الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

الذوق والكمال الفنى .

Share

الذوق . . . تلك الحاسة الدقيقة اللطيفة التى تخدعنا بوحدة المظهر وبساطته وسرعة الحركة وخفتها كأنها ، الابرة المصمتة الملساء ، وهي فى الحقيقة من أشد ملكاتنا تعقيدا وغموضا ، تجمعا وتركيزا .

ولا عجب فالذوق مزاج ملكاتنا كلها وخلاصة خواصنا جميعا متحدة متضافرة كأحسن ما يكون التعاون والاتحاد

إنه عصارة كيان الاديب فى عفو أحواله وذروة إدراكه وحساسيته وقد تجمع وتماسك ودق ورق واتسع وانفتح وأضحى كلا موحدا أو وحدة متعددة ، قابلا للتحول والتطور والتلون والتشكل إلى غير غاية ، طواعية ومرونة ، من غير أن يفقد شيئا من جوهره وأصالته وطلاقته واستقلاله .

يزدوج " بالأثر " بل يتحد به ولا يذوب ، ويغيب فى تضاعيفه ولا يضل غوصا تارة وتحليقا ، لا يسأم ولا يكل كأنه الجن خفة وذكاء ، براعة واقتدارا ولا كذب ولا زيف ولا سحر ولا تمويه .

فيه من الشعور نفحة ومن الخيال فسحة ومن العقل قبس ينتظم الجماعة ويرأسها ويشرف عليها فى حزم ومرونة ودقة وسماحة حتى لكأنها الجوقة لكل من أفرادها حريته وشخصيته ولونه وطابعه وتلتقى الألوان جميعا وتتمازج وتنصب فى مجرى واحد هندسة وانسجاما .

فللشعور أن يذوب لينا ورقة أو يفور ويجيش دفقا وللخيال أن يجمح وينطلق ويغرب ويشذ حتى يجن جنونا . ليكن ذلك ، إلا أن للعقل عينا لا تنام فهو لا يفتأ يراقب ويحاسب كل خطوة كل حركة ، يضبط لكل مجاله ويرسم له حظه وحده ، لا تزكية ولا تطفيف ، لا حيف ولا محاباة ، فلكل موضع ومقدار ، ولا اعتبار عنده إلا لمقتضى الحال .

ولا يسلم من هذه الرقابة ولا يفلت من زمام هذه الرئاسة العقل نفسه فله من ذاته شاهد ورقيب حسيب إذ هو شديد التهمة لنفسه ( I ( على قدر ما له من ثقة بها واعتداد .

ما من رأى يراه إلا ويتعقبه حالا . يسلط الحكم ويراجعه فى آن معا . ولا يبرمه ويبت فيه حتى يبين صوابه بداهة ويقينا . لا ينى - وهو فى أوج بحثه وتفحصه للموضوع - متلفتا إلى عمله مترصدا له ينقد نفسه بنفسه متشككا فيها محاجا إياها فهو هو الحكم والخصم جميعا . كمثل القائد الطموح

" يطلب عند الناس ما عند نفسه " ولا أثرة ولا امتياز إلا ما يخوله حق القيادة وتحتمه ضرورة المصلحة .

ذلك لأن الذوق ليس مجرد تذوق واستطعام ، أو تلمظا وتمطقا هنيئا مريئا ، أو شفاء لشهوة واستلذاذا كيفما تكن الحال وبأى طريق .

كلا ! وانما هو اليقين الناصع بجودة  ( أو رداءة ) ما تذوقت ، وأن له حقا القيمة التى عينت ورسمت . وقد وضعته فى محله الذى له توفه ولم تبخسه ، وهو لا محالة خليق باعجابك وإكبارك أو ازدرائك واستكر اهك .

الذوق كل ذلك . فهو إذن عملية مزدوجة مضاعفة . إنه استمتاع مقيد مضبوط ولذة ( أو نفرة ) واعية بصيرة .

وليس أضر بالحكم الأدبي - فى هذا الباب - من الاقبال على الأثر فى شراهة المنهوم يتعجل الزاد يتلقفه ليطفئ حر معدته كظة وامتلاء ويذهل عما سوى ذلك .

فلا ذوق ولا بصيرة ولا متعة رفيعة إلا مع التحكم فى الحس والغريزة والتجرد شيئا من الذات والسمو عنها وحملها على الرصانة والاعتدال بأ يضرب بينها وبين شهوتها مهلة ومسافة .

أن عشق  الفن ليس كسائر العشق ، يتنازل له المرء عن بعض أو كلا عقله واختياره لا يجد إلا فى ذلك مسرته وسعادته

إنه صداقة نبيلة صافية قد كبح جماح عواطفها العقل وألقى عليها الفكر من إشراقه وتساميه . فللفن ضمير صارم لدود يقتضيك حتما - وإنها لقضية جوهرية عنده وضرورة حيوية - أن تنظر إلى الأثر الصديق بعين السخط التى تبدى المساوىء لا بعين المجاملة والسماحة الكليلة عن العيب .

لا فن إلا بمساعفة البصيرة النافذة والذهن الناقد والكفر بالقناعة والكفاف . الفن توق مطرد إلى تجاوز الحال وتحرق دائم إلى مطلق الكمال .

على ان صرامة الذوق الأدبي درجات شتى تختلف وتتفاوت حدة تبعا للموضوع ولطبيعة الأديب واختصاصه .

فان الخلق الأدبي - ولا سيما الشعر - يتطلب لزاما فى خطواته الاولى - أعني لحظات الوحى - شيئا من الحرية وإطلاق العنان للقريحة وإرسال النفس على سجيتها بحيث تكون حالة الفنان ساعة الالهام أشبه بالاستسلام الواعي وكأنها حلم من أحلام اليقظة ؛ وحتى ليصح القول إن الأثر الفني يصنع - إلى حد ما - نفسه بنفسه حسب ناموس يستنه بمشيئته وهواه ، فرضا وإثباتا لوجوده . تمردا ورفضا لكل تخطيط يكون بمثابة القيد والسجن له .

إنها حرية الخلق وعبثه وعفويته تكبت وتشل وتجهض إذا لم يرخ الذهن الناقد من طوله و " ثنياه باليد " ولم يكفكف من غرب صلابته ولم يبد شيئا من المرونة والسماحة الى حين .

انها رخصة وقتية وفسحة محدودة يتدارك الذوق بعدها أمره ويسلط جبروته وسلطانه .

وإذا نظرنا إلى الذوق الأدبي من حيث أصله وطبيعة نشأته فهو يبدو لنا مركبا التحمت أجزاؤه واتحدت حتى لا يكاد يفصل بينها : حب الجمال واحترام القارئ واحترام الذات ، لا فن إلا بالتوفيق بينها وإرضائها جميعا إرضاء العدل والانسجام .

انه من الخطا والغرور أن نتصور الذوق مقياسا فرديا بحتا بالغ التجريد قوامه مجرد التوق إلى الكمال الفني ، دليلا مطلقا أو حاكما مستبدا يستمد سلطته ونفوذه من محض الذات من غير استناد إلى البيئة ولا اعتبار للقراء .

إن ما نسميه ذوق الكاتب والفنان لهو - إلى حد ما - عين القاري .. (2)  عين نخبة ممتازة من قراء مثاليين (3) هم قدوة للكاتب أو أنداد له من حيث  القدرة على خلق القيم الفنية أو على فهمها وتقديرها ، يسعى الكاتب جهده ،  بدافع حبه للفن وبعد همته وطموحه ، إلى إرضائهم أو منافستهم والتفوق  عليهم .

وتتسع هذه الجماعة من " الرقباء " فتشمل طبقة اخرى يرى الكاتب فيها ما يؤهلها للحاق به ومسايرته فيروم رفعها إليه وتنويرها ، فيحسب لها حسابا بأن يسعى الى شئ من التقريب والتيسير ويخاطب القراء بما يفهمون من غير أن يدخل الضيم على فنه ( 4 ) .

والمبدأ الذي يعتمد لا محالة في كل أدب رفيع متفتح هو " إفهام العامة وارضاء الخاصة " . فالكاتب الحق رائد وإلا فليس بكاتب - شأنه كشأن الطبيب الحاذق -  وهو لذلك أدرى من العامة بما هو اصلح لها وأفضل . فلا ينبغي اذن أن يتملق أهواءها وينزل عند شهواتها الوقتية وصبواتها العارضة .

هذه " العين " الوهمية المثلى تبرز للكاتب نواحي خفية محجبة عنه من أدبه إذ تمكنه من التجرد والنظر إلى أثره بعين الغير فيراه ( أو يكاد أن يراه ) على حقيقته كما لو كان من صنع غيره .

ذلك ان " الموضوعية " فى الأدب إن هى إلا اتفاق نخبة صالحة من  " الذاتيات " واجماعها على قيمة أثر ما . وهذا حتما لا يتم إلا بالتجاوب والحوار .

هذه العين " هي بعض من الضمير الأدبي الحى الذى يستشيره الكاتب ويحتكم اليه ، ومن السلطة العليا التى يشعر ازاءها بالتبعة والمسؤولية .

وما هذا الضمير وهذه السلطة إلا المثل الأعلى الذى وقف الفنان حياته ومنتهى قواه لاستجلائه وتصويره والدنو منه وتحقيقه اكثر فأكثر كل يوم .

( 1)  هذا مظهر من مظاهر الأزدواج فى الذوق وهو النقد الذاتي . هناك مظهر آخر قد لمحت إليه - آنفا - مجرد تلميح يتمثل فى كيفية تناوله للأثر الأدبي ومحاولة إدراكه واستيعابه .

فالذوق حس مركب ، تحليل تأليف يقوم بالعملين معا . ينظر في الموضوع جملة وتفصيلا لا تذهله الأجزاء عن الوحدة الكلية ولا هذه عن تلك . بينا هو يتأمل ناحية ما ، قد خصها بعنايته وتركيزه إذا هو يلقي ببصره إلى المجموع وهكذا حصرا وشمولا فى حركة لا تستقر هي عين التناقض : أن يكون قريبا أقرب ما يكون من الأثر ضما واعتناقا ، امتزاجا واتحادا ( identifiction ) متأملا دقائقه في لذة فاحصة ويظل مع ذلك وفى الآن نفسه على مسافة منه لا يمكنه من نفسه استسلاما وانقيادا فيعرقل تصرفه واختياره .

وأشد ما تكون هذه العملية المضاعفة عسرا وامتناعا عند تذوق الموسيقى لما يتطلب هذا الفن من دقة الحساسية ومن فطنة ولباقة يعجز بدونها المستمع عن اللحاق بسيل الأنغام واستيعابه والنفاذ إلى كنهه وصميمه .

وبغير هذه الحركة " الجدلية " والتردد " الآنى " بين الجزء والكل ، بغير هذه السرعة الفائقة والمرونة العجيبة التى هى من أبرز خصائص الذهن البشرى وامتيازه ، لا أمل فى الظفر بحقيقة ما نقرأ أو نستمع ، وإدراك سر قيمته ونكهته .

( 2 ) لأبى حيان التوحيدى كلام قريب من هذا المعنى ( الامتاع والمؤانسة ج I ) . قال : " وليس شئ أنفع للمنشئ من سوء الظن بنفسه ، والرجوع الى غيره وإن كان دونه فى الدرجة . وليس فى الدنيا محسوب إلا وهو محتاج إلى تثقيف ، والمستعين أحزم من المستبد ، ومن تفرد لم يكمل ، ومن شاور لم ينقص ...

على أننا لا نجد بين القدامى مثل الجاحظ إبرازا لأهمية النقد الذاتي فى الأدب ودور الجمهور الكفء الواعي فى إحسان الكاتب وإبداعه . جاء فى مقدمة كتاب الحيوان : " وينبغى لمن كتب كتابا ان لا يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء ، وكلهم عالم بالأمور ، وكلهم متفرغ له . ثم لا يرضى بذلك حتى يدع كتابه غفلا ، ولا يرضى بالرأى الفطير . . . . " إلى آخر هذا النص وهو من أجود ما يقرأ فى هذا الباب .

( 3 ) قراء " مثاليون " أحياء أو أموات . أما الأحياء فقراء " بالقوة " على وجه الاحتمال . وأما الأموات فقراء " موهومون " . إن صفوة الكتاب المفضلين عند كاتب ما هم " قراء " له موهومون يرجع إليهم و" يستفتيهم " من

حيث يشعر أو لا يشعر فى ضرب من المناجاة والحوار " الباطنى " حدسا وتخمينا ، تصورا وافتراضا ، ويقيس نفسه إليهم ويقيم وزنا لفنهم وذوقهم . نسوق مثلا لذلك إكبار أبى حيان التوحيدى للجاحظ وتقديره البالغ لأدبه و تأثره به ، وشبيه بهذا موقف فاليرى valery من ملارمي Mallarme . ولعل أروع مثال صلة أفلاطون بسقراط تلك الصلة الروحية  الوثيقة التى لولاها لما خلدت شخصية سقراط ولضاعت فلسفته .

( 4 ) تعرض الجاحظ في " الحيوان " لموضوع عناية الكاتب بالقراء واحتفاله بهم حرصا عل البيان والافهام قال : " وليس الكتاب إلى شئ أحوج منه إلى إفهام معانيه حتى لا يحتاج السامع لما فيه من الروية ، ويحتاج من اللفظ إلى مقدار يرتفع به عن ألفاظ السفلة والحشو ويحطه عن غريب الاعراب ووحشى الكلام .

وليس له أن يهذبه جدا وينقحه ويصفيه ويروقه حتى لا ينطق إلا بلب اللب وباللفظ الذي قد حذف فضوله وأسقط زوائده حتى عاد خالصا لا شوب فيه . فانه إن فعل ذلك لم يفهم عنه إلا بأن يجدد لهم إفهاما مرارا وتكرارا . لأن الناس كلهم قد تعودوا المبسوط من الكلام . وصارت أفهامهم لا تزيد على عاداتهم .

اشترك في نشرتنا البريدية