ان ينزل الادباء العرب بتونس الجديدة ضيوفا كراما مرحبا بـهم وان يعقدوا بـها مؤتـمرهم هذا للنظر فى قضايا الادب العربى المعاصر ، والبحث فى اتـجاهاته والكشف عما يـحدوه من متنوع الاهداف والمقاصد والقيم والوقوف عندها لنقاشها والتبصر فى شأنـها - لـهو أمر حرى بان يعتبر بالغ الاهمية ناهيك انه يدل - ناصع الدلالة - على ان " الفكر العربى " حريص - حرص الحياة نفسها - على ان يجابه - فى صعيده الخاص - ما تعانيه الاقطار العربيه على اختلافها - ان قليلا او كثيرا - من جسيم المشاكل الحيوية وسط عالم لم يعرف قط ما يعرفه اليوم من صرامة ، وقسوة ، وعنف ، وانقسام النفس على النفس من جراء ما تشكوه الانسانية قاطبة من انـهيار القيم ، وبوار المثل العليا التى لا تكون الانسانية انسانية الا اذا كانت ضروب كفاحها العظيم - فى صعيد الفن ، وفى صعيد الادب ، وفى صعيد الاقتصاد ، وفى صعيد الصناعة الفنية وحتى فى صعيد الحرب - تجرى طقوسها وسننها على ضوئها وفى نطاق قيود ما انبجس منها من المبادئ والاصول . . .
وانـما اعنـى من وراء هذا ان النظر فى الادب العربى المعاصر ، وفى اتـجاهاته ، وفى قضاياه ، وفيما يحدوه من المقاصد والقيم ليس يمكن ان ينتهى بنا الى ما نرجوه من ورائه من خير زكى الا اذا كانت آفاقه آفاق العالم ويرمى - بالضبط - الى ان يقيس " الشقة " التى تفصل بيننا وبين معاصرينا من ذوى الثقافة الحية ، والصولة الصناعية ، والتقدم العلمى من جهة ، و " الشقة " التى تفصل بين ذاتنا الحاضرة وذاتنا التاريـخية من جهة أخرى .
ولما كانت القضية - وهى قضية المؤتمر - معقدة كل التعقيد ، متشعبــة المسالك ما امكن التشعب وتتطلب بالضبط ان " نفصل " ثوبا عجيبا هو ثوب " فلسفتنا الوجودية "فانا ادين باننا لم نكن قط فى سالف الدهور احوج منا اليوم الى بصر حديد ينفذ الى صميم الاشياء ، والى عزم فولاذ يعرف كيف يصارع احداث العصر ، والى قلب سليم يتبين كيف " يخصى " - بالضبط - كل انانية تعقم الحياة او تقضى عليها بصنوف من اليأس والعجز ، والعبث . .
وبالرغم مـما قد يبدو فى هذه العبارة من الصرامة فى الموقف او من الحدة فى الحكم فلست اجهل حرج الظروف التى هى ظروفنا لا ولا يـخفى على ما يجب اتخاذه من ضروب الاحتياط حتى تكون هذه الكلمة " كلمه خير " وتسعى الى الخير الذى نريد تدعيمه بدعائم لا تزلزل هى دعائم المسؤولية الحق ولئن رأيت من الضرورى ان يكون " اطار " بحوثنا هذا الاطار الشامل فلان هذا الاطار يشمل - اولا - جميع الاغراض التى اتخذها مؤتمرنا اغراض بحوثه ومناط نقاشه مثلما يشمل - ثانيا - جميع الزوايا التى من شأننا ان ننظر منها الى ذات " الادب " لاجلاء حقيقته وحقيقة وظائفه الجوهرية فى أفق الحياة . وهل يمكن ان نبت فى اية قضية من قضاياه من دون ان ننتبه مذعورين الى ان شأنـها من قضايا جوهرية أخرى اعجب شأن : تنفصل عنها من جهة وتتصل بـها من جهة أخرى فنكون مضطرين اضطرارا الى صنوف من " التيقظ " حتى نستطيع " تحريرها " التحرير الفنى الدقيق الذى لا يجور لا على تلك القضية من حيث انفصالـها عن القضايا الجوهرية الاخرى ، لا ولا يجور - فى عين الحين - على تلك القضية نفسها وعلى القضايا الجوهريــــة الاخرى التى تتصل بـها من جهة ثانية .
خذ - مثلا - قضية شأن الفن من الطبيعة
فهو - من جهة - ينفصل عن الطبيعة ويتسامى عليها ، وهو - من جهة ثانية - يتصل بالطبيعة ويأخذ بيدها ليرفعها من حضيض ابتذالـها الى " المستوى الفنى" الممتاز برفعته وسموه مهما يكن فهمك لجنس هذه الرفعة او هذا السمو .
فلو انك ذهلت عن هذا الشأن العجيب الذى هو شأن الفن من الطبيعة فى اتصاله بـها من جهة وانفصاله عنها من جهة لعرضت الفن اثناء اضطلاعك بطقوسه ، وانقطاعك لخدمته اما لـخطر الفصل بينه وبين الطبيعة مطلقا فيضحى الفن على يديك صناعة باردة ليس فيها ادنى نبض من الحياة ولا اقل مسكة من نسغها الخلاق ، واما لخطر الوصل بينهما وصل الادماج فيهوى الفن الى حضيض الطبيعة فى ابتذالـها .
والامر العجيب انك تنتهى فى كلتا الحالتين الى نتيجة واحدة هى تحطيم حقيقة الفن فضلا عما يكون لـهذا الامر من سوء العاقبة اعنى افساد ذوق مريدى " فنك " ! ٠٠
وخذ كذلك قضية شأن الفن من الاخلاق
فقد تفصل بينهما الفصل المطلق فتعرض بوجه من الوجوه الفن الى ان يصبح حربا على الاخلاق وقد تصل بينهما وصلا ينتهى الى ادماجهما جنسا من الادماج يجعل من الفن " وعظا وارشادا " - على اشد ما يكون الوعظ والارشاد من الغباوة . . فتقضى على الفن الحق مثلما تقضى على الوعظ الحق والارشاد الحق . . . فى حين ان الفن فى حد ذاته والاخلاق فى حد ذاتـها - من حيث انـهما كليهما من عنصر الرفعة والسمو - هما الى الانسجام اقرب منهما الى التنافر والتباغض . . .
ومن يدرى ؟ لعل الفيلسوف الفرنسى روسو ما كان ليهجم هجومه العنيف على الفنون الجميلة فى رسالته الشهيرة فاعتبرها معولا هداما للاخلاق لو انتبه الى هذه الدقيقة . . . بل لعله كان يسدد هجومه لا على الفنون الجميلة على الاطلاق بل على جنس تصريف معاصرية لشؤونـها ، وجنس جورهم على الفنون الجميلة نفسها قبل جورهم على الاخلاق .
ولو انك نظرت فى هذا " السر العجيب " الذى يطالعنا من وراء شأن الفن من الطبيعة او شأن الطبيعة من الفن او من وراء حقائق عديدة أخرى بينها مثل هذه المناسبة فيجعلها تخضع لما يمكن ان نسميه من دون مبالغة " ناموس الوصل والفصل " - لانتبهت بفضل " حدس " يومض فى ذهنك كالبرق الخاطف انتباها يزيح " حجابا " دونك ودون شؤون الكون من جهة ودونك ودون شؤون منزلة الانسان فى الكون من جهة اخرى .
وليس يمكن ان يومض فى ذهنك هذا " الحدس المجلى " من دون ان تدرك هذا " الامر العظيم " وهو ان الكون بأسره على اختلاف ما فيه من الموجودات تخضع شؤونه لهذا الناموس - ناموس الوصل والفصل - وان غوصك على اسرا طبائعها فيما بينها من لطيف العلاقات انما هو فى اهتدائك الى اسرار وصلها وفصلها . وهو " مجال " يطلق عليه " التنزيل الحكيم " لفظا طالما حير العقول الاسلامية طيلة القرون المتتالية ويكاد يرجع اليه معظم افتراق فرقها العديدة اعنى : لفظ " المتشابه " ( Règne de I' Ambiguité) وتندرج تحته جميع " الآيات المتشابهات " التى " تخصص " المنزلة الانسانية فى الوجود أعظم تخصيص فنى واشمله عرفه التاريخ العقلى البشرى على الاطلاق . . . فكان الانسان من جهة يتصل بالطبيعة فى غير ما موطن فيخضع
الى ضرورتـها القهارة الى حد بعيد ، وكان من جهة ثانية ينفصل عنها بغير ما وجه فيتعالى عليها ويهيمن على قدر استطاعته تسخيرها داخل ذاته وخارجها . فكان " الاسلام " - فنيا - قبولك قبول الرضـــى هذا الناموس وتصريفك شؤونك كلها فى دائرة مقتضياته مع التيقظ المطلق لاسرار وصله وفصلـــه فيتم لك بذلك الفوز العظيم ، اعنى عروجك من رق الطبيعة الى حرية شواهق الحق ! .
وانى لاذكر هذا " التعريف الفنى " للفظ " الاسلام " فتـرتعد فرائصى عندما اشعر بان الاغلبية الساحقة من المعاصرين ان فهموا شيئا من ذلك التعريف فانما هم يفهمون انه لا يعدو ان يكون اما دعوة لمثالية جامحة واما دعوة لتصوف دراويش ! وهما تأويلان ان كان يبدو ان احدهما اهون من الآخر لـــما بينهما - فى الظاهر على الاقل - من التفاوت فى الحرمة فهما - فى الحقيقة - يتحدان فى عين البعد عما اقصد اليه من وراء التعريف . . .
وان فرائصى لـتـرتعد - كذلك - عندما اتـجاوز المعاصرين فالوح بالنظر الى معظم المفكرين الاسلاميين القدامى - وخاصة المتكلمين والمحدثين - فأشعــــر عنيف الشعور بانـهم ان افترقوا فرقا واحزابا فتطاحنوا طيلة القرون فضلوا واضلوا وكانوا من حيث لا يشعرون - عنصرا من العناصر التى تضافرت لتحطيم المجتمع الاسلامى وتشتيت شمله شر تشتيت قبل القائه فى هوة العدم - فانـما كان الامر كذلك لانـهم لم يغوصوا على اسرار هذا " اللفظ العجيب" - لفظ الحق - ولا انتبهوا الى أن التنزيل الحكيم لم يذكر أن الله خلق الكون " بالحق " الا للدلالة على ذلك " الحدس المدهش " الذى تصيد اسرار تماسك الكون وشؤونه ، واسرار تماسك اجزاء الذات الفردية ، واسرار تماســـك الكيان الاجتماعى فكان بالضبط : الدعوة الى التوحيد على أساس الحق ! .
فما الحق . .
اتفق لى مرارا ان اكدت انه " اعز لفظ " فى العربية على الاطلاق ويـجمــع اسرار " فحولة الاسلام " فى بدء عهده فكان كالبحر فى مده العظيم فغمرت أمواجه العارمة تلك الرقعة الارضـية التى تـمتد من المـحيط الهندى الى المـحيط الاطلســـى .
فالحق لفظ مشترك ويدل على معان عدة : فهو الواقع . وهو الحقيقة بالمعنى المتداول بين الناس . وهو العدالة . وهو الربوبية . وهو معان أخرى جزئية يجدها الانسان فى كل قاموس عربى ولست فى حاجة الى ذكرها .
وان انت اردت ان تنتهج نـهج الاشتقاق الكبير فاردت أن تدرك السر الذى يـجمع بين هذه المعانى جميعها او اردت ان تكشف عن " الجزء المشترك " الذى يسرى فيها - كما يسرى النسغ فى النباتات او كما يسرى التيار الـكهربائى فى مـختلف الاسلاك - وجدته فى معنى " شدة الحبك " او فى " سر الطاقه " التى اليها يرجع " تماسك الاشياء " وفيها يكمن قوامها واعتدالـها فى قرارها او فى حركتها وفى صلابتها او فى لطف جوهرها .
وليس من شك فى انك تـجد هذا المعنى ابرز ما يكون فى قولك " نسيج مـحقق " اى محكم " الحبك " لشدة التحام سداه ولحمته . . .
ولئن كان لفظ الحق يدل على هذا " الحبك " فى صعيد النسيج افلست تظن انه يشير الى التنوع المدهش الساحر الذى نلاحظه من خلال مختلف الموجودات فنراها تتباين تباين اصباغ قوس قزح فى ولوجها بعضها فى بعض وفى خروجها بعضها من بعض وتذهب بنا من لطف الزهرة وسيلان الماء الى اشعاع حجارة الـماس ، ومن حيوية النمر وضراوته الى وداعة الحمل او الغزالة ، ومن ربوض ابى الهول فى صحرائه الى شموخ جبال الـهملايا ، ومن اشعاع النجوم النائيات الى وهج الشمس وبركات نورها . . .
اما فى صعيد البشرية فالحق سيكون معانى مختلفة باختلاف ما نراعيه فيها من صنوف " الحبك " ولا غرابة فالبشرية معقدة الشؤون لكونـها تحتل القمة فى سلسلة الموجودات .
فحق الانسان فى صعيد البدن قوة ، حيوية ، وحقه فى صعيد حقيقتـــه النفسية يقظة وانتباه . وحقه فى صعيد نواياه عزم و ارادة . وحقه فى صعيد عقله وادراكه بداهة ويقين . وحقه فى صعيد قلبه او روحانيته اخلاص وصدق ووفاء . وحقه فى صعيــــد وجدانه وعلاقاته مع اخوانه البشر ثقة ــ و امانـــة وصداقة ، ومحبة ، واحسان ، وحفظ عهد ، واحترام . وحقه فى صعيد ذاته كذات فردية حرمة ، وعزة ، وحرية انفاس . وحقه فى صعيد اثـماره وعمله وخلقه عقيدة ومسؤولية وصمود ورباطة جأش . . .
وليس من شك فى ان " الحق " يجد أروع نـماذجه - فى صعيد البشرية عند اولئك العباقرة الذين حظوا بان يرهصوا الذات ارهاصا ففازوا بتفجير عيون " اسرارهم " الخلاقة اعنى اسرار قلوبـهم العظيمة فاضحى اثـمارهم لـهبا يلهبون به غيرهم من الناس ، او اغذية يغذون بـها قلوب الناس ، او نورا ينيرون
به عقول الناس ، او نداء سحره هو السحر ناهيك ان تـموجاته تسرى من نفوسهم الى نفوس الناس مثلما تسرى تـموجات النور فى سحيق الفضاء فتجذب النفوس فتنجذب لـها فترتفع احيانا الى قمم كل نبل ، وكل رفعة ، وكل عظمة !
ولتختلف انـماطهم ما شاءت الاختلاف باعتبار تباعد عصورهم ، وتبايـــن بيئاتـهم ، وتغاير الاجواء الثقافية التى تغذوا بأغذيتها فليس هذا هو الذى يهمنـى الآن ، وانـما الذى يهمنـى هو هذا الامر الذى يوحد بينهم جميعا فكان دالا على ان جوهر وظيفتهم واحد مهما تباين اسلوبـهم فى سبل الحق ، والخير ، والجمال : اعنى سر توفيقهم المدهش فى حلبة التصريف المزدوج الذى يقتضيه منهم ما سميناه " ناموس الوصل والفصل " ! فهم لا يتصلون بتقاليدهم الثقافية والروحية الموروثة التى يستظلون بظلها منذ نشأتـهم الا لينفصلوا عنها متعالين عليها يوم يبلغون عهد نضجهم والاثـمار ، وهم لا ينفصلون عنها الا ليتصلوا بـها من جديد فى نطاق صبوة متجددة تأبى الا ان تنفخ فى تلك التقاليد الثقافية روحا جديدا يجدد نسغها ، ويهبها انفاسا جديدة ، ويفسح لـها آفاقا أوسع ، وتأبى الا ان تشير - باصبع من نار - لقمم جديدة فتغرى ذوى الهمم بالطموح الى تسلقها . . . ويتم ما لا بد ان يكون : ان ينشر للحق صفحة جديدة تضاف لتالد صفحات سجله العظيم .
ولئن سـميت اولئك العباقرة باسم " رعاة الحق " فلان " همس " قلوبـهم العظيمة هو هو الدوى الذى يملأ العصور الذهبية من كل ثقافة حية ، مشيرا الى ان " حبك " العقول الجبارة يشكل نمطا عزيزا من " اعتدال مكين " حقق - بالضبط - سر تأليف النغم بين قوى الذات جميعا عقلية كانت او ارادية او وجدانية .
وهل الروح غير هذا ؟ . ولـمثل ذلك الاعتدال المكين او لسر تأليف نغم الذات رمز التنزيل عندما حدثنا عن تلك الشجرة المباركة فأكد ان اصلها ثابت وان فرعها فى السماء !
هذا فيما يـخص " الـحق " فى صعيد البشرية الحق .
اما الـحق فى صعيد الربوبية - ان كان للربوبية صعيد - فهل انا فى حاجة الى ان اطيل فى الحديث عنه ؟ اليس يرادف الجبروت الذى أحكم نسيج كل شئ ، وخلق كل ما خلق بالحق على نحو ما حللنا .
وان نـحن انتهينا الى هذا الحد افلسنا ننتبـــــه الى ان " الحق " اعجب " حدس كونـى " واشـمله باعتبار انه يرسى بمراسيه الثابته فى البصر اليقظان بنواميس الواقع مع مغازلة السماء فكان زواجا ميمونا بين المثالية الحــق والواقعية الحــق فكان لفظ الحــق من الاضداد وان كانت كتب الاضداد لا تذكره
وقد يبدو لك ان انتهاءنا من بـحثنا الى هذه النتيجة أمر تافه لا عبرة به . وما نفعنا من تسجيلنا ان لفظ " الحق " من الاضداد فى العربية ؟ افليس هذا يندرج تحت تلك الشؤون التى هى اقرب الى مشمولات اللغويين منها الى مشمولات الادب او الفن او الفلسفة ؟ فكل الناس يعرفون ان اللغويين يؤكدون لهم ان " بان " مثلا من الاضداد وان هذا الفعل يدل حينا على الظهور والقرب وحينا على الاختفاء والبعد . الا انـهم يسجلون الامر مستغربين . . . وكفى ، ويذهلون عن هذا الامر الخطير وهو ان القوم الذين هبوا لجمع الاضداد فى العربية ونشطوا لتأليف الكتب فيها ما كانوا لغويين وكفى ! فعد كانوا مفكرين وكانوا يسعون سعى الجد على تخوم " مجهول " يريدون ان يزيـحوا ما دونـهم ودونه من الاستار . هم المعتزلة فى غضون فحولة الاعتزال .
وليس يمكن ان نفهم الرهان من وراء عنايتهم الفائقة بأمر الاضداد فى العربية ما لم نتبين ان حركتهم فى هذا الميدان كانت موازيه لحركة أخرى تجرى فى ميدان تأويل الكتاب العزيز ومنها تستمد باعثها والمحرك . ذلك انـهم انما قصدوا الى العطف على الاضداد والى احصائها لانـهم احسوا بانـها قد تـمت بصلة الى أمر " المتشابه " فى القرآن وان النظر فيها وفى عللها واسبابـها واسرارها قد يعينهم على فهم هذا " المتشابه " الذى اقض مضاجعهم وحير عقولـهم نظرا لما فيه من نفى ظاهر للمبدإ المنطقى الارسطى القاضى بأن العمل لا يثبت الشئ وضده فى عين الحين ومن عين الجهة . . .
ولئن عجز المعتزلة عن حل المشكل فلم يتبين لـهم الوجه الحق من تأويل " المتشابه "لطغيان المنطق الارسطى على عقولهم ، فتركوه بعد انـهزامهم - شغلا شاغلا لكبار المفكرين من اهل السنة و اهل التصوف - فالامر الجزم هو ان المعتزلة كانوا مصيبين فى احساسهم بالصلة الوثيقة بين الاضداد والمتشابه القرآنـــى .
ولـما كنت ادين بان ثقافة أمة " وحدة عضوية " تتطور مع الزمن ما شاءت لـها من التطور همم المضطلعين بنحت " فصوص " قيمها الجوهرية على ضوء
حى التجارب وعلى أساس عزم المقاصد التى هى مقاصد الحياة فى طموحها الدائب ، ولـما كنت ادين كذلك بان زكاة الثقافة وفتوحاتـها وقفزاتـها الخلاقة لا ترى حرجا فى " استئناف " بعض قضاياها القديـمة التـى لم تحظ بعـــد بالحل الشافى فلتسمحوا لى بان اقف معكم حينا امام لفظ " الحق " باعتباره لفظا ضدا من الاضداد . . . وما علينا ان كان بعض اللغوييـن احيانا لا يعبأون بمثل هذه القضـية فيكتبون على انفسهم الجهل ببعض اســـــرار اللغة التــــى ينتسبون اليها وتنتسب اليهم . . . وخدمتها يدعون .
وفى الـحق فانه لا ادل على عبقرية اللغة العربية من حيث هى لغة بين اللغات من غوصك على اسرار وجود الاضداد فيها . . . فهى الفاظ نحتتها عبقرية اللغة على ضوء جنس من " الومضات " الخاطفة الساطعة لتشير بـها الى ما " تجلى " لـها من خفى " المناسبات " بين بعض الاشياء فكانت أمثلة أو نماذج تندرج تحت ذلك الجنس العام الذى سميناه " مـجال المتشابه القرآنى " وقد اكدنا - سالفا - ان هذا المتشابه القرآنى قنن شؤون هذا المـجال فى نطاق " ناموس الوصل والفصل " وهو ناموس ليس تـخضع له شؤون الوجود فحسب بل تـخضع له قضايا كلية عامة من قضايا المنزلة الانسانية فى الوجود خضوع الاجسام لناموس الثقل او خضوع الكون باسره لناموس الجاذبية .
ولـما كانت القضية التى نحن بصددها من ادق القضايا الفلسفية - وهل كانت لتحير كبار المفكرين الاسلاميين لولا هذه الدقة المعجزة ؟- وتندرج تحتها مشاكل خطيرة كمشاكل الحرب والسلم ، والجبر والاختيار ، والتنزيه ، والتجسيم ، والوعد والوعيد ، والعقل والايـمان ، والدنيا والآخرة والامر بالمعروف والنهى عن المنكر الى ما هنالك من القضايا الجوهرية وخصصتها بكتاب سـميته " محمد فى اجواء المثانى " فلننظر لتلك القضية من الزاوية التى تـهمنا فى هذا الحديث ، ان كان لفظ " الحق " من الاضداد ويحق تزويج المثالية الحق والواقعية الحق .
وليس من شك عندى فى ان احسن طريقة تنتهى بنا الى ما نريد انـما هى فى تساؤلنا عن السر الذى جعل العباقرة الذين تحدثنا عنهم آنفا يقفون من تقاليدهم الثقافية الموقف الذى ذكرنا فقلنا انـهم لا يتصلون بـها الا لينفصلوا عنها ، وهم لا ينفصلون عنها الا ليتصلوا بـها من جديد فى صبوة متجددة .
ولنلاحظ اولا هذه الملاحظة البدهية البسيطة ، ان سنن الحياة تقضى بان نولد فى اسرة معينة ، وفى بيئة معينة ، وفى فترة زمنية معينة . فكان لا بد
من ان ننشأ فى كنف تقاليدها وقيمها الموروثة ، وان نغذى باغذيتها مهما تكن وان تتصل بيننا وبينها تلك الروابط التى نسميها بروابط التقليد الاجتماعى وللكثرة الساحقة من الناس يولدون ويموتون فى كنف ذلك التقليد مراعين رسومه ان قليلا او كثيرا ومن دون ان ينتبهوا لما قد يكون من الفروق الجسيمة او الضئيلة بين مشاعرهم الباطنة وتلك الرسوم ، وان هم انتبهوا اخفوا الامر وحاولوا ما استطاعوا ان يصرفوا شؤونـهم الخاصه بوجه من الوجوه . .
اما العبقرى الذى سيكون من " رعاة الحق " فانه لا ينتهى من وراء صنوف من الارهاص الى حبك الذات على اساس الحق ولا يفوز بتفجير عيونـها الثرة ولا يأتى عهد اثماره حتى يجد ان زجاجة تقليده قد كسرت منذ عهد وان نفسه أصبحت تغازل من القيم ومن المطامح مالا يقاس بما هو شائع حوله من قيم موروثة ومن مطامح فقدت نسغها منذ عهود فاضحت عاجزة عن تغذية العقول ، وعن اشباع الحاجات الانسانية الجوهرية ، ويتم ما لا بد ان يتم ، ان يصبح الانفصال بينه وبين بيئته الثقافية قطيعة كاملة . . . .
ولنلاحظ - ثانيا - ان هذه القطيعة شأنـها عجب . . .
فلئن كان العبقرى المـجدد يعتبر ان ما عليه بيئته هو المنكر ، وان ما يعرضه عليها من البضاعة الـجديدة هو المعروف فالبيئة على العكس تعتبر ان ما هى عليه هو المعروف بعينه و ان ما يعرض عليها هو المنكر . فكان معروف هذه منكر ذاك ، وكان معروف هذا منكر تلك .
زد على ذلك ان التقاليد الثقافية تصطبغ بحرمة الماضى وبرسوخ قدمها فى الواقع، وان هذا المجدد المصلح ليس مكتوبا على جبينه ان ما يطمح الى تحقيقه فيه خير للمجتمع وفيه ما يضمن له آفاق زكاة منشودة . . . بل الواضح - بداهة - انه مارق خالف سنة الناس ! . .
اليس من الصعب ان يدرك الناس ان من البر ما يكون عقوقا ؟ اليس هذا قلب للحقائق مفضوحا لدى كل ذى عين سليمة ؟ اما قولك " وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم " فمن العاقل " الذى يقبل عن طيب خاطر ان يغير شؤون تقاليده الموروثة عن اجداده على اساس " عسى" او " لعل " ؟ .
هى "حساسية " جديدة تفاجئ البيئة الثقافية بـجديد نظرتـها للاشياء وبسلم جديد للقيم .
وليس من شك فى ان " الوضع " يـحف به من اللبس اشكال وان " المأساة " تكاد تكون لا مخرج منها .
فهذا عبقرى يغازل " مثلا اعلى " تربع فى قلبه العظيم ويريد ان يعيد "حبك" نسيج المجتمع على أساسه .
وسواء أكان ذلك يخص النظام الاجتماعى بأكمله او يخص بعض جوانب تقاليده الثقافية او الفنية دون سواها - فالمصلح المجدد يعرف - معرفة اليقين - ان العقيدة التى تدوى باعماق ذاته ليس يعرفها الا هو ، وليس يـحس بقواطع أمرها وزجرها الا هو ، وليس يعرف مدى الآمال المعلقة عليها الا هو ٠٠٠
وهذه بيئة لا ترى فيما يرى سوى سراب خادع ، أو خيال كاذب ، أو مطمح مجنون يعرضه مثلما يعرض المجتمع ومصالحه لكل خطر . . .
فهل ترى الناس معجزيه ؟ أم هل تراه معجزهم ؟ وبالغا ما يرومه أو بعض ما يرومه من تزويج المثل الأعلى الجديد بالواقع العنود العصى ؟ .
أين سبل الحق ؟ وأين سبل التحقيق ؟
فالحق - لم يكن ضدا بين الاضداد الا لانه يشير لهذه المشكلة العظيمة التى ما انفكت - خلال العصور - وبجميع الأجواء الثقافية - الشغل الشاغل لجميع المصلحين الكبار ويعانون من طقوسها ألوانا من المعاناة.
والذى يندهش له الباحث ايـما اندهاش ان يجد فى الكتاب العـــــزيز " تقنينا فنيا " لشرائط ما سميته " ملاحة الضمير " وسط الفخاخ التى هى فخاخ العمل فى هذا العالم العصى العنود وينير جميع المواقف التى هى مواقف السيرة النبوية طيلة دعوته . . . وهو تقنين لم ينتبه له مفكر واحد من المفكرين الاسلاميين القدامى . . .
ولو أننا أردنا - فى هذا البحث الوجيز- أن نزيد هذه القضية توضيحا ، والمتشابه فيها تجسيما بعبارة عصرية تكشف القناع بالوضوح الباهر عن السر العظيم الذى تصيدته عبقرية اللغة العربية اذ جعلت من لفظ " الحق " ضدا بين الاضداد لقلنا أنـها جمعت - على ضوء ناموس الوصل والفصل - ثلاث علاقات مختلفة فتجلت لـها حقيقتان متناقضتان وتثيران مشكلين خطيرين
أما العلاقات الثلاث فهى : I) شأن الفرد من المجتمع . 2) شأن المجتمع من الفرد. 3) ما بين هذين الشأنين من الوصل والفصل .
وأما الحقيقتان المتناقضتان فهما : أ) ليس يـمكن للمجتمع ان يستقر له نظام ما لم يخضع لنظامه الأفراد . ب) ليس يـمكن للمجتمع أن يتقدم ويزدهر ما لم يتمتع الافراد بـحرية النمو و تحقيق الذات بتحقيق ما ينسجم مع أشـــــواق الذات من مختلف المشاريـــع والمقاصد والغايات .
واذا ما اعتبرت ان ليس أحد خلق ليعيش وحده ، ولينحصر فى ضيق آفاقه ، وفى ذات مشاريعه الفردية وجب حتما أن نتصور أن المشكل الذى
هو المشكل بالإضافة للمجتمع من حيث هو " وحدة عضوية " أو " شخصية ذات طرافة " انـما هو فى البحث عن الوجه الذى يحقق انسجام أهدافه العليا مع أهداف أفراده العاملين أو انسجام أهداف افــــراده العاملين مع اهدافه العليا حتى يتم هذان الامران العزيزان :
أولا : ان تتوفر الاسباب الكفيلة بتحقيق "حبك " نسيج الذات الفردية على وجه من الحبك أو على ضرب من التأليف لاشواق الذات فتندفع قوة مدرعة عزمها هو العزم ، ونور عينها هو النور ، وسلامة طويتها هى السلامة فتعمل - مهما يكن العمل - وتنجز - مهما يكن الانـجاز - بدافع الشعور العارم بأن "اللبنة " التى تقدمها للمجتمع هى مشاركة متواضعة تسهم بـها لبناء صرح عظيم يتجاوز الفردية الى ما فوق الفردية . . . فيتم لها بذلك أن تسعد وتسعد ذويها فى نطاق الاسرة ، وذويها فى نطاق الصناعة ، وذويها فى نطاق المجتمع ومن يدرى لعلها تسعد بأن تسعد - فضلا عن كل ذاك - ذويها من أبناء البشرية المخلصة لاشواقها العليا . . .
ثانيا : ان تتوفر جميع الاسباب التى تضمن للمجتمع بأسره ما فيه نظامه الـحى ، وأمنه الـحى - فى الداخل والخارج - فيكون هو أيضا - كأفراده - حبكه هو الحبك . واحكام نسيج وحدته الحية هو الاحكام ، وحرمة ذاته هى
الحرمة ليس يقوى أى مجتمع آخر على انتهاكها ، ويشارك - ما استطاع - سائر الـمجتمعات البشرية فى بناء تلك الحقيقة العزيزة التى نسميها " الحضارة " كنجم يشع فى السماء وتتطلع اليه أسمى المطامح !
وبدهى أن المـجتمعات تتفاوت - جد التفاوت - بشعورها أو بعدم شعورها بدقة القضية ، وبتشعب مسالكها ، وبتعقيد أمورها ، وبعزة شروطها ، وبكثرة متناقضاتـها .
هى على أى حال تـجابه بالفعل هذه القضية مـجابـهة تختلف مستوياتـها : فهذا مستوى المعاش والاقتصاد . وهذا مستوى الصناعة . وهذا مستوى الدفاع . وهذا مستوى العرف . وهذا مستوى القانون . وهذا مستوى العادات . وهذا مستوى الاخلاق . وهذا مستوى نظام الحكم . وهذا مستوى " النظرة الشاملة " التى تدرج تلك المستويات والمؤسسات التابعة لها تدريـجها وتنزلها بـمنازلـها فى نطاق ما بينها من وصل وفصل سواء أكان ذلك على أساس دينى ، أو على أساس مذهب فلسفى وضعى ، أو على أساسيهما معا وفى نطاق ما للدين او ما للمذهب الفلسفى من مبادئ وقيم . . .
وليس من شك فى أن مـجتمعات هذا العصر تشكو أزمة بعيدة الغور عميقة الاثر - بالرغم من اختلاف مظاهرها وعللها - فى صعيد المبادئ والقيم . وهو أمر يحوجها جميعا الى مراجعة شؤونـها المعنويـة والروحية مراجعة جذريـــة شاملة حتى تضمن لنفسها السلامة وسط عالم لم تبلغ نواميسه وسننه فى سالف الدهور ما بلغته اليوم من الصرامة والقسوة .
وبعد ، فقد يبدو لبعضهم أنا ابتعدنا كثيرا عن قضايا الادب العربــى المعاصر ، وعن البحث فى اتجاهاته ، وعن الكشف عما يـحدوه من متنوع المبادئ والقيم والـمقاصد ، مثلما قد يبدو لهم أنا أغرقنا فى الفلسفة وفى النظر فيما بين الفرد والمجتمع من اتصال من جهة ومن انفصال من جهة . وفى قضية وجه الانسجام بين اثـمار هذا واثـمار ذاك ، وحرمة هذا وحرمة ذاك ، وسلطان هذا وحرية ذاك .
وفى الحق فلا بد لنا من ان نعترف - غير مجمجمين - بان لهم الحــق - كل الحـــق ! - ان نـحن اعتبرنا ان الادب ليس يعدو ان يكون قصيدة شعرية
تنظم ، او قصة تؤلف ، أو مسرحية تحبك حبكتها ، وتفصل مشاهدها على اساس اصول فنية معينة لتعرض على النظارة .
اما اذا ما نـحن " تجاوزنا " هذه " القوالب " الفنية ، ونفذنا الى " المادة الادبية " وحاولنا ان نبين " خصائصها " و " وظائفها " الجوهرية فانه يبدو اذ ذاك ان ما بدا لهم ليس حقا بل باطلا . . .
وهل يمكن لنا ان نـمعن النظر فى جوهر هذه " المادة الادبية " من دون ان ينطلق من النفس سيل من الاسئلة :
فما الباعث الخفى الذى حدابنا الى ان نفرغها اما فى نسيج انغام القصيد ، او فى فصول رواية ، او فى مشاهد مسرحية ؟ .
وما الغاية التى نسعى وراءها من وراء تلك الصور من الخلق الادبى ؟ وما النموذج الفنى الذى نريد بزه او تجاوزه او اللحاق به ؟ .
وما الشبح المهول الذى نريد ان نطارده فى ذات أنفسنا أو فى غيرنا ، ونريد القضاء عليه أو التحرر منه بنظم القصيد او تأليف الرواية أو سبك المسرحيه ؟
أنقص نريد تلافيه ؟ أداء نريد علاجه ؟ أم كمال نريد بلوغه بالخلق ؟ .
وما جنس الآثار التى ستكون لتلك القصيدة ، او لتلك الرواية ، او لتلك المسرحية فى نفوس قرائها او نظارتـها ؟ .
أزكت فيهم احساسا أم حرفته ؟ أألـهبت فيهم عزما ام اخمدته ؟ أانارت فيهم قلوبا ام ادخلت فيهم الظلمة ؟ أدغدغت فيهم شهوات أم طعمت فيهم مطامح ، أم زكت فيهم تأملات ؟ .
أأعانتهم على " حبك " الذات أم شتتت فيهم الاحلام ؟ أفتحت لـهم آفاقا جديدة تغريـهم بكل فتح جديد ، ام زرعت فى نفوسهم الحيرة والشك والقلق ؟ ومــا جنس هذه الحيرة ؟ وما جنس هذا الشك ؟ وما جنس هذا القلق ؟ .
أهى من جنس " توبة النفس " الى نفسها تحاسبها لتحررها من أوهام بـها عالقة ، أو من آفات لـها خانقة ؟ .
أم هى من جنس " عجز النفس" فتميت فى النفس عزة الحق ، ويـمن الخير ، وسنى الجمال وتلقى بالنفس - آخر الامر - فى هوة اليأس او العبث او العدم ؟ .
أزادت النفوس شعورا بنواميس صحتها واعتلالـها ، واستقامتها وزيغها فألـهمتها الحرص على زكاة المعدن ام جرتـها من حيث لا تشعر الى زيف المشاعر ؟
أزادت النفوس بصرا بنواميس الحياة أم أغوتـها فزينت لـها العيش على هامش الحياة ؟ وباختصار : فما رهان الادب ؟ وما وظيفته فى الحياة ؟ .
ومحال ان تطرح مثل هذه الاسئلة من دون ان تدرك ان هنالك صلة وثيقة بين الادب والفلسفة . . . ولئن قيل فى حق أبى حيان التوحيدى انه " فيلسوف الادباء واديب الفلاسفة " فلأنه استطاع ان يذيب فلسفته فى أدبه او ان يذيب أدبه فى فلسفته حتى أنك لتحار فى أمره فتسائل النفس : أترى الادب هو الغالب عليه أم هى الفلسفة ؟ ٠٠
ان كثيرا من أدباء اليوم - خاصة الشباب منهم - اتـخذوا الادب تلقينا او تقليدا فذهلوا عن الصلة المتينة التى تربط بين الادب والفلسفـــة . وذهلوا بالـخـصوص عن جنس تلك الصلة وعن لطف حريرها ! .
وهو " حرير " يندرج تـحت " ناموس الوصل والفصل " اعنـى ان الادب والفلسفة بالرغم مـما بينهما من الفوارق الجوهــرية فهما يلتقيان فى صعيــــد واحد . والعجيب فى جنس التقائهما فى صعيد واحد انه يمكن لك - فى نطاق عين الوجاهة - ان تقول : " ان الادب خادم الفلسفة " مثلما يمكن لــك ان تقول " ان الفلسفة خادمة الادب " ! .
وفى الحقيقة فان القضية صعبة . وتـحريرها يتطلب مقدمات تـجسم جنس ارتباط الفلسفة بالادب والادب بالفلسفة .
فالفلسفة - على وجه الاجمال - " مشروع عقلى " يرمى :
أولا : الى ان يصور لك " الخطوط العامة " التى هى خطوط منزله الانسان فى الكون .
ثانيا : الى ان يصور ملامح الانسان تصويرا يجعله أشد وعيا بالخصائص
التى ميزته عن سائر الموجودات واشد بصرا بـمختلف أجزاء " جهازه العقلى " حتى يـحسن استعمالـها او استخدامها - مزكاة - فى تفكيره ، ومنطقه ، وعلومه على اختلافها وفى صناعاته على تنوعها .
ثالثا : الى ان يصور له اصول الذوق الذى يزكى احساسه وعواطفه فيحسن صوغها فنونا ساحرة . .
رابعا : الى ان يصور له مبادئ تنظيـــم سلوكه فى حياته الفـــردية او الاجتماعية على اساس القيم العليا التى هى قوام الحرمة البشرية .
وبدهى ان جهازا فلسفيا من هذا القبيل ليس يمكن ان يتم الا عن طريق مصطلحات فنية دقيقة لا يـمكن ان تحل احاجيها الا طبقة من العقول هى عقول الخاصة . هى على أى حال تخاطب العقول فى نطاق جفاف المنطق وعن طريق سلسلة من الادلة الفنية والبراهين المنطقية .
فكان لا بد من تحريك النفوس بوسائل الادب والشعر . فالادباء والشعراء أقوى واقدر على تبليغ عزة القيم بوسائل ايـحاء الفن وسحر بيانه . . .
ولو اننا نظرنا فى ماضينا الثقافى لتبيـن لنا - واضحا جليا - تطور مفهوم الادب مع تطور الثقافة الاسلامية فارتبط اولا بالمواعظ الخلقية ، فبعلم الكلام وقضاياه ، فبالفلسفة ومشاكلها نظرا الى ان العاطفة الدينية تطورت هذا التطور نفسه .
الم يقل المبرد فى كتاب "الكامل " هذا الكتاب يجمع ضروبا من الادب ما بين كلام منثور ، وشعر مرصوف ، ومثل سائر ، وموعظة بالغة ، واختيار مــن خطبة شريفة ، ورسالة بليغة " ؟ .
ثم ألم يتطور هذا الادب فتغيرت أهدافه على ايدى الجاحظ ، وابن قتيبة ، وأبـى حنيفة الدينورى فكان بعلم الكلام اعلق ، وبالقضايا الكلامية ألصق ؟ .
ثم ألم يزدد توغلا فى تطوره فى القرن الرابع الهجرى على ايدى مسكويه وأبى حيان التوحيدى - خاصة - فكان أشد امتزاجا بالقضايا الفلسفية الصرف على نـحو ما يشاهد بكل جلاء فى المقابسات ، وفـى الامتـــاع والمؤانسة وفـى البصائر ؟ .
اما لو اننا صرفنا أنظارنا نـحو الحاضــر لشاهدنا أزمــــة فلسفية شاملة ولشاهدنا الفلاسفة يجهدون انفسهم لعلاجها فتراهم لا يتحاشون من ان يقصدوا الشعراء والادباء ليستعينوا باحساسهم البكر الذى " يجلى " جوانب من غزارة الوجود ومن أعماق النفس ، شبكات المنطق عاجزة عن ان تتصيدها . . . فتراهم حينا يتخذون من الشعر أداة كشف لاسرار الوجود ، وتراهم حينا آخر يتخذون من الشعر ومن الروايـــة والمسرحية وسائل ناجعــــة لترويج مبادئهم وقيمهم ولتبليغ رسالتهم . . .
فالفيلسوف الفرنسي ( جان فال ) ( Jean Wahl ( ينغم فى ديوان من الشعر اشواقه الفلسفية ويحرر عدة فصول وكتب ويـخصص دروس سنة جامعية كاملة للغوص على اسرار الشعر والشعراء والفنانين للتعمق فى البحث عن سحر النظرة الحالـمة الشاعرة . وهو يعتبر سحر تلك النظرة أزكى وأوفـى وأقدر على النفاذ الى أسرار الحياة . ويرجو بفضلها توسيع آفاق النظرة الفلسفية على حد تعبيره .
وقل مثل ذلك فيما يـخص الفيلسوف الوجودى قبريـال مارسيل ( Gabriel Marcel ) فانك لا تـجيل نظرة فى مسرحياته وفى تآليفه الفلسفية الفنية حتى يتجلى لك ان فنه يـخدم فلسفته وان فلسفته تـخدم فنه .
وقل مثل ذلك فى شأن جان بول سارتر ( Jean paul Sartre ) زعيم المذهب الوجودى بفرنسا . فقد " صرف " فلسفته الوجوديـــة فـى مسرحياته وفى رواياته . فكان لـها ما كان من الاصداء البعيدة .
وقل مثل ذلك فـيما يخص الفيلسوف الانجليزى " وايتهيد " ( Whitehead ) فهو لا ينفك يردد انه ما استطاع ان يتصـيد غير ما سر من أسرار فلسفته الا بفضل الشاعرين العظيمين وردسورث ( Wordsworth ( وشيلى ( Shelley ) وهو يؤكد انه مدين للاول لانه نبهه الى الـجانب القار من الاشياء فى حين انه مدين للثانى لانه لفت نظره الى سيلان الاشياء . . .
وقل مثل ذلك فيما يـخص الفيلسوف الالـمانى "هيدقير " ( Heidegger ) فمن اعز المصادر التى لا ينفك يستند اليها ، ويستشهد بـها ويتخذها ينبوعا ثرا من ينابيع آرائه الشاعر الالـمانى هو لدرلين ( Holderlin ) واذا ما عرفنا ان هذا الشاعر كان من أشد الناس تحمسا لفلسفة شـيللنـــق
( Schelling ) ومـمن تغـــذوا بفلسفة هيقل ( Hegel ) وتأثروا به ادركنا جنس امتزاج الشعر بالفلسفة والفلسفة بالشعر .
وهل كان شأن محمد اقبال غير هذا ؟ ! . الم تنغم دواوين شعره اشواقه الدينية والصوفية والفلسفية فى عين الحين ؟
وان اطلت الحديث - بعض الشئ - عن هذه الظاهرة العجيبة التى تطالعنا من وراء ما للفلسفة المعاصرة من الحرص على ان تكون الصلة اوثق ما تكون بينها وبين الادب حتى انـهما ليمتزجان احيانا اعجب الامتزاج فيتجلى لنا - ابرز ما يكون - ما قد يحصل من الانسجام الطبيعى بين الاشواق الفلسفيه والاشواق الفنية عندما تسمو هذه وتلك الى قممها الذاتية - فلأنى اريد - فى خاتـمة هذا الحديث - ان الفت الانظار نـحو خاصية فى أدبنا الحديث ما اعلم ان النقاد سجلوا أمرها ولا نوهوا بـها على نـحو ما تستحق من التنويه .
فمهما يكن من أمر الاشواط البعيدة التى خطاها الادب العربى المعاصر ، وبالرغم من ان عدد الادباء ما انفك فى ازدياد ، ومهما يكن - بالخصوص - من أمر المئات من الكتب الفلسفية التى تصدر اما عن اعلام الفكر الغربى وعن تياراته واما عن اعلام الفكر الاسلامى القديم ونزعاته فالشواغل التى كانت شواغل الرواد العظام الذين اضطلعوا باعباء النهضة الادبية منذ أكثر من نصف قرن ما زالت شواغلنا الباقية ، وهى هى التى يجب ان نواصل العمل فى سبيل تحقيق المطامح التى كانت حافزة لها . . . واذكر فى مقدمتها ميخائيل نعيمة وتوفيق الحكيم وطه حسين وعباس محمود العقاد . فهم الذين طرحوا الاسئلة الجوهرية ! وليس واحد منهم فهم ان الادب انما هو مجرد قصيدة تنظم ، او مجرد رواية تفصل فصولها او مجرد مسرحية تحبك حبكتها وتوزع مشاهدها ...
هجموا على جوهرى المشاكل فكان همهم اولا " تذليل " اللغة فتصبح "طيعة" فتشرف وتعز ككل اللغات الحية باضطلاعها بما يجب ان تضطلع به من المهام فى خدمة الحياة . كانوا يريدون " تجديد الاحساس " باللغة حتى تسترجع قدسيها بعد ابتذالها بابتذال العقول طيلة قرون فتفى من جديد بقدسية ما يختلج فى الفكر من لطيف الخواطر ، وما يهمهم فى اعماق الذات من شريف
المطامح ، وما ينبجس من دهاليز القلب من جوهرى الاشواق فتؤديها من قلب تفجرت منه الى قلوب القراء رافة برفيف الحياة ، طافحة برحيق الحياة ، صافية صفاء الماء بالبحيرات فى اعالى الجبال ! .
قال ميخائيل نعيمة فى كتابه " فى مهب الريح " واصفا اللغة :
تلك لعمرى "عجيبة" الانسانية الكبرى . ومن المؤسف ان يألف الناس اللغة كما الفوا اجسادهم والطبيعة من حواليهم ، فلا يبصرون فيها عجيبة ، وان يبصروا العجائب فى اكتشافات العلم الحديث ، وما هى غير جذع من جذوع الدوحة الام التى هى اللغة .
" من الاكيد ان الانسان خلق اللغة وما خلقته اللغة ، وقد خلقها لتكون طيعة فى يده يستعين بها على بناء حياته وحل مشكلاته ، وبلوغ أهدافه ... ولانها من عظيم الاهمية حيث هى فلا عجب ان يبالغ الانسان فى الحفاظ عليها وفى تنسيقها وترتيبها وصقلها وضبط معانيها ثم فى ربطها بالقوانين و القواعد مخافة ان تتفكك اوصالها وتضطرب مدلولاتها وتتبلبل مقاصدها فيتعذر التفاهم بها وتضيع الغاية الاساسية من خلقها وتصبح نقمة كبيرة بدلا من ان تكون نعمة عظيمة عميقة ...
وقد كان همهم - ثانيا - الانقطاع للفن والاخلاص له حتى يسموا به الى ما فيه مجد خلقه .
وقد كان ديدنهم الجهد لا التساهل ، والميل الى الاصعب لا الى الدعة والكسل والرضى بما اتفق ... لاعتقادهم الجزم الا شئ يتم بناؤه الا على أساس الصدق على حد تعبير توفيق الحكيم ...
ولئن نحن نظرنا بين الحال الذى كان عليه الادب فى بداية النهضة على يدى المنفلوطى وجرجى زيدان والحال الذى انتهى اليه الادب فى اعز آثار اليوم لا مكن لنا ان نقيس الاشواط السحيقة التى تم قطعها بفضل تلك الجهود .
اما من الناحية الروحية فانه يمكن لنا الجزم كذلك بانهم هم الذين غذوا العقول والقلوب باهتمامهم بجوهرى اشواق الذات ، وبتقديمهم لها ما هى فى حاجة اليه من مستساغ الطعوم ، وبتفتحهم لكل الآفاق العريضة حيث مهب
الفكر غريبا كان او شرقيا وقديما كان او عصريا : فكان اخشى ما يخشونه " الانقضاض " فى ضيق الحدود مهما تكن !.
فكان من آثار هذا ان لعب ادبهم دور الادب ودور الفلسفة ، فى عين الحين لما كان يهزهم من الشوق القوى الملح الى ان يكون ادبهم لا " أدب كتب " بل " أدب حياة " على حد تعبير توفيق الحكيم .
أليسوا هم الذين يستحقون ان نسميهم " رعاة الحق ".
ولكن أملى عظيم فى ان يأتى يوم يسترجع فيه الفيلسوف الدور الذى هو دوره فلا يتركه لغيره فيقف آنذاك الفيلسوف والشاعر والآديب جنبا لجنب ويضطلع كل بالوظيفة التى هى وظيفته الخاصة : بينهم ما يجب ان يكون من " الفصل " باعتبار حقيقة الفلسفة وحقيقة الشعر وحقيقة الادب وبينهم ما يجب ان يكون من " الوصل " باعتبارهم جميعا من كتائب " رعاية الحق " ...
وفى ذلك اليوم " يحق " لك ان تقول : اليوم - حقا - اصبح " للفكر العربى " رشده الذى هو " مناط الامل " ! . *

