الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

الحداثة والتجديد في الابداع التونسي الحديث

Share

كلما أطلق لفظ ( الحداثة ) أو لفظ ( التجديد ) فى الابداع . . كلما نساءنا ما المراد بالحداثة ؟ . . وما المقصود بالتجديد ؟ . . وما الفرق بين الكلمتين ؟ . .

وكلا اللفظين له معنى ، وله مدلول واضح يحمل مؤشرات خاصة ، وسمات ومميزات .

واذا كان " التجديد والمعاصرة " يشيران فيما يشيران الى الزمن والى التجديد فيه ؛ فان الحداثة تتجاوز هذا المفهوم . . تتجاوز اشارة الزمن ومحور الزمنية . . تتجاوز كل هذا ، وأهميتها ليست تاريخية ولكنها غير مستلبة التاريخ  . . بل هى مرتبطة به ومقتحمة لاطواره وأحداثه .

والحداثة كمصطلح نقدى - وإن اختلفت من نص الى نص - فهى فى عمومها مطلب حيوى يراد به التطور والتجديد ، ويعنى الابتكار ، ويشير الى التغيير والتحديث .

وهكذا فالحداثة دائما مرتبطة بالابتكار سواء فى المنهج ، أو فى الشكل والاكتشاف . . ومن ثم أصبحت لها دلالات تقييمية . وثوابت وملأمح ثورية ؛ فهى تحدد الظواهر الادبية والفنية مرحلة مرحلة من مراحل تاريخ الأدب والفن ، وتقدم التحولات الفكرية المستجدة على الساحة الابداعية .

والحداثة أيضا ليست بدعة ؛ بل ( مصلحة مرسلة ) يستوجبها العصر ، وتحتمها ضرورات الزمن ؛ لانها تحمل قيما ايجابية ، ورؤى معاصرة . . وهى بالتالى اسلوب مستحدث لا يمكن أن ينتهى بمفعول الزمن بالمرة .

والابداع العربى فى عمومه مر بتجارب عديدة فى مجال ( الحداثة ) ، ومع ذلك لم ينفلت من تأثره بالتراث والاصالة .

والحداثبون الجدد : ( أبو القاسم الشابى ، ومطران ، وسعيد أبو بكر ، وابراهيم ناجى ، ويوسف الخال ، وعد المعطى حجازى ، وأدونيس ، والميدانى بن صالح ، وحلمى سالم ) لم يخرجوا عن أصالتهم ؛ بل عمقوا الابداع الادبى الفني وصوروا الطموحات السياسية والاجتماعية ، وبشروا بالحركات الابداعية الواعدة .

وإننا اذا ما قرأننا لهم فلا يمكن أن نتفاعل عن خصوصيات إبداعاتهم فالفن فى مفهومهم هو وإن كان إدراكا جماليا فلا بد أن ينعكس على الواقع ويؤثر فيه ولا بد ان يفصح عن طبيعة ونفسية صاحبه ، وفكره ، وإيديلوجيته .

كما أن ( الكلمة ) لها توجهات أيضا . . هى جرس لها دلالة اجتماعية ؛ لكن لا بد أن تجسد الفن الابداعى الخالد وتميزه وتفرده .

وإن الابداع التونسى بمختلف مضامينه وأشكاله ، وبصرف النظر عن قيمته فى ذاته ؛ ليس بمادة ميتة خالية من الحياة . . بل هو عملية التحام بالحياة ويمكنات الثقافة العربية المعاصرة ، وفيه احساس عميق بوجوب الحفاظ على الشخصية التونسية والهوية العربية ؛ لذلك اتجهت الاهتمامات بموضوعات هذا الابداع والدعوة الى نشره ، وتقريبه الى ذهن الرجل العادى حتى نتجاوز مرحلة المستهلكين للثقافة الى المنتجين لها ، وتتأتى لنا المشاركة بعمق فى حضارة العصر التى سوف تتيح لنا اللحاق بأحداث العالم وتطوراته .

وإن الدراسات المختلفة التى تناولت مختلف جوانب الابداع فى تونس لعكس بصورة أو بأخرى تقبل هذا الابداع من طرف الجماهير وتدعو الى تحليله فى ضوء النظريات العلمية الحديثة ، كما تقيم الدليل على أهمية أعمال المبدعين فى تونس وتثبت كفاءاتهم واسهاماتهم بوضوح فى ذلك التساؤل الذى يثار حول جدوى الابداع ، وقيمته ، وارتباطه ب ( العصرنه ) و ( الحداثة ) ، وبالقيم الاخلاقية والسلوك البشرى ، وبالصراع الذى يدور بين أنصار الجديد الذين ينادون بتقبل الحضارة الغربية باعتبارها حضارة

العصر ، وبهجمة الآخرين عليها ومناداتهم بتحدى الحضارة الوافدة ؛ فهى فى نظرهم حضارة التفكك الاسرى ، وتحمل فى ثناياها ضياع القيم والتقاليد ، بل وضياع الانسان ذاته نتيجة لازدياد روح الفردية فيها .

وابداعات التونسيين سواء فى المسرح أو فى الموسيقى ، أو فى القصة ، والشعر ، والروايات والدراسات النقدية ، أو فى تحديث التراث ؛ هى أعمال محططة ومنهحية ، وفيها مواقف نقدية ، وتكشف أيضا عن التوجه العقل والموقف الذهنى الذى يصدر عن صاحبه . . وهى بالتالى تجسم ذلك التواصل الفكرى الذى ما كان يسمح بوجود فجوة واسعة بين المبدع والجماهير وبين القديم الاصيل والجديد المعاصر .

فهذه ( الابداعات ) هى تفسر التحليلات النفسية ، والتأويلات الانثروبولوجية ، وتصور الواقع بأهازيجه ومتاعبه ، وهى فى نفس الوقت مؤشر من مؤشرات مصادر التحليل والاسهام لقيام نظريات جديدة ضد الغزو الثقافى الاوربى وما يشكله هذا الغزو من أخطار ومشكلات .

- حركة التجديد فى الادب :

والعودة الى ظاهرة التجديد فى الادب . .  هى ظاهرة قديمة جدا  . . كانت مرة حول تحديد الرؤى . .  وكانت أخرى حول تحقيق أحكام نقدية وتبرير مقاييس فنية وجمالية محددة .

وإنى شخصيا لا أنكر هذه الرغبة فى التجديد ؛ بل وادعو الى المزيد منه ؛ لانه من الضرورات الملحة التى لا بد منها حتى نجعل أدبنا يشق طريقه ويتخذ المسار القويم التوجه الطبيعى له .

والتجديد فى الادب العربى ك ( ظاهرة ) و ك ( تصور ) .  . هو دائما قائم فى الوعى العربى المعاصر ، وهو دائما مثقل بدلالات ايديولوجية ويسيكولوجية وحضارية متباينة ، والآراء كانت باستمرار هى الاخرى مختلفة حول مفهومه ومحدوديته . . وأفسحت كل الآراء أمام دارسى الادب العربى المعاصر مناقشة العديد من القضايا الادبية والفكرية ، بل وأعطت أيضا للقارئ العربى صورة واضحة عن القيم النقدية ، وميزت الانتاج الجيد من غيره .

- بدايات عهود الحداثة فى الادب العربى :

العرب قبيل عصر النهضة سادت فى مجتمعاتهم الثقافة القديمة ، ولاكت ألسنتهم المسائل التى لا صلة لها بالتطور ، نتيجة للجهل المتفشى ، ولحالة اليأس بسبب الانطواء على النفس . .

ولكن سرعان ما انتبه العرب . . وتنبهوا الى هذا الخطأ فتحركوا فى اتجاه تدارك الوضع . . وبدأوا أولا بالاتصال بالغربيين والاحتكاك بهم وحققوا  بفضل هذه المبادرة المزيد من دعم الروابط مع الكثير من الشعوب (1) .

وحملة نابليون بونابرت ( 1798 ) كانت هى الاخرى بداية اتصال مصر بالغربيين . وظهور الطباعة ، والصحف ، واتخاذ اللغة العربية كأداة للتعبير شجع هو الآخر على حركة التجديد فى أدبنا العربى .

كما أن انتشار الجمعيات الفكرية والمجامع اللغوية والعلمية أيقظ الهمم وشجع الاديب على أن يبدع ويتفنن فى أدبه ويرتقى بفنه .

وبعد ما ظهر على الساحة الادبية كل من عبد الله البستانى ، وأحمد شوقى ، وحافظ ابراهيم ، ومعروف الرصافى ، وخليل مطران ؛ ظهرت عدة فنون أدبية محدثة ك : ( نظم المسرحيات ) مثلما فعل أحمد شوقى وخليل اليازجى ، ثم ظهرت ( النزعة الرومانطيقية ) فى الادب العربى ، وإثرها برزت ( المدرسة الرمزية ) وانتشرت المسرحيات وأغراض الشعر الحديث ، كما تطور النثر واجتازت القصة العربية عدة مراحل فى نطاق الابداعات .

هذا هو مسار حركة التجديد فى الادب العربى ، وهو كما ترون كان مرحليا . . وجدنا بصمات منه فى ابداعات خليل مطران حينما حاول أن يتخلص من القافية ، وفى انتاج أعلام النثر المجددين ك : أحمد فارس الشدياق ، واليازجى ، ومصطفى لطفى المنفلوطى وغيرهم .

وفى ميدان تجديد النقد الادبى ، يعد سليمان البستانى هو أبو النقد العلمى ، ويليه مخائيل نعيمة ، وطه حسين ، وعباس محمود العقاد ، والدكتور محمد عبد المنعم خفاجى ، والدكتور عبد العزيز شرف ، والدكتور محمد مندور .

وعن حر كة التجديد فى الادب العربى المعاصر تولد تفكير نقدى موضوعى فأصبحنا نقرأ نماذج شعرية مليئة بالعاطفة الحارة وذات النزعة الاشتراكية التحررية كقصائد ( كمال نشأت ) ؛ الذى كانت مواقفه مضادة لحكم فاروق ، كما أن الشاعر ابراهيم ناجى لم تخل أشعاره من وصف ممتع لحبيبته المرأة وذكرياته عنها ، كما تحدث عن الطبيعة ووصفها وصفا جماليا حسيا ، وعرف منذ وقت مبكر بهموم الوطن ، وعظمة مصر ، والدعوة الى مجدها فله قصيدة بعنوان : ( تحية لمجد مصر ) يعود تاريخها الى سنة 1933 ويقول فى مطلعها :

بلاد النيل يا مهد المعالى                            ويا وطن العظائم والجلال

ومثله الشاعر ابراهيم ناجى . .  هذا الشاعر أيضا بشر بالمستقبل ودعا الى البناء ، والتصنيع ، والى الكفاح من أجل الفجر الجديد  . . يقول فى هذا الشأن :

سلاما شباب النيل فى كل موقف                          على الدهر يجني المجد أو يجلب الفخرا

تعالوا نشيد مصنعا رب مصنع                              يدر على صناعتنا المغنم الوفرا

تعالوا نشيد ملجأ رب ملجأ                              يضم حطام البؤس والاوجه الصفرا

تعالوا لنمحو الجهل والعلل التى                           احاطت بنا كالسيل تغمرنا غمرا

شاب اذا نامت عيون فاننا                                 بكرنا بكور الطير نستقبل الفجرا

- أبعاد حركة التجديد الادبى فى تونس

والادب التونسى فى جملته شأنه شأن الادب العربى عموما ؛ فهو ممتد الجذور متلاحم الاطوار وقد توفر له من المصادر ما يتيح للباحثين أن يتقصوا حالات ازدهاره وركوده . . ولو حاول النقاد اليوم أن يتغلغوا من خلاله الى مختلف الظواهر والمشاكل التى عبر عنها هذا الادب ؛ لوجدوا فيها ما يعطيهم الكفاية عن الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية التى مرت بها تونس .

ونحن لو استقصينا جهود المبدعين التونسيين اليوم فى مجالات القصة القصيرة والرواية والشعر والخاطرة والمسرح ؛ لوجدنا أن هناك طرافة فى الابداع ، ومتعة فى التعمق فيما عاناه الشعب التونسى والعربى عموما فى النضالات المتواصلة ضد أولئك الغزاة ؛ الذين قهروا أوطاننا وحاولوا طمس شخصيتنا واذابتها .

واعتقادى أن حركة الانبعاث التجديدى فى الادب التونسى بدأت بظهور جماعة من الادباء التونسيين الكبار فى مقدمتهم الشاعر محمود قابادو :  (1812-1871 م . ) الذى كان شاعرا وطنيا وقادته ثورته العقلية الى أن ينتج شعرا توجيهيا اصلاحيا وجد صداه فى تلاميذه ب ( جامع الزيتونة ) و ب ( المدرسة الحربية بباردو ) .

ومحمود قابادو فى شعره كان محبا لوطنه ولا يتخلف عن المباهاة به ؛ فما من ممدوح لديه الا وتونس مقطع من مقاطع القصيدة التى تصاغ له ولا تطيب التواشيح الا بذكرها :

تونس الأنس بلدة ميمونه                               وهى باللطف والقضاء مصونه

عادة الله ان من رامها بالسو                                ء ترديه نعيه المسنونه

وتطورت حركة الابداع الادبى فى تونس فى الشعر وغيره مع توالى السنين فعبرت ابداعات التونسيين عن ثورة الشعب التونسى ضد الحماية الفرنسية . .  وهكذا رأينا الشعر التونسى يصور لنا معارك أهالى المدن والبوادى ضد الحماية ويمجد البطولات الشعبية ، وانتفت منه المدائح والاهاجى والمفاخرة وأصبح شعرا مندمجا فى الواقع ويترصد الاحداث فيه .

وظهور قصة ( الهيفاء وسراج الليل ) فى مجلة ( خير الدين ) يعد حدثا بارزا فى حركة تطور الادب فى تونس ، فهى أول عملية إبداعية فى القصة فى تونس ؛ لذلك اعتبر صاحبها وهو الصادق الرزقى أول قاص فى تونس (2) .

وتوالت عملية تطوير الابداع الادبى والفني فى تونس مثلا بدأ ظهور ( الشعر العصرى ) حينما تولت مجلة ( السعادة العظمى ) الدعوة له بعد ظهور بواكير هذا الشعر بجريدة ( النهضة ) لسالم بوحاجب الذي كان آخر رجالات عهد الاصلاح .

وأخذت ( السعادة العظمى ) تناصر هذا الشعر وتدعو له ، ونشرت مقالات تدعو الى الصياغة فيه وبرزت أولى هذه المقالات فى صورة غضب من جراء

نحجر الشعر وتخلفه وانصياه لعناوين الشكلية فنشر الشاعر عبد العزيز السعودى مقالا عن حياة الشعر وتطوره . . شكا فيه من طغيان تيار المدائح والاهاجى وحمل فيه على المتغالين فى هذا الشأن . . يقول : ( إن الشعر معنى عظيم يدرك بالوجدان ، وإن الذين حصروه فيما عرفوه به ضيقوا واسعا وجعلوه اسما على غير مسمى  (3) .

ومع الايام تطلع الناس الى ( الشعر العصرى ) وبدأ هذا الشعر يجد صداه فى النفوس ؛ خاصة بعد ظهور تيار انفتاح الادب التونسى على الادب العالمى .

ولعل أولى القصائد التى نقلت عن هذا الشعر العالمى ؛ هى تلك التى ظهرت فى الصواب بعنوان : ( ماذا أريد ؟ ) وترجمت بقلم مهاجر عن اللغة الروسية و (النص الشعرى ) فى قطعة ( ما أريد ؟ ) اختاره صاحبه معبرا عن السمات التى رأينا ( الشعر العصرى ) يكرس لها معانيه (4) .

وفيما بين سنوات : ( 1914-1934 ) مثل الابداع التونسى وخاصة الشعر منه أبعاد المرحلة الفكرية والقضايا الوطنية كما تراءت لنا النماذج التى صدرت فى هذا الشأن ، وأصبح الشعر العصرى فى هذا الطور حقيقة مجسدة وذات رافضوه ولم يبق منهم سوى ( أبو غنيم ) ؛ الذى كتب فى ( المنير ) مقالا بتاريخ 2 ديسمبر 1920 حمل فيه من جديد على أنصار ( الشعر العصرى ) وطالب فى آخره بتأسيس محكمة أدبية بمدينة ( القيروان ) على أطلال محكمة أمير شعرائها ( ابن شرف ) لتتولى اصدار أحكامها على دعاة ( الشعب العصرى ) .

وتواصلت حركة الابداع الادبى فى تونس ؛ فظهر محمد الشاذلى خزنه دار ؛ الذى كان شعره استجابة صريحة لاحداث وطنه ؛ فهو فى قصيدته عن ( واقعة سوق الاربعاء ) يقول فى شأن المعمر الفرنسى ( تومانيفان ) الذى قطع كفى عامليه وصلبهما فى وهج الشمس بسبب قطفهما لعنقودين من العنب فى صبيحة يوم الاضحى : ( 3 أوت 1922) :

يهتز صوتهما الرنين                                بين التهدج والأنين

يتناجيان بزفرة                                    رقت فكادت لا تبين

يتوجان ولا مغيث                                  ولا رحيم ولا معين

يتبادلان أساهما                                   فتحوم حولهما الشجون

يتشاكيان بلهفة                                    شكوى الحزين الى الحزين

متدليان كلاهما                                         قد شد بالحبل المتين

وظهر فى الثلاثينات الكثير من الكتاب والشعراء منهم : سعيد أبو بكر : (1899-1948 ) ؛ الذى نادى بحل قيود الشعر ، وحث على ادخال أوزان جديدة علمه ثم كان أول تونسى نظم فى هذه الاوزان التى ابتكرها شعراء المهجر ( 5 ) .

وبظهور الشابى تخطت ( الرومانسية ) فى تونس - وفى مدى قصير - أدب هذا الشاعر لتصبح طابع الكثير من أصدقائه ك ( محمد الحليوى ) الذى نشر فى مجلة ( أبوللو ) عديد الدراسات عن الأدب الرومانسى وزعمائه (6) .

وإثر بروز التيار الرومانسى على الساحة الادبية فى تونس نادى ( الهادى العبيدى ) بالكتابة فى مضمون جديد وهو المضمون الاجتماعى ومن أقواله فى هذا الشأن : إن ( الاديب هو مبعوث يحمل رسالة فى الحياة موكل بابلاغها ) (7) .

أما زين العابدين السنوسى فقد كتب فى سنة 1930 فى مجلته ( العالم الادبى ) (8) يدعو الى وزن جديد يعرف بالابيات الحرة وسبق لهذا الكاتب أن نشر فى عام 1927 فى ( النهضة ) مقالا دعا فيه الى صياغة الشعر على هذا النسق .

وبصدور ( المباحث ) التونسية فى أواخر الثلاثينات ؛ تطور الابداع الادبى فى تونس . ظهرت القصة التونسية بمفهومها التقنى على يد علي الدوعاجى أحد ( جماعة تحت السور ) (9) ، وظهر النقد الادبى والهزلى على يد محمود بيرم التونسى عندما كان أحد أعضاء هذه الجماعة ، وحصل تطور فى الانتاج الادبى الرومانسى على يد محمد البشروش الذى كانت تربطه صلات أدبية بالشابى ، وبمحمود المسعدى ، وبعلي البلهوان ، ومحمد باكير ، ومحمد العريبى

وفى ( المباحث ) تجد سياحات فكرية وابداعات فنية عامة . فمحمود المسعدى نشر مثلا رواية ( مولد السيان ) من 13 أفريل الى 16 جويلية 1945 وبعضا من فصول كتابه ( حدث أبو هريرة قال . . ) .

وفى الخمسينات أصدر ( السد ) وهى رواية فلسفية رمزية معانيها غير واضحة على ظاهر لفظها ؛ اذ لا بد من البحث عن خفي المعانى وراء ظاهر لفظها وعنها قال عميد الادب العربى طه حسين فى جريدة ( الجمهورية ) (10) .

" والاثر التونسى الذى أريد أن أتحدث عنه اليوم قصة تمثيلية رائعة ولكنها غريبة كل الغرابة كتبها صاحبها الاديب الاستاذ محمود المسعدى لتقرأ لا لتمثل ، ولتقرأ قراءة فيها كثير من التفكير ، والتدبر ، والاحتياج الى المعاودة ، والتكرار ، وحسبك أنى قرأتها مرتين ثم احتجت الى أن أعيد النظر فيها قبل أن أملى هذا الحديث ، وهى بأدب الجد العسير أشبه منها بأى شئ آخر وضع فيها الكاتب قلبه كله وعقله كله وبراعته الفنية ، واتقانه الممتاز للغة العربية ذات الاسلوب الساحر النضر والالفاظ المتخيرة المنتقاة " .

وفى أواخر الاربعينات برز على الساحة الابداعية فى تونس أبو القاسم محمد كرو فى كتابه ( كفاح وحب ) ، كما ظهر محمد العروسى المطوى كناقد وشاعر ، ثم محمد مزالى ككاتب سياسى ومفكر ، ثم عندما أصدر هذا الكاتب مجلة ( الفكر ) فى أكتوبر 1955 جمع حوله عددا كبيرا من الكتاب منهم : البشير بن سلامه ، ونور الدين صمود ، والميدانى بن صالح ، وجعفر ماجد ،

وعن الدين المدنى ، وأمكن لهؤلاء أن يبدعوا الابداعات الوافرة وأن تتنوع ابداعاتهم فى مجالات الرؤى والاشكال .

وإذا كان محمد العروسى المطوى قد عبر فى ( فرحة الشعب ) عن مرحلة الكفاح الشعبى فى الخمسينات ؛ فان ابداعات أحمد القديدى ، والميدانى بن صالح ، ومصطفى الحبيب البحرى هى امتداد للادب الاشتراكى الذى يصور لهاث الكادحين والمسحوقين .

على أن ابداعات كل من البشير خريف ورشاد الحمزاوى والروائى الناقد المفسر بن سلامه لا تخلو هى الاخرى من طرافة ، فابداعات البشير بن سلامه كقصاص فى مجلة ( الفكر ) ، وكروائى فى ( عائشة ) ، وكناقد فى ( قضايا ) (11 ) تبرز أهمية بعده الفكرى وقدرته على ادراك مكثف للماضى والحاضر . . فالحداثة لديه هى وعى بالعمق تهتم بالتشكيل الجمالى ، كما تهتم بالمضمون المعالج ، وهى ليست مرتبطة بزمن محدد بل لحظة يطلبها الواقع .

هذا هو الفهم الواعى لقضية التجديد والحداثة فى الابداع التونسى ، وهو لما أشرت يهتم يختلف قضايا الحداثة سواء على صعيد اللغة ، أو المضمون ، أو الاشكاليات .

أفيبقى بعد كل هذا شك فى وجوب تطوير عملية الابداع الادبى الى التعبير عن العصر بل وحتى تجاوز قضايا هذا العصر ؟ . .

اشترك في نشرتنا البريدية