مكانها مفاهيم اخرى اكثر نجاح نجاعة لبناء مجتمعنا الجديد .
والملاحظ فى هذا الشأن اننا ، وان نحن آمنا بالمبادئ الاشتراكية الرامية أساسا الى توفير الانتاج وتوزيعه توزيعا عادلا ، فاننا لم نقلد غيرنا من البلدان فى تطبيق الاشتراكية ، بل توخينا سبيلا تتماشى مع اوضاعنا الخاصة ومنبثقة من مبادئ حزبنا مما جعلنا نطلق على اشتراكيتنا اسم " الاشتراكية الدستورية "
لماذا الاشتراكية ؟
وبعد ، فلماذا الاشتراكية ؛ مما لا شك فيه ان الاشتراكية ، علاوة على اعتبارها كرد فعل ضد الظلم الاجتماعى وكنتيجة للتطور التاريخي للمجتمعات ، هى انجح وسيلة للخروج من التخلف وتحقيق التنمية الاقتصادية والتطور الاجتماعى
فالتخلف يمتاز بالخصوص بعدد من مظاهر اختلال التوازن الاقتصادي والاجتماعى : فهنالك اختلال بين عدد السكان والثروة ، واختلال بين مختلف القطاعات الاقتصادية من فلاحة وصناعة وتجارة واختلال بين امكانيات الثورة وما تهيا لها من اسباب الاستثمار كحسن التدبير ورأس المال والاطارات الفنية الضرورية وغيرها .
والخروج من التخلف يستوجب توفير الانتاج الذى لا يمكن ان يتحقق في نطاق الحرية المطلقة والفردية المتطرفة بل بالعمل الجماعي وتوجيه الدولة التى عليها ان تسهر على اشباع حاجيات عموم المواطنين
ولم يبق هناك شك فى حتمية الحل الاشتراكى باعتباره انجع طريقة للنمو الاقتصادى والتطور الاجتماعى وطى المراحل ، هذا فضلا عن ان تنظيم الاقتصاد وتوجيهه اصبح يؤمن به الذين يقولون ، فى القرن الماضى بالحرية الاقتصادية المطلقة أنفسهم وذلك بسبب الانعكاسات الاجتماعية التى فرضها تطور البشرية ، وكذلك فضلا عن ان الحرية المطلقة قد ينتج عنها انقسام الشعب طبقة غنية متخمة واخرى فقيرة محرومة بما فى ذلك من منافاة للعدال الاجتماعية التى أصبحت تنشدها البشرية جمعاء
الاشتراكية تحتمها الاخلاق :
ان اى نظام للمجتمع يجب ان يكفل للفرد كرامته الانسانية وذلك يعنى ان هذا النظام يجب ان يضع الاسس الكفيلة بان يتحرر الفرد من كل انواع الاستعباد والاستغلال ، وان يتحرر من الفقر والجوع والجهل والمرض . كما يعنى ذلك ايضا ان هذا النظام يجب ان يوجد الاحوال الملائمة التى يمكن فيها لاى فرد ان يستغل مؤهلاته وامكانياته احسن استغلال .
وبعبارة اخرى ان اى نظام للمجتمع يجب ان يحقق للفرد العدل والمساواة اى ان يضمن له عددا من الحقوق منها الاجتماعية كحق الصحة والتعليم ، ومنها الاقتصادية كحق العمل والارتزاق
الا ان هذه الحقوق تقابلها واجبات فالفرد ليس غاية فى ذاته فحسب بل هو وسيلة ايضا وتحرر الفرد من الاستعباد والاستغلال يجب ان يمكنه من اطلاق الطاقة الكامنة فيه ، ومن تحريك قواه الذاتية وتشغيلها فى ما ينفعه وينفع المجتمع على حد السواء . وكذلك استغلال مؤهلات الفرد وامكانياته يجب ان يكون لمصلحته ومصلحة المجتمع معا .
بهذه الطريقة يمكن خلق أمة حية مسؤولة قائمة بواجبها مقدمة للحضارة ما امكنها ان تقدم مؤدية رسالتها التى تؤهلها لها امكانياتها وظروفها
الاشتراكية يحتمها العقل :
على ان الاشتراكية لم تحتمها الاخلاق ومنطق العدل والمساواة فحسب بل يحتمها ايضا العقل ومنطق التطور . وان ما حدث فى النصف الثاني من القرن الماضى وفى بداية القرن الحالى ، فى جميع بلدان العالم من انقسام كل شعب الى طبقة غنية متخمة واخرى فقيرة محرومة بسبب الفردية والراسمالية
المتطرفة ، لا يمكن ان يستمر اليوم لان ذلك قد يتسبب فى حرب اهلية وفي عدم استقرار النظام . وان استحالة اجتماع الثراء الفاحش والفقر المدقع فى بلاد واحدة ليست استحالة نظرية فحسب بل مادية ايضا قد فرضها التطور فى عدة ميادين .
فبفضل انتشار التعليم والوعى الحزبى وغيرهما من وسائل المعرفة الاخرى كالصحافة والاذاعة والتلفزة والسينما وسهولة السفر قد اختفى من العقول الجهل والخرافات التى كانت تجعل الاستسلام للحظ التعييس ممكنا ، كما صار من الميسور الاطلاع على ما يجرى فى البلدان الاخرى وخاصة المتقدمة منها ، واصبحت الاغلبية من المواطنين تدرك انه فى الامكان ابدال الفاقة بالرفاهية وذلك بالعلم والعمل وسياسة اجتماعية عادلة .
وما من شك في انه لا سبيل الى الخروج من التخلف الا اذا آمنا باننا شركاء فى وطن واحد يحتم علينا التضامن والتعاون وبان المواطنين هم بمثابة ركاب سفينة واحدة اذا غرقت فانها تغرق بالجميع واذا طفت وسارت فانها تسير بالجميع . .
السبيل الى الاشتراكية :
فالاشتراكية حينئذ تتنافى مع الفردية ، كما ان خدمة المجتمع تتنافي مع سيطرة عامل الكسب على الاقتصاد . ولذا فان النظام الاشتراكي يقتضى تدخل الدولة لمنع الضرر الذى قد ينتج اما عن سوء تصرف الفرد كما يوجد ذلك عن جهل فى المجتمع المتخلف واما عن الاستغلال والحيف اللذين يسودان المجتمع الرأسمالى . وتدخل الدولة يهدف الى جعل المال وسيلة لخدمة المجتمع كله لا لخدمة اشخاص والى جعل امتلاك اى شخص للثروة محدودا باستعمال هذه الثروة لفائدة المجتمع .
ويتحقق تدخل الدولة بسياسة التخطيط وتنظيم الاقتصاد وتوجيهه والتخطيط كما يقول المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة يرمي " الى السير قدها طبق حساب مضبوط نعرف منه الى اين نصل بعد عشر سنين ، وتعرف كم يصبح دخلنا اذ ذاك ، وكيف يتم توزيعه بالعدل والانصاف لفائدة الجميع وباحسن الطرق واقربها الى روح التعاون والتضامن والاشتراكية التى تكون هنا عائله واحدة وتجعلنا مشتركين مع بعضنا بعض في السراء والضراء "
فالتخطيط حينئذ يجعل الانتاج والتوزيع خاضعين لارادة الدولة استجابة الى الأهداف القومية واهداف المجموعة وموجهين نحو اهداف واضحة وبوسائل مضبوطة . وهو يرمى أساسا الى :
اولا : استثمار ثورة البلاد استثمارا صحيحا يؤدى الى الزيادة فى الدخل القومى .
ثانيا : حصر الجهود فى الانتاج الذى يهدف الى رفع مستوى معيشة المواطنين جميعا على ان يكون ذلك بوجوده مع انسجام ، قطاعات الانتاج الثلاثة : العام والتعاضدى والخاص
ثالثا : توزيع الثروة بين الافراد توزيعا عادلا بحيث لا يدع لاحد الفرصة لاستغلال جهود الآخر .
والتخطيط وان هو وجد فى النظام الرأسمالى فانه يمتاز عنه فى النظام الاشتراكى بعدة نقط اهمها :
اولا : تأميم القطاعات الاقتصادية ذات الصبغة القومية كالطاقة والنقل والمناجم والمصانع الكبرى وغيرها .
ثانيا : تحقيق اقتصاد متوازن فى قطاعاته ومناطقه
ثالثا : توفير الحاجات المادية والادبية لعموم المواطنين جماعات كانوا او افرادا .
رابعا : مساهمة عموم المواطنين من فلاحين وصناعين وتجار وعملة وغيرهم فى ضبط اهداف المخطط ووسائله والمشاركة فى انجازه
على ان طريقة اشراف الدولة على هذا كله تختلف باختلاف الاوضاع ونوع الانتاج وحاجة السكان ومن هنا جاء تعدد السبل للوصول الى الاشتراكية ، فقد تكون احدى هاته السبل غير موصلة بالنسبة لمجتمع معين ولكنها قد تنجح فى مجتمع آخر نتيجة ظروفه التاريخية والواقعية ونتيجة لطبيعة افراد هذا المجتمع والعبرة بالنتائج
ولهذه الاسباب فان نظرتنا للاشتراكية فى تونس كبلاد متخلفة اقتصاديا تختلف فى الاشتراكية التى ظهرت فى اوروبا نتيجة رد فعل ضد الثورة الصناعية . فهى اشتراكية لا تتخذ شكلا طبقيا لانها منبثقة من الحركة القومية الدستورية تلك الحركة التى يشارك فيها المواطنون كأمة والتى لم تكن ترمى الى التحرر السياسى فحسب بل الى رفع مستوى الشعب وتحقيق مجتمع لا استعباد ولا استغلال فيه ، مجتمع يقل فيه الفقر والتعاسة الفاحشة كما يقل فيه ايضا الثراء والترف الفاحش
الاشتراكية والديموقراطية :
ولعل اهم مشكل يثيره التخطيط فى المجتمع الاشتراكى هو موضوع الحرية والديموقراطية . ويعيب انصار المذهب الفردى على الاشتراكية بانها تحد من الحرية كما يعيب انصار " القطاع الخاص " على الاقتصاد الجماعى والموجه بانه يحد من الوازع الشخصى لتوفير الانتاج والربح ، وبانه يقتل فى النفوس العزيمة على الابتكار . ولكن اى حرية يعنيها خصوم الاشتراكية ؛ هل هى حرية الاقوياء فى السيطرة على الضعفاء ؛ وهل هى حرية استغلال اصحاب رؤوس الاموال للطبقات الكادحة ؟ وهل هى ايضا حرية بث العداوة والشحناء والتطاحن التى تثيرها روح الاستغلال والمنافسة والاحتكار ؟ واين الحرية من الفقر والجوع والجهل والمرض ؟ فى الحقيقة يجب وضع الحرية لا في نطاقها المطلق لانها تتنافى مع حياة المجتمع البشرى بل فى نطاقها النسبى ، أى ان الحرية تقف عند الاضرار بمصالح الغير .
على ان الحد من الحرية فى نظر المجاهد الأكبر الرئيس الحبيب بورقيبة والحزب لا يقصد منه القهر والارهاق والحقد والتطاحن بل يتوخي التوجيه الصحيح وسياسة الاقناع بالمناقشة الحرة النزيهة كما يجعل اعتبار المصلحة العامة البعيدة فوق المصلحة الخاصة القريبة ، وذلك فى كنف الاخوة والتضامن والتعاون .
وخلاصة القول ان خاصية الاشتراكية الدستورية كما وصفها المجاهد الاكبر الرئيس الحبيب بورقيبة :
"هى كونها منبثقة من صميم الواقع التونسى ، ونابعة فى عقول تونسية تشبعت بحب الخير للجميع ونكران الذات وتجردت عن الشر والانتقام وارادة الاذلال والاهانة للآخرين وهمها رفع مستوى الضعيف وتوفير اسباب الكرامة للجميع وايثار طرق الاقناع واعتبار الناس اسرة واحدة يتعاون افرادها في ما بينهم على قدم المساواة ويتخلون عن البعض من حرياتهم لفائدة البعض الآخر وتمثل الحكومه دور كبير الاسرة الذى لا يفرض ارادته فرضا وانما تعمل على ضبط مهمه الجماعة باعتبارها منبثقة من الشعب وتتشاور فى ذلك مع المنظمات القومية والجماعات الشعبية وكل الهيئات ثم تفرض رأى الجماعة على الجماعة باعتبارها مسؤولة على تحقيق المصلحة العامة وفي نطاقها ، وهذا هو النظام الديمقراطى الحقيقى الذى ندين به ونعمل بكل جهد واخلاص على الاقناع بجدواه " .

