الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

الراوية

Share

تقدمة : إن الرواة يجوبون البلدان بحثا عن الرزق إلا راوية واحدا فانه يعطى الناس ، مقابل ان يسمعهم قصته ، لا لشئ إلا لأنهم قد علقوا مأساته على مشنقة من الصمت . . !! . .

القصة :

- حكايتى يا سادتى غريبة عجيبة . . !!  . . وهوى شبح قنديله بين أحضان المصابيح المترامية فوق الأعمدة . . والخيمة الصغيرة استجابت وحدها للريح . فكل ما حولها قصور لا تقوى عليها رياح عاتية . . .

- حكايتى عن خيمتى الحقيرة . . . وقاطعته الشتائم والضحكات واللعنات . . - يا سادتى ذات يوم . كان لى بيت كبير ومزرعة . بيتي تهدم . تباعدت أحجاره وتمزقت أركانه . وفى مدينتى . . وبعد بحث وسؤال ومسير . لم أجد مكانا لخيمة صغيرة . . . وعادت تنهال عليه الشتائم واللعنات . ثم قال : - الى مدينتكم حملت خيمتى .

وها أنا قد نصبتها فى هامش القصور المترفة . وذلك القنديل . تركته ، ينام على أسرة الضياء المنبعث من مصابيحكم القوية . وبعض الحاجات والصور . سأبيعها لكم ، وأروى حكاياتى القديمة . . .

كانوا يمرون من أمامه دونما اكتراث ، يضحكون تارة ويشتمون صاحب القنديل تارة اخرى . إلا بعضهم ، فقد أخذ يسمع الحكايا ويشترى الأشياء والصور . فصارت ثروته تزداد يوما بعد يوم ، لكن الخيمة ظلت مسكنه الوحيد ، واستمرت خيوط قنديله تلوح بين جموع المصابيح المتعالية . وظل يبيع سكان المدينة أشياءه بأرخص الأثمان مقابل أن يحكى لهم عن قصره القديم ٠٠ فيضحكون ويشتمون :

- أأنت أيها التعس ممن يملكون حتى حجرا فى بيت ؟ ! . . أنت مشرد ، أنت ضائع . اصمت ، ولا تشغل وقتنا بالأنات أو الكلمات . . نحن أصحاب قضية ، نحن الباحثون عن حياة أفضل ، فدعنا نعش بلا آلام . . !! . .

وكان يكتفى بسرد حكاياه والبحث عن حجارة بيته الذى تهدم . . لكن أشلاء الذكريات الراسخة كادت تقتلها أضواء المصايح ، وتدفنها أسوان القصور . . وأخذت رياح القصور تداعب أوتاد خيمته يرفق :

- أيها الغريب ، دعك من خيمتك ، وتعال الى بيتي ، واعبث به كما تشاء ، فالطبيعة هنا تقتلك يوما بعد يوم . . .

بعثر أصابعه على أنحاء جسده بحثا عن شئ من الدفء . وغرس وتد خيمته بقوة فى صدر الارض ثم أجاب :

- إننى فى خيمتى أبقى متيقظا من شدة البرد ، وأبقى عن حجارة بيتي القديم أبحث . . وأما فى قصرك الدافيء فانني سأنام ، ساغفو الى أن تقول الى ذات يوم ، ارحل أيها الغريب . وعند ذلك أغدو بلا بيتك ولا خيمتى . . !! . .

قال الرجل الغني : - ولكنك لن تستطيع الرجوع الى بيتك ، فالبرد هنا يعتصر جسدك ويحطم إرادتك . . .

ضحك صاحب القنديل ، وذابت على أنفاسه أغنية باهتة ثم أجاب - أيها السيد ، البرد القارس يشدني دوما الى هناك . وهذه الدماء التى تنزف من جسدى لكثرة ما أقع وأنا أسير عبر الضوء الخافت ، إنما هى راحا لنفسي وطريقي الى الذكريات والى الأمنيات . . !! . .

مضى الرجل الغنى ، وأما الغريب فراح ينظر من خلال المصابيح الى ظلام لم تستطع كل الاضواء إخفاءه ولو للحظة واحدة . . !! . . امتدت يده بخشوع الى قنديله الهزيل ، ثم تصلبت أصابعه فى جوف الفراغ ، واسترسل يروى حكايته والجمع صامتون . . .

- يا سادتى وأتى صيف شديد الوطأة ، وفي ليلة حالكة السواد ، أفاق اهل المدينة على اصداء نداءات مرعبة . . تراكضوا وتسابقوا وتساءلوا وهم يهربون . بينما سطا الطوفان على جدران قصورهم الشامخة ، وبعثرت المياه احجار منازلهم الى كل الجهات والأنحاء ، وخرجوا الى حيث لا يدرون . . !! . .

ما خيمتى فامتصت بقاياها المياه وحملت قنديل هاربا ريثما تغادر المياه المجرمة حطام المدينة ، وتراءى لى مرتفع على مقربة ، فحشرت جسدى بين أفواج الهاربين من الطوفان ، واختبأت فوق المرتفع . .

وما لبثت المياه أن تسربت مودعة ضحاياها وبقايا المدينة . . والناس بدأوا يتجمعون حول الأنقاض باحثين عبر واحة من الصمت .

كان الظلام ممسكا بكل ذرات الفضاء ، والجمع راحوا يتبادلون همسات مبهمة واجمة . . وفجأة صاح واحد من الرجال :

- أيها الناس ، ها هو صاحب القنديل فى مرتفع هناك . اذهبوا إليه علنا نستطلع على ضوء قنديله معالم الطريق .

وأخذت الأصوات بمجموعها تردد : - إلى صاحب القنديل . . . إلى صاحب القنديل . فالليل يكاد يقتلنا ونحن نبحث عن ضحايانا بلا جدوى . . !! . .

اشترك في نشرتنا البريدية