الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

الحياة النفسية ودرها في تنشئة الأطفال

Share

الطرق مختلفة والهدف مشترك :

إن العمليات التربوية الممارسة على اطفالنا تختلف من عائلة الى اخرى ومن مجتمع الى غيره من المجتمعات وذلك حسب المعطيات الاولية لتلك البيئة وحسب المفاهيم الخاصة والعامة وحسب الحاجيات الضرورية والمستعجلة لهذا المجتمع او لذاك ..

ومهما اختلفت الوسائل وتعددت فالغاية واحدة والهدف مشترك لان التربية السليمة تستهدف أول ما تستهدف جعل الطفل معتمدا على ذاته ،  واثقا من نفسه ، مسيطرا على قواه الجسدية والعقلية .. منسجما والمحيط الذى يعيش فيه ..

إذن هناك مخططات مسبقة لهذه العمليات التربوية .. التى تهدف فى كلمة وجيزة - الى تكوين شخصية الفرد واعداده للحياة . وجعله ينمو نموا طبيعيا كبقية الاطفال .

ونمو الطفل النمو الطبيعى ، ليس هو بالامر الهين كما يحسب البعض وتربيته التربية الصحيحة تستدعي جوا ملائما وأرضية طيبة لان حاجيات الطفل النفسية تكاد تعادل حاجياته الجسدية .. فالطفل لا يحتاج فقط الى  اشباع احتياجاته الفيزيولوجية فحسب ولكنه محتاج أيضا إلى العطف والى  الاهتمام والى الرعاية الخاصة بل إلى قدر كبير من الحب .. لأننا سوف نلقن  الطفل الى جانب الدروس ، الاخلاق والتصرفات والسلوك .. ويكون تلقينا تلقائيا نابعا من المحيط الى يعايشه الطفل يوميا ..

والبذور الطيبة لا تنمو الا بالارض الطيبة .. كذلك الطفل  .. فنحن لا يمكن لنا تنشئته واعداده لتحمل المسؤوليات الا اذا اشبعناه حبا اذن فالاهتمام

الذي يجب ان نوجهه لاطفالنا سيساعدهم على الاستقلال الذاتى وبالتالى على تكوين شخصيتهم ..  والدعوة الى بناء مجتمع الحب هى فى حقيقتها دعوة لبناء مجتمع سليم .. وما أحوجنا فى عصرنا الحاضر - الى مثل هذا الحب ...  الاحداث تتسارع والاب والام يلهثان دوما وراء لقمة العيش ...  والابناء يعيشون فى شبه عزلة ...

مشكلة العصر ومفهوم التربية السليمة : إن أناسا كثيرين - فى عصرنا هذا - يغفلون الجانب الروحى ويقيسون الاشياء كل الاشياء بمعيار واحد : هو معيار المادة ...  وهنا تبرز أهمية الحديث عن وجوب ايجاد توازن بين مطالب الانسان الجسدية ومطالبه المعنوية خصوصا فى بلدان عربية اسلامية ..  إن الانسان فى بلدان العالم الثالث تتلقه ايديولوجيات متعددة لا تخضع لنواميس اخلاقية متفق عليها وهذه الظاهرة هى نتيجة امتزاج الثقافات الذي نتج عنه تزعزع فى الافكار والنظريات والعقائد .. والمشكل الذي نواجهه  اليوم فى حقل التربية والتعليم هو " التحرى عن فلسفة تعليمية صحيحة  شاملة تقود الشعوب الناهضة الى حياة متكاملة العناصر متزنة واضحة  الاهداف تتسم دوما بحب الخير والعمل لاستثمار حاضر زاهر وبناء مستقبل سعيد " ( 1 ) .

من أجل هذا نرى أن التربية السوية هى التى توفق بين المطالب الجسمية والروحية لان للروح - كما للجسد - مباهجها ومسراتها وقوانينها .. وهذا ما يلتئم والفطرة السليمة .  إن الايديولوجيات المتعددة التى أفرزتها الحضارة الاوروبية تزري بالانسان ، وتتنكر لانسانيته التى لولاها لألحقناه بالحيوان .. فلا " داروين "،  ولا " نيتشه " ، ولا " كارل ماركس " ، ولا " فرويد " ، ولا " كامو" استطاعوا ان يقدموا للانسانية شيئا غير الضياع والدمار .. لأن نظرياتهم  جميعها قد أهملت الجانب الأسمى فى الانسان وهو الجانب الروحى ، فهي لم  تعتن باشباع حاجياته الروحية .. وتلك هي المعضلة ..

الاسلام وحده هو الذي حل هذه المعضلة وحقق ميزان التعادل ..  تنشئة الطفل واعداده للحياة : ولانشاء جو مدرسي طبيعي اجتماعى " بناء للشخصية المحمودة " لا بد من تفاعل عوامل رئيسية ثلاثة : (2)  العامل الاول : الاسرة - العامل الثاني : المدرسة - العامل الثالث : المحيط  .

الأسرة : كلنا يعرف أن للأسرة دورها الفعال فى جعل الطفل ينمو نموا طبيعيا ..  وأركز هنا خصوصا على دور الأم .. هذا الدور الذى يتمثل فى مساعدة الطفل على أن ينمو اجتماعيا وعلى أن يكون علاقات انسانية طبيعية ثم في جعله يتعلم  بسهولة .. فالأم هى المصدر الاساسى الذى يمد الطفل بالغذاء المادى والعاطفى .. معا ..

"فمن خلال هذا الدور الهام والحيوى ، للأم بالنسبة للطفل تمارس العملية التربوية فى تكوين السلوك الاجتماعى والاخلاقي ، للطفل " (3) .

لقد أثبتت المراقبة العلمية والدقيقة لسلوك الاطفال الذين يعيشون فى  مؤسسات الرعاية والمنسلخين عن أوساطهم العائلية لأسباب اخلاقية أو  اقتصاديه او اجتماعية ان هؤلاء الاطفال مهددون دوما بالتعرض الى انفعالات غير قابلة للاصلاح الى جانب تأخر عقلي وانفعالى عند نسبة كبيرة منهم ..أما الذين يمضون أطول مدة فى هذه المؤسسات فيكون معظمهم من المنحرفين رغم  توفر قل المرافق الحياتية لديهم والتى لا يمكن ان تتوفر لغيرهم من اطفال الفقراء المعوزين .. وهنا يتجلى بوضوح دور وجود الأم الى جانب طفلها وضرورة التصاقها به .. "انه لمن حق كل طفل ان تبلغ قوى حياته اكتمال النماء .. ومما لا ريب فيه أن من العوامل التى تساعد الانسان على بلوغر مقامه الاسمى فى الحياة العناية والمحبة المطردتين فى زمن الطفولة " - الطبيبة  ماغريت ريل ( 4 ) .

المحيط أو ما يسمى بالبيئة الثالثة : المحافظة على التوازن الصحيح بين حياة الفرد وحياة الجماعة من العوامل الاولى التى لا بد لكل معهد تربية التركيز عليها ، فتبذل أقصى الهد لتنشئة هذا الصغير .. تنشئة اجتماعية على حد قول ابن خلدون "الانسان اجتماعى  بالطبع " فعلينا ان نسعى بواسطة التربية الى التأثير فى تفكير الطفل وسلوكه طبقا لحاجات المجتمع وقيمه وموازينه .. مع الحرص يجعله يحتفظ بشخصية  مستقلة وبتمكينه من التعبير عن آرائه بصراحة وبكل ثقة ..

" وما تأسيس المدارس وظهور مهنة التعليم كمهنة أساسية فى المجتمع الا نتيجة لهذا التطور الاجتماعى لحياة الانسان " (5) .  ودور المعلم هنا ليس بالهين لأن المادة التى يتعاطاها صاحب هذه المهنة هي الانسان نفسه .. إذن فمهنته تبدو شاقة .. وعسيرة ..

مهمة المدرسة او بالاحرى مهمة " المعلم" :  انها - أى المدرسة - تتولى تربية نشء وخلق أجيال .. إذن حب على المعلم ان يكون عارفا للمادة التى بين يديه ، ملما بخصائصها ، لا يني بحث عن خفاياها  .. "فهذه المادة التى تساهم فى صياغتها وتنشئتها مهنة التعليم هى  الثمن من الحجارة والخشب والذهب .. ومهنة التعليم على قدر ذلك هي أشق وأدق  من جميع المهن الاخرى وهنا -  نتوقف لحظات - لنحيى فى خشوع - ذلك الجندى المجهول - الذي يحارب فى صمت ويبنى فى صمت .. ويذهب فى صمت .. دون أن يقال له " شكرا " . او .. احسنت " .

اعلم انه واجب يقوم به ولكن عبء تنشئة الاجيال الجديدة عبء ثقيل والذي يرزح تحت هذا الثقل طوال أيام حياته لهو فى حاجة الى ان نقول له كلمة  طيبه تشحذ عزيمته وتجدد حيويته ونشاطه .. ان المسؤولية التى يضطلع بها  معلمو المرحله الابتدائية لا تقل أهمية عن تلك التى يضطلع بها معلمو المرحلة الثانوية أو أساتذة الجامعة بل قل انها اكثر وزنا وأشد تعقيدا .. غير ان الجميع لا يهتمون بمتاعب هؤلاء الجنود المجهولين ، ولا بظروفهم المادية والنفسية والاجتماعية التى يمرون بها وربما يعيشون فيها .. باستمرار فهل سيعاد للمعلم اعتباره وهل سنسمعه فى يوم وقبل أن يرحل كلمة شكر أو تقدير

لتلك المجهودات الحبارة التى يبذلها فى صقل الافكار وتهذيب النفوس واعداد النشء الى الحياة. ؟؟ لست ادرى!! فى كلمة وجيزة نقول .. إن التربية إذن هي عملية بناء .. بناء الانسان وبناء الخبرة وبناء المجتمعات وبالتالى بناء الحياة .. ولا يتم هذا البناء فى نظرنا الا يتفاعل قوى عديدة تصل فى النهاية الى تحقيق التوازن والتفاعل بين  مطالب الحسم ومطالب الروح بهذا يصبح بامكان الفرد مجابهة المشاكل والتصدى لها اذ ذاك نصبح قادرين على أن نشيد مجتمع الحب والعدل والسلام ..

الامتحانات : وأنا بصفتى مربية - بودى - لو أتعرض إلى مسألة - تبدو - في نظر أطفالنا كالشبح المخيف . وهي مسألة الامتحانات .  إذا وضعنا في اعتبارنا ان التربية السليمة يجب ان تساير العصر . وان لتطور وحاجياته الاساسية حق لنا ان نقول : إن الطريقة التى نقيم بها اطفالنا لم تساير العصر بعد .. ولم تتطور .. فالحكاية تتجدد فى كل عام .. نفس  الحكاية ونفس الاحداث .. ونفس النتائج .. الامتحانات بصورتها الحالية لا تمكننا من تقيم الطفل التقييم الصحيح .. لان الصدفة والحظ والظروف الطارئة قد تلعب دورا هاما وكبيرا فى نجاح هذا وفشل ذاك .

فاذا كانت هذه الامتحانات تقرر المصائر فلا بأس من التفكير فى تعديلها بحيث يتاح استخدام طرق أفضل كالامتحانات الشهرية واعمال السنة ...  فهذا المحصول السنوى من أعداد التلميذ يجب الا يذهب هباء وان يراعي لدى الحاجة فهذه الامتحانات المستمرة والتي تكون على مدار السنة تجعل تقييمنا لهذا التلميذ أو لذاك تقييما عادلا وصحيحا ومثل هذا التقييم من شأنه ان يقضي على دواعي الخوف والنقمة فى نفس التلميذ ويجعله حريصا طوال السنة على ان يكون من الفائزين وهو لن يصاب بالانهيار لو أنه كان من  الفاشلين ، لأنه يكون قد تهيأ نفسانيا لهذا الفشل وحسب حسابه ...

فرجاؤنا أن يراعي المشرفون على امتحانات الدخول الى السنة الاولى من التعليم الثانوى و التعليم المهنى هذه الاعتبارات وأن يكسون الامتحان حافزا  للتلميذ على التفكير الصحيح المستقل حتى يكون له رأي ويكون له موقف وهذا ما احسبه - الغرض الأسمى من العملية التربوية ..

اشترك في نشرتنا البريدية