قبل أن نخوض فى جوهر المشكلة ينبغى الاتفاق على بعض الاوليات .
ان انقاذ بلاد من البلدان المتخلفة المستعمرة بالفتح من السيطرة والظلم الاستعماريين وتخليصها الى الاستقلال فى جميع الميادين لخليق بأن يسمى ثورة كبرى فى تاريخ تلك البلاد وما اظن احدا ينازع في ذلك ولا يمارى
ولكن النزاع يبدو حينما ينتقل المرأة من ميدان القيام بالثورة الكبرى فى الميدان السياسى الى القيام بتحقيق مقتضيات الثورة الكبرى ومتطلباتها فى الميدانين الاقتصادى والاجتماعى .
فالثورة فى الميدان السياسى أى الخروج بالبلاد من عهد الاستعمار السياسى الى عهد الاستقلال السياسى ليست هى المرادة بعينها وفى حد ذاتها اذا لم ننجز بعدها مقتضياتها الاقتصادية والاجتماعية . والاستقلال التام السياسي ليس هو المراد بعينه وفى حد ذاته اذا لم نتبعه باستقلال اقتصادى واجتماعى
وانما الثورة الكبرى السياسية التى تتجسم أولا فى الاستقلال السياسى يجب أن تعتبر وسيلة لاغير الى تحقيق أهداف أخرى اقتصادية واجتماعية لاغاية تنال ثم يوقف عندها والا فما هى خليقة بأن تسمى ثورة كبرى . . .
وقد يظن بهذا الكلام البساطة بل السذاجة والسطحية كما يقال اذ هو يبدو من البديهيات وأوائل الرأى الا أن التصريح به وابلاغه الى الشعب وادخاله فى أدمغة جميع أفراد الامة قد يرفع لبسا مضرا ويدفع طمأنينة وتخاملا معرقلين عند من يظن أو كان يظن أن الثورة الكبرى هي الاستقلال السياسى فحسب وأن فى الاستقلال السياسي حلا لجميع مشكلات البلاد المتعلقة بمجموع سكان البلاد .
كما أن الايمان بمحتوى هذا الكلام الساذج فى ظاهره والاتفاق الجماعى عليه واستقراره فى رؤوس كافه أفراد الامة يحتم على القائمين بمهام ادارة
هذه الامة ويوجب على المشرفين على مصالحها العمومية أن يعكفوا صباحا مساء على دراسة انجع الوسائل وأسرعها للوصول الى تحقيق مقتضيات الثورة الكبرى وانجاز متطلباتها فى ميدانى الاقتصاد واصلاح المجتمع .
وما تردد كلمتى الاقتصاد والاجتماع فى هذا الحديث الا نتيجة للاهمية الاولى والمرتبة العليا التى يجب أن نعيرها لهذين الميدانين فى درجات سلم الضرورات القومية العاجلة .
اذ الغابة الوحيدة التى ينبغى أن تكون نصب أعين القادة والمسيرين بعد تحقيق الثورة في المستوى السياسى هى اتمام الثورة وجعلها " كبرى " في الميدان الاقتصادى بتحقيق اصلاح عقارى عادل وبتصنيع البلاد اصلاحا وتصنيعا تنتج عنهما حتما ثورة اجتماعية تتجسم فى تحقيق العدالة الاجتماعية بين جميع افراد هذه الامة وفي محق استغلال الانسان للانسان في البلاد .
واذ كان كذلك فان الواجب الاول الذى يتحتم على القادة والمسيرين لهذه البلاد هو كما قلنا في أول هذا المقال الانعكاف على دراسة الوسائل المؤدية الى تلك الغاية اعنى الثورتين الاقتصادية والاجتماعية
والمتحقق لهذه الوسائل يكتشف لامحالة أن جميعها على اختلاف أجناسها متوقف على شئ ذى بال وأهمية بارزة على شىء خطره عظيم فى تاريخ الثورات فى جميع بلاد العالم أعنى التعليم وتطويره فى البلاد .
فكيف يمكن السير فى طريق الثورة الاقتصادية والاجتماعية المتحتمتين اذا لم نمكن جميع المواطنين من درجة دنيا من التعلم والثقافة ترتفع بهم عن السوائم والبهائم وتصل بينهم وبين الانسانية ؟ وكيف يعقل أن ينهض بأعباء الثورة الصناعية والفلاحية من لا ثقافة له مهما تكن ضئيلة ولا عقل له قادرا على تفهم أهداف تلك الثورة وغاياتها اذا فسرت له وعلى تبين خطرها بالنسبة الى تغيير مجرى حياته أولا وحياة أمته ثانيا ؟ وهل يمكن للعدالة الاجتماعية أن تتحقق بين جاهل لايفهم من كنه الحياة شيئا وبين مثقف له دراية بحقوقه على الامة ولواجباتها نحوها ؟ وكيف تضمن للمواطنين حقوقهم الدستورية وتفرض عليهم واجباتهم الدستورية وكيف يمكن لهم تحقيق ما تخول لهم الديمقراطية الدستورية من حقوق وتأدية ما تفرضه عليهم من واجبات وقبود اذا عميت بصيرتهم بالجهل واظلأمت صدورهم بالغطرسة الناتجه عن الجهل ولم تتكشف لهم منابع المعرفة المنيرة بالتعليم ولم ينهلوا من معين العرفان بالتعلم ؟ لا ! لا أظن عاقلا يمارى فى هذه الاوليات !
واذا كان التعليم هو اساس الثورتين الاقتصادية والاجتماعية المنشودتين والمكملتين للثورة السياسية تكميلا يجعل من ثلاثتهما " ثورة كبرى " بأتم
معنى الكلمة واذا كان التعليم مقوما لهاتين الثورتين من الباطن ومعطيا لهما قوتهما وفاعليتهما ومعناهما فان تطور التعليم فى البلاد وتزكيته ونشره وجعله جماعيا عموميا يصبح واجبا وطنيا أولياء وأمانة قومية رئيسية يجب على القادة والمسيرين تأديتهما باخلاص واندفاع اذ يكون فى الاخلال بهما لا قدر الله اخلال بمقضيات الثورتين المذكورتين الاساسية فاخلالا بالثورة الكبرى بحكم التبعية ولا يخفى على متبصر ما فى الاخلال بالثورة الكبرى من اخلال بعنصرها الاول اى بالثورة السياسية المتجسمة فى استقلال البلاد السياسى كما سبقنا .
ومعلوم أن المشكله العملية الاولى التى اعترضت طريق المشرفين على تطبيق برنامج نشر التعليم في بلادنا هي مشكلة الاطارات أى مشكلة تكوين المعلمين تكوينا صالحا يؤهلهم للقيام بهذا الواجب القومى وهذا الدور التاريخ الملقي على عاتقهم فيعلمون الصبيان والاطفال والشبان ويرفعون بذلك الجهالة عن مجموع أفرد الامة والغشاوة التى على أعينهم فيجعلون منهم " مواطنين " ديمقراطيين صالحين للمشاركة بوعى وحماس فى انجاز الثورتين المذكورتين وللمساهمة فى تشييد صرح هذه الامة في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها ومعلوم ان مشكلة تكوين الاطارات التعليمية تتفرع الى عدة فروع منها تكوين المعلمين الابتدائيين وتكوين المعلمين الثانويين وتكوين المعلمين الجامعيين . .
وانه ليبدو أن لكل فرع من هذه الفروع مستوى فى الاهمية والاولية مخالفا في المبدان التطبيقي والعمل لمستوى الآخر . الا ان هذا المستوى واحد بالنسبة الى جميع هذه الفروع فى الميدان النظرى للمفاعلة الديالكتيكية الواضحة بين هذه الفروع التى يغذو تطور أحدها تطور الآخر غذاء ينعكس بدوره على الاول فالثانى وهلم حرا . ويجب أن يكون واحدا فى ميدان التطبيق والعمل .
فلئن لم ينكر أحد ما لمشكلة تكوين المعلمين الابتدائيين من خطر وأهمية فى بلاد اول غاياتها التعليمية هى نشر التعليم الابتدائى نشرا جماعيا فانه ليس هنالك من يمكنه أن ينكر كذلك ما لعلاقة تكوين المعلمين الابتدائين وتكوين المعلمين الثانويين من وضوح وخطر اذ تكوين اوللائك متوقف على تكوين هؤلاء .
كذلك الامر فى العلاقة بين المعلمين الثانويين والمعلمين الجامعيين اذ تكوين الصنف الاول من هؤلاء المعلمين رهين تكوين الصنف الثاني المذكور . واذن فقد بان ان مشكلة تكوين المعلمين وحدها متركبة من اجزاء لئن جاز فصل احدها عن الآخر لمقتضيات عملية اصطناعية فانه لا يجوز تفكيكها فى المستوى النظرى
وينتج عن هذا أن الساهر على مصلحة تكوين المعلمين فى هذه البلاد يجب عليه أن يعير تكوين المعلمين الجامعيين من الاهمية والاولية ما يعيره لتكوين الثانويين والابتدائيين .
واذن يصبح من الواضح أن اعارة الاهمية الاولى . فى ميدان التطبيق الى صنف من أصناف هؤلاء المعلمين واهمال صنف آخر منها اهمالا كليا أو حتى جزئيا لما يبدو فيه من صفة الكمالية وعدم الضرورة يعد اخلالا وتفريطا خطيرين في مهمة نشر التعليم والثقافة فى البلاد .
وهنا يجب أن نترك ميدان التفكير المنطقى النظرى والاحتجاج العقلى وان نلقى نظرة على واقعنا التعليمى التونسى لكى نتبين ما هو حظ هذه الاستنتاجات العقلية من التطبيق .
فأول شئ يجب التصريح به هو أن كتابة الدولة للتربية القومية ومسيريها الحاليين قائمون بمجهود لايجحد فى ميدان نشر التعليم وبسطه على كامل افراد الامة التونسية وتزكيته من ناحية الكيف وذلك باتخاذ برنامج ذي عشر سنوات يقتضى عند نهايتها تحقيق جماعية التعليم وشموله لكافة أطفال الامة وبتطبيق اصلاح التعليم الحالى الذى يرتكز على تطهير التعليم من العناصر الاجنبة عن القومية التونسية وتقويمه تقويما قوميا بقدر المستطاع . وسينبئنا التاريخ بعد مضى ردح من الزمن عن صلاحية هذا البرنامج وهذا الاصلاح وفاعليتهما
ثاني شئ يحب الاعتراف به هو أن هذه العناية المباركة بشؤون التعليم ونشره قد ادت المشرفين عليه الى بذل نشاط لا ينكر وقد آخذ بعد فى ايتاء أكلة وذلك في ميدان تكوين المعلمين الابتدائيين والاساتذة الثانويين
وثالث شىء يجب التصريح به فى نفس الوضوح هو أن ناحية تكوين الاساتذة الجامعيين لم يعرها هؤلاء المشرفون الى حد الآن قسطها من الاهمية والعناية على أحسن وجه وأكمله اذا أردنا التسامح بل لم يعيروها حظها من الاهمية والعناية اذا اخترنا التشدد فى الحكم الذى عساه أن يكون أقرب الى الحقيقة الواقعية الماثلة .
فمن المعلوم أن الجامعة التونسية وهى انجاز من الانجازات المحمودة التى انجبتها الثورة السياسية فى البلاد وسمحت بايجادها هى الآن فى حالة تكون وتشخص
ومن المعلوم أيضا أن هذا الوليد الميمون الذي نشأ وأخذ فى الترعرع شأن كل كائن حي يريد ان يحيا محتاج الى من يعتنى بشؤونه ويسهر عليها من المسيرين الاداريين ومن المسيرين الفكريين أعنى الاساتذة الجامعيين
ولئن كان من المعلوم أن تونسة الصنف الاول من هؤلاء الساهرين على شؤون الجامعة التونسية الوليدة قد تمت وتحققت بفضل الاستقلال السياسي فانه من المعلوم ايضا ان الصنف الثاني منهم وهم الاساتذة يكادون يكون كلهم أجانب غرباء عن البلاد وان جامعتنا الوليدة قائمة الآن قياما كاملا او
يكاد يكون كاملا على عواتق أساتذة كثرتهم الكثيرة من الفرنسيين ولسنا نجهل أن ظروفنا الحالية تجعل جامعتنا اليوم فى حاجة ضرورية الى هؤلاء الاجانب من الاساتذة وأن هذه الحاجة ستبقى ماسة وضرورية مدة ما من الزمن .
ولكننا لسنا نجهل كذلك ان هذه المدة من الزمن يتعلق مدى طولها وقصرها بمشئتنا وافعالنا نحن التونسيين القائمين بأعباء تسيير شؤون التعليم وأن هذه المدة من الزمن ستدوم وتطول ما دام وطال فقداننا لاساتذة جامعيين تونسيين لهم من الكفاءة العلمية والجامعية ما يؤهلهم لان يخلفوا زملاءهم الاجانب فى مهمتهم الثقافية .
كما لانجهل أيضا ولا نظن أحدا منا يجهل أن هؤلاء الاساتذة الاجانب مهما بلغ تفانى بعضهم واخلاصهم لفضية الثقافة ولقضية البلاد التى آوتهم واغدقت عليهم من اسباب الرفه والتوسع فى الحياة ما اغدقت فان اكثريتهم لا يمكن لها ان تقوم بالدور الطبيعى الذى يمكن للاساتذة التونسيين الجامعيين ان وحدوا ان يقوموا به وان تغذى فى الناشئة الطالبية واجيال طلاب الغد روح القومية التونسية وتركز فى نفوسهم شعورهم بقوميتهم الثقافية وذاتيتها العقلية وشخصيتهم التاريخية .
وهنا نريد أن نعلن في قوة واعتداد لمن عساه أن يتهمنا بالتحامل على زمللائنا الاساتذة الجامعيين الاجانب ببلادنا وبغض الطرف عن وجوب التعاون الثقافي وصلاحيته بين مختلف بلدان العالم أن نعلن له أن التعاون الثقافي بتبادل الاساتذة والطلاب بين البلدان تبادلا مشتركا وبتبادل التجارب الثقافية بينها تبادلا يعود بالفائدة على الجميع شىء وشىء محمود لا ينكر وجوبه وصلاحه ذو عقل وأن احتكار طائفة من الاساتذة الاجانب للتعليم العالى بل والتعليم الثانوى ولو الى حد ادنى - فى بلاد مستقلة وفرض طابع اجنبى فى روحه ومقوماته ومثله العليا على التعليم العالي في تلك البلاد شىء آخر بل وشئ يجب ان يعتبر اخف الضررين وان يدوم اقل ما يمكن له ان يدوم لان فيه مع طول الامد وبعد المدة خطرا عظيما على مستقبل الثقافة فى البلاد ولا أظنني مغاليا اذا قلت وعلى مستقبل استقلالها أيضا .
وهنا يمكن للمرء أن يتساءل عن أسباب اهمال المسيرين لدواليب مصالح التعليم لهذه الناحية منه أى لتكوين أساتذة جامعيين تونسيين .
فاذا كان هذا الاهمال ناتجا عن تسبيق تكوين المعلمين الابتدائيين والثانويين فى الاهمية والغاية على تكوين الاساتذة الجامعيين فالجواب ما وضحناه اثناء هذا المقال من خط تسبيق العناية بأحد فروع التعليم على الآخر . واذا كان هذا الاهمال ناتجا عن ارادة مبته تقتضى وجوب ابقاء النخبة التونسية من الاساتذة المبرزين وغير المبرزين على الحالة الفكرية المتخلفة التى هى عليها الآن والتى أصدق ما ينطلق عليها من الاسماء هو كلمة
Medioerite (1) الفرنسية التى لاعلم لنا مع الاسف بمرادف لها فى العربية وعن نية باطنة تريد احتكار المعرفة والفوز بها دون الغير أليس يكون فى هذه النيات والارادات الخفية اقتراف لجريمة عقلية ازاء الثورة الثقافية فى البلاد التى رأينا أنها المقوم الاساسي للثورتين الاقتصادية والاجتماعية ؟ أم هل أن هذا الاهمال هو مجرد غفلة ناتجة عن قلة وعى ؟ وفى هذه الحال أفلم يحن وقت النهوض من الغفلة والخروج من عالم قلة الوعى الى دنيا الوعى للحقائق وعيا كاملا ؟
وافلم يحن وقت تهيئة ظروف مواتية مادية ومعنوية للنخبة المفكرة من الاساتذة التونسيين المبرزين وغير المبرزين الذين يتطوعون لذلك لكى يتمكنوا من الشروع فى البحث العلمى ؟
وافلم يحن وقت ارسال من تطوع منهم بعد انتقاء واختيار يمكن ان يكونا بطريقة المسابقة والمناظرة الى البلاد الاوروبية وانفاق جزء ضئيل جدا من مالية كتابة الدولة للتربية القومية عليهم لكي يتمكنوا من الاختلاف الى مناهل المعرفة الحديثة والانعكاف على تحضير الاعمال العلمية فى راحة واطمئنان ومراع بال مادى ومعنوى ؟
وافلم يحن اعفاء النخبة المتثقفة ثقافة ممتازة - وعددها قليل - المتطوعة للبحث العلمي من اعباء التعليم الثانوى وحتى الجامعى الذى يثقل كاهلهم ويصرفهم عن امكانيات العمل واخلاء الجو بينهم وبين العمل بجد وحماس فى ميدان البحث العلمي الخلاق سواء فى ميدان العلوم أم فى ميدان الآداب حتى يتمكنوا من تكوين الخلية الاولى من الاساتذة الجامعيين التونسيين الحاملين لشهادة الدكتوراه ويتمكنوا بعد زمن قصير من أن يخلفوا زملاءهم الاجانب ومن أن يقوموا بدورهم العظيم فى تقويم نفوس طلابهم أى فى تقويم نفوس أساتذة المستقبل الثانويين تقويما قوميا تونسيا صرفا ينعكس بعد مراحل فى نفوس الاطفال التونسيين من طريق المعلمين الابتدائين الذى سيلقنونها غدا أول أسرار المعرفة ؟
وما هو الدافع ياترى الى عدم انجار ما ندعو اليه ؟ أهى مشاكل عقلية نكون من اشد المشغوفين بالاطلاع عليها ؟ ام هل هى مجرد مشاكل بعض المئات من الدنانير ؟ واذا كان الامر كذلك فالاولى أن نكتفى بالصمت عن الاجابة لان موضوعا خطيرا كهذا الموضوع يتوقف عليه مستقبل الثقافة فى البلاد بل ومصير الثورة الكبرى لا يمكن بحال أن نقيم فيه لهذه الاعتبارات وزنا .

