لعل الحكم السائد ، فى الاوساط الفكرية ، أن هناك بونا شاسعا فاصلا بين الجمالية من جهة ، والنقد الايديلوجى ، من جهة أخرى ؛ حتى أن بعضهم يرى عدم التوافق بينهما إن لم يكن التباين الكلي . فهل يمكن أن نستسلم لهذا التصور ؟ أم أن تفحص اصول المذهبين يقر بخلاف هذا الاعتقاد ؟
إن (( النقد الايديلوجى )) هو النقد الذى ينبني على اتجاه ايديلوجى معين ، يخضع تقويم الأثر الفني الى مبادئه وتوجهاته ، وهو لا يرى فى العمل الفني وحدة منعزلة عن محيطها الاجتماعى والسياسى والاقتصادى والثقافى علاوة على أهم مميزات شخصية الفنان . بل يعتبره نتاج هذه العوامل المختلطة وانعكاسا لها . ولعل تقعيد النقد الايديلوجى قد بلغ ذروة انصهاره مع المنهج المادى الجدلي الذى يقول : إن الأثر الفني وليد البنية السفلى المتولدة خاصة عن نمط الانتاج والعلاقات الناتجة عنه ، لذا رأى بعض الماركسيين ان يضبط مفهوم النقد الايديلوجى فى كونه (( بدل أن يكتفي ، مثل النقد البورجوازى ، بدراسة المفكر أو الاديب ، والفنان مقصودا فى حد ذاته أو البيئة ، بالمعنى الضيق للكلمة ، التى تلقى تأثيرها ، أو أن يضع نفسه إثر تعليله لأثر أو لايديلوجية ، فى مستوى مجتمع غير متميز ، فان النقد الايديلوجى الماركسى يجد فى تنزيلهما فى محيطهما الاجتماعى المتصف بالصراع الطبقي . وهو يثبت أن كل أثر فني مهما بدا أكثر انفصالا ، فى الظاهر ، عن هذه الصراعات ، فانه يجد ، فى التحليل النهائى ، تفسيره ضمنها ، كما [ يدرك ] أن هذه الصراعات هى التى تحدد التطور المسترسل للآراء والاحاسيس والمعتقدات التى لا تشكل غير التعبير الايديلوجى عنها )) (1) .
أما الجمالية فهى ميدان معرفي ينظر فى مقومات ظاهرة (( الجمال )) ويحاول ايجاد تفسير لها .
ولكن نبحث فى الصلات التى يمكن ان تكون بين (( النقد الايديلوجى )) الملتزم وبين خصائص الجمالية نرى ضرورة التذكير بأهم المراحل التى قطعتها (( الجمالية )) فى حد ذاتها ، إذ لئن كان النقد الايديلوجى وليد التفاعلات الفكرية المعاصرة فان الجمالية ضاربة فى القدم . مسايرة لأبرز الحضارات الانسانية المزدهرة ، ولعلها كانت مدار اجتهاد الفلاسفة والمفكرين وعصارة تمذهبهم .
مراحل الجمالية :
إننا اذا حاولنا تقصي أهم الاطوار التى مر بها التفكير الجمالى الانسانى تمكنا من اثبات ثلاثة أساسية .
لعل المرحلة الاولى تمتد الى حد القرن التاسع عشر . وتحديدنا لهذا الفاصل الزمني بعود الى خصائص المفاهيم الجمالية فى حد ذاتها . فقد خضعت هذه المفاهيم ، إجمالا ، الى خلفيات اجتماعية وثقافية ودينية وسياسية أيضا . وهى لم تتحرر من ابعاد إيديلوجية إذا اعتبرنا الايديلوجيا - كما يرى ل. التوسار مثلا - انها التصور لعلاقة الافراد ( الخيالية ) بوضعيه وجودهم الحقيقى )) (2) .
ويستعصي علينا الاثبات مجرى التفكير الجمالى هذا ، الاعتماد على جل الاطروحات الجمالية الغزيرة سواء كانت عند الصينيين أو الهنود أو اليونانين . وكذلك الرومان والعرب قديما . ولكننا سنكتفى بأن نضرب بعض الأمثلة متخذين اباها نماذج للاستدلال على ما ذهبنا اليه فى تصنيف التفكير الجمالى الانسانى .
فمن هذه المفاهيم الجمالية عند الفلاسفة اليونانيين (3) ما صاغه (( هيراقليط )) [ حوالى 470 - 530 ق. م. ] من أطروحات جمالية انطلاقا من إقراره بعدم ثبوت قوانين أزلية للنظام الكوني بل رأى تغير الكائنات وخضوعها الى التحول والتبدل ، وفى نظره يكون (( الجمال )) نسبيا ، وهو لا يتعدى أن يكون ظواهر للعالم الموضوعى الذى ندركه بالحواس ، ويبحث (( هيراقليط )) عن معادلة تتم بين العوامل المتصارعة المتضاربة فيجدها فى التناسق ، اذ هو ينتج - حسب رأيه - عن صراع التناقضات .
ويتبين عدم عزل (( هيراقليط )) الظاهرة الجمالية عن نظام الكون ككل .
أما (( سقراط )) [ 399 - 370 ق. م. ] . فهو يعلق نسبية (( الجمال )) بغايات النفع والافادة ، وعرف (( الرائع )) بالشئ الذى (( يفيد وينفع )) . وربط سقراط بالتالى بين (( الجمال )) وقيمته الاخلاقية ، إذا اعتبر الانسان الأرقى من يوفق بين الهيئة الجسدية الرائعة والقيمة الاخلاقية التى لا تخلو من روعة أيضا ، وأبرز الصفات التى أسندها سقراط للفضيلة هى (( سلامة العقل )) ، وحصر التفوق بالتالى بين المفكرين والفلاسفة والاسياد عامة . ووجه تفكيره وجهة انتمائه الطبقى الارستقراطى .
ويكاد يكون (( أفلاطون )) [ 347 - 427 ق. م. ] قد سلك مسلكه فى تكريس ولائه الطبقي إذ أنه عاش فى عهد سقوط الديمقراطية بأثينا وانتصاب الاستقراطية لتفرض نمط تفكيرها ومجتمعها على بقية الطبقات ، وذهب نتيجة تعلقه بـــ (( المثل )) الى تهميش المعرفة الحسية واعتبارها متحولة فانية ، واعتبر الحقيقة الثابتة فى عالم المثل ، عالم الافكار . ويدرك هذا العالم - فى
نظره - عن طريق العقل لا الحواس . واعتبر الفن ، فى محاكاته للحقيقة ، زائفا ، ودعا بالتالى الى نبذه . ولا تخلو هذه المفاهيم من إسقاطات طبقية .
أما (( أرسطو طاليس )) [ 322 - 384 ق. م. ] فقد عارض مفاهيم أفلاطون واعتبر أن (( للرائع )) شروطا موضوعية ، وصفات موجودة فى الواقع المحيط بالانسان ، وهو بالنسبة للكائنات مجموعة من الاجزاء المتتابعة بانتظام ، ويخضع أيضا الى نسبية التطور اذ له بداية ووسط ونهاية .
إننا اذا اقتصرنا على هذه المفاهيم الجمالية فحسب من الفلسفة اليونانية يتسنى لنا استنتاج ارجاعها إما لعالم مثل يمثل خلفية حضارية تتعلق بطبقية معينة أو الى عوامل موضوعية خاضعة الى نسبية الكون عامة .
وبجانب هذه النظريات الجمالية اليونانية تستتوقفنا عدة مفاهيم جمالية لا تعزل الظاهرة الجمالية عن مؤثرات خارجية ، فالفيلسوف الرومانى (( لوكريشبوس [ 55 - 99 ق. . ] قد بنى آرائه من وجهة تحليل مادى للكون الذى اعتبره ليس من صنع الآلهة وإنما هو نتيجة لحركة الجواهر المنفردة وهو يؤكد بالتالى على أبدية المادة وعدم اضمحلالها .. )) (4) .
أما المفكر الصينى (( كونفوشيوس )) [ 479 - 551 ق. م. ] فقد حدد للفن مقاصد أخلاقية اذ اعتبره يهذب الاخلاق ويولد الفرح والمتعة لدى الانسان .
أما فى القرون الوسطى فان أغلب النظريات الجمالية زادت التحاما بالغاية الاخلاقية وخاصة الدينية منها اذ أصبحت تحت ظل (( التيوديزيا اللاهوتي )) ( Theodicee ) الناظر فى العلاقة بين العدل السماوى والشر البشرى الارضى . اذ أن التفسير الدينى يعتبر المحسوسات ملوثة بالدنس الارضى ، ولما كانت هذه المصدر الاساسى للاحساس الجمالى فان الفن يتعرض عند ذلك الى نفس الاتهام . الا ان المفكر المسيحى (( توما الأكوينى )) [ 1225 - 1274 ] كان قد كف بتوجيه (( علم الجمال )) فى خدمة اللاهوت المسيحى وسعى الى التفرقة بين ما هو جميل وخير اذ اعتبر الاول يرضى السمع والبصر دون الحواس الاخرى ، ثم اهتم بابراز ظاهرة (( الجمال الحسى )) وإثبات صفاته الموضوعية .
وهكذا وظف (( الجمال )) لخدمة الدين .
أما (( دانتى )) الايطالى [ 1265 م. - 1327 م. ] فقد عارض توما الأكويني ورأى الجمال فى طبيعة الجنس البشرى لا فى الألوهية اذ هى تحمل فى نسيجها طاقة جمالية ثرية . وبالطبع ، فان هذه الطاقة غير منعزلة عن العالم الخارجى بل هى فى علاقات تأثر وتأثير .
ولقد أرجع ج. ج. روسو [ 1712 م. - 1778 م. ] وديدرو [ 1713 م. - 1784 م. ] المادة الجمالية إلى الطبيعة ، دون تعميق هذا الاتجاه الى علاقات اكثر اشعاعا مع العالم الخارجى المحيط بالفنان .
أما هوبز الانجليزى [ 1588 م. - 1679 م. ] فقد ركز على الجانب الاجتماعى فى تحديد لقيمة الجمالية وأكد على نسبية مفهوم (( الجمال )) وذهب (( هودر)) الالمانى [ 1744 م. - 1841 م. ] الى تبنى نظرية تطور الفنون وأارجع المادة الفنية أساسا الى الشعب ونفى كل تقعيد لظاهرة الاحساس الجمالى والظاهرة الجمالية .
ولعل أهم النظريات الجمالية التى تستتوقفنا فى نهاية مطاف هذه المرحلة إسهامات (( كانط )) ( Kant ) و (( هيغل )) ( Hegel ) فى تطوير المفاهيم الجمالية . ويمكن أن نلخص نظرية (( كانط )) الجمالية باعتبار الظاهرة الجمالية نتيجة اللعب الحر للخيال . وبالتالى فهو ما يعجبنا دون مصلحة خاصة ، أما الحكم الجمالى فهو غير منطقى بل حدسي متصل بالذات .
ولقد سعى (( كانط )) ، فى مرحلة أولى من تفكيره الى فصل البحث الجمالى عن الاخلاقى وكذلك عن نشاط الانسان العملى . الا انه اضطر فى مجرى تحليله الى تجزئة (( الجمال )) الى جزأين : (( الجمال الحر )) و (( الجمال المرافق )) .
وفى حين عدم خضوع (( الجمال الحر )) الى أى توجه متوقع يخضع اليه الشئ فان (( الجمال المرافق )) يقارن بين الشئ وتصوره النوعى ، وبالتالي يقع تفكير (( كانط )) فى التأويل الاخلاقى دون أن ينجح فى تحاشيه ويستنتج (( أن الرائع هو رمز الخير الاخلاقى )) .
أما (( هيغل )) فهو يبنى نظريته الجمالية على أساس أن الفن يربط العالم الخارجى والمحسوس بالفكر الخالص المطلق ، فهو اذن علاقة بين الطبيعة والانسان ، وهذه العلاقة هى مرحلة ، فى الواقع ، لتطليق الروح من الظاهرة
المتناهية ، وفضل (( هيغل )) المحتوى الجمالى على شكله ، اذ ان المحتوى هو (( الحقيقة والروح ما هو إلاهي ، والوحدة بين الشكل والمحتوى هى الوحدة بين الحسي والمطلق )) (5) ولا يمنع هذا التفكير المثالى (( هيغل )) من إعطاء بعد واقعى ملتزم للفن ، فهو فى نظره يكتشف أيضا سيطرة القوى العامة فى التاريخ ، وهكذا يتجلى أن خلف التصوير الحسى للعالم المطلق تكمن المدلولات .
ويعتبر (( هيغل )) كذلك أن الفن باعتباره ثري المحتوى ، فهو قادر على التدخل فى الجدلية التاريخية ، وهو يسهم بالتالى فى تغيير الانسان نفسه ، ويجنح (( هيغل )) فى نهاية المطاف الى تبني اتجاه (( الفن الواقعى )) اذا اعتقدنا فى الوئام الذى يوجده الفن بين التعبير الحسي عن المطلق وبين كيان المطلق فى حد ذاته ، الى الوحدة بين الطبيعة والفكر الانسانى .
وقد انتقد (( هيغل )) موقف البرجوازية من الفن باعتبار أن تصورها للعمل الاستغلالى وتقسيماته يقتل عند الفنان طاقات التحرر والابداع ويحنط قدراته . فالبرجوازية معادية اذن للفن الحر المعبر بصدق عن قضايا الانسان .
إن هذه المفاهيم الجمالية سواء يونانية كانت أو رومانية أو صينية أو متجلية فى عهد النهضة الغربية وما بعدها ، لتثبت عدم فصم الجمالية عن صلاتها بالعالم المادى المحسوس أو بالعالم الروحى ، بل هى متعلقة بهذا أو بذاك ، ويمكن بالتالى البحث عن خلفياتها وأبعادها الايديلوجية المختلفة .
مرحلة الفن للفن او انبتات الجمالية :
لقد تبعت هذه الاتجاهات الجمالية العديدة السالفة نزعة (( الفن للفن )) ، وهو كما يقدمها د . محمد النويهى (( ذلك المذهب النقدى الجمالى الذى يقوم على اعتقادين : اعتقاد أن الفن له وجوده المستقل المعزول عن كل شئ خارجه ، فينبغى ألا يحكم عليه بأى مقاييس خارجية ، بل بمقاييس فنية صرف . . . واعتقاد أن (( الجمال )) له وجود جوهرى قائم بذاته مستقل عن الماصدقات التى يتحقق فيها تحقيقا جزئيا ... )) (6) .
(( أما الاعتقاد الثانى فواضح انه بقية من الايمان الافلاطونى القديم [ يقول ] بأن للمثل وجودا قائما بذاته مستقلا عن ما صدقاتها لا أنها محض أفكار تجريبية تنتزعها اذهاننا من التأمل فى ألوف الماصدقات الجزئية . وقد أدى هذا الاعتقاد بأصحابه الى الظن بأن التجربة الاستاتيكية او الجمالية هى نوع مختلف من النشاط الذهنى لا علاقة له بسائر المعارف الحسية والانفعالات العاطفية والمدركات العقلية . . . )) (7) .
وتجدر الاشارة إلى أن النويهى كان قد ألف كتابه ( وظيفة الادب : بين الالتزام الفني والانفصام الجمالى ) ردا على د . مصطفى ناصف صاحب بحث (( دراسة الادب العربى )) (8) الذى تبنى فيه نظرية الفن للفن متخذا بعض الاعمال الادبية العربية نماذج تطبيق ، وقد حاول النويهى أن يبرز من خلال رده التعسف المفرط لمثل هذا المنهج على الادب العربى .
ولا يخلو اتجاه (( الفن للفن )) بدوره من خلفيات وأبعاد ايديلوجية اذ قد يراهن النقد الايديلوجى على أنه جاء رد فعل ازاء زحف الاتجاه الواقعى ، وهو بالتالى صياغة للانطواء البرجوازى أمام بروز محاور اخرى فى التعبير الفني توظف الفن الى الاسهام فى تحولات الواقع .
الجمالية الملتزمة :
إن المنطلق الاساسى للتصور الجمالى الماركسى يتنزل فى نطاق عملية الانتاج ذاتها ومدى انعكاسها على قدرات الانسان فى الخلق والابداع .
إن نمط الانتاج - فى النظرية الماركسية - هو المحدد لعلاقة الانسان بذاته أولا ، ثم بالعالم المحيط به ، ثانيا . فكلما كان النشاط الانتاجى غريبا عن الذات ، متنكرا لطاقاتها كان الاحساس الجمالى بعملية الخلق مسلوبا ومتكلفا ، وتتسع دائرة العقم هذه الى العالم الخارجى المحيط بالانسان فتعزز ظواهر الاغتراب والانفصام . أما إذا تخطى الانسان هذا الحصار لمباشرة عملية انتاج متحررة من اشكال الاستلاب تفتحت ذاته على نشاطه العملى فى الكون . فتتسع دائرة الاشعاع الجمالى وتأخذ أبعادها الابداعية الخلاقة .
إن الذات الجمالية ، فى نظر الماركسية ، ليست بالذات المنطوية على نفسها أو المتصلة بالعالم المثالى بل هى ثمرة التطور الذاتى للحياة المادية والاجتماعية وقد تعدت الحدود الضيقة للنماء الاجتماعى الذى عرفته البشرية فى بدايات أطوارها .
إن الوجود الحسي - حسب ماركس - جزء هام من حركة الناس المنتجين خلال التاريخ ومن اسهاماتهم فى تغيير العالم وتحويله ، اذ أن الانسان يثبت ذاتيته فى العالم الموضوعى لا بفكره فحسب - كما يعتقد (( هيغل )) - ولكن أيضا بفيض حواسه ؛ واذا كان الفن فعالية حسية فهو يمثل أساسا وعي الانسان بذاته وقيمة انتاجه ووجوده التاريخى .
وهكذا تصبح كل أنواع الانشطة الانسانية هادفة الى توفير طاقات وتظاهرات جمالية تصوغ ذات الانسان ونصلها بالعالم المحيط بها . وينبنى التصور الماركسى الجمالى فى علاقة الاحساس الجمالى بالواقع الموضوعى المؤطر له على ما اصطلح على تسميته بـــ (( الانعكاس )) فالماركسية تعتقد أنه (( بالرغم من اختلافه بين الفن الواقعى والرومنطيقى والطبيعى ، فان انعكاس العالم الموضوعى يبقى دائما فيها انعكاسا . انه يحافظ على ذلك ويتجلى بأشكال عديدة فى الشعر ، والنحت وفن المعمار ، والرسم والمسرح . (( ففى العالم الواقعى ، وفى [ صلب ] الواقع ، يجب البحث عن مصدر الابداع الفني وليس فى شعور الذى يخلق مثلما يريد المثاليون ان يحملوا [ غيرهم ] على الاعتقاد به . . . )) (9) وهكذا يصبح الفن فى علاقته بالواقع (( .. فى نفس الوقت شكلا للوعي الاجتماعى وشكلا للنشاط الانسانى ، يعكس الواقع ، ويسعف الانسان بالارتقاء لادراكه ، أى بتغييره طبقا لقوانين الجمالية (10) .
فالواقع هو المادة الاساسية للفن ، وهذا الواقع يحتضن صراعات متنوعة تهدف جلها بفضل تطور تناقضاتها الى ادراك الخلاص النهائى من الاستلاب ومهما كان نموذج الابداع لاثر فنى ، شعرا كان أو نثرا أو قطعة موسيقية ، فان هذا الخلق ينبنى دوما على الحقيقة الموضوعية . ان الفنان يعكس ويعبر فى أعماله عن الحقيقة الموضوعية التى يعيش فيها أو التى عاشها أو سيعيش فيها
أناس ، فمهما كان غرضه فانه ينقل الواقع ( الطبيعة، المجتمع ، الفكر ) الذى يجاهد فيه أناس من أجل مصالحهم ودوافعهم العميقة )) ( 11 ) .
كما أن العلاقة بين المعرفة النظرية للفنان والواقع الموضوعى ليست علاقة تناقض أو تباين أو انفصام بل إن (( فى عمل الفنان تضاعف المعرفة الواقع ، وتجعل من التحرك نحو الموضوعى الثابت بأكثر يسر وعسر فى آن واحد . ونحضر ، فى الوقت ذاته ، على اندماج أكثر تركيزا بين المعرفة والتطبيق ، وعن هذا كانت صعوبة الخلق الفني عامة ، وكانت أيضا خصوصيته التى تمثل ذاتيته )) (12) .
وهكذا يصبح (( الجمال )) - فى نظر الماركسية - جزءا من ذاتية الانسان المحولة للكون ، وجزءا كذلك من الكون المتصل بذاتية الفنان في نطاق جدلية الصراع التى يجب - حسب ماركس - أن يتحكم فيها الفنان ويطوعها نحو التحرر من التبعية للانسان الآخر وللطبيعة كذلك .
إن النقد الايديلوجى - كما سبق أن بينا فى التمهيد يلتقي التقاء جليا مع هذه الاطروحات المادية الجدلية حول الجمالية فــــ (( الجمال )) خاصة و (( الذوق )) عامة هما نتاجا نمط الانتاج الذى يباشره الانسان ، وبالتالى فان على النقد الايديلوجى أن يكشف عن هذا النمط دون إهمال الخصوصيات المميزة لذاتية الفنان ، إذ هى - كما رأينا - ليست فى علاقة تقابل أو تباين مع الواقع الموضوعى - كما يعتقد بذلك ماركس - بل هى تبحث عن انعكاس لها يمثل استمراريتها وتواصلها مع العالم الخارجى ، وكل ذلك امتدادات لوجودها الواعى .
ويبقى التراث الجمالى بما فيه من عزل للجمالية عن الواقع ، وانطواء للمفاهيم عن العوامل الخارجية ، خاضعا بدوره الى التقويم الايديلوجى الذى يحدد مدى صلاته بالفن المتحرر الواعى أو بالفن المسلوب البورجوازى .
