عرفت صديقى ( حسين ) منذ امد طويل ، فقد درسنا معا فى كلية العلوية بالعاصمة ، وكنت مثله من ابناء الريف الذين ينزحون الى تونس لمواصلة الدراسة الثانوية . تعرفت عليه لاشتهاره بخلة بين الزملاء هى جمال الصوت . رزق الله زميلى صوتا لم اسمع فى حياتى احسن منه وقعا ، ولا اكثر تأثيرا فى النفس حتى ليخيل اليك اذا سمعته انك خرجت عن عالمك وسبحت فى جو آخر ملؤه ما فى النغم المنسكب المنساب من حساسية وعواطف وانفعالات . وكان صديقى لا يتردد البتة اذا سأله احدنا ان يغنى ، بل يجد فى ذلك لذة ، وكثيرا ما سبب ذلك له ولنا عقوبات مدرسية .
احببت صديقى وآنست اليه ، وآنس هو الى كذلك ، وتلازمنا فكنا دائما معا . الى السطر كان صديقى شديد الاعتدال فى لهجته وهيأته واتصاله بالناس . كان على الرغم من انشاده الدائم ، غير مبتذل بين الزملاء بل كانوا يحترمونه ويبجلونه . ولم يكن صديقى شديد الذكاء ، ولكنه كان يتغلب على ذلك بالعمل الدائم والمثابرة على الدرس ، ولهذا كان لا يحبذ الخروج كثيرا ، بل كان يفضل البقاء ببيته الذى كثيرا ما استسنح الفرص لزيارته فيه .
كان البيت يقع بالطابق الرابع فى عمارة ب ( رأس الدرب ) ، والبيت فى مجموعه يحتوى على غرفة صغيرة للنوم احتلها سرير وطاولة تكدست عليها الكتب والكراسات تكديسا ، وعلى مجاز صغير به مطبخ اهمله صديقى لاكله فى المطابخ الشعبية بباب الجديد . وكان المكان الوحيد الذى يمكن ان نجلس فيه هو شرفة صغيرة تطل على الشارع المزدحم الذى تتراصف فيه عربات الباعة ويعلو ضجيجهم طيلة اليوم ثم ينصرفون الى بيوتهم بعد ان يداهمهم الليل وتبح حناجرهم من الزعيق والصراخ يحملون فى جيوبهم دراهم معدودات وبقلوبهم امل فى ربح اووفر فى الغد وبحناجرهم تعب واعياء ، ويهدأ الشارع ، فاجلس الى صديقى نتحادث فى الشرفة ، وقد اففر الشارع الا من القطط الشاردة .
وبدأ صديقى يلاقى بعض المشاكل ، فقد تعلق به عدد كبير من فتيات الجيران بالعمارة شاء القدر ان يسمعن صوته الساحر الجذاب . وتهاطلت عليه قصاصات الورق تحمل حبهن ، وشوقهن ، والمهن ، ودموعهن . وكنا نجد القصاصات تحت الباب وبالمجاز واحيانا ترد بالبريد ، وسرى ذكره بالحى ، وعرفه الناس واقدم بعضهم فدعاه الى الحفلات الخاصة . ولكنه كان
يعرض عن كل ذلك ، ولا يرد على الفتيات ولا يعتنى بهن ، وكنت اشعر احيانا ان فى حديثه عن الجنس اللطيف خشونة ومرارة وكرها فى بعض الاحيان , فهل صدم صديقى سابقا فى حبه يا ترى ؟ ولم اسأله لما اعرفه عنه من تكتم وكراهية الاعتراف ، كان صديقى ، وكنت لا اعرف عنه اكثر من اسمه واسم بلده وعمره ، ومع ذلك فقد كنا متفهمين لقواعد الصداقة فلم يصدم احدنا الآخر الا مرة واحدة . سألته اثناءها الا يهمل موهبته الفنية وان يعتنى بها وينتهج الفن ويعيش له ، فقال ان ذلك مستحيل ولما ساءلته عن الاسباب وأحرجته بالأسئلة غضب وكاد الأمر أن يؤول بنا الى القطيعة . واخيرا تركته وشأنه و آمنت بان لكل تصرف سببا ، ولكن ليس فى الامكان دائما ان نعرفه . وزرته يوما فلم اجده بالبيت ، وجلست ارقب قدومه . وبدأ السأم يضايقنى فامتدت يدى الى الكتب والكراسات تعبث بها ، ووجدت ظرفا ، لقد كان عاديا جدا . وبدافع الفضول فتحته مبتسما ظنا منى انه من احدى المعجبات العاشقات ، وكم كانت دهشتى شديدة عندما سقطت منه حوالة بريدية ذات مبلغ ضخم من المال لا يطمع طالب من امثالنا نحن فى الحصول عليه . وحدقت مليا فى الاسم ، لقد كان اسمه ، وكان طابع الحوالة من العاصمة . وامتدت يدى إلى الرسالة ففتحتها وقرأتها ، لقد كانت غاية فى الاختصار ، كان بها : ( ارسل اليك هذا المبلغ راجية ان تقبله فأكون بذلك قد اديت واحبا حرمت من ادائه اديبا ، لك قبلاتى ) - ليس بالرسالة امضاء وكان خطها غاية فى الرداءة والاعوجاج . وحرت فى الرسالة والحوالة ، من المرسلة يا ترى ؛ امعحبة ثرية اعرض صديقى عن حبها فارادت شراءه بالمال ؟ ام عشيقة يلهو بها ويأموالها فى تكتم وسر ؟ وحرت فى الامر ، وشغلت به , ثم انصرفت ولما نات صديقى ، وصممت ان اخاطبه غدا فى الامر ، واستوضحه فيه ، ولكنى لم اتمكن من ذلك ، كان جد مشغول عندما قابلته ، كان فى حركة دائمة ، لتحضير بعض الاوراق واتمام بعض اجراءات سفره ، ثم سافر الى فرنسا ولم استفد منه شيئا فى الموضوع .
ومر الزمن ، بطيئا ، ساخرا ، وتغير بمروره كل شئ فى الحياة حولى ، فاتممت دراستى ولم اعد ذلك الطالب المشاكل المرح بل صرت رجل المجتمع العامل الناشط ولم يبق لصديقى فى مخيلتى الا صورة جد باهتة اودت بها المشاكل ومحاها مرور الزمان والفراق ، من الغريب جدا اننا لم نتكاتب , لقد حاولت من ناحيتى ان اجعله يراسلنى ولكننى فشلت مرتين فلم اكاتبه بعدها ........... حتى كانت ليلة . . . ليلة لم اكن اتوقع ان يعبث فيها القدر ذلك العبث ولا ان تحدث فيها تلك الحوادث بتتابع مدهش ، كانت ليلة زفافى ، نعم زفافى
انا ، وقد غص المنزل بالمدعوين ، كان يغلى كخلية النحل ، وكانت مسؤوليتى كعروس تتلخص فى الوقار المصطنع الذى يجب ان اتحلى به ، وفى اعطاء بعض التوجيهات التى اراها ضرورية لتحسين شىء ما او القيام به . وقدمت الفرقة الموسيقية ، كانت تتركب من بعض العازفين ومطرب ، ومطربة بلغت شهرتها الاوج ، يحبها الجمهور حبا هستيريا . . . شرعت الجوقة فى العزف ، وسرح الحاضرون فى جو من المرح واللهو ، واخذ الطرب بلبى فنسيت نفسى واندفعت مع الحاضرين ، وغنت المطربة فاجادت واحسنت واخذتنا الى عالم سحرى غاب فيه شعورنا بالواقع ، وحلقنا مع انغام لحنها الى سماء حساسية لا منظورة تخلب اللب وتسحر الافئدة ، ثم انسحبت الى الغرفة تاركة اكف الحاضرين تلتهب بنصفيق متواصل متوقد وكنت اصفق مع لحاضرين عندما همس لى احد الاصدقاء قائلا " هناك شخص يريد ان يراك " وقلت مازحا وهل هناك مانع ؟ دعه يدخل . ثم انصرفت مرة اخرى الى شأنى ولم افق الا على لمس بكتفى ، والتفت ، فاذا بصديقى حسين يقف ورائى ، وجمدت قليلا ، ثم اندفعت اعانقه وارحب به . وجلس قربى ، لقد تغير هو كذلك ، او هذا ما خيل لى ولكن نظرته العميقة ما زالت بها ذلك الشعاع الخافت ، وما زال وجهه كعادته ساكنا ، ليس به اى تعبير . . . وسألته كثيرا عن حياته ، ودراسته فاعلمنى انه تخرج مؤخرا وهو ينوى العمل ببلاده واعتذر لى عن عدم مكاتبتى متعللا بكثرة الشواغل والدراسة . وتذكرت فجأة انه يحسن الغناء فسألته اذا كان لا يرى مانعا من تشنيف اسماعنا بشئ من الحانه فقال " لا ادرى اذا كان ذلك لائقا ، وعلى كل حال لك ذلك ما دام غنائى سيكون فى عرسك انت لا غيرك " . فامرت احد الاصدقاء بالاعلان عن ذلك . وانتصب صديقى امام المكروفون ، وبعد التشاور مع رئيس الجوقة صعد اللحن . . . صعد اللحن ، حزينا ، خافتا ، ثم بدأ يعلو ويشتد ، وكأنه يعبر عن ثورة صاحبنا يعتلج بها فؤاد موجع ، محروم . كان صديقى يغنى بروحه وعواطفه ، كان يغنى لنفسه لا لنا نحن ، كان بهيأته شىء يشعرك بانه ليس هنا ، وبأنه هنا فى آن واحد . شئ يسمو به عنك ويقربه منك ، وكان صوته القوى المعبر يعلو وينخفض باتزان محكم فنرتفع ونهوى معه وكاننا لعبة يلهو بها اللحن وتلعب بها الانغام . واظننى الوحيد الذى انتبهت الى وقوف المطربة بباب الغرفة ، واظننى انتبهت لذلك لهيأتها الغريبة ، كانت تقف منحنية الظهر ، وقد تركزت عيناها على صديقى ، وكان فمها منفتحا قليلا ويدها اليسرى تقبض على رقبتها كأنها تحاول خنق صوت يشرف على الانطلاق . ثم انطلق الصوت ، كان به الم وتحرق . . . وحب . . قالت " حسين !...... " ثم هوت الى الارض ، وقفز الحاضرون وكان اسرعنا اليها حسين ، فأخذ رأسها بين يديه ونظر اليها طويلا ، ثم حملها بين ساعديه واسرعت الى سيارتى لنقلها الى المستشفى ، ولا ادرى كيف
لمعت الفكرة فى رأسى كالبرق فسألته " هل هى صاحبة الحوالة ؟ " فالتفت الى مذعورا وقال : " اية حوالة ؟ " فقلت عفوا ، لقداطلعت صدفة على رسالة وحوالة ارسلتهما اليك مجهولة اثناء دراستك بالعلوية " . فسكت طويلا حتى خلت انه نسى سؤالى واخيرا قال : نعم هى صاحبة الحوالة التى رأيتها ، وحوالات اخرى لم ترها . . ولم ينبس بعدها ببنت شفة ، واتضح عندى بعد ذلك ان حدسى الاول لم يخب ، فصديقى كان على اتصال بها سرا فى السابق وعند ما رجع الى وطنه بعد غيبة ست سنين لم يذهب لرؤيتها ، وصدمت هى عند ما رأته ، وسبب ذلك غشيانها ولكن الامر الوحيد الذى ما زال عندى مشكلا هو انى عرفت فى صديقى عدم ميله الى الفتيات حتى لو كن جميلات وثريات ، فما باله يرضى بمعاشرة فنانة متوسطة الجمال ، تكبره باضعاف عمره اشتهرت بصوتها , وبشئ آخر يخجل اللسان من ذكره ؟ وبقيت اقلب الامر فى رأسى حتى وصلنا المستشفى ، وجاء الطبيب ، وبعد ان فحصها خرج ، وتبعناه ، فقال " الصدمة قوية ، ولا يمكن ان تعيش بعدها ، ان حياتها ساعات معدودات ! . . . "
والتفت الى صديقى ، كان وجهه جامدا ، جامدا كالحجر ، وخرجنا ، واردت ان اهون عليه الامر ، فبدأت فى صب بعض الالفاظ الجوفاء التى يستعملها الناس عادة فى امثال تلك المواقف ، ولكنه سألنى ان اسكت . . . .
وماتت المطربة ، ومر شهر على الحادث ، لم ار خلاله صديقى حتى لقيته يوما صدفة فى مقهى ، وكان يجلس منفردا ، وجلست اليه نتحادث او اتحدث لانه كان يجيب باقتضاب ، ووصل حديثى الى المطربة ، فرأيت وجهه ينقبض فسألته عن سبب اهتمامه بها ، وعلاقته معها ، فقال بكل بساطة فى اللفظ ومرارة فى الصوت " انها . . . . امى!... "
