- 2 -(*) .. ابتعدنا بالدراجة بدون دوى ، بهدوء وحذر شديد ، وسرنا . . وجعلنا نلتفت الى الحانوت من حين لآخر . . و . . وابتعدنا . . وعرجنا يسرة ، ودخلنا نهج الدوارة كالمرة السابقة . . ثم شعرنا بخوف يتملكنا . . يستولى علينا .. بخوف شديد . . سوف . . سوف نتأخر . . ونتأخر كثيرا . . وسوف يجرى وراءنا عم لعروسى . . ويضربنا . . سوف يفتك منا ملابسنا . . او بدخل الى الحانوت بسرعة ويأخذ عصاه الغليظة الطويلة ويخرج الينا ، ويركض وراءنا كغول فخم ويقبض على الكب الصغير على الجرو ويمسكه من رقبته اقبضوا عليهما الاثنين انهما تأخرا . . تأخرا . . ساعة . . ساعة . . ساعة كاملة . . اقبضوا على الكلبين الحلوفين . . ونجرى ككلبين صغيرين ويجرى وراءنا كغول فخم ويقبض على الكلب الصغير على الجرو ويمسكه من كم رقبته ويمسكه من اذنه صارخا فيه بقوة ، وهو يصيح ويتلوى ويعوى . . عدنا أدراجنا خلنا الوقت فات خلنا الوقت فات ولم تمض دقائق.. ووقفنا امام الحانوت خائفين ، مرتجفين كأوراق الخريف عند هبوب الرياح ونظر الينا ، تم التفت الى الساعة داخل الحانوت فوق الخزانة ثم قال لنا بغضب وخبث : - ضعا الدراجة على الحائط
ثم انقلب بكرسيه الى الوراء حتى اتكأ بظهره على الجدار ، وحتى صار الكرسى على ساقيه الخلفيتين ، وتمطط ، ومد يديه ورجليه ، وكشر ، ثم أرسل صرخة طويلة قزقز لها الكرسى ، وطقطق ، وارتفعت طقطقاته حتى كادت تنقلب عواء . ..عدنا إلى الدار حزينين كئيبين صامتين.
مضت ايام كانها شهور . لم يحدثني أخى الكبير خلالها عن الدراجة الصفراء ولم احدثه عنها ، ومضت أسابيع كأنها اعوام . . ثم ٠٠ ثم مدت لنا أمنا يوما عشرة فرنكات وقالت لنا بعطف ، ولطف ، ومحبة :
- أخرجا هذه العشية ، وتجولا قليلا فى باب الخضراء ، وخارج باب الخضراء . ففرحنا ، وقبلنا خدها ثم قالت لنا : - اشتريا كعكا وتابعت واضعة سبابها اليمنى تحت عنها جاذبة حفنها محذرة ولا تكتريا دراجة ؟ فقلنا لها :
- نعم ، نعم ، سنشترى كعكا كالعادة ، كالمرة السابقة ، وهمس لنا شيطاننا فى آذاننا ملوحا لنا بالدراجة الصفراء أمام أعيننا الدراجة ، الدراجة الصفراء رنانة تعدو ، تحف حفيفا ، عودا عودا اليها من جديد ، سوف تركبانها ، سوف تسيران ، وتجريان وتمضيان بها بعيدا ، وبعيدا جدا ، تنطلقان كشيطانين صغيرين مذنبين غير بريئين ولا تذهبان الى النار رغم عبثكما . . ولا تذهبان الى جهنم بل الى الجنة . وغمز بعينه الوحيدة وابتسم وابتسمنا وقلنا لامنا نخرج اذن نتجول قليلا هذه العشية وقد اقتربت الرابعة ومبروك يخرج الكعك من الكوشة فى الرابعة تماما .
. . غلقنا الباب وخرجنا . . قال لى اخى ونحن مازلنا فى الزنقة نسير ، قال لى مبتسما : - نشترى كعكا من عند مبروك أحسن ؟ فقلت له بفرح وسرور : - نعم ، نعم ، نشترى كعكا من عند مبروك أحسن !
وتحلب ريقىء وتصورت كعكتين ناضجتين فى لون الذهب مدورتين لكل واحد منا كعكه . وخرجنا من الزنقة وعرجنا يمنة وسرنا فى نهج حمام الرميمى ومررنا امام زنقة البنزرتى وامام الحمام واقتربنا من الكوشة وشاهدت بطرف عينى أخى يبتسم . . ثم قال لى :
- لكن الاحسن نكترى الدراجة الصفراء مدة نصف ساعة بعشرة فرنكات ، هذه المرة ، فنتعلم ركوبها اكثر ؟ خاب أملى وطارت الكعكات من امام عينى ، وصمت . . بقيت صامتا خطوات ثم قلت له بشجاعة مودعا الكعكات :
- نعم الاحسن نكترى الصفراء كما قلت مدة نصف ساعة ، فنتعلم ركوبها أكثر صحيح صحيح !! وجعلنا نقترب من الكوشة . . ونفذت رائحة الكعك الى انفى ونحن نسير { وتحلب لها فمى .. وازدادت الرائحة وقويت وامتلأت بها خياشيمى ، واستولت على.
وامام الكوشة حرنت شاهدت أطباق الكعك ، الطبق فوق الآخر ، معرمة سوداء فوارة . ومبروك منهمك فى اخراجها من الكوشة وتعريمها فوق الطاولة الكبيرة الممتدة بجانبه . ووقفت على اطراف اصابعى ، ومددت نظرى فشاهدت فى الاطباق كعكا اصفر داكنا ناضجا ، وطغت على رائحته واستبدت بى ولم اطق صبرا ، والتفت الى اخى وقلت له قولا جازما لا يقبل الرفض : - الاحسن نشترى كعكا بدورو ونركب الدراجة بدورو.
ومددت الى مبروك خمسة فرنكات بدون ان انتظر جوابا ومد لنا كعكة فتناولتها وقصمتها نصفين مددت لاخى نصفا وجعلت اقضم النصف الآخر وتابعنا سيرنا ، وأنا أقضم بشهية والوك كعكا طيب الرائحة ، سخنا ، حلوا ، لذيذا يذوب فى الفم . . وعرجنا يسرة . . سرنا فى نهج سوقى بلخير . . وشاهدنا على بعد الحانوت واقتربنا . . وتذكرنا . . سوف نشاهد عم لعروسى غاضبا سوف نشاهده حانقا يصيح ويصرخ . . ويجرى وراء طفل . . سوف نشاهده يعدو ، ويزمجر بدون رحمة ولا شفقة ، يعدو والارض ترتج تحت قدميه ووصلنا الى الحانوت فوجدناه امام بابها واقفا ينظر الى آخر النهج .. وقلنا انه ينتظر طفلا تأخر وسوف تنقلب الدنيا . . ولم ينتبه الى قدومنا ولم يشعر بنا كالعادة ونحن نقف بالقرب منه بل بقى ينظر بعيدا . . وبعد دقائق أقبل طفل صغير يحمل قفة كبيرة يسير ببطء وعناء وعندما وصل الى الحانوت صرخ فيه بغضب :
- قل لى علاش تاخرت حتى التوة ؟ ! - توة امى حضرت الفطور يمر رجل يلتفت الى عم لعروسى ويقول له باشا مبتسما - عيشو لعروسى ينشرح له بسرعة ويجيبه قائلا
- عيشو صدوقه - وينظر الرجل الى الطفل ثم يتابع - انست به - الله ينسك ثم يعود عم العروسى الى غضبه بسرعة ويقول للطفل حانقا : - حط القفة على الكرسى فى الحانوت فيسع تحرك. - قالت لك امى كان رايت عبد الله قل له يجيب لنا بيدونين ماء على خاطر ما عادش عندنا ماء .
- مليح كيف يتعدى نقول له قل لامك . - قال امى اعطينى المصروف باش نخرج نقضى العشية من الحلفاوين يدخل يده الى جيبه بقلق وتذمر ، متنهدا ، متقلص الملامح ، ويخرج كمشة هائلة من " الدوارة " تخلب انظار الاطفال يأخذ منها كمية يعدها ثم يمدها بأسف ، وغيظ الى الطفل قائلا صابا عليه غضبه كله زاجرا : - خذ اعطيها وروح فيسع من حينك طول للدار.
وكانه تذكر شيئا هاما فيستغل فرصة ارسال المال الى زوجته فيهدأ نوعا ما ويتغير صوته ويردف : وقل لأمك رانى مروح موخرا الليلة . . ودغرى للدار سمعت كان تلعب فى الشارع وتضيع الفلوس نوريك . - مليح يعود الطفل على اعقابه بخفة ويسرع الخطى ..
يدخل الى الحانوت ، وينظر الى الشقالة الموضوعة فوق الكرسى قبالة الباب ، ويحوم حولها ويتشمها ، ثم يرفع الغطاء ، ويجعل يقلب ما أرسلته اليه زوجته الشقالة مملؤة مقرونة " سباقيتى " مزدانة بقطع لحم وقرون فلفل ، وأبراج بطاطة ، وفوق الكل كمية هائلة من الجبن المرحى أبيض ناصع البياض . يجذ الكرسى الموجود قدام الخزانة ويجلس أمام الشقالة ، وسط الحانوت . يتناول شوكة ، وضعها له ابنه بجانب الشقالة وينحى بها الفلفل والبطاطة وقطع اللحم جانبا . ثم يغرزها مكومة مقرونة وينحنى ويكاد راسه يلمس الشقالة ويفتح ويدخل الكومة كلها فيه .
ويشرع يحرك شدقيه بسرعة ، ثم يغرز الشوكة ثانية ، ويرفعها وأسلاك المقرونة تتدلى حمراء تحاول السقوط فيسرع ويفتح فمه على سعته ، ويتحيل كي يتلقى الفرقيطة بكل ما فيها ، ويجذب بسرعة بقية أسلاك المقرونة المتدلية ، ثم يبقى برهة يمضغ بشهية كبيرة ويغرز الشوكة ثالثة ، ورابعة ، ثم يتناول قطع اللحم بين السبابة والابهام ، ويقصمها نصفين ، ويرسل نصفا بعجله الى فمه ، ثم يزكيها بقرن فلفل يقضمه ولا يبقى منه الا قليلا ، فيزداد فمه امتلاء ، وشدقاه تحركا ، وعيناه بروزا ، ووجهه احمرارا ، ويبقى زمنا يحرك شدقيه وخديه وعينيه وانفه ويتصبب جبينه عرقا من لهيب الفلفل الحار ثم يغرس الشوكة من جديد ويرفعها معمة مكومة ويهب اليها ويتلقاها بسرعة ولهفة . . ثم يجعل يلقى فى فمه قطع اللحم القطعة بعد القطعة وبروج البطاطة البرج بعد الآخر ، ويلتفت بصعوبة ، وينطق بعسر فالكلمات تخرج من فمه منقبضة مفتتة مقطعة انصافا وارباعا ويزداد وجهه احمرارا ، ورقبته احمرارا ، ويتلقى سوالا فيكاد يختنق ، ويتمهل برهة حتى يرجع النفس ثم يجيب ويتلقى سؤالا آخر فيكاد يغص ولا يستطيع الرد ، ويبقى يتممل ، ويهتز ، وفمه مملوء . ثم يحرك شدقيه بسرعة ، ويزدرد بسرعة وصعوبة رافعا رأسه ، مطيلا رقبته ، ثم يتنفس الصعداء ، ويجيب بما يختلج في صدره يجيب بجملة طويلة مفيدة مشفية تنطلق بسرعة فيرتاح لها ويهنا ويسكن . ثم يعود ويجل الشوكة فى الشقالة يمر رجل يلقى نظرة سريعة الى ناحية الحانوت ثم يصرخ بأعلى صوته:
- صحة عروسى صحة . فيشير اليه بسرعة مناديا ، وينتفض فوق كرسيه وفمه مملوء مكتظ ثم نخرج كلمات بعسر وتنطلق كالحب : - هيا هيا حطاب ايجه ويجيب الرجل بدون ان يلتفت متابعا سيره : - لا صحه ليك - والله لما تجى - لا صحه عروسى
ويبتعد ويجعل عم لعروسى يمشمش بعض العظام بنهم ، ويقضقض ، ويدق العظم على حافة الكرسى حتى يخرج النخاع فيلقيه فى فمه بسرعة وشهية تم يمتص العظم زمنا حتى يأتى على آخر ما فى داخله .. ويبقى من الشقالة
ثلثها والمقرونة اكواما اكوما ، وأبراج البطاطة هنا وهناك وبقايا اللحم مبعثرة مختلطة بالمقرونة وقرون الفلفل المكدومة على حافة الشقالة والجبن المرحى صار أحمر واختلط بالمقرونة واختفى ، وعم لعروسى منكب على الشقالة يصارعها صراعا شديدا لا هوادة فيه . انه كاد يموت جوعا بقى حتى الرابعة ولم ياكل شيئا . وجعلت امعاؤه تتحرك وتؤلمه ألما شديدا .. جعل يجيل الشوكة فى الشقالة ، وفمه ينفتح ، يمتلئ ، ينغلق ، يطحن ، يرحى ، يزدرد ، وعيناه جاحظتان ، متقدتان ، مشتعلتان ، تتحركان بدون انطاع ويجيل الفرشيطة للم البقية الباقية ، وجعلت الكومات تصغر وتخف ، وجعلت خيوط المقرونة تتبعثر وتشتبك وتنزلق عن اسنان الفرقيطة ، وتعود وسط الشقالة .. واخيرا يلقى بالفرشيطة في الشقالة فتحدث رنينا .
يقف على ساقية بصعوبة ، ويخطو خطوات نحو الباب ، ويتوقف أمام الحانوت وفمه لا يزال يمرك ، ويطحن ، ويغم ، ويهمهم ، ممرا من حين لآخر لسانه على شفتيه ، محركا شدقيه يمنة ويسرة . . ثم يعود ادراجه ، ويدخل الى الحانوت ويتناول كأسا من فوق الخزانة وبجانب الساعة ويخرج . يجعل بتنقل ببطء وثقل وقد صار لونه أحمر كلون المقرونة وجعل يتنقل بصعوبة أمام الحانوت وعلى جانبيه زيوت مراقة ، وخرق ملوثة سوداء ، وعجلات مطروحة على الارض أو مستندة الى الحائط ، واطارات مختلفة الانواع والالوان ملقاة هنا وهناك ، ودواليب مسننة مبعثرة ، قديمة ، صدئة ، ومكلب ومطارق معرمة فى صندوق أسود من كثرة الاوساخ والزيوت ومفاتيح فى صندوق خاص من حديد ومفاتيح اخرى مطروحة على الارض ، ودواسات مفككة ونواقييس بدون أغطية مبعثرة ، وسلاسل كاملة واخرى مقطوعة واسلاك معوجة وكوابل ، ونفاخات ، ومشاعب ، وأطر ، وسروج معوجة مقطعة يتخطى كلها ، ويقف وسط النهج ويخرج خمسة فرنكات من جيبه ، ويمدها الى طفل من بين الاطفال ، ويمد معها الكأس ويقول له :
- اذهب الى قهوة الطاهر وجيب لى قهوة حلوة قل له يحط فيها ثلاثة مغارف سكر . ينطلق الطفل . (يتبع)
