إن أبرز ما يلاحظه المتصفح لحياة العرب الدينية قبل الاسلام ظاهرة التعدد والاختلاف الشديد الى حد التضارب والتضاد ، ويتمثل ذلك فى انقسام العرب الى عدة مذاهب وديانات . فمنهم من يدين بالوثثنية وهم الاغلب ، ومنهم من بدين بالمجوسية 1 ، ومنهم اليهود والنصارى ، وثمة أخيرا الحنفاء .
ونجد صفة التعدد والتباين خاصة بين الوثنيين ، فقد كان لكل قبيلة صنمها أى إلهها . فكانت اللات بالطائف لثقيف وكان سدنتها منهم . وكانت العزى لفريش وكان من تلك الاصنام ذو الخلصة وكان مروة بيضاء منقوشا عليها كهيئة التاج 2 ، وكانت تبالة ، بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة ، وكان سدنتها بنو أمامة من باهلة بن أعصر ، وكانت تعظمها وتهدى لها خثعم وبجيلة وأزد السراة ومن قاربهم من بطون العرب من هوازن . وكان لبني كنانة بساحل جدة وما قاربها صنم يقال له سعد " و كان صخرة طويلة 3 .
وكان لبني دوس صنم يقال له ذو الكفين ، وكان لبني الحارث بن يشكر بن مبشر من الأزد صنم يقال له ذو الشرى . وكان لقضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان صنم فى مشارق الشام يقال له : الأقيصر ، وكان لمزينة صنم يقال له نهم ، وكان لأزد السراة صنم يقال له عائم ، وكان لعنزة صنم يقال له سببس
سعير ، وكان لخولان صنم يقال له : عميانس ، بأرض خولان ، وكان لبني الحارث بن كعب كعبة بنجران يعظمونها ، وكان لاياد كعبة أخرى بسنداد من ارض بين الكوفة والبصرة ، وكأنهم أرادوا بذلك مضاهاة الكعبه بالبيت الحرام ، ومن ثم ، منافسة قريش .
فقد جاء في كتاب الاصنام لابن الكلبي : " وكان رجل من جهينة يقال له عبد الدار قال لقومه : " هلم ! نبنى بيتا بأرض من بلادهم يقال لها : الحوراء نضاهى به الكعبة ونعظمه حتى نستميل به كثيرا من العرب ، فأعظموا ذلك وأبوا عليه (4) .
وكان لهذيل صنم يقال له سواع ، وكان لمذحج صنم يدعى يغوث ، وكان لهمدان يعوق ، وكان لحمير صنم يقال له نسر ، وكان لقضاعة صنم يدعى ودا وهذه الخمسة الاصنام التى كانت يعبدها قوم نوح ، فذكرها الله عز وجل فى كتابه ، فيما انزل على نبيه عليه السلام قال نوح : رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده الا خسارا ومكروا مكرا كبارا وقالوا : لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (5) .
وكان لطئ صنم يقال له الفلس وكان انفا أحمر فى وسط جبلهم الذي يقال له أجأ ، أسود كأنه تمثال انسان (6) .
وكان العرب يعبدون الى جانب الاصنام والاوثان وهي تماثيل الانصاب ، وهي حجارة بسيطة يتخيرونها فيطوفون حولها ، ويتوجهون اليها بالعبادة كتوجههم الى الاصنام .
يقول صاحب كتاب الاصنام : " واستهترت العرب فى عبادة الاصنام ، فمنهم من اتخذ بيتا ، ومنهم من اتخذ صنما ، ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت نصب حجرا أمام الحرم وأمام غيره ، مما استحسن ، ثم طاف به كطوافه بالبيت . وسموها الانصاب ... الرجل ، إذا سافر فنزل منزلا ، أخذ
أربعة أحجار فنظر الى احسنها فاتخذه ربا ، وجعل ثلاث أثافى لقدره ، واذا ارتحل تركه . فاذا نزل منزلا آخر ، فعل مثل ذلك . ( 7 ) .
وقد كانت صلة القبيلة بالهها - خلافا لما قد يتوهم بعضهم - صلة وثيقة قوية ، ولم تكن قط صلة هشة ضعيفة ، فالقرآن يشهد بخلاف ذلك ، ومقاومة الوثنين - وخاصة منهم قريش - للاسلام تثبت مدى تشبثهم بآلهتهم وتعظيمهم إياها .
وليس أدل على قوة ارتباطهم بآلهتهم من مظاهر التعظيم والعبادة ، من طقوس وشعائر ، التى يتوجهون بها إليها . فمن ذلك ، وهي من ابلغ مظاهر التعظيم وأقواها دلالة ، التسمية نسبة الى الاله ، تأكيدا للعبودية . فقد كانت العرب تسمى عبد مناة ، و زيد مناة ، وكانت تسمي زيد اللات ورتيم اللات ، وسمت عبد العزي و عبد مناف ، و عبد نهم و عبد ود .
ومما يدل على متانة الرابطة بين العرب وآلهتهم وصدق اعتقادهم بها جملة شعائر وطقوس ، منها اقامة السدنة عليها يشرفون على المناسك ، ومنها التعهد بالزيارة لها والتقرب اليها بالهدايا والذبائح ، استسقاء للمطر او استنصارا على العدو .
ومن آيات التعظيم أن بعضهم كان يبنى على الصنم بناء . قال الجاحظ : " وكان لثقيف بيت له سدنة يضاهون بذلك قريشا ( 8 ) .
وكان بعضهم بحمي الارض التى يقع بها الصنم فيجعلها منطقة حراما مضاهاة بها حرم الكعبة ، وهذا ما فعلت قريش بالعزى .
يقول ابن الكلبى : " وكانت قريش قد حمت لها شعبا من وادى حراض يقال له سقام يضاهون به حرم الكعبة " ( 9 ) .
ومن ذلك اتخاذهم المذابح عند الاصنام . جاء فى كتاب الاصنام : " وكان لها ( أى العزي ( منحر ينحرون فيه هداياها يقال له الغبغب . فكانوا بقسمون لحوم هداياهم فيمن حضرها وكان عندها " ) 10 (
ومن مظاهر صدق الاعتقاد بالآلة القول بالاتصال بالغيب ضربا من الاتصال يكون الاله فيه وسيطا ترجمانا صامتا ، ويتجلى ذلك فى التكهن بضرب القداح وهو ما تفعله قريش بين يدى هبل
" وكان فى جوف الكعبة ، قدامه سبعة أقدح ، مكتوب فى أولها : " صريح " والآخر : " ملصق " فاذا شكوا فى مولود ، أهدوا له هدية ، ث ضربوا بالقداح . فان خرج : " صريح " ألحقوه ، وإن خرج : " ملصق " دفعوه . وقدح على الميت ؛ وقدح على النكاح ؛ وثلاثة لم تفسر على ما كانت . فاذا اختصموا فى أمر أو أرادوا سفرا أو عملا ، أتوه فاستقسموا بالقداح عنده فما خرج عملوا به وانتهوا اليه . وعنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابن عبد الله ) والد النبى صلى الله عليه وسلم . . ( ) 11 ( .
وأبلغ من ذلك وأبعد دلالة على قوة اللحمة التى تربط الوثني بآلهته الايمان بامكانية الاتصال بالاله مكالمة
جاء فى كتاب الاصنام : " وكان لحمير أيضا بيت بصنعاء يقال له ريام يعظمونه ويتقربون عنده بالذبائح . وكانوا فيما يذكرون يكلمون منه ) أى يخاطبهم الاله ( " ) 12 ( .
وقال الجاحظ فى هذا المعنى : " وفى بعض الرواية انهم كانوا يسمعون فى الجاهلية من أجواف الاوثان همهمة " ) 13 ( .
الروائم ومن مناسكهم الدالة على مبلغ تعظيمهم لآلتهم الطواف حول الاصنام والانصاب . ولعل دلالة الطواف الرمزية تتمثل فى اعتبار الاله بمثابة محور لوجود ومركز الكون يدور العابد فى فلكه ، تأصيلا للذات وترسيخا لها عالم الغيب ، واستلهما للهدى والنور .
ومن طقوسهم الدالة على صدق التعبد حلق الراس ، وهو من مظاهر الاحرام ، ويرمز الى التجرد والتطهر والتضرع والتذلل أمام الرب . أن يمثل العبد عاريا أمام الاله تعبيرا عن مدى افتقاره اليه ، وقد تخلص من كل بهرج لم يبق الا على الجوهر فيه .
" وحدثنا رجل من قريش . قال : كانت الاوس والخزرج ومن يأخذ باخذهم من عرب أهل يثرب وغيرها ، فكانوا يحجون فيقفون مع الناس المواقف كلها ، ولا يحلقون رؤوسهم . فاذا نفروا أتوه ) أى مناة ( ، فحلقوا رؤوسهم عنده وأقاموا عنده ، ولا يرون لحجهم تماما الا بذلك . . " ) 14 ( .
وقريب منه وهو من أبلغ مظاهر التقديس والاجلال امتناع النساء الحيض من الاقتراب من الاصنام . جاء فى كتاب الاصنام : " ولم تكن الحيض من النساء تدنو من أصنامهم ، ولا تمسح بها ، إنما كانت تقف ناحية منها " ) 15 ( .
ولم تكن الرابطة بين الوثني والاله رابطة دينية روحية محضا ، فقد كان لها بعد اجتماعى " سياسي ونعني بذلك العمل على سلامة كيان القبيلة وصيانة " شخصيتها " بالحفاظ على عاداتها وتقاليدها
يقول برنارد لويس : " و لم يكن دينهم شخصيا بل جماع . فعقيدة القبلة كانت تتركز حول القبيلة . وكانت تحميه أسرة المشيخة التى كانت بذلك تكتسب نوعا من الإمتياز الدينى . وكان الاله والعبادة قوام الشخصية القبلية العقائدى والتعبير الوحيد لمفهوم وحدة القبيلة وتماسكها ، وكان التمسك بعبادة القبيلة دليلا على الولاء السياسي ، أما الارتداد عنها فكان بمثابة الخيانة " ) 16 ( .
ولظاهرة التعدد العقائد عند العرب الوثنين عوامل وأسباب منها نوعية البيئه الطبيعية . فمما لا شك فيه أن المعتقد الديني لجماعة ما يتكيف حسب البيئة الطبيعية ودرجة العمران فيها ، ومن هنا اختلف معتقد الحضر ع - معتقد البدو ، سواء من حيث المظهر أو الجوهر ، نظرا لما توفر فى مواطن الحضر ٣ - ى ٣ - من أسباب المعاش ومن استقرار ، مما ساعد على رسوخ الشعور الدين سى وزكائه وتطور الشعائر الدينية وتعقدها ، واستتبع ذلك ظهور طائفة م ٣٣ س الناس اختصت بشؤون الدين من سدنة وكهان كان لهم حظوة ونفوذ ، حتى ٣٣٦ - بي لقد أصبحت نقط العمران فى الجزيرة مراكز اشعاع روحى تتأثر بها القبائل
الحاورة لها ) والبعيدة عنها ( وتكون فى حالة تبعية دينية بالنسبه اليها . أهم ما يستشهد به فى هذا المضمار مكة لوجود الكعبة فيها ومكانها من بفوس العرب جميعا .
يقول الدكتور على جواد : وفى روع الشعوب السامية القديمة آن الأرباب لها بيوت تستقر فيها هى الواحات ومواضع المياه فى الغالب فى نظر أهل الوبر ، وبعض المواضع الطبيعية عند أهل المدر . " ) 17 ( .
البيئة الطبيعية فى الصميم من عقيدة الوثنيين فى وجه من وجوه عبادتهم وهو عبادة الارواح . وهذا النوع من العبادة ، فى الحقيقة نتيجة لنظرتهم الاسطورية Mythologique إلى الكون وتصورهم الروحى للطبيعة Animisme وهو الاعتقاد بوجود أرواح مؤثرة فى الطبيعة كلها وير لذلك يؤله الوثني كثرا من المظاهر الطبيعية المرئية وغير المرئية منها لاعتقاده بوجود قوى فوق الطبيعة " ) 18 ( .
- ١٣ برو للازواج قدرة على الظهور للانسان بأشكال مختلفة . وقد تحل على رأيهم فى بعض الحيوانات . ومن هنا ظهرت - على ما اظن - عقيدة التشاوم ، التفاؤل والخوف من بعض الحيوانات . . وتحل الارواح أيضا فى بعض الاشحار . ولهذا السبب نظر اليها الانسان نظرة تقديم ، وأعرض عن لحاق الأذى بها ، أو قطعها خوفا من انتقام الروح الحالة بها منه . وهناك روايات تشير الى هذه العقيدة والى شعور هذه الاشجار بما يقال لها أو يطلب منها كشعور الانسان " ) 19 ( .
كما أن للموقع الجغرافي ) ونعني به خاصة عامل الجوار والمتاخمة للبلاد الأجنبية ( اثرا ملموسا فى تحديد شكل المعتقد ، فالقبائل العربية المجاورة للعراق من جهة ، وللشام من جهة اخرى ، أخذت عن سكان هذين القطرين شيئا من معتقداتهم فى جملة ما أخذت من تراث ثقافى
يقول برنارد لويس : " ومسرب آخر من مسارب الحضارة كان عن طريق الدول المتاخمة ) دولتا غسان والحيرة ( وكانتا نصرانيتين . وكان فى
كلتيهما صبغة من الثقافة الآرامية والهيلنية تسرب بعضها الى الداخل . وكانت الحبرة تعتبر دائما فى الروايات العربية جزءا أساسيا من المجتمع العربى وعلى اتصال مباشر باقى أنحاء بلاد العرب . وعلى الرغم من أنها كانت تابعة للفرس فقد استمدت ثقافتها بصفة رئيسية من الغرب ، من حضارة الشام النصران والهلينستية . وكانت فى بادىء الامر وثنية ، ولكنها تحولت الى النصران على مذهب نسطوريوس الذي جلبه الاسرى " ) 20 ( .
وجاء فى فحر الاسلام نصارى نجران - ما يستظهر أو سرى - على مذهب البعاقبة ، وهذا يعلل اتصالهم بالحبشه ) لانهم فانوا يعاقبة أيضا ( أكثر من اتصالهم بالرومان . . " ) 21 ( .
. يقول الدكتور على جواد : " وقد ذكر الاخباريون ان المجوسية دخلت فى نسم ، فتمحس منهم زرارة بن عدس التميمي ، وابنه حاجب بن زرارة ، والاقرع بن حابس ، وأبو الأسود جد وكيع بن حسان . وقد تمجس هؤلاء باتصالهم بالفرس وباحتكاكهم بهم ، غير أننا لا نجد المجوسية متفشيه بين العرب بكثرة . . " ) 22 ( .
ومن عوامل التفرقة والانقسام عند الوثنيين تقديس الاسلاف ؛ ومن شأن هذه النزعة أن تزيد في تنويع أشكال العبادة وتفريعها تبعا لاختلاف جذور المجموعات القبلية الكبرى . جاء فى كتاب تاريخ العرب قبل الاسلام
" ويتبين من تشديد النبي فى تسوية القبور مع الارض . ومن لعن المتخذين على القبور المساجد والسرج ، ومن النهى عن الصلاة الى القبور ، ومن حديث : اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ، ان المشركين كانوا يقدسون قبور اسلافهم ، ويتعبدون لها على طريقة عبادة السلف ، ولهذا حاربها الرسول ، وأمر بتسوية القبور ، كما أمر بطمس التماثيل " ) ( .
وليست ظاهرة الانقسام والتشتت خاصة بالوثنيين دون أهل الكتاب من عرب الجزيرة . فلقد كان بين اليهود والنصارى عداء مستحكم تجلى فى اضطهاد كل من الطائفتين للاخرى والعمل على إبادتها
يقول أحمد أمين : كذلك عمل اليهود على نشر ديانتهم جنوبى الجزيرة حتى تهود كثير من قبائل اليمن . ومن أشهر هؤلاء المتهودين ذو نواس ، وقد اشتهر بتحمسه لليهودية ، واضطهاده لنصارى نجران . ويظن بعض المؤرخين أن حركة ذى نواس هذه كانت حركة وطنية ؛ ذلك ان نصارى نجران كانوا على ولاء مع الحبشة ، وكانت الحبشة تعد حامية النصرانية في نجران وقد اتخذت النصرانية وسيلة للتدخل فى شؤون اليمن ، فأراد ذو نواس وقومه محو هذا النفوذ الحبشى ؛ ولذلك لما قتل ذو نواس نصارى نجران استنجد بقيتهم بالحبشة فأنجدوهم ، وكانت بينهم حروب ، وكان عا الفيل . . " ( 24 )
بل نجد روح التنافس والبغضاء بين النصارى أنفسهم لاننقسامهم الى فرقتين اليعاقبة والنساطرة ، وأصل العداء بينهما يرجع الى الاختلاف في نظرتهم الى المسيح وتصور كل منهم لطبيعته ، فمن قائل بالطبيعة الواحدة ومن قائل بالطبيعتين Monophysite
" والنساطرة ، هم أتباع البطريق " نسطوريوس . وله رأى ومقالة فى طبيعة المسيح . فجعل للمسيح طبيعتين " اقنومين " أقنوم الانسان يسوع وأقنوم الله الكلمة ، وذكر ان بشر ولدت بشرا هو المسيح الذي هو إله من ناحية الاب الاله فقط . . " ) 25 ( ، " ومن هؤلاء النساطرة تعلم أهل الحيرة العرب النسطورية أيضا ، ومن أهل الحيرة انتقلت الى جزيرة العرب " ) 26 ( ، " اليعاقبة . . ويدعون بالمنوفسيين أيضا أى القائلين بالطبيعة الواحدة ، لقولهم : ان للمسيح طبيعة واحدة وأقنوما واحدا فقيل لهم من أجل ذلك : " أصحاب الطبيعة الواحدة . . " ) 27 ( ، " أما اليعاقبة فقد انتشر مذهبهم بين عرب بلاد الشام والبادية ، وقد اصطدم هذا المذهب
بالكنسية الرسمية لامبراطورية الروم . كما عارضوا النساطرة واصطدموا بهم ، وجرت معارك دامية بين الطرفين " ) 28 ( .
يتبين مما ذكرناه من معطيات مقتضبة حول الحياة الدينية عند عرب الجاهلية ان المكل العقائد عندهم كان أشبه بالفسيفساء المتباينة العناصر المتعددة لالوان الى حد التضارب والتنافر ، ومن شأن هذا الوضع أن يساعد على استفحال الفوضى والصراع الذي قد يتعذر معه قيام أى شكل من أشكال الحياة الاجتماعية السوية ، فضلا عن تماسك هذه الحياة واستمرارها
والحقيقة أن من وراء مظاهر التفرقة والشقاق الممزقة لشمل العرب عاملا هاما يمثل جانب الوحدة والقوة والتماسك والانتظام فى حياة العرب الدينية وهو يثابة المعدل لهذه الحياة يخفف من أثر قوى الهدم فيها ، وينفى عنها بعض مما ينتابها من توتر ونشاز وصدام . هذا العامل الذى كان يستقطب العرب جميعا هو تقديس البيت الحرام ، بما فى ذلك من شعائر وطقوس لا يتطرق الاختلاف فيها الى الاصل المجمع عليه ، وما يقترن بذلك أيضا من تعظيم للاشهر الحرم باعتبارها فترة نسك وسلام وتآلف وأخوة وتعاون على المصلح المشتركة
- ١ يقول جواد على : والحج الى مكة . إنما هو أعياد يجتمع الناس فيها بأيهى ما عندهم من حلل . وهم بذلك يتخلون الشزور على أنفسهم انفس آلتهم ، بحسب اعتقادهم . " ) 29 ( ، والأشهر الحرم هي أربعة المحرم ، ورجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة . فهى ثلث السنة اذن . وكان الجاهليون بعظمونها ، ولا يستبيحون القتال فيها ، حتى ان الرجل يلقى فيها قاتل أية وأخبه فلا بهيجه ، استعظاما لحرمة هذه الاشهر التى هى هدنا تستريح فيها القبائل فتنصرف الى الكيل والامتيار والذهاب الى الاسواق وهي آمنة مستقرة لا تخشى اعتداء ولا هجوما مفاجئا . وتصفي فيها حسابها بدفع أثمان الديات بهدوء وبتسوية المشكلات بالمساومة والمفاوضة . . " ) 30 (
وأعظم مظهر للوحدة فى البيت الحرام ، وهو بمثابة الرمز لها الكعبة ، وأخص موضع منها وأحظاه بالتعظيم الحجر الاسود لاجماعهم على تقديسه فهو لذلك فى الصميم من هذه الوحدة وبمكان الجوهر ومركز الاشعاع منها
جاء فى تاريخ العرب قبل الاسلام : " وكانت الجاهلية تتحالف وتحلف عند ) أى عند الحجر ( ، وهذا التقديس الزائد يحملنا على التفكير فى أسبابه وفي الميزة التى ميزت هذا الحجر على الاصنام وهى فى طبيعتها حجارة مثله . لقد ذهبWelha الى أن قدسية البيت عند أهل الجاهلية لم نكن بسبب الاصنام التى فيه بل كانت بسبب الحجر . لقد كان هذا الحجر مقدسسا فى حد ذاته وهو الذي جلب القدسية للبيت ، فصار البيت نفسه مقدسا مقدسا فى حد ذاته . . بحجره هذا الذى هو فيه . . " ) 31 ( .
وثمة مظهر آخر للوحدة فى البيت الحرام ذو أهمية بالغة لاسهامه فى حسم التنافر وتأليف القلوب وجمع الكلمة هو احتواء البيت لمجموع أصنام القبائل وانصابها يحتضنها فى " تعايش سلمى " على أساس من المشروعية الشاملة وفى جو من الاحترام المتبادل
" فالبيت هو " بانثيون " Panheon قريش والقبائل المحيطة بمكة ، ومن يقصدها من الناس للحج ، فيه وحوله وضعت تلك الاعداد الغفيرة من الاصنام التى قدرت بنحو 360 صنما ونصبا ، من بينها أصنام مصنوعة من المعدن ومن الخزف والحجارة والخشب . . " ) 32 (
وجزء إلى وهذه الوضعية الخاصة القائمة على مبدأ المراضاة والتفاهم والحرص على التوفيق والوثام يرجع الفضل فيها لا ريب الى ما اتصفت به قريش من رجاجة معقل ودهاء وخبرة ورفق فى معاملة الناس ، وارضائهم ومجاراتهم بل التنازل لهم بالقدر الذى لا يضر بمصلحتها العليا وتتمثل فى القوة الاقتصادية والزعامة الروحية .
وقد تم لها ، بفضل البيت الحرام وهي القيمة عليه ، وبفضل تجارتها ، وما اختصت به أيضا من مؤهلات " سياسية " من حكمة فى التصرف مع الناس وكتاسة ولياقة فى معاملتهم ، مكانة ممتازة بين العرب جميعا أشبه بالزعا المعنوية .
وجاء فى الاغاني : " كانت العرب تقر لقريش بالتقدم فى كل شئ عليها إلا فى الشعر . . " ) ( 33 ( .
ومن أهم مظاهر الوحدة فى موسم الحج الاسواق ، وكانت فضلا عن نفعها المادى الاجتماعى ملتقي روحيا فكريا كان له أبعد الاثر فى توحيد العرب ثقافيا ، وذلك بفضل تلك اللغة الادبية المشتركة Kine بين شعراء ) وخطباء ( جميع القبائل تتخطى لهجاتهم الاقليمية الخاصة
يقول بروكلمان : " وكان السلام الالهى يخيم على الصحراء فى الاعيه الدينية ) المواسم ( فيكف الناس عن القتال والحرب ؛ والواقع ان الاسواق التى كان العرب يقيمونها فى الجاهلية ارتبطت بالاحتفالات الدينية ، ومن ه كانت مجالا لتبادل النتاج الروحى بالاضافة الى البضائع والعروض المادية والى الاسواق ، وبالتالى الى الدين بصورة غير مباشرة ، يعود معظم الفضل فى توحيد نظرة العرب الجاهليين الى العالم ، وصهر عاداتهم ومفاهيم الشرف عندهم في بوتقة واحدة ومنحهم لغة شعرية مركزة تسمو على جميع اللهجات وتستغرقها " ) 34 ( .
ويقول برنارد لويس فى هذا المعنى : قد كان لقبائل جزيرة العرب منذ القرن السادس لغة شعرية مشتركة متفق على فصاحتها وصيغة شعرية مستستقلتان عن باقى اللهجات وتجمعان القبائل على سنة واحدة وثقافة واحدة
نثقل بالتلقين من جيل إلى جيل . رببلغت هذه اللغة فى القرن السادس أوج اكتمال فصاحتها المأثورة . . " ) ( .
وثمة على المستوى العقائدى الصرف قاسم مشترك بين العرب وهو استشعارهم لقوة عليا تفوق الآلهة جميعا هي الله ) 63 ( ، ولئن كان استشعارها لهذه القوة غامضا يعوزه التركيز والفاعلية ، ولئن كان تصورهم لها بدائيا غير خالص من شوائب الشرك ، فان هذا الشعور الشائع المشترك من عوامل التقارب والتآلف .
جاء فى كتاب الاصنام : " . فكانت نزار تقول اذا ما أهلت
لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك !
- . . يوحدونه بالتلبية ، ويدخلون معه آلتهم ويجعلون ملكها بيده . يقول الله ) عز وجل ( لنبيه ) صلى الله عليه وسلم ( : ) وما يؤمن أكثرهم بالله وهم مشركون ( أى ما يؤحدوننى بمعرفة حتى الا جعلوا مع شريكا من خلقي ( 37 ) .
جي وجاء أيضا : " وكانت قريش تطوف بالكعبة وتقول
ومناة الثالثة الاخرى واللات والعزى فانهن الغرانيق العلي وإن شفاعتهن لترتجى
كانوا يقولون : بنات الله ) عز وجل عن ذلك ( وهن يشفعن اليه . فلما بعث الله رسوله انزل عليه : ) أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى الكم الذكر وله الانثى تلك اذن قسمة ضيزى ان هي الا أسماء سميتموها أنتم و آباؤكم ما انزل الله بها من سلطان ( " ) 38 (
ويقول ابن الكلبى : " وكان لخولان ضم يقال له عميان ، بأرض خولان . بقسمون له من انعاهم وخروتهم قسما بينة وبين الله ) عز وجل ( ، بزعمهم .
فما دخل فى حق الله من حق عميانس ردوه عليه ، وما دخل فى حق الصنم من حق الله الذى سموه له تركوه له . وهم بطن من خولان يقال لهم " الأدوم وفيهم نزل فيما بلغنا : " وجعلوا لله مما ذررأ من الحرث والانعام نصا فقالوا : هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل الى الله وما كان لله فهو يصل الى شركائهم ساء ما يحكمون " ) 39 (
- والتي تشم فكرة التوحيد وقد عملت كل من اليهودية والنصرانية ) 40 ( على نشر فكرة التوحيد ودعمها الا ان جهود أصحابها قد قصرت عن مطاولة صرح الشرك ، لطبيعة كل من الديانتين وما لهما من موقف وأسلوب مواجهة ازاء الوثنية ، فلم تفلحا فى شفاء ما كان يعانيه الجاهليون ، ولا سيما النخبة منهم ، من قلق روحى وفى سد الفراغ الايماني الكبير الذى كانوا يستشعرونه فى درجات متفاوتا من الوعى .
وقد عمد الحنفاء الى علاج هذه الحال ، بحثا عن الحقيقة فى غير طريق اليهود والنصارى ، فسخروا من عبادة الاصنام " وثاروا عليها وعلى المثل الاخلاقيا التى كانت سائدة فى ذلك الزمن " ، فكانت حركتهم ، لذلك ، ارهاص وتمهيدا للدين الجديد
. ٠ ، تاب ومهمة الاسلام وعبقريته وفضله معا لعلها تتمثل فى كونه عالج المشكل الديني علاجا جذريا فقصد الى الصميم وحرص على النفاذ الى العمق من الظاهر الدينية ، وأعني بذلك بلورة فكرة التوحيد وتأكيدها والالحاح عليها ، ونبذ كل ما لا يتفق مع مبدأ الوحدانية المطلقة من أوهام ومعتقدات خرافية والوقوف موقف المجابهة الصارمة والعداء الصريح ازاء الوثنية ، ورفضها رفضا قاطعا لا تنازل فيه ولا معايشة البتة معه ، وتعميق هذا الشعور بالوحدانية وتاصيله بحيث يهتك حجب الحس فيتخطاها الى لا نهائية الفكر والروح . دعامة هذا الكون وجوهره وحقيقته مع ابراز جانب الشمول فى الرسالة ، وهو البعد الانساني فى الاسلام باعتباره ديانة مفتوحة للبشر جميعا على السواء
والوجه الثاني لهذه المهمة ربط الجانبين الخلقي والاجتماعى من الانسان ربط عضويا بالعقيدة والايمان بحيث تصبح الاخلاق والمعاملات من صميم العبادة ،
وقد نظمت دستورا للحياة مقدسا نافذ المفعول على كل مسلم ومسلمة ، وضبطت الحياة الاجتماعية فى مختلف أوجهها ، الخاص منها والعام ، بمقياس الاعتدال والتوسط بين الواقعية الصرف والمثالية المتطرفة ، وهو ما لم توف اليه اليهودية لضيق أفقها وطغيان العنصر العرقي وروح الكسب على اصحابها ، ولا النصرانية لما تنطوى عليه العقيدة فيها من لبس وغموظ ومثالية مفرطة ( 41 )

