( 4 )
حرية الحرية
لم تزل الحرية في الجزائر مخنوقة الانفاس ، منذ ان تسمم الجو بانفاس المستبد الدخيل ، وما فتئت ترزح فى قيود وسلاسل منذ ان سلط عليها ارهابه ، وكان تمتعها بالنسمة الطيبة ، او الخطوة الطليقة ، اشبه شىء بتمتع السجين فى قعر الزنزانة المظلمة بنور الحياة عند ما يفتح السجان باب الزنزانة لا ليضفى على ظلماتها نورا ، ولكن ليزداد طمأنينة على فريسته
فما كان المستعمر يرخى الزمام للحرية - فى شتى واجهاتها التى تحدثنا عنها في الحلقات السابقة - تجاوبا منه مع مبادىء الثورة الفرنسية التى يتشدق يشرف الانتساب اليها ، ولا تسامحا منه مع الحرية المهيضة الجناح لتسلم شعثها فتعود الى سابق عهد الانطلاق ، كلا ، ليس بهذا ولا ذاك ، ولكنها الخدعة الحربية والتراجع التكتيكى ، لمعرفة خبايا العدو ، وتحديد الهدف ، لتأخذ المعرك مجراها من جديد ، وقد اكتسبت من تسليط الاضواء الكاشفة وضوحا وجلاء
وكانت الحرية فى الجزائر متمثلة فى الشعب المؤمن بها ، تستغل فترات التغاضى الاستعمارى استغلالا واسع النطاق ، جلى المقاصد ، مستميتة في استغلالها ذاك ، مهما كفها من متاعب ، وجر عليها من تبعات ، وقد يصل التحدى السافر الى حد الاضرار بالمعركة التى تحتاج الى غير قليل من الاناة والتحكم فى زمام العاطفة .
وكان مدلول الحرية متجسما فى مفكرى الشعب واقلامهم يطفو على صدر الصحافة كلما رحب الصدر لذلك ، ويبرز للمناقشة ، ويتصدى للتحاك النظرى ليأخذ طريقه الى الاستقرار الذهنى فى اوساط الشعب ، وكان الخمود الذهنى تحت تأثير الجهل والخرافات ، هو الذى استلزم هذه الطريقة الملتوية لتقرير الافكار وتوضيحها حتى تصل فى رسوخها الى مستوى العقيدة. في جريدة ( وادى ميزاب ) نجد مقالا تحت هذا العنوان:
ما هي الحرية الحقة ؟
ويستعرض صاحب المقال وجهات النظر فى مفهوم الحرية ، مفتتحا كل وجهة
بهذه الجملة: ومنهم من يرى.... وفى ضمير الغائبين هذا ظلال قاتمة من التقييد الفكرى ، وارهاب صارخ يحول دون المجابهة الصريحة لصاحب الرأى وناهيك إذا كان صاحب الرأى هو الخصم والحكم . هذا من ناحية ومن اخرة نشتم رائحة اسلوب : اياك اعنى واسمعى يا جارة ، وليتضح الامر واكبنى - اخي القارىء - فى تتبع بعض فقرات المقال:
" ومنهم من يرى ان الحرية الحقة فى تقييد الانسان عن كل شئ ، عن التفكير ، عن التربية ، عن النشر ، عن القول ، عن الاجتماع عن العمل ، عن السعى ، عن التملك ، عن التظلم ، عن الجولان ، عن... عن ..."
وجل انت - ايها القارىء - ملء حريتك في هذه النقط التى تتخلل العنعنة واستنتج من ابهامها ما شئت من ارهاب فكرى واضح ، ومن خرسها ما يحلو لك من آفاق ملؤها الاختناق بنوعية المادى والادبى ، ولنتابع بقية الفقرات لنرى الكناية التى هى ابلغ من التصريح :
" ونسي هؤلاء ان الله الذى خلقهم خلق مثلهم من بنى آدم ، وكرمهم وحملهم فى البر والبحر ، ورزقهم من الطيبات ، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا , وجعل لهم ما في الارض جميعا ، ولم يجعلها حقا ممتازا لامة خاصة او قومية خاصة ، فمحاولة انتزاع شئ مما ملكهم الله ، هى منازعة الله فى تدبير ملكه ، ولا يخفى ما فى ذلك من سوء المنقلب ، ومرتع البغى وخيم " وفي الجملتين الاخيرتين سورة عارمة ووعيد صارخ . ولكي نتلمس الجانب المقابل لمفهوم الحرية ، والذي يرمى الكاتب التى ترسيخه فى ذهن القارىء نتابع المقال :
ومنهم من يرى ان الحرية الحقة هى : حرية التفكير والقول والعمل فى دائرة الدين الحق ، الا وهو الدين الاسلامى الخالص ، ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الاخرة من الخاسرين . " وتبلور الفكرة ، وتتوفر لها امكانيات التميز :
" هذه هي الحرية الحقة التى تستمد نورها من نور الله ، هذه هى الحرية الحقة التى تستمد نورها من الكتاب العزيز والسنة القومية ، التى تستمد نورها من الفطرة البشرية السليمة ، والعقول الانسانية الراجحة . ويصل اليراع الى الاستفهام الاستفزازى ، والتساؤل الاثارى : " ولكن اين نجدها ؟ ومتى نجدها ؟ وكيف نجدها ؟ الجواب عن هذا موكول الى المستقبل ، الحرية كالشمس لا بد منها للحياة . " " ولكي نعرف ان المحور الذى تدور حوله الثورة واهدافها هو نفس المحور الذى دارت حوله الحركات السياسية والادبية منذ فجرها ، وان مفهوم الحرية لم يحدث
على جوهره اى تغيير ، وان تغايرت الطرق دون الوصول الى تحقيقه ، لنكون على طرف الثمام من ذلك نستمر مع المقال : " الحرية نوعان : عامة ، وخاصة . العامة : ان يكون للامة الحق فى حكم نفسها بنفسها بما يقتضيه الشرع والقانون داخل حدودها الطبيعية بادارة شؤونها ، وخارج حدودها بتمثيل نفسها لدى الامم :
والامة التى هذا شأنها تسمى حرة ، والتى لم تكن كذلك مستعبدة مقيدة ، ولا تكون حرة مستعبدة فى آن واحد ، لان الحرية جزء برأسه لا يتجزأ ، فاما ان يكون كله واما ان يذهب كله ، وهى بطبيعتها تؤخذ ولا تعطى شأن الشىء الغالى الثمين . " (1)
وكانت الصعداء التى تتنفسها الحرية فى الابيات الشعرية لا تقل عن اختها فى السطور النثرية ، بل كان الشعر هو المجلى فى حلبة التغاضى الاستعمارى , فما لمح بوادره الا وارخى العنان للجموح ، وعانق الحرية فى وضح النهار , وناجاه وناجته ، بل طارحها صريح الغرام على مرأى ومسمع من الرقيب والعاذل ، وكثيرا ما تجسمت له في صورة حبيب ، حكمت عليه الاقدار بالبعد فلم يزدد الا تمكنا من قلب المحب وقضت عليه بالحرمان فعاش والمحب فى وصل من التناجى الروحى :
لا تلمني في حبها و هواها لست اختار ما حييت سواها
هي عيني ومهجتي وضميري ان روحي وما اليه فداها
ان عمري ضحية لأراها كوكبا صاطعا ببرج علاها
فهنائي موكل برضاها وشقائي مسلم لشقاها
وفي الابيات الثلاثة التالية يتراى لك قتام الثورة ، وتستشف ملامح المعركة التى ستبشر بها الايام :
ان قلبي في عشقها لا يبالي تنطوى الارض ام يخر سماها
قد قضى الله ان تكون كصوت وقضى ان يرد روحى صداها
ان فى العشق رحة وعذابا وعذاب العشيق شوب جناها
وفى صورة العاطفة يتجنى العاشق على الحبيب فيحمله تبعة الهجران ويتجه اليه ببنان الاتهام بان له يدا فى هذا الصدود ، مع البراءة الواقعية من ذلك :
لم انل من حبيبى الا صدودا وصدود الحبيب نار وراها
هجرتنى من غير ذنب , ولكن كل ذنبي في كون قلبي اصطفاها
قيدتني وخلفتني اسيرا فى يد الوجد محرقا بلظاها
فارقتني بلا وداع , وخافت من وداعى تعلقى برداها
تركتني ، ولم تراع هيامى عذبت مهجتى بشحط نواها
هكذا سنة المحبة تقضى بشقائى ما دمت ابغى لقاها
ايه يا دهر فارفقن بقلب يحمل الخطب والهموم سواها
وتقصر اليد عن الوصال ، وتضيق الخطوة عن اللقاء ، فيتعلق الامل بالجناح جناح الطائر ، وطالما كان رسول العشاق :
ايها الطائر المحلق فوقي هل اجد فيك حكمة وانتباها
أترى هل تكون منى رسولا يحمل السر للحبيب وجاها
بلغها مقالة من صديق حين تأتى ديارها وتراها
ان ذاك الحبيب ما زال خلا يحفظ الود والعهود قصاها
اكاد لها الحبيب ما زال خلا بسهام بين الضلوع رماها
قل لها شهدت مني جميعا فعساها ترثى لحالي .. عساها
لعلك اخي القارىء - تقدم رجلا وتؤخر اخرى فى التسليم بان هذه الابيات قيلت في الحرية ، ولم تقل فى الحب ، انا معك فى هذا التردد ولكن ما حيلتنا والقصيدة بعنوان ضخم ملفت للنظر : ( الحرية ) وفى مناسبة لها تجاوبها الكامل مع الحرية ، وهي عيد 14جويلية ، عيد الحرية الفرنسية ، ( 2 ) وبين هذا الوضوح الجلى فى العنوان ، والطلسم الخفى فى القصيدة اتركك ايها القارىء فى سبحات فكرية عميقة تنفذ بها الى اغوار الحياة التى عاشها الادب الجزائرى ففرضت عليه ان يكون سافرا ومقنعا فى آن واحد .
ولم تزل الاعياد الفرنسية فى الجزائر مبعثا للاستفزاز ، ومذكاة للجرح تجدد الامة ، وتهيج ناره ، الامر الذى دفع القضية الوطنية الى الامام ، ولا ننسى . للاحتفال المئوى للاحتلال الفرنسي من يد فى تعبئة الشعور الوطنى ، والتكتل الحزبي . واثارة المعركة السياسية .
ويمر 14جويلية مر الكرام على الشعب وهو فى غيبوبة وهنية ، وبالرغم من ذلك لا تحول الغيبوبة دونه ودون الملامح القاتمة لهذا العيد الذى يذكر المستعبد بحريته المداسة ، هذا العيد الذى يحتفل بالحرية مظهرا ، ويئدها مخبرا العيد الذي يضفي على الدخيل مسحة من البهجة والحبور ، ويترك المواطن يقول :
" يوم 14جويلية يحتفل فيه الفرنسيون بذكرى حريتهم ، بعد ما كانوا تحت نير الاستبعاد والاستبداد الملوكى الفرنسى ، وقد نالوها بعد جهاد طويل وتضحيات مريرة ، نالوها بعد ما كانت فرنسا بمثابة الامة الجزائرية اليوم ..
اما فرنسا فقد فازت ، فها هى اليوم تتمتع بثمرات جهادها الوطني فهل يسمح الدهر للامة الجزائرية بشعاع من هذا العيد ؟ ؟ " ولا امر على الشعب من ذكريات الحربين العالميتين ، ففيهما فقد زهرة شبابه دفاعا عن فرنسا ، ومنهما حرمته فرنسا زهرة حريته ، واى مأتم اشد وقعا على القلب من هذه الذكريات التى تعيد الى الاذهان اطياف آلاف وعشرات آلاف ضحت فداء ( لام الوطن ) وتركت وراءها الثكل واليتم ، فكان جزاء الام لبنيها الاوفياء العقوق الصارج ، شأن القطة التى تأكل صغارها :
اذا كان اعناق البرية حرة فأعناقنا مغلولة في السلاسل
وانا لمسجونون وسط ديارنا خضوعا لقانون من ( الام ) عادل
ولكننا ندعي اذا الحرب شمرت نقي ( امنا ) من عاديات القنابل
وقي ( امنا ) شبابنا و كهولنا وكم خلفوا من امهات ثواكل
صواعق يلقاها بنونا نوازلا فوا حسرتا من شؤم تلك النوازل
فكم قصمت منهم ظهور صياغم وكم ثم من شهم قضى وحلاحل
وكم تيمت ابنائنا وبناتنا وكم ايمت يا قومنا من حلائل
وكم ذارات يا قوم عيني بواكيا قضين بكاء بالدموع الهوامل
ومن بعد ذا شعبى يسام مهانة ويحرم شعبى من حقوق كوافل
فهذا لعمر الله اهون حالنا فان تذهلوا عنا فلست بذاهل
الا فليفق شعبي من النوم برهة فانا لفي شغل من النوم شاغل 3))
اما الاعياد الاسلامية فلم تزل متنفسا لكل مختنق ، تستحضر الماضى فستفز الحاضر ، ولم تزل تهوى على الاغلال التى ترزح الحرية فيها ، فتكسرها وكانت هذه الاعباد بمثابة الآلة الحديدية فى يد السجين كل ضربة منها معناها انفراط حلقة من سلاسل التسخير ، وكان المولد النبوى اوسع المواسم الاسلامية تجاوبا مع الشعب لانه يحمل فى طياته معنى الثورة ، والبعث وقلب الاوضاع وهو ما تفتقر اليه الحالة فى الجزائر :
هلاهلك يا فخر العروبة لم يزل كما كان ، لكن خانه الطعن والضرب
وان الذي اجلاه للناس كلهم ظبي في ملمات الشدائد لا تنبو
مضت نجدة القوم السراة وودعت كان لم يكن من بيننا رجل ندب
وانا وان هنا وهانت ديارنا هوانا ، فما زلنا إلى عزة نصبو
أننساه والايام تشهد انه اشاد لنا ما دونه المرتقى الصعب
هلال اذا ما الحول حال تجددت لنا فيه آمال يحققها الذب
وقد تتلاشى اسباب البأس والقوة ، فيتعلق حبل النجاة بالشفاعة ، والتوسل بالرسول للتدخل فى المأساة بدعوة صالحة يتوجه بها الى الله لاستثارة الهمم :
محمد هذا حال امتك ، التى عرفنا ، وهذا الحال في شرعنا عيب
فان دامت الايام فينا كما ترى فضيق قبر دون ذلتنا رحب
لعلك تدعو الله فى القبر قانتا فيهتف فينا هاتف الله : ان هبوا (4)
وفي هذه الاعياد المتقابلة كانت الحرية تتأرجح بين وثبة اخرى ، وتطفو وترسو ، فاذا طفت ناجاها رمضان حمود حبيبا ، واذا رست ناغاها محمد العيد هزارا :
ناجنى نجوى ادكار واشد لي ليل نهار
قد دنا فك الاسار يا هزارى
عبثا ابكى وتبكى شجنا تارة سرا وطورا علنا
لم نجد في الارض من يرثى لنا غير واه فى مثل الزند وارى
فاصطبر مثل اصطبارى يا هزارى
انت رمزى وشعارى انت سيفى ذو الفقار
انت مزمارى وطارى يا هزارى
غير انا فاتنا نيل المنى فتولانى فتور وعنا
خبت فى الشدو كما خبت انا في حياتى فتمنيت احتضارى
وتبرمت بدارى يا هزارى (5)
وعاشت الحرية بين الألغاز والرموز تارة ، وبين الصراحة والاعلان اخرى حتى انفتح لها الافق على سعة اطرافه فى ليلة غرة نوفمبر 1954 فمطت جناحيها للانطلاقة الثورية الاسطورية التى ما زلنا نعيش معجزاتها وبرزت سافرة المحيا تعانق الثائر الذى لاحقها الى القمم . وستلاحقه اليوم الى السهول والمدن والعواصم لتجد الميدان المتسع الذي يثار لماضيها المختنق .

