تتداخل فى الذهن الكليل أحيانا صوات متنافرة وجاذبيات مختلفة ويضيق الصدر بذلك ولا ينطلق اللسان الا وفى عبارته الخلط ، وفى مقولته الاخذ والرد ، واذا بالحصيلة أدب تبتغى ، فتصطنع ، رقته ، وبحث تراد دقته ، ووعظ تسلك اليه سبل الاقناع والتأنير ، وثورة سيماها غالبا السورة والصول ولا بعد عن التطرف ... فى ذلك وقعت . وحسبى اعتذار أنى صادق صريح
لو تجرأ أحد فزعم أن عمامة الامام ، مثلا ، وعصاه ، وسجعه المتكلف فى خطبة الجمعة ضرب من الفلكلور لا تتوقف عليه صحة الجمعة ولا بلاغة الوعظ ولا نفاذ الحكمة والارشاد ... لعد من المارقين ، وربما نبذ بمأوى للمجاذيب دون فحص ، أو للمجرمين دون محاكمة !
ماذا ترى يكون مصير هذا الدعى لو شيط فزعم ، مثلا ، أن أفضل الأيمة وأكثرهم نفعا للناس ، وأسخاهم خدمة لدين الله ودنيا عباده : من جعل جمعته ندوة ( أى ناديا ، مجلسا ، مشاورة ... ) سمعبصرية يتداول فيها كلام قليل مع عروض منوعة : بصرية ملونة ، ثابتة ومتحركة ، وسمعية : نثرية ، قرآنية ، وسنية ، وعادية ، بليغة نافذة ، لألحن فيها ، ولكنها ، مع ذلك ، من الستيريو والفيديو والسحر الحلال !...
لا شك أنهم لن يتربصوا به . سيمكرون به ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه ... بعد ذلة التهم وفضيحة المحاكمة !
ورضى الله تعالى عن هذا الدعي ، إن وجد . واللهم عجل لنا به ولا تتوفنا حتى نعايشه إن لم يهل بعد زمانه !
معذرة ! إن وفقت الى خضخضتك ، وحك دبرتى ودبرتك ، وأثرت هكذا انتباهك ، فانى مع ذلك لم ازد على مزج حال بمآل ، وضم واقع الى خيال ، ثم نظرت ، فاصطفيت من ذلك عينة لبعض مظاهر الازمة التى نتخبط فيها : أزمة الفجوة بين أحكام الشريعة ومعطيات التطور .
بعض الاحكام الشرعية والسلوك العقائدى والعبادات تبدو محنطة ، مصرورة فى إهاب قد اهترى ، فلم يعد ماسكا لمحتواه !
وحضارة قد سيطرت على الجاذبية ، وطارت ، وسخرت من السماء أبراجا ، فلم يعد للكلم ( والطيب منه بالخصوص ) أى رواج ، ولا للسليقة والفطرة والموعظة اللفظية من قيمة سوى قيمة التحف الاثرية النادرة .
هكذا ، رضينا أم سخطنا ، معايير القيم تنهار ، ولا يبقى لها من قدر . وتعوضها مستحدثات غريبة ، قد يلفظها الطبع السليم فى الاول ، ثم يقاطعها ثم يهادنها ، ثم يصالحها ... ثم لا يستغنى عنها !
إلا رجال الدين : يكفرون بالبدع ويكفرون مروجيها ، ولا يبرحون ثابتين ، معرضين ، مستعيذين ، مستنكرين ، مغمضين أعينهم ، يضعون أصابعهم فى آذانهم ، متزملين ، متدثرين : (( لا ! لا ! لا ! معيز ولو طاروا ! )) .
وبارك الله فيهم ! ولا زال التفاؤل ممكنا مادام صفاء العقيدة رائدهم ، التمسك بجوهر الشريعة ديدنهم ! بارك الله فيهم ، ولو تدهور موقفهم من المناهضة الفعلية للانحراف الى مجرد الاستنكار بالقلب !
بل وقد نضطر الى القول أحيانا : الحمد لله على قصور القاصرين ! وله الفضل أن جعل بعض من يدعون مناصرة الدين قاعدين ، إن ناهضوا لحظة فعلى أضعف الايمان هم ثابتون .
ذلك أن بعض الذين تقلدوا أمانة التعريف بدين الله والارشاد الى مسالك الفلاح : بشر قد يغربهم حبهم لله وحرصهم على صيانة شريعته بالتشديد والتضييق ورفض المسموح به ، والمكث على الجهد والعسير . فاذا هم ينفرون ، وقد أوصوا بالتيسير والترغيب .
ولو كان المسلمون واعين لمسؤولياتهم لتفقه كل منهم فى الدين تفقها لا داعى فيه لتعمق أو تخصص ، ولكن فيه الحصانة ، وفيه التشبع بجوهر القيم ، وفيه استغناء العامل النشيط عن فتاوى القاعد العالم بشؤون الاولين الجاهل لشؤون الحياة والمعاصرين .
ويبقى الى جانب ذلك دور للمتخصصين المتبحرين . إلى تطويع شؤون الدين لمقتضيات الواقع أدعو ؟
- حاشا لله ! قلت وأكدت وألححت وأطلب الله أن يثبتنى عليها الى آخر رمق : (( ليست معطيات الاسلام مادة طيعة بين أيدى بشر يصوغونها حسب الاهواء أو حسب الموضة أو حسب مقتضيات حتمية فرضها التطور )) .
العكس هو الصحيح : إذا قبلت هذا الدين لزمك الثبات على أنه وحده دين الله ، وأنه هو الذى رضيه لعباده ، وأنه تام ، لا يتطرق اليه خلل ولا باطل ، ولا يفتقر الى تعديل أو تكميل ...
فالبشر ، وجميع الكائنات ، والحياة ، وجميع شؤونها ، وما سبق ، وما حدث ، وما هو آت ، كل ذلك ينبغى أن يخضع لحكمة الله ، ويتفق مع دين الله ، يتبعه ، ويستنير به ، ولا يزيغ عن سبله .
وكأن فى حديثى هذا اضطرابا وفى فكرتى خللا : أكفر بالتحجر وأحذر منه ، ثم أتشبت بمعطيات لا أتزحزح عنها ! وبعض الايمان - كبعض الكفر - نهاية فى التحجر والرجعية !
نعم ! هو ذاك . وهو جوهر مشكلنا وعين ازمة التنافر بين الدين كما هو متداول وبين الحياة كما هى جارية . فلنتريث عسى أن نتفاهم !
قلت : (( الدين كما هو متداول والحياة كما هى جارية ... )) وقلت : (( بعض الاحكام الشرعية ... تبدو محنطة ... وحضارة قد طارت ... )) ، وقلت : (( استغناء العامل النشيط عن فتاوى القاعد العالم بشؤون الاولين ... )) .
قد فهمت اذن ان المتورط فى هذه الازمة ليس الدين (( بـ ( أل ) للعلمية والتخصيص )) ، ليس الاسلام ، ليس دين الله الذى جاء مخرجا من الظلمات
الى النور ، قائدا من التخلف الى العزة والامامة ! المتورط فى الازمة والمناهض لانطلاق الواقع والمعطل لتطور الحياة هو عقيدة منحرفة رائجة . وأحكام خاطئة ملفقة محنطة . وقد يكون بعض ذلك من الاسلام ، من ظاهره ؛ وكثير قد لا يكون . فليس ذلك كله هو كل الاسلام ! وأوضح دليل على ذلك : هذا التضارب الصارخ بين واقع يجاهد البشر لتحسينه والنهوض به ، وكثيرا ما ينتصرون ، وبين نظرة عقائدية تفرجية ، لوامة تذم انتصار الانسان على المادة وتنسب الكفر الى من ألقى السمع وأعمل الفحص وكان من أولى الالباب !
إذا اتفقنا على أن الاسلام رائد النهوض والدافع الى التقدم ، وانه انما جاء هدى للناس والسبيل لاسعادهم ، فلا يخلو الحال : إما أن يكون واقعنا متسما بالتخلف والكفر والتأخر واللاحضارة ... فهو يتصارع مع الدين كما تصارعت الجاهلية مع الاسلام ؛ وإما أن يكون واقعنا واعيا لظروفه ، معالجا لنقائصه ، محققا لانتصارات واضحة على الجهل والمرض والفقر وشتى أنواع التخلف والحيوانية ، فهو يتصارع مع ترهات - الاسلام منها برئ - وبقايا معتقدات جاهلية رعناء ، فلا فلاح الا بالقضاء عليها واحلال الدين الصحيح مكانها !
ذلك هو ملخص القضية إن رمنا استعمال شئ من الحكمة التى فطر الناس عليها والمنطق حصيلة الكسب والدربة .
والقضية أوسع مدى من أن يذكر لها نطاق . هى قضية الدين فى عمومه ، عقيدة وشريعة ، ازاء الحياة فى شمولها : واقعا ومستقبلا وحضارة وعمارة للارض والكون كله إن تعلقت بتعميره الهمم .
وان كان لا بد من أمثلة توضيحية ذلك مثال أول فيما استهللت به هذا المقال ، وفيما أثاره ذلك فى نفسك من رد فعل تلقائى ، لا أتوقع أن يكون أدنى من الاستغراب ! فى حين أنك ، إذا سيطرت على أحكامك المسبقة واعتمدت ما تيسر من العقل ، دون تفريط فى شئ من مقومات العقيدة الصحيحة ، إذا فعلت ذلك ما رأيت كفرا ولا تشويها لمظاهر الدين الاسلامى اذا عوض كثير من كلام الامام يوم الجمعة بما هو أبلغ ، وأشد تأثيرا فى القلوب ، وأقوى على تجنيد الطاقات للمبادرة الى الخيرات .
ولك مثال ثان فى المواقيت : تمييز الفجر الصادق وعدم الاغترار بذيل السرحان ، والاسفار والشروق ، والزوال وطول الظل ، والغروب ومغيب الشفق الاحمر أو الاصفر وطلوع الهلال ، واستدارة القمر ...
كان لى فى ذلك موقف مذبذب بين اعتماد المعاينة البصرية ،، وبين الثقة فى المعطيات العلمية . وأخيرا ثبت الموقف الاول ، وزعمت أن التشبت بالمشاهدة بالوسائل التقليدية أمر تعبدى لا سبيل الى التفريط فيه ... ودعنى أحاسب نفسى ( نفسى فقط ) ولا تأخذك فيها حمية ، حمية اسلام أو جاهلية .
ما أكثر ما تقعين ، يا نفس ، فى السخافات ! أى تعب فى التشبث بالجهالة ، وتقلب الوجه فى السماء ببصر حسير ، بينما سخرنا بتوفيق من الله آلات وقواعد نفحص بها السماء ومحتوى كواكبها ونضبط موقعنا وموقع كل كوكب منا بدقة عجيبة ؟
التعبد الحق ، يا سخيفة ، عدو التزمت ، بل هو الاخذ السريع مما تتيحه المعرفة الصحيحة من أسباب النهضة والكرامة . وهو الاستزادة من الفتح والاختراع ، لان الجهالة هى أشد الكفر ، وسد المسامع وتعطيل العقل مهلكة فى الدنيا ، ثم جحيم فى الآخرة ، يوم يعترف المتزمتون بذنبهم فيقولون : (( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير )) . (( فاعترفوا بذنبهم . فسحقا لاصحاب السعير ! )) .
وأى سمع ، وأى عقل لرافض فتوحات العلم ، المتشبث باهداب الغفلة ومظاهر التخلف المزرى ؟
ولك مثال ثالث فى نفوسنا ، فى أحكامنا المسبقة ، فيما يخلطه بعضنا بالدين ، أو هو متجذر فى معتقداتنا كأنه من الدين ، والدين والقومية والرجاحة منه براء :
كل أجنبى ، فيما بين شعورنا واللاشعور ، أى كل من ليس مسلما ( أو على الاقل عربيا ) نعتبره كافرا ! وهو أجنبى ، ولو كانت له جنسيتنا . وكل كافر ، عندنا ، عدو بالفعل ، لا بالقوة ... ثم يزداد الخلط فخيل الى كثير منا أن كل كافر ( بالمعنى المشار اليه ) صهيونى واباحى وفاسق وفاسد وسمج وخنزير فى مظهره ومأكله ، يبول واقفا ، ولا يستبرئ ، ويأكل الضفادع والجبن المدود المنتن ؛ السفاح ديدنه والعربدة والموسيقى المنكرة والشعر الطويل الوسخ المقمل ... كل ذلك لهم ، وحدهم ( كأن للقرون الوسطى ) لم تغادرهم ) ؛ والرقة والفن والعلوم والاكتشافات لنا وحدنا ( كاننا لم نغادر عصر هارون الرشيد ! )
الجبر نحن وضعناه ، وأمريكا نحن اكتشافاها ، والذرة فى القرآن ، وكذلك النفاث ... وكلهم أخذوا عنا وسرقوا منا ...
وهب ذلك صوابا ولا صواب سواه ! الا انهم اليوم أخرجوا من الذرة الجبروت ونعيم الطاقات النووية ، ونحن لم نتحرك قيد ذرة ، وأنهم سموا وحلقوا بالمحرك النفات والطائرات النفاثة ، ولا نزال نحن مع النفاثات فى العقد !
تهددنا هستيريا الجائعين ، ويلهو بعقولنا سراب العطاشى التائهين . نرى نمو المتحزمين بالجد وتبهرنا حضارة المتقدمين ونحاول رؤية المعالى التى أبلغهم إياها تقدمهم فنقول خلطا وخبطا وهزا وحطا : (( أوه ! زيف ! هباء ! زينة الحياة الدنيا ! الشيطان زين لهم ! والعاقبة لنا ، والقدس لنا ، والارادة لنا ، وقد أردنا أن تبقى فلسطين عربية ؛ عربية ! عربية ! )) .
أأواصل ؟ أنشرب يا وزير ؟ أندخل فى الجذبة العارمة ، مع الشاطحين ؟ أهل الزيف ، يا ولدى ، أولئك القذرون ، هم الذين يحني لهم أسيادك الرؤوس تذللا واستجداء . وأهل الرأى منا يتقربون اليهم ويتوددون عسى أن يقتبسوا جذوة من نورهم ! ونتونتهم عبير إن كان لا بد منها للمناعة والسؤدد .
والارادة ، يا ابن أم ، ليست احساسا سلبيا ، ولا خيالا تعويضيا ! الارادة انفجار . الارادة اندفاع بجميع الطاقات مجندة ، مصفوفة ، تدك الموانع ، وتسحق المعطلات ، حتى تحقق الهدف تاما كاملا .
والدين ، الدين الحق ، هو منبع الارادة ، وهو الدافع الى أعلى العلى ، والا فهو الدون والذلة .
ولك مثال رابع فيما يسلط علينا من خسف وضيق بسبب المعاملات النقدية فى مستوى الدول ، وما الى ذلك من تضخم وغرق فى الديون ومن استغلال فاحش لنا وأمثالنا من المستضعفين ، فى قوتهم ، على شظفه وقلته .
قال الله تعالى : (( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنن )) . ومدعو الايمان اليوم فى أذل ذلة وأرذل وضع . وقد صدق رغم ذلك أصدق القائلين . إذ ما كان قومنا ليذلوا لو كانوا حقا من المؤمنين !
زعمنا أن لنا فى الاسلام قواعد وأحكاما فى النقد والمعاملات . وما أدرى لم طمسناها واستبدلنا بها دخولا فى الحضرة ، حضرة المجاذيب وشقشقتها ؟ قيل : لأننا ، فى هذا الميدان أيضا ، مغلوب على أمرنا ، فلا نستطيع تعاملا مع الدول الا بعملاتها .
وقد كذبنا ، واخترنا أسهل الحلول : ابتلعنا القرص المسكن فلم نفق الا وقد تورطنا . وفات الاوان !
لقد رزقنا ( بنون الجماعة ، إن كنا ، جماعة ، أمة ... ) طاقات وثروات جبارة ، فجعلناها وسيلة رفاه لمستغلينا ومستعبدينا ... ولا لوم على أحد لانك معذور اذا فضلت ايداع مالك لدى عدو أمين ، بينما أخوك محتاج يقترض بالربا الفاحش نفس ذلك المال من عدوكما . ما على أخيك الا أن يكتسب أولا المصداقية . والا فالافلاس مصير أخيك ومصيرك أيضا على أيدى المضاربين !
وأوكد ما يفتقر اليه الاسلام اليوم هو فعلا مثل تلك المصداقية ، إزاء من يدعون الانتساب اليه أولا وبالذات ! ومرة أخرى نؤكد ونعيد : إما أن تكون عقيداتنا دافعة لنا الى العزة . وإما أن نبقى فى الذلة والدون . والاسلام منا براء .
إما أن نتشجع ونتوكل على الله ونجند لارادة الاصلاح كل طاقاتنا المعنوية والمادية ، فنجابه أوضاعنا وشتى شؤوننا الداخلية والخارجية بحلول عصرية وإسلامية فى نفس الحين ، من قبيل حلول ازمة التبليغ فى الجمعة ، وإما أن نصارح أنفسنا فنعرف أننا فرطنا فى مقوماتنا العقائدية فتخلت عنا العزة والامامة والريادة وحتى مجرد الطاقة على القيام بذاتنا وضمان ضرورى معيشتنا . وكفوا عندئذ عن اتهام الدين ! ولا يلومن قاعد غير نفسه !

