الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "المنهل"

التضحية

Share

للقصة مسلك لا يجيده غير الروائيين الذين يصنعون شيئا من لا شئ ، ويصورون من العدم وجودا بأسلوبهم الروائى الخاص ، وفى شىء من الخيال بل في كثير من الخيال الخصيب ، ولست بالطبع من هذا الفريق فى شئ ولا ازاحمه فى مجالاته

ولقد رأيت ان استمد الكتابة من عبر التاريخ الاسلامى وكله عبر واتخذ من سير ابطاله موضوعا اتحدث فيه عن بطولتهم واخبار تضحياتهم وما رسموه لاصحاب المبادئ من خطط وما احدثوه من مغامرات ، ولقد كان فيما حدثنا عنه التاريخ من حوادث البطولة النادرة والتضحية قصة خبيب ابن عدى ورفاقه القراء وما لاقوه من عنت وشدة وما عرض لهم من بلاء وما بدر منهم من صبر وتضحية ورباط جأش وبسالة فيما يصح ان يعبر عنه فى مجموعه ( بالبطولة ) تلك البطولة التى تنوعت فيها الاساليب وتعددت فيها المناحى فكان فى كل وجه منها درس وفى كل منحى فيها سداد ورشاد .

وفصول قصة خبيب ورفاقه وقعت بعد غزوة أحد ، وكان ابطال القصة ستة نفر بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رهط من عضل والقارة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه ان يبعث فيهم من

يقرئهم القرآن ويفقههم فى الدين ، فبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مرثد ابن ابى مرثد الغنوى ، وخالد بن البكير الليثى وعاصم بن ثابت وخبيب بن عدى وعبد الله بن طارق وزيد بن الدثنة ، ولكن الرهط قد لبسوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم واضمروا خلاف ما أظهروه له اضمروا الغدر طمعا فى الحطام .. والخيانة املا في بريق المادة .. ولقد علموا ان قريشا تحرق الارم على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جراء ما نالها منه فى غزوة بدر واحد وتتوعد بعض افراد من اصحابه بأقسى أنواع الانتقام اذ وتروهم ، وقضوا على أحبة أكرمين عليهم وكان من بين أولئك الموتورين سلافة بنت سعد وقد نذرت ان قدرت على رأس عاصم بن ثابت ان تشرب الخمر فى قحفه ذلك لانه قتل لها ابنين فى غزوة أحد ، ومنهم صفوان بن أمية قتل زيد ابن الدثنة أباه أمية بن خلف ... فاضطغنها عليه ، ومنهم بنو الحارث ابن عامر يروى ان خبيبا قتل الحارث يوم بدر ويذكر صاحب عيون الاثر ان الذى قتل الحارث خبيب بن اساف لا خبيب بن عدوى .. وكان رهط عضل والقارة على علم من كل ذلك وهو ما حفزهم الى تبييت الشر فاظهروا الاسلام للوصول الى هدفهم ، وعندما بلغوا

بالقراء الرجيع وهو ماء لهذيل بين عسفان ومكة غدروا بهم واستعدوا هذيلا واستعانوا بهم للتمكين من القراء وتنفيذ ما رسموه من خطة الاجرام فقابل القراء طيش المأفونين بالصبر والجلاد ولجأوا الى سيوفهم ليحكم الله بينهم وبين القوم الماكرين لم يفت فى عضدهم كثرة الخصوم وقلة عديدهم ولم يرعهم هول المفاجأة .. وصولة الباطل اذ وهبوا أنفسهم لله وطمعوا فى احدى الحسنيين الظفر ، والنصر " فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله " او الاستشهاد فى سبيل الله وقد باعوا انفسهم لله ، فحبذا البيع وحبذا الثمن " ان الله اشترى من المؤمنين واموالهم بأن لهم الجنة يقات فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون "

ولما رأى الخصوم استبسال القراء وعزمهم على المقاومة جنحوا الى سلاح من نوع آخر للمقاومة من شأنه ان يفل الروابط ويحدث الانقسام ذلك هو استغلال العاطفة الدينية فى نفوس القراء فأقسموا لهم بالله الذى يعظمونه ويجلونه واعطوهم المواثيق المغلظة انهم لا يريدون بهم سوء ... وانما هدفهم الوحيد ان يصيبوا بهم من اهل مكة شيئا وفعلا كان ما ارادوه فانخدع بمواثيقهم وعهودهم زيد وخبيب وعبد الله بن طارق فاستسلموا واعطوا ما بأيديهم اقدر يريده الله بهم اما الثلاثة الباقون وهم مرثد وخالد وعاصم فلم يرفعوا رأسا بعهود ولا بمواثيق الكفرة المشركين واستمروا فى المقاومة وانشد عاصم بن ثابت قوله :

ما علتى وانا جلد نابل

          والقوس فيها وتر عنابل

تزل عن صفحتها المعابل

         الموت حق والحياة باطل

وكل ما حم الاله نازل

        بالمرء والمرء اليه آيل

ان لم اقاتلكم فأمى هابل

ثم أبلى هو وصاحباه بلاء حسنا حتى استشهدوا رحمهم الله ورضى عنهم ..

وارادت هذيل ان تحتز رأس عاصم بعد ان خر صريعا فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر (١) فحمته منهم قالوا دعوه حتى نمسى فيذهب عنه فبعث الله الوادى أى سال فاحتمل عاصما وذهب به ولم يتمكنوا من اخذه ، وتلك كرامة اكرم الله بها عاصما وقد كان أعطى الله عهدا ان لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا ابدا تنجسا وان من عباد الله من لو اقسم على الله لابره

نعود الى الثلاثة الباقين من القراء الذين نزلوا على العهود وقبلوا المواثيق زيد وخبيب وعبد الله ، اما عبد الله ابن طارق فقد التوى على الخصوم اذا بلغ مر الظهران وكان قد ادرك عندما أو ثقوه بالقران أنهم نكلوا عن عهودهم فانتزع يده من عقد الوثاق واستل سيفه واخذ يدافع عن نفسه فرموه بالحجارة حتى استشهد رحمه الله ، واما خبيب بن عدى وزيد بن الدثنة فقدموا بهما مكة وباعوهما بأسيرين من هذيل كانا معتقلين لدى قريش ، وكان من أمرهما ان قتلا صبرا ..

اقتصاصا منهما ونقمة عليهما ..

ولقد كان فى حادثة قتلهما من العبر ما سجله لهما التاريخ بمداد الفخار وغدوا به مثلا كاملا فى التضحية والثبات على المبدأ

من ذلك ان زيدا عندما قدم للقتل رغب بعض خصومه فى ان يسبر غور نفسيته فى تلك اللحظات ويستطلع ما اذا كان يدين لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحب عن عقيدة متأصلة أشرب بها قلبه ؟ أم ان ذلك مجرد دعوى بحكم الانتساب فقط ؟ فقال له : أنشدك الله يا زيد اتحب ان محمدا عندنا الآن فى مكانك تضرب عنقه وانك فى أهلك ؟ قال زيد : والله ما أحب أن محمدا الآن فى مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وانى جالس فى اهلى ، وانها لكلمة عظيمة تصور مبلغ التضحية ومبلغ التفانى فى حب رسول الله صلى الله عليه وسلم واجلاله واعظامه والاخلاص له وتعطى فكرة واضحة عن مبلغ تأثر صحابته بهدى الدين وتعاليمه حيث كان واقعهم يمثل مدلول الحديث الشريف ( لا يؤمن احدكم حتى أكون أحب اليه من نفسه وولده ووالده والناس اجمعين ) فانطلق الخصم يردد ما رأيت من الناس احدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا ..

واما خبيب بن عدى فقد كان من اكرام الله له فى معتقله ما حدثت به ماوية على ما نقله ابن هشام قالت : كان خبيب عندى حبس فى بيتى فقد اطلعت عليه يوما وان فى يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه وما أعلم فى ارض الله عنبا يؤكل .. ولا غرابة فان ذلك من اكرام الله

لاوليائه ليس بالاساطير ولا بقول الاباطيل وحدثت أيضا قالت قال لى خبيب عندما حضره القتل - ابعثى الى بحديدة أتطهر بها للقتل - قالت فاعطيت غلاما من الحى الموسى فقلت له ادخل بها اليه فقلت ماذا صنعت .. أصاب والله الرجل ثأره بقتل هذا الغلام فيكون رجلا برجل ، فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال : لعمرك ما خافت أمك غدرى حين بعثتك بهذه الحديدة الى ؟ ثم خلى سبيله وهى حادثة ان دلت على شئ فانما تدل على عظمة خبيب وطيبة نفسيته وترفعه عن البغى والغدر وتلك هى خطة الراشدين

وقبيل ان يقدم خبيب للقتل استمهل خصومه ان يسبح سبحة قصيرة يناجى فيها ربه فكانت تلك سنة سنها خبيب لكل من ابتلى بمثل مصيبته ، وبعد الفراغ من صلاته التفت اليهم قائلا : اما والله لولا ان تظنوا انى انما طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة ، وفى اللحظات الرهيبة التى سبقت نهاية مرحلة الظلم اتجه خبيب الى ربه قائلا : اللهم انا قد بلغنا رسالة رسولك فبلغه الغداة ما يصنع بنا ثم دعا على خصومه بدعوة فتحت لها ابواب السماء .. فلحقت بكل من شهد مقتله حتى من لم يكن له فيه يد بل حضره لمجرد الاستطلاع قال خبيب : اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولاتغادر منهم احدا نقل ابن هشام عن ابن اسحاق قال : حدثنى بعض اصحابنا قال كان عمر ابن الخطاب استعمل سعيد بن عامر ابن جذيم الجمحى على بعض الشام ، فكانت تصيبه غشية وهو بين ظهرى

القوم فذكر ذلك لعمر بن الخطاب رضى الله عنه فقال يا سعيد ما هذا الذى يصيبك ؟ فقال والله يا أمير المؤمنين ما بى بأس ولكنى كنت فيمن حضر خبيب بن عدى حين قتل وسمعت دعوته فوالله ما خطرت على قلبى وانا فى مجلس قط الا غشى على : واورد ابن

هشام مقطوعة من الشعر تنسب لخبيب رضى الله عنه انشدها فى اللحظة الرهيبة وهى تصور واقعه المرير .. وتصف ثباته وتضحيته وصبره ، وشجاعته واستبساله للموت ننقلها كخاتمة لهذه القصة الاليمة والفاجعة المؤثرة قال رضى الله عنه وارضاه :

لقد جمع الاحزاب حولى وألبوا         قبائلهم واستجمعوا كل مجمع

وكلهم مبدى العداوة جاعد            على لانى فى وثاق مضيع

وقد جمعوا ابناءهم ونساءهم           وقربت من جذع طويل ممنع

الى الله اشكو غربتى ثم كربتى           وما ارصد الاحزاب لى عند مصرعى

هذا العرش صبرنى على ما يراد بى     فقد بضعوا لحمى وقد يأس مطمعى

وذلك فى ذات الاله وان يشأ          يبارك على اوصال شلو ممزع

وقد خيرونى الكفر والموت دونه        وقد هملت عيناى من غير مجزع

وما بى حذار الموت انى لميت           ولكن حذارى جحم نار ملفع

فوالله ما ارجو إذا مت مسلما         على أى جنب كان فى الله مصرعى (١)

فلست بمبد للعدو تخشعا               ولا جزعا انى الى الله مرجعى ..

اشترك في نشرتنا البريدية