فى السماء صفاء بلورى مشرق ، وعلى مد البصر زرقة لا يرى فى مداها العبد غير ضباب يصاعد فى توءدة كأنفاس محتضر أو كأحلام عذراء ، ولا يلبث أن يبلغ صفحة السماء المائلة على وجه اليم تلثمه فى طهر وبراءة فلا هو يتنكر لها ، ولا هي تعرض عنه وتنفر ، فيخيل للناظر أنهما محبان يتناجيان أو يتهامسان ، والموج في مده وجزره يحكى قصة الحياة للأحياء ويحمل حديث الحب للمحبين. .
وهاهنا ، على الرمال المتبرجة الصفراء تناثرت الأجساد مستلقية تمتص الحرارة وتنشد اللذة فيها فاذا بطون مسترخية ، ومفاتن عارية ، ونهود متوترة قائمة وعورات . . واذا جمال صارخ يدعو ، ومتجرد بض يحرك الكوامن واذا بنو حواء بمختلف ألوانهم ومتعدد أجناسهم ومصادرهم يلتذون مضطجعين أو جالسين بخيوط الشمس وحر الشاطئ وموسيقى الأمواج يصغون اليها فلا تختص آذانهم بحلو معنى أو شيق حديث .
كانت ساعة مقهي الشاطئ الكبيرة تشير الى الحادية عشرة من إحدى أيام الصيف ، الساعة التى اعتادت لمباء أن تغادر فيها منزلها قاصدة الشاطئ ، لتصبغ بشرتها بأدمة تزيد فى جمالها وترتخى على صفحة المياه الزرق لحظات تنصرت فيها بكليتها الى عالم الذهول والنشوة والحلم فتحل بها الآمال البعيدة تقصيها عن جوها ويكتنفها التيه والشرود ، فهى فى غمرة أحلامها وبحرانها تكاد لا ترى غير سامي فتتساءل عن حقيقة احساسه إزاءها وكنه شعوره نحوها :
" - أتراه يحبني حقا ، فيجمعنا الوصال الأبدى ، أم تراه مثل الكثيرين من أمثاله يخاذلنى ليقنع منى بحب عابر ؟
كلا ! إن سامي لأسمى من أن يكون كذلك ، من أن يكون منحط الاخلاق ، سافل النية ، خبيث الغاية . . . ولكن ما يدرينى ، فادارة عمله معرض للغيد الحسان ومنتدى لربات الفتنة ، وصلته بهن - ليت شعري بها ! فسلمى ذات قسط وافر من الجمال والدلال ، ونادية بخضرة عينيها ودقة خصرها ، وامتداد قامتها من شأنها أن تؤثر فيه وتدعوه اليها . . وغيرهن كثيرات بدون شك.
كلا ! إنه لزين الشباب وخيرة الفتيان . ألم أتفرس في وجهه الصدق والنقاوة والنبل أثناء رؤيتى الاولى له فى الحفل ؟ ألم ألمس في حرارة حديثه مع أصدقائه التضحية والرجولة ؟
عرفته ليلة 18 سبتمبر من العام الماضي ثم غادرت البلدة من الغد الى مسقط رأسها فنسيت ما كان بالامس.
وترك البلدة هو الآخر بعد أيام فنسى أو كاد الحفلة الساهرة والصبايا الجميلات ، وحتى اصدقاءه كاد أن ينساهم لاننصرافه الى مشاغله .
وعاد الصيف ، هذا الصيف ، فعادت معه الراحة والحركة ، والركود والحياة ، والشمس والظلال والزرقة والرمال وأجناس البشر فكأن " سكان التراب قد هبوا من الكرى " واذا النفوس مرتاحة ترتع فى مروج اللذة منساقة الى نزوات الأجساد تتشرب الكسل والسلبية والارتخاء .
عاد الصيف فعادت أسرة لمياء على عادتها الى " طبرقة " ورمالها اللاهثة وزرقة بحرها ، وأمواجها تتكسر على قدمى " الأسد الأصفر " مرغبة مزبدة أو تلقى بنفسها يائسة قانطة الى الصخور العملاقة الصلدة ، فاذا رغوة هائلة تطاول قممها ورشاش ناصع تذروه النسيمات ، واذا هدير يتعالى ، وغمغمة تختنق ولحن حزين يتسلل بين نجوات الرصيف وحنايا الجلاميد فيبث رعبا وهولا شديدين وفزعا .
وعاد من باب الصدفة سامي ليشتغل باحدى ادارات طبرقة لما حظيت له هذه البلدة لديه من حب مكين واستهواء ، ولما وجده من متعة الجلوس بمقهى "الأندلس " التقليدى أو " بالبسكادو " على رمية حجر من الشاطئ.
مضي على حلول لمياء بطبرقة أسبوع . وخرجت ذات مساء صحبة أختها الوحيدة وصديقة لها فمررن ثلاثتهن طوال الطريق المحاذية للبحر ، وفي أثناء انسياقها وقفت مشدوهة فاغرة الفم شاردة النظر أمام فتى أعاد الى ذاكرتها أمسية الحفل ، وتأملته مليا فاذا هو أحد من حضروا السهرة فى الصائفة الماضية فأعجبت بخصاله ، وركنت الى التفكير والاطراق ، وهي في ذلك كله ، تتكلف الاكتراث بحديث صديقتها ولغو أختها . وأعادت المرور بالطريق ، فاذا هو يعود لحسن حظها ويلحظ ما بدر منها فترتكز عيناه بعينيها ، بوجهها ، بقدها بشرودها وتيهها فيلقى فيها تحفة الحفل الذى حضره ، وإذا لمياء شغل باله وطيف ليله .
وعلى وزن المتدارك مر شهر أو بعضه فطوى اللقاء الأول لهما وغيره - وذات ليلة كان يجلس لوحده بمقهى الشاطئ يتأمل البحر الساكن وينعم بهينمة
النسيم المدغدغة ووشوشة الموج فى مده وجزره يقبل الساحل النائم ويفر هاربا خشيه إيقاظه بينما يمتد بين الفينة والفينة خط فاقع طويل تلوح به المنارة فينكشف سطح الماء لحظة ثم يحتجب ، وسامي في ذلك مهبط للخيال ومحط للتفكير :
" ... أتراها تطمح فيما يبدو على من السعة والترف لتدمن النظر الى وتحيطني بحب جم واهتمام بالغ ؟ ولكنى ماشيتها كثيرا وحدثتها عن نفسى وحدثتني عن نفسها فعرفت أن والدى يملك محلا يشكل المورد الحياتي الوحيد لصبية اربعة ، واني موظف فى شركة ما ليس إلا ، وعرفت أن والدها أوسع ثروة وأوفر ، وانها وأختها الوحيدة أعز ما يملك أهلها . . - أفهل تراها مخلصه فى عاطفتها ؟ بلى ! إن فى عينيها لنداء الصدق والوفاء فلشد ما تعلقت بيدى ونحن نتماشى وكأنها تخشى صولة الدهر ودورة الزمن - ولطالما التصقت بى كالمذعورة الخائفة - أو مرت أمام ادارة الشركة لترانى فى غمرة انصرافى الى عملى واشتغالى بدفاترى ، أو سارت معى فى أول الليلة الى الجهة الغربية للبلدة ، فلا نكاد نخوض غمار الحب والزواج الدنئ ، ولكنه الحديث البرئ حديثها وحديثي ينساب نشوان على صفحة البحر ويتسلل بين فجاج الجلاميد الخرساء وتلاطم الموج ، هو الكلام الطاهر تذروه أنسام الديل وتحمله فوق مجاهل اليم وغياهب الظلمات .
ولكن ! ألا تقتضى وحدانيتها بين أهلها أن تزف الى من يحبون ويفضلون من ذوى قرباهم ، وأين أنا منهم ومن صلة رحمهم ! أو لم تقل لى يوما أن والدتها تؤمل زفها الى ابن أخ لها ، لا تحس نحوه لمياء بغير عاطفة القرابة، بيد أنها مشيئة الوالدين ما لها تبديل ، ولمياء تخشى غضب أهلها كل الخشية وتستحى منهما كل الاستحياء لمفعول تربيتها وييئتها ".
وذات مساء - وقد أشرف الصيف على الانقضاء جلست لمياء الى اختها على مقربة من منزلها وبقيت تتأملها وهى تفرك الرمل تارة وتكدسه أخرى ثم تذروه أو تملسه وتخط فوقه فيأتى على خطوطها النسيم .
وقدم سامي مستهدفا رؤيتها وقد غاب عنها طيلة أيام أربعة حبسته فيها شؤون ادارية بالعاصمة .
لميائى ! كيف حالك يا شغلى بعد غيبتى هذه ؟ عاقتني عنك شواغل أكيدة بالعاصمة ، فاكتنفني فراغ مميت ووحشة ممضة وقلق لفقدك وألهبنى الشوق الى رؤيتك والجلوس معك وجهة البحر . كيف أنت ؟ لمياء ؟ "
وهاله أن يراها مطرقة لا تجيبه عن غير سلامه ولا ترفع اليه بصرها مليا فأتهم نفسه :
" أعتذر إن بدر منى شىء ، العفو يالمياء إن أغظتك ، لقد أرهقتني الاقامة بتونس والحرارة فيها كأنفاس الزبانية ، فتوترت أعصابي كما ترين وصرت أهذى " .
وفى صمت الظلام ووحشته تناهى الى مسمع سامي نشيش خافت كصوت الشواء ، وبحركة لا شعورية قرب لفافته الى شفتيه وامتص نكهتها فلم تستجب له ، وعلى ضوء عود الكبريت الذى أشعله لاحظ بللا فى مؤخر سيجارته :
" تبكين ؟ وما سر بكائك ، فلانتي ؟
واذا سامى يسليها ويأخذ يدها ويسألها عن موجب دموعها فتسكت وتسكت ، وهو فى ذلك حائر مشدوه باهت ، لا يكاد يصدق .
وتهب الريح خفيفة ثم تحتد وتعنف وتأخذ شعر لمياء ترسله طوع مشيئتها ، وينقم البحر فيهيج ويعربد وتصاعد أمواجه وتعلو فتبدو على ضو المنارة كهياكل من الوحل . . .
وتعود لمياء الى البيت ، فاذا والداها يحزمان الحقائب ويجمعان المتاع والادباش فلا تفهم شيئا ولا تستفسر أحدا .
ويعود سامي يفكر فى أمرها ويتساءل عما ستبرر به بكاءها فى موعد الغد وجملتها الاخيرة ما تزال ترن فى أذنيه : " سنلتقى غدا " ، يعود الى بيته الذى غادره منذ أربعة أيام فيجد رسالة :
" سامى ! أعلم أن صلة ما جمعتنى بك زمنا لست أدرى أطال أم قصر ولكن الذى أدريه أنى لقيتني سعيدة فى ظلك مرتاحة الى عطفك وملء رجولتك تغدقهما على برحابة صدر فخلقت مني عشيقة هى حافزتك التى تدفع بك حيث تشاء وقبلتك التى تتوجه نحوها والشعاع الذى يمزق ظلمتك وأعلم أنك تريدني وتعشقنى بدورك عشقا ملائكة خالصا برهن عليه ما فيك من روح تضحية وفيض وفاء وشعلة صدق ، فلطالما آختلينا على الرصيف فى سكرة الحب ونشوة الذهول ، ولطالما ضمنا الليل فى حلو السلام وبرىء الاحلام ولكنى الآن ذاهبة والحسرة تفتتنى والحرقة تشل يدى وتحد من أنفاسى الى إعلامك بوقوف والدى حاجزا دون زواجنا فقد أصرت أمي " ٠٠٠ وقفز نظره الى ذيل الرسالة فقرأ إلى اللقاء - لمياؤك -
وسار سامي في صبيحة الغد الى حيث تسكن لمياء ودقات قلبه تتوالى لاهثة والشوق الى استفساره يبرح به ، وسأل عنها فقيل له : إنها رحلت !
كانت ساعة مقهى الشاطئ الكبيرة تشير الى الحادية عشرة من إحدى أيام الصيف ، الساعة التى اعتادت لمياء أن تغادر فيها منزلها قاصدة الشاطئ لتصبغ بشرتها بأدمة تزيد فى جمالها وترتخى على صفحة المياه الزرق لحظات ٠٠
اجتمع فى ذلك اليوم أمام مركز شرطة البحر أناس عدة من بينهم أحد البحارة فارع القامة عريض المنكبين يستجوبه عون فيقول :
" لقد ألححت عليه أن أرافقه ولكنه أبي فسلمت اليه القارب واتفقنا على ساعة أو بعضها ، فلما أن رأيته أبطأ خفت عليه وحدثتني نفسى بسوء عرض له فالحقت به صحبة غواص وإذ لم نلقه نزلنا اليه فاذا هو جثة هامدة ليس بها حراك .
ومضت شرطة البحر فى استنطاقها وبحثها ، والبحار فى سرد قصته ، ونفض المركز مجتمع الناس عنه .

