أحببت جدا هذه الصبية ، كانت لي سكرتيرة طيبة مطيعة مجتهدة .
أفرح عندما تستقبلني كل صباح فى الادارة بوجه مشرق باسم وهندام أنيق محتشم وكلام مهذب مختار .. كنا نتعاون فى العمل ؛ وعندما نجد قليلا من الفراغ نتجاذب الحديث .. تعجبني الصراحة فيها اذ تقول :
أنا سكرتيرة أجبب على الهاتف أرقن المكاتيب والخطابات ، أستقبل سيدتى المديرة وألبى طلباتها ، أبتسم فى وجوه الزوار وأفهم حاجاتهم ، أتظاهر بأن سعيدة راضية ولكنى فى الحقيقة لست سعيدة بل شقية وشقية جدا .
وأسألها : - لماذا يا صغيرتى . فتجيب :
- لأن حلمي كان دائما أكبر واجتهادى المدرسى ظننته سيؤهلني لمستقبل أفضل . أحببت أن أصير محامية البس الروب الأسود لا من مكتب الى المحكمة بل من الست الى المحكمة أشق به شوارع المدينة ليعرف كل الناس ان المرأة قادرة على الدفاع عن الحق والعدل وتحقيق النصر ، ولكن اماني نحطبت بانهزامى فى امتحان البكلوريا والحاح اهلى على بالعمل لمساعدنهم للانفاق على حاجياتي والمشاركة فى تجهيز بيت عريس المستقبل ابن جارنا الشاب المهذب اللطيف الظريف الذي يعمل في الخارج ويرسل المال لأبيه وأبوه بحلب البنائين والنجارين لكى يعد طابقا فوق منزله يسكنه ابنه الصالح .
وأجيبها :
- يا عزيزتى ان كل ما تعطينا اياه الحياة جميل ومفيد ، فعلينا أحيانا أن ننسجم مع الواقع حتى نحفظ لأنفسنا التوازن ، وفي نفس الوقت يكون من الرائع جدا أن يسكننا الطموح العاقل ، وان نطور حياتنا ونحسنها ونصل الى تحقيق أهدافنا ولو استغرق ذلك زمنا أطول .
وتفرح الشابة بكلامي وتلمع عيناها المزوقتين باحتشام وتسألني : أفهم من كلامك أنه ليس من المستحيل أن أصير فى يوم ما محامية . فأجيبها :
- طبعا وكيف يكون مستحيلا إذا تسلحت بالاجتهاد والمثابرة والصبر فساعات النهار طويلة وأيام العطل والراحة عديدة ويمكنك تخصيصها للدرس والاطلاع والمشاركة فى الامتحانات . ومن البداية ضعى أمام عينيك أن الفشل مرة فى أى امتحان فى هذه الحياة لا يعنى الفشل فى كل المرات وصرت مع هذه الصبية أتغاضى عندما أدخل عليها مكتبها وأجد بين يديها كتابا تغرق فيه رأسها وعينيها وقلبها ، واكتفى بسؤالها عما تقرأ لكي أشعرها ان العمل الخاص يكون خارج أوقات عمل الادارة وأكلفها بالجديد .
ولكنى أقول فى نفسي : ان اهتمام هذه الشابة بالمطالعة على حساب وقت الادارة افضل عندى ألف مرة من ثرثرة بقية الموظفات فى التلفون : ماذا طبخت لتلك المناسبة ؟ وماذا لبست لتلك السهرة ؟ وما هى أخبار قلوب الناس وشياطينهم لهذه الأيام ؟ ! وأفضل عندى من مضغ العلك وصب الأظافر وتزويق الوجوه وشغل التريكو وتقشير الجلبان تحت المكاتب .
ومرت خمس سنوات غاب فيها عني الوجه الحلو لهذه الصبية الطموحة لم اعرف شيئا من أخبارها وأحوالها ذلك أنى انتقلت الى ادارة اخرى فى بلدة أخرى فانشغلت هي بمديرات أخريات وانشغلت أنا مع سكرتيرات اخريات .
ومنذ أيام كنت واقفة أمام محطة الحافلات في وقت خروج موظفي الادارات حين الازدحام والسعى الحثيث .
ورأيت سيدة صغيرة جميلة أنيقة صبغت الشمس لونها بالورد ومزج المزين شعرها بالذهب والحرير ، وطبعت هى نفسها بالوقار ، وحلاها الخالق بأحسن حلية بطن صغيرة مكورة تقول : اني أنتظر أمومة سعيدة .
وأحسست بالاشفاق على هذه السيدة الجميلة الحامل من زحمة ركوب الحافلة العامة ولكنى قلت فى نفسي : ان الجمهور مهذب ويعرف الواجب نحو
مثلاتها . كانت على عيني نظارة شمسية داكنة وعلى عينيها نظارة مماثلة فشمس الصيف لم تغادرنا بعد رغم اننا فى الايام الاولى من الخريف
ولعل نفس الوازع النفسي الذي قربني من الاهتمام بهذه السيدة جعلها هي ايضا تهتم بى . فصارت الواحدة منا تسرق النظر من تحت نظارتها الى وجه الاخرى وهيئتها وتسرح فى التذكر .
وفجأة وفي نفس الوقت تقدمنا نحو بعضنا منها خطوة ومنى خطوة فاذا بنا نتعارف قالت ببساطتها وصراحتها :
- شاب شعر رأسك يا سيدتى ولهذا لم أعرفك فاعذريني قلت وأنا أضحك .
- انه شيب مزيف اشتريته من عند المزين كما اشتريت أنت لون الذهب قالت : تلك هي العادة أن تسعى البنت بعد الزواج لتغيير شكلها وألوانها لعل الحياة تزهر لها وتضحك .
قلت : كان صعبا أن أتعرف عليك بسرعة بعد خمس سنوات تغيرت فيها تماما خاصة وأنا متوقعة أن أراك يوما فى الشارع بروب المحاماة الأسود كما وعدت . وعرفت أني أشير الى حكايتها القديمة مع الطموح وأنى أريد أن أعرف آخر أخبارها .
اقترحت : - سيدتى العزيزة اذا لم تكونى مستعجلة هل تسمحين بأن نتمشى ونركب الحافلة من المحطة القادمة قلت : حبا وكرامة ، ولعل الحظ يسوق الينا سيارة أجرة نركبها تعوض علينا الوقت . وتمشينا وبدأت تحكى قالت : - عندى سؤال حيرنى لم أجد من يجيبني عنه . قلت : ما هو ؟
قالت : اريد ان اعرف لماذا انتقلت من دار أبي الى دار الجيران ؟ . فقلت : بالزواج يا عزيزتي لا شك أن أشياء كثيرة جميلة دخلت حياتك خاصة وأنت تستعدين للامومة للمرة الثانية ان هذا جميل ورائع . قالت : في بيت أبي كنت أتعب فى عملى بالشارع لأساهم فى النفقات واتعب فى عملي بالبيت ليرتاح أبى واخوتى الذكور فأنا البنت الوحيدة ومضطرة لمساعدة أمي ، الذكور عندنا فى البيت لا يخدمون أحدا ولا حتى
أنفسهم ابتداء من شربة الماء الى كى الملابس الى اعداد سرير النوم . وبعد المشاركة فى تجهيز شقة ابن الجيران الذى يعمل بالخارج تزوجته وانتقلت اليها .
وكما تعرفين عني يا سيدتى فانى أحلم كثيرا وأطمح أكثر حلمت بالحب والمرح والتطور .. حلمت بالسفر مع ابن الجيران الذي يعيش فى الخارج وأنا التى لم تسافر أبدا وصرفت مداخيل السنوات على تجهيز بيت الزوجية فى انتظار حياة سعيدة فيها الجديد .
ولكن الذي حصل ان ابن الجيران أخذ عطلة طويلة من شغله فى الخارج وقد كان يدخرها من سنوات لمثل هذا الحادث وفي تلك الاثناء تم زواجنا ! وفي نهاية العطلة تركني زوجى حاملا ورجع الى شغله فى انتظار أن يزورنا فى عطلة قادمة ، وعدت أنا الى عملي أيضا أسوق أمامي بطنا صغيرة ما لبثت ان كبرت ، وبعدها صرت أما لبنية جميلة عمرها الآن بضعة شهور وانى ما زلت الى الآن أتساءل ما معنى الزواج ؟ وما معنى الحياة المشتركة ؟ وما هو واجب كل من الزوجين نحو الآخر ؟ وهل الزواج معناه بالنسبة للمرأة مزيدا من الاعباء والمسؤوليات فقط ؟ أم له مفهوم آخر ؟ .
كل هذه الاسئلة تحيرنى ولم أجد لها جوابا . لقد قاسيت متاعب الحمل والولادة وحدى وزوجى غائب لم ار من مشاركته اياى فى تعبي الا رسائل منمقة معطرة تحوى كلاما جميلا لعله ينسخه من بعض الكتب فهو سعيد وفرحان ويحلم أثناء الليل بأنه سيصير ابا بعد عدة شهور ، وينسب أنه لم يدفع ثمنا لتلك السعادة الا عطلة صغيرة قضاها معى .
وبعد ولادة ابنتى العزيزة " امة الله " بنحو الشهرين استطاع زوجي أن يحصل على رخصة استثنائية وجاء ملهوفا ليرى ابنته . لقد آلمنى ذلك ولم يفرحني .. كانت أول جملة نطق بها عندما فتحنا له الباب .
- اين ابنتى " امة الله " هل هي جميلة مثل أمها ؟! . اذن فهو تزوجني جميلة فقط لأنجب له بنتا جميلة ؟ وهنا رأيت الدموع في عينيها فتكلمت لأعطيها فرصة لتدارى دمعها قلت :
- ألم تقترحى عليه أن يتوقف عن الغربة ويستقر فى وطنه ويعمل أى عمل مفيد خاصة وقد حقق أكبر مشروع في الحياة وهو بناء منزل وتأثيثه . قالت : لقد فعلت ذلك منذ البداية لكنه أجابنى جوابا عجيبا اذ قال :
- مثلى لا يحتاج للاستقرار فى وطنه الى منزل مؤئث فقط .. ان الطريق ما زال أمامى طويلا فبعد المنزل على أن أجمع ثمن سيارة فاخرة تليق بمقام من قضى عدد السنوات التى قضيتها فى الخارج وبعد السيارة على أن أجمع رصيدا ضخما من المال لأفتح به مشروعا اقتصاديا هاما .
قلت : تفكيره ليس باطلا يا ابنتى ولقد صح نعتك له يوما ما بالابن الصالح يبقى عليك ان تقترحى عليه اقتراحا آخر وهو ان تسترخصى من شغلك لبضع سنوات وتصحبيه الى الخارج حتى تتمتعا بحياتكما المشتركة .
قالت : لقد اقترحت عليه أيضا هذا الاقتراح رغم ما فيه من مجازفة بالنسبة الى فليس سهلا على المرأة في وقتنا الصعب أن تتخلى عن شغلها من اجل رجل ولكنه أجابنى جوابا عجيبا آخر اذ قال :
- فى الخارج يا عزيزتي لا استطيع أن أجد لك شغلا ، تعوزك لغة أهل البلاد وخبرتهم ، وانا أرفض ان تكون لى زوجة لا تكسب . وعندها صرخت : - ولكنك تكسب ما يكفينا ؟ .
فتكلم بدون مبالاة وهو يلاعب طفلته . - هذا صحيح ولكن ما اكسبه ادخر منه للمشاريع الكبيرة التى تعرفينها ، ومن رأيي ان استقلال المرأة المادى شئ مهم جدا . - ولكن هذه أنانية ! دخل الزوجة من تعبها وعرقها وأعصابها وشبابها يذهب هباء فى النفقات اليومية للبيت والاولاد ، ودخل الزوج يدخر للمكاسب والمشاريع التى تبقى وتنمو له وباسمه ضحك وقال :
- ولكن الاولاد اولادنا معا ومستقبلنا مشترك فمم تخافين ؟ . واخفيت في سرى العجب والقول : - ( من يضمن ان الحياة ستمضى مشتركة هانئة على النحو الذى يرضيك انت فقط أيها الرجل أيها الزوج المحترم ) . تدخلت :
- ألم تسأليه كيف يستطيع رجل متزوج أن يعيش بدون أن تكون زوجته قريبة منه ؟ قالت : - نعم سألته ، وأكثر من ذلك أستعطفته قلت له : ان لم تكن بحاجة أكيدة الى قربى فأنا بحاجة ملحة الى قربك . ولكنه أجابنى بأكثر من العجب : - تصرفي من هذه الناحية كما كنت قبل الزواج أعنى اصبرى فما هى الا سنوات .
- وانت ؟ . وبدون عجل قال : - بالنسبة للرجل الذي يعيش بلاد الآلات الرهيبة والضباب الكثف وحرية الانسان ،، تلك الامور لا تمثل مشكلة على الاطلاق يمكن أن تسوى بأي طريقة من الطرق وصرخت من جديد : - يا للعجب كل شئ لك ولا شئ لى حتى أبسط الحقوق فى حياة امرأة متزوجة!؟
وتوقف الحوار هنا وسافر الزوج من جديد . واكتشفت بعد أسابيع أننى حامل للمرة الثانية كما ترين يا سيدتى ؛ وسوف أقضى شهور الحمل وحيدة متعبة مضناة كالمرة الاولى وسيزورنى حتما عندما يغشاه الفرح وتطير به البهجة لأنه أصبح أبا للمرة الثانية . وكتبت له أشكو أحوالى وأهدد ولكنه سكت عن الجواب فقد تعلم البرود وارجاء النظر في الامور من طبيعة أهل البلاد التى يعيش فيها . وفاتحت أبويه فى الأمر :
- يا سادتى أنا حامل - فهلل أبوه وزغردت أمه : يا فرحتنا . - " سيمملأ ابننا علينا البيت أطفالا ان أمانينا تحقق " . وصرخت أعماقي : (أمانيهم تتحقق ! ابنهم الغائب البعيد يملا عليهم البيت أطفالا ! كأن الأطفال دمى تشترى بثمن بخس وتوزع فى البيت لتملأه
فرحا وحركة هكذا بكل سهولة . أما من تحمل وتلد وتربى وتتعب وتصرف وتسهر فلا أحد يسأل عنها أو يذكرها حتى عرضا ويقول شكرا لها انها مسكينة تناضل وتتعب من أجل الجميع ) .
- وسألت : - هل يبعث لك المصاريف على الاقل ؟ فأجابت: - في شكل قراطيس تحوى هدايا موصى عليها فى قائمات توضع فى حبيوبه من طرف جميع أفراد العائلة الأقارب والاباعد بنحو لا يفيدني بشئ كشابة ولود بحاجة الى عناية جسمية وذهنية ولا يفيد ابنتى الرضيعة فى تغذية بدنها وعقلها وصحتها ،، بالله عليك يا سيدتى الا يحتاج الرضيع الى انس وعناية أبويه حتى وعمره بضعة شهور .
قلت : انه يحتاج الى ذلك حتى وهو لا يزال فى بطن امه . أضافت : - اننى لا أجد الوقت ولا المزاج لأرفه عن نفسي بسنيما أو مسرح أو نزهة أو قراءة كتاب ، ولا أجده كذلك لملاعبة ابنتى والترفيه عنها بل بالعكس ، المسكينة على صغر سنها تتحمل منى الصراخ والصخب وشيئا من الاهمال .
- ولم ذلك ؟ هذا حرام ليس للصغيرة ذنب ! - يا طالما دفع الصغار ثمن ذنوب يرتكبها الكبار . - والسيدة حماتك هل تقدم لك بعض الخدمات ؟ أم أنها مستقلة بالطابق الارض تتصرف كجارة محترمة ؟
- يا ليت الامر كان كذلك ، لقد نسيت أن أخبرك ان الطمع فى التوفير وتنمية المكاسب أوصلهم الى حد ايجار بيتهم الارضى ومشاركتى المسكن فى الطابق الاول بدعوى ايناسى فى غياب زوجي وهم ثلاثة :
أولا : حموى وأهم أعماله فى البيت استقبال زملائه من الشيوخ المتقاعدين للعب الورق والثرثرة بأصوات صاخبة أو للاستماع الى اسطوانات دينية او عتيق الأغاني بصوت عال كأن لا أحد سواهم فى البيت ، وطبعا هات يا .. شاي ويا . . قهوة ويا . مأكولات ويا . . مشروبات .
ثانيا : أخو زوجي وهو شاب لا أدرى ماذا يفعل أراه كل يوم يتجمل ويتعطر كأنه ذاهب الى مسابقة للفوز بلقب أجمل رجل وهو لا يحب أن يسأله
أحد الى أين يذهب ؟ هل يعمل ؟ أو يدرس أو أين يقضي أوقاته ؟ . مغرم في البيت بالاستماع الى أشرطة الغناء الاجنبى والاستماع الى الاذاعة والتلفزيون على البرامح الاجنبية يفتح الجهاز على آخره وينسجم معه ترديدا ورقصا وحده أو مع رفاقه في أى ساعة من ساعات النهار أو الليل دون أى اعتبار لبقية سكان المنزل . فأحيانا تسمع الموسيقى الاجنبية صاخبة صادرة من غرفته والاناشيد الدينية عالية صادرة من غرفة أبيه ولا أحد يجرؤ على توجيه ملاحظة للآخر محافظة على مستوى العلاقات فى هذا البيت السعيد ، ومن فضل الله ان الشقة كبيرة ولها شرفات عديدة وموصولة بسطح يشرف على المدينة من ناحية ويمكنني من رؤية السماء والشكوى الى الله ومناجاة القمر .
أما الثالثة : فحماتي الطيبة المسكينة التى تحبني كثيرا ومن شدة الحب ننسى أننى موظفة متعبة ومهمومة ، فتترك لعهدتى أكثر شؤون البيت بدعوى انها تدريني على تحمل مسؤوليات العائلة الكبيرة فهى تنتظر منى أن ألد لها على الاقل سبعة أطفال لأنها حرمت هي هذا العدد الهائل ولم تنجب الا ولدين اثنين تعتبر ان زوجي هو المعول عليه فى كل شئ اكثر من غيره حتى في ملء البيت أطفالا يحملون اسم العائلة ويتسلمون المشعل .
ومنذ مدة سقطت حماتي صريعة المرض ولزمت الفراش تصوري يا سيدتى ذلك تصوري أنني أسهر الى ساعة متأخرة من الليل لاعداد طعام الغد لكامل أفراد العائلة وأحفظه فى الثلاجة ! تصورى وانا أشرف على طلبات السيد حمى والسيد أخي زوجي وأقوم بدور الممرضة لحماتى المسكينة التى تبرح بها آلام المفاصل ! لقد سلمت ابنتى الصغيرة بعد مرض حماتى الى عناية أمي وتمزقت أنا بين البيتين قلبي تقطعه سكاكين الظلم والأسى ويتقاطر دمه بينما تظن حماتى أني أتسلى وأفرح بكلماتها المجاملة وأنا اقوم على خدمتها اذ تقول لي :
- لقد عرفت من أختار زوجة لابني العزيز فأنت يا فتاتى كاملة ويحسدنى الناس عليك : جميلة تنجبين لنا أجمل الاولاد وستحسنين تربيتهم لانك مثقفة ، وموظفة تكسين فتنفقين على نفسك وعلى أولادك ولا تكلفين ابني مشقة التفكير فى هذا الموضوع وهو غائب فيعمل هناك هانئا مطمئنا ،، أخلاقك حسنة تبادلين أهل زوجك المحبة والتعاطف ،، اعتبرتك بنتى واعتبرتني أمك ،، أنا لم أنجب بنتا ويا طالما تحدثت مع ابنى وحثته على الزواج لكى أكسب امرأته بنتا لى ترعانى وتخدمني وقت العجز والمرض ،،
وها أن أحلامي تحققت وما رتبته العائلة وفكرت فيه حين اخترناك كان صوابا لا خطأ .
نعم .. هكذا تتكلم حماتى دون أن تحس بهول ما تقول ولا ببشاعة ما وافق عليه ابنها ورتبه معها قبل أن أعرفه وأصبح أما لأولاده .. يا للهول ! يا للغرابة فكروا فى مصالح الجميع وسعادة الجميع الا مصلحتتى وسعادتى !! اذن لم يتزوجنى هذا الرجل لنفسه بل لأبويه : يجدون مني الأنس والخدمة وانجاب الاطفال لتسليتهم واعطائهم فرحة امتداد الذات وتعمير البيت . ومع ذلك اعيش أنا الوحدة الروحية وأضيع أحلى سنوات عمري في الجفاف العاطفي وأضيع وقتي في خدمة أناس غرباء عني وأضيع طموحى فى أن أزداد علما وأصبح يوما ما محامية ؟ هل انتقلت من خدمة اخوتى فى بيت أبي الى خدمة الغرباء فى بيت زوجي هل لهذا خلقت ؟ هل لهذا تتزوج النساء واكبر قيد وأخطر قيد هيأه لي هو هذا الانجاب السريع المتوالى للاطفال ، ، أحب أن أصرخ تسقط الأمومة ! يسقط الزواج ! ويسقط الرجال !
وخفت على محدثتى الانفعال الشديد وهى حامل متعبة وجائعة ، لقد خرجت توا من الادارة بعد عمل نصف يوم واستعظمت حقيقة ظلم الرجال للنساء وقساوة الظروف العاطفية التى تعيش فيها هذه البريئة الجميلة الطيبة الشابة الطموحة الى الحب والعلم والمستقبل الافضل ، ، ولكنى فى نفس الوقت ضحكت لأني تذكرت أن هناك من تقضى العمر بحثا عن زوج فلا تجده وان وحدت الزوج فلا تجد البيت وان وجدت البيت فقد لا يأتي الأطفال . وصاحبتى وجدت الكل ولكن مشاكلها من نوع آخر ،، ولم اخف عنها أفكارى هذه عندما سألتني : كيف أضحك بعد ان سمعت منها ما سمعت ؟
واسعفتنا الظروف بمرور سيارة اجرة خالية فأشرت اليها بالتوقف لقد كان طريقنا واحدا فركبنا وطلبت من رفييقتى ان تسكت فلا يصح طرح الهموم أمام سائق التاكسي (لعله كان منتشيا بقصة أخرى مغايرة سمعها قبل ركوبنا ) .
وقلت لها : - لقد أنصت اليك كثيرا فأنصتى الى قليلا . وصرت أهمس اليها مختصرة اجابتى ، فالطريق قد قصرت مع التاكسى. - اسمعي يا بنتى ان كثر عليك التفكير بأنك مظلومة وان الناس يسيئون اليك فلا تحزنى بل افرحي لانك لم تظلمي أحدا أو لم تسيئى الى أحد اذ انت تمنحين السعادة والفرح والعون لمن يحتاجون اليه .
وفي انتظار ان تحلى مشاكلك واحدة بكل صبر وتعقل وبعد نظر حافظى على كنوزك ولا تفرطى فيها بكثرة الأسى حتى لا تندمى : صحتك ، وعقلك ، وأخلاقك ، وأولادك ، وطموحك . - وفتحت فاها وعينيها لتقول شيئا ولكنى لم أسمح لها بمقاطعتى وواصلت :
- ثم اذكرى ان كل شئ قابل للتغيير والتطور من سئ الى حسن ومن حسن الى أحسن حتى أفكار زوجك واسلوب حياته . وفي انتظار ذلك عودي الى ما أعرفه عنك من حب للعلم وعشق لفن الدفاع فلقد صرت مجربة ولابد ان يلح عليك اكثر حب الانتصار الى الحق .
وهنا صاحت فقد ضاقت بالصمت : - نسيت أن أخبرك خبرا عظيما يفرحك : لقد حصلت بعد تكرار السنوات على شهادة الباكالوريا وصحت أكثر منها : - عظيم عظيم جدا هذا أجمل خبر سمعته منذ أيام ، ، مبروك عليك الروب الاسود يا حضرة الدفاع .
وضحكت وكأنها تبكى . - ولكنى لا أعرف متى سأبدا ومتى سأصل ، لقد عاقني الزواج والانجاب والتعب النفسي على الانخراط في الجامعة . - لا يهم ، ، الوقت طويل يا عزيزتي كاف للوصول ، ، المهم الآن أن تحافظي على أجمل كنوزك طموحك العالي .
وما زلت أقبلها وأهنئها منتشية بالخبر حتى التفت الينا سائق التاكسي مذهولا كانه خاف من لوثة جنون أصابت احدى هذين المرأتين ثم قال : - لقد وصلنا والسيارة واقفة منذ لحظات وغيركما من الركاب فى الانتظار . ونزلنا واتخذت كل منا وجهتها ولست ادرى ما كان يدور بعد ذلك فى خلد صاحبتى ولكن الذى كان يدور فى ذاتي هو ان القاها بعد سنوات بهيئة اخرى مختلفة تماما .. تماما .

