- 2 - (*) 6 وأهم الحواضر العلمية كما رأينا هي نابل ، ومنزل تميم ، وزغوان ، وسليمان ، وقليبية . أما العلماء الذين مثلوا مصادر المعرفة لتلامذة هذه الولاية فمن أشهرهم الشيخ الغريانى وأبو عبد الله محمد السوسى وأبو الفلاح وصالح الكواش ومحمد حسين الشريف وأحمد بوخريص وابراهيم الرياحى وأبو عبد الله محمد الطاهر وأبو عبد الله محمد المحجوب . وكل هؤلاء الاعلام من دعائم الحركة العلمية فى تونس للقرنين الماضيين مما يدل على أن علماء ولاية الوطن القبلى لذلك العصر كانوا ينهون من مشارب قومية هى عين المشارب التى كانت منهلا لبقية طلبة الولايات المهاجرين للعلم والتحصيل .
وبالاضافة الى ما ذكرنا من علماء هذه الولاية فان علماء أعلام ، هم بحق قد أشعوا من فيضهم العلمي على المستوى الجهوى والقومى ، وكان كل واحد منهم حريا بالوقوف عنده للنظر والبحث فيما ترك من آثار ومن أبرز هؤلاء الأعلام أبو الفداء اسماعيل التميمي من منزل تميم وأبى الحسن على بن عمر المعتوق المالكى مذهبا والأشعرى اعتقادا ، النابلى منشأ وانتماء ، ثم أحمد القليبي من قليبية ومحمد وأحمد وأبو يوسف منصور والثلاثة من منزل بوزلفة ومحمد ماضور السليماني الشاعر النائر .
7 واذا كان جميعهم أو معظمهم قد أدركته حرفة الادب قليلا أو كثيرا فان منهم من غلبت عليه النزعة العلمية والانتاج خاصة فى الفكر الحضارى الديني وفيهم من طعم تلك الثقافة العلمية بثقافة رياضية .
ولعل من أشهر علماء الولاية علما ودراية وتدريسا وتأليفا ، هو أبو الفداء إسماعيل التميمي وأبو الحسن على النابلى . وأولهما كما هو معروف من نسبته من منزل تميم ولادة ومنشأ " وبيته من أشرافها " ولئن جهلنا تاريخ ميلاده فان احسن من ترجم له ترجمة وافية ابن ابى الضياف فى إتحافه إذ عدد اساتذته وأولهم أحمد بن سليمان الصقالبي من أهل بلده وباشارة منه (15) ارتحل الى العاصمة فنزل الحسينية الصغرى " وأشرقت فيه أنوار شيخه الاول ... فى تحصيل العلوم فى أقرب وقت " حتى قيل فيه : " إن علم هذا الشيخ اشبه بالعلم الوهبى " (16) وبعد أن تخرج عن الكواش والغنجاني والشحمى وعمر المحجوب ( 17) تصدر للتدريس بالجامع الاعظم " فانتفع به اعيان (18) " ، كما اشتغل بالتوثيق زمنا " وهو الامام فى تلك الصناعة" وكان الوزير الكاتب حمودة بن عبد العزيز ولوعا بمحاضراته مما جعله يكثر من زيارته ويجلس اليه فى محل توثيقه . ويتميز اسماعيل التميمي زيادة على كل ذلك بأن " له الخط الجميل والعبارات الفائقة ؛ وقد تقلب فى وظائف شرعية مهمة منها انه فى أيام حمودة باشا قدم " للشهادة على بناء داره بالقصبة" مضافا إلى وكيلها الوزير العربى زروق ، ثم قدم لخطة القضاء على عهد هذا الباى 29 صفر 1221 ه وملأ كرسيه كما يقولون ولبث فيها وقتا ثم قدم للافتاء في ربيع الثاني 1231 ه . ولكنه أعيد للخطة التى قبلها فى السنة نفسها بعد أن اصيب فى عينيه القاضى أحمد بوخريص . على أن الحياة لا تعذب دائما فقد امرت لاسماعيل التميمي في أيام محمود باي الذي عزله ونفاه الى ماطر ، ولحق الاضطهاد اتباعه وتلامذته (19) ويبدو أن ذلك لظن الباى فيه بعد قتله لوزيره المصلح يوسف صاحب الطابع صديق اسماعيل التميمي الذي قتل فى 12 صفر
1230-29 جانفى 1815 فتكون التهمة بمفهومها الحاضر هي الخيانة العظمى ، وعزا صاحب الاتحاف هذا الى تخرصات الحسدة والمرجفين بأبي الفداء . على أن نفيه لم يطل اذ بعد أربعة وثلاثين يوما صدر العفو عنه فرجع الى منزله بالعاصمة مقيما مدرسا به وسريعا شاع صيته العلمى ، وفرضت شهرته العلمية على الباى حسين ارجاعه الى خطة الفتيا سنة 1239 ه . ثم قدموه رئيسا للافتاء عوضا عن محمد المحجوب سنة 1243 ه (20) وبرهن فى جميع خططه " على انه من علماء هذه الامة المحمدية ، آية الله فى الحفظ والثبات متبحرا فى العقليات والنقليات ، وكل مجالسه فوائد ، إذا سئل عن شئ انهل ودق علمه بالجواب ودليله حتى يخيل للسامع أنه مستعد للجواب عنه وسبحان من خص من شاء بما (21) شاء " ، وكان فى خططه الشرعية وأحكامه لا يتردد فى أن يجتهد ويعارض فى الاحكام والآراء حتى من كان ملقبا بشيخ الفقه وكبير أهل الشورى أبو عبد الله محمد المحجوب . وهذا دليل على أن باب الاجتهاد لم يغلق فى جامع الزيتونة لتلك العهود بخلاف ما أشيع عن تلك الفترة . ومن صور محاوراته أن كبير أهل الشورى قال لأبى الفداء : " أنا أفتى فى دين الله ستين سنة وأعرف المسألة من حين روايتها عن مالك وكل من تكلم فيها . فقال - أى اسماعيل التميمي - له : لا غرابة في اتصافك بذلك فانك حافظ المذهب ، لكنى أعلم اعتماد كل متكلم فى المسألة على أى دليل ، قال صاحب الاتحاف : " وكان الشيخ محجوب يرجع اليه " (22) .
وهذا الحوار يعطينا صورة للتكوين العلمي لذلك الوقت ، وأى نوعية هؤلاء العلماء التونسيين فاذا كان الواحد منهم يحيط بالمذهب المالكي قديما وحديثا وبكل مسائله وقضاياه على نحو من الشمول والتفصيل فان الثاني قد تجاوز مرحلة الحفظ الى مرحلة الادراك العقلي وذلك فى إحاطته إحاطة كاملة بكل أدلة الاحكام الشرعية من لدن الامام مالك . فأى نوعية اذن هؤلاء العلماء لا شك انهم بحق ملأوا عصرهم . وكان شيخ الاسلام محمد بيرم الثاني الحنفي اذا زاره أبو الفداء ، تفرغ اليه " هاشا حتى ولو كان فى شغل ، ويقول له : لا
تحرمنا من زياراتك وان كنت تأتى الى لتتعبني بالمسائل فأنا أيضا أستفيد من السؤال " (23) . وانتفاع كل من العالمين ببعضهما يدل على التعامل المذهبى بين علماء المالكية والحنفية ورغبة اسماعيل التميمي خاصة فى استجلاء المسائل الفقهية والقضائية بمثل هذا التنظير الذى يقوم به ، طلبا لتوافق الاحكام واجتنابا للتناقض ؛ ويجب أن يحمل ذلك الحوار على الزيادة فى التحرى لدى علماء المذهبين ، لا على التبعية أو التلمذة .
ولقد كان إسماعيل التميمي بحق سمة علمية مهمة فى التفكير القضائى التونسى كما كان سمة علمية بارزة وحرية بالمراقبة من حيث المنهجية والتكوين البيداغوجى . ويظهر ذلك واضحا فى تعامله مع من تتلمذ عليه اذ نراه يتجنب الطريقة التلقينية بمفهوم البيداغوجية الحديثة وينزع الى استجلاء المسائل وتمكين المعرفة بطريقة الحوار التطبيقى المباشر بين الاستاذ والطالب وهى أجدى الطرق فى الدراسات العليا الجامعية . حدث أن تقدم الشيخ البحرى طالبا من اسماعيل التميمي أن يدرسه كتاب الموافقات لأبي اسحاق الشاطبي ولكن الشيخ رفض ذلك وأرشده الى طريقة افضل فى التحصيل ، إذ قال له : " اعرضها وحدك واعرض على ما تتوقف فيه فيكون حديث سمرنا ، ففعل وانتفعنا بذلك " (24) .
وكان اسماعيل التميمي فوق ذلك موسوما بالاطلاع التاريخي وله باع طويل فيه : " إذا تكلم فى دولة ترى كأنه من رجالها " ، وكانت نظرته للتاريخ نظرة خلدونية كما استفدنا ذلك من بعض ملاحظاته فى ثنايا كتاباته (25) ولم يكن عالما مغترا بل كان متواضعا علميا ، منصفا ميالا الى مذاهب المتزهدين وله فى الصالحين اعتقاد ، ولعل ذلك جاءه عن طريق استاذه الاول أحمد بن سليمان الصقالبي الزاهد . وقد كانت وفاته فى أيام الباى حسين 15 جمادى الاولى 1248 ه . وعمره أربعة وثمانون عاما فيكون ميلاده على وجه التقريب 1168 ه ايام الحروب الباشية والحسينية (26) .
8 وآثار اسماعيل التميمي متنوعة منها الرسائل والفتاوى والادب . (1) من ذلك رسالة فى بيان ايضاح ما كتبه المغيلى فى رسالته جوابا عن سؤال صدر عن الشيخ الصالح الفقيه يوسف بن دندى وموضوعه طعام اهل الكتاب ، والرسالة الثانية فى حكم أداء عشر القمح والشعير على الوجه الشرعى وكانت حوايا عن سؤال الباى حسين والرسالتان بالدار الوطنية تحت رقم 9105 كما توجد الرسالة الثانية بالدار نفسها تحت رقم 610 .
(2) ثم رسالة مسايرة فى نوازل الأوقاف وهى بالدار الوطنية تحت رقم 424 (3) رسالة فى مسألة الحبس كتبها اسماعيل التميمي الى المشير حسين باي تحت رقم 2597 وهى بخط المؤلف . (4) تحفة التدبير لأهل التبصير تحت عدد 1397 بالدار الوطنية . (5 ) رسالة فى الخلو بالدار الوطنية تحت رقم 2688 . (6 ) المنح الالهية فى طمس الضلالة الوهابية كتبها سنة 1225 ه . بالدار الوطنية تحت رقم 2780 وبها نسخة أخرى تحت رقم 421 و 424 .
(7 ) مقامة أو قل نواة قصة حديثة تدخل فى الادب الذاتى وهى أحسن ما عثرنا عليه من عينات تكشف عن مرحلة التحول المقام نحو القصة التونسية الحديثة لتتجاوز تلك المقامة لمقومات فن المقامي اصطلاحا وليس بينها وبينه من نسب غير السجع ، والقصة هذه كما قلنا آنفا تدخل فى الادب الذاتي لأن اسماعيل التميمي صور فيها حالة فى أيام عزله ونفيه ، ثم العفو عليه ورجوعه إلى العاصمة ( * ) .
وفى الجانب العلمي نلاحظ أن أنفس ما خلف ، دليلا على مقدرته فى البحث العلمي هي رسالته المسماة : " المنح الالهية فى طمس الضلالة الوهابية " . قال صاحب الاتحاف عنها وعن صاحبها : " ... ولما شاعت هذه الرسالة فى القطر التونسي بعث بها الباى أبو محمد حمودة باشا الى علماء عصره ، وطلب منهم أن يوضحوا للناس الحق فكتب عليها العلامة المحقق نسيج وحده أبو الفداء اسماعيل التميمي كتابا مطولا بديعا يدل على يد طولى وسعة اطلاع سماه : المنح الالهية فى طمس الضلالة الوهابية (27) ه .
والرسالة فى جوهرها بحث علمي منهجى يقوم فى هيكله على مقدمة فيها نشاؤم وقتامة عن عصره ، وضيق من أهله بسبب ما شاع وأشيع فيه من الحروب والفتن الدالة على مصداق ما كان تحدث به الرسول فى صحيح البخارى . أما الموضوع فحديث عن محمد بن عبد الوهاب وعن ثورته مبينا أصولها وجذورها الفكرية (28) .
" ... قد تلقف - أى محمد بن عبد الوهاب - من كلمات ابن تيمية المخالف لما عليه سلف الأمة ، وأعلام الأيمة من من منع زيارة النبى عليه الصلاة والسلام والتوسل به الى الله تعالى فى نيل المرام والاستغاثة به فى المعضلات ، والنجاء اليه فى الملمات فتمكنت تلك الضلالة من هذا الرجل (29 ) الخلو قلبه من كلام غيره فتلقاها بالقبول ، ولم يرده عنها ما بقلبه من بعد عن الفحول ، فشنع على أهل عصره ما هم عليه من مخالفة ذلك ، وارتكابهم ما يؤدى اليها من المسالك من شدهم الرحال الى زيارة الاولياء والتوسل بهم وبالأنبياء والاستغاثة بهم فى الشدائد والتبرك بما لهم من الآثار والمشاهد . ونقم عليهم النذور اليهم وبناء الروضات والقباب عليهم . ولما رأى والله أعلم شناعة ما ذهب اليه واطلاقات النصوص وعموماتها تنادى بالنكير عليه ، حرر تلك المقالة ، وخص الاموات بالحكم الذى اقتضته الجهالة واستثني الاحياء لاعتقاده الفرق بينهم وبين الاموات حسبما دل عليه لفظه فيما هو آت " ثم ينعى على ابن عبد الوهاب اتهام أهل زمانه بالشرك واغتنامه فرصة الجهالة التى يتخبط فيها اهل نجد " فألقى الى كبيرهم سعود هذا المذهب التميمي بما أضاف اليه هذا الوسواس الوهابى ، ورشحه بآيات قرآنية وأحاديث نبوية " حتى اغتر به العام ورغب فيه الجاهل ، وما زال الامر يزداد سوءا بما أصبح يقوم سعود بتنفيذ تعاليمه فى الحجاز وفي الحرمين بالصد عنهما وعن زيارة النبي " ولأهل الحجاز خصوصا باطلاق يد العبث فيهم والعسف بالزامهم خطة الخسف واتباع هذا المذهب وحملهم عليه واغتصاب مال من لم يستجب اليه واستحكمت هاته الخلة الرديئة فى قلوب تلك الأمة الجاهلية ، واستلحموا بها استلحام ذوى اللحمة النسبية ، واشتدت عصبتهم وعظمت فيئتهم فطالبوا غايتها التى هى الملك والسلطان واستحفظوا على البضاعة الوهابية التى هى ملاك ذلك الشق ؛ فأقاموا لها دعاة يدعون الناس اليها ويستظهرون بالادلة
عليها ؛ نوضوا رسائل تتضمن تقرر تلك المسائل وتحصينها بما زعموا انه من الدلائل " ( 30 ) .
وهكذا فبعد أن قدم فكرة عن الدعوة الوهابية والظروف التى أحاطت بصاحبها ، وما بني عليه مذهبه من المذاهب الفكرية الاسلامية ، واطمأن الى أن المتتبع لرسالته أنه قد قدم له صورة عن ذلك المذهب وأطواره تقدم خطوة اخرى فبين الاسباب التى حملته للتصدى الى تلك الدعوة : " فاتفق (31) أن ظفرت يد مولانا " حمودة باشا " بواحدة من تلك الرسائل " الوهابية . فوجه ايده الله تعالى ، بها الينا وأمر نصره الله أن نتكلم مع هؤلاء الناس ، فيما ابدوه من الهذيان والوسواس رجاء أن يهدى الله تعالى بذلك طائفتهم أو يفرق كلمتهم وجماعتهم وعصبيتهم " حرصا منه على حفظ الدين " .
واسماعيل التميمي يكشف فى ثنايا هاته الرسالة عن حيطة العالم وتقدير المفكر ونزاهة الباحث فقد قال فى مبدأ رسالته محترزا : " ولما رأى شناعة (32) ما ذهب اليه ... " ثم يقول عن زعيم الحركة الوهابية ودعوته : "والله أعلم بذلك " ولكنه رغم ذلك يعزم على الخوض فى دعوته معتضدا بأقوال الرسول والصحابة من أنه اذا كثر الكلام عن امام جاز التعرض اليه وبمساغه ، هذا وطأ لنفسه للدخول فى الموضوع . " وحاصل ما اشتملت عليه الرسالة ثلاثة مباحث " ، جاعلا المبحث الاول فى بيان عقيدة الوهابى والثانى أجوبة عن شبهاته واعتراضات ترد عليه ، وهذان المبحثات هما أساس الرسالة أما المبحث الثالث فتكميلى من حيث العمل وأساسى من حيث طبيعة الموضوع وهو الترغيب فى التوحيد والتحذير من الكفر . ثم يتعرض الكاتب بعد ذلك الى هذه العناصر عنصرا عنصرا محللا مبينا مرة ورادا مفندا مرة أخرى وهو فى كل ذلك معتضد بآراء كبار الأيمة والمفكرين من أمثال الامام مالك والغزالى وابن عربى وشهاب الدين القرافى وابن شهاب جاعلا فى كثير من الاحيان من المقارنة سمته فى الكشف عن وجوه الالتقاء المذهبى بين المذهب الخارجى والمذهب الوهابى وكان اسماعيل التميمي يرى فى الحركة الوهابية خارجية حديثة (33) .
أما رسالته : مسايرة فى نوازل الاوقاف : " فقد ذكر المؤلف في مستهلها ممهدا : " فالمقصود من هذه العجالة هو مسايرة رسالة صدرت في نازلة من نوازل الاوقاف ، وحصل فيها بين أعلام محروسة الجزائر النزاع والخلاف حتى ألف فيها هذه الرسالة أشهر نبهائها وأفضل علمائها وأحل أذكيائها وفضلائها الشيخ المحدث الحافظ العلامة أبو العباس سيدى أحمد بن عمار رحمه الله تعالى فذكر فيها ما سنح له انظار اجتهادية ، وأبحاث فقهية تكلم بها مع الآيمة ، أبى عبد الله محمد الخطاب ونجله أبى زكرياء ، وشيخه المحقق الناصر بن عبد الغفار . ولما اطلع الفقير عليها وعلى ما لديها ، وظهر له فيها من الكلام ما ستسمعه ، سايرها بهاته المقالة لتكون كالحاشية لتلك الرسالة ، استنصارا للصواب وتنبيها للغافلين ، وذكرى لأولى الالباب ، واستحفاظا على ما أودعناه فيها من الفوائد الجليلة المقدار المفرقة فى الكتب المصونة من ابتذال الأيدى ووقوع الابصار ، سالكا فيها طريق الانصاف ، منكفا عن الاعتساف ، سائلا من الله التوفيق الى الصواب " .
" النازلة : وقف واقف على نفسه ثم على ولديه فلان وفلان للذكر مثل حظ الانثيين ثم على ذريتهم وذرية ذريتهم " (34 ) وهكذا دواليك ، وحصل خلاف فى الميراث بين فروع الفروع ، فصدرت فتاوى من بعض علماء الجزائر كان رأى سماعيل التميمي خلافها وزيادة عن تميز هذا العالم بالمنهحبة العلمية الواضحة فانه كعادته برهن فى رسالته هذه على قوة عقلية نفاذه وسعة اطلاع فى اختصاصه وجدية ذكية مما يدلنا على أن النهضة العلمية التونسية لهذا العصر وإن استمدت أصولها وطابعها من أصول ذلك العصر ومعطياته التاريخية فان سمة متميزة قد تكون لعلماء الزيتونة دون سائر علماء الأقطار العربيه ولعل من أظهرها هذه المناهج وطرق البحث والاعتماد على العقل فى فحص القضايا والفهم الدقيق والاتجاه النقدى التقييمي . واذا ذكر التلقين والحفظ فلا يكون إلا ضمن متطلبات مستوفية لما ينبغي أن يكون عليه العالم الزيتونى ( 35 ) . ولا شك أن اسماعيل التميمي هو أحد تلك العينات الحرية بالبحث اليوم والوقوف عند آثاره ومواقفه العلمية فى البحث والدراسة وفي آرائه وأحكامه العلمية والقضائية . ( يتبع )

