1 - البراعم
على الآكام والربى ، وبين أخاديد الجبال . . نشرت أمنا الأرض جلدها العتيق ، وفتحت مسامه للغيث واللقاح . . . للشمس . . للنجوم . . للرياح انبطحت أمنا الارض هنيئة . . تجتر . . تستجم . . تراود الأحلام . وترعى زهرها الغض وعشبها الكثير .
أطلت البراعم . . تكاثرت فوق التلال . . مدت رؤوسها . . تنصتت . . ننشقت روائح الرياح . . تطاولت أعناقها . . تفتحت اكمامها . . تفتحت عيونها . . تعرفت على الكون . . تعرفت على العناصر
وكانت البراعم غريرة . . ساذجة . . كثيرة اللهو . . لا يبدو عليها الجد إلا حينا . . كانت غريرة يا أمنا الأرض ! . . ساذجة كمثلك . . تراود الأحلام طول الوقت . . لا تشعر بالخطر
2- الغيوم
مرت غيمة سوداء مرعبة . مرت غيمة سوداء مرعبة . . رهيبة . . قاتلة . غزة سوداء مرعبة . . رهيبة . . قاتلة . . ساحقة . . ماحقة . مرت . . ومرت . . ومرت . . ومرت . . . . دمدمت . . زمجرت . . أرعدت . . قعقعت . . تنزلت حتى وطئتك يا أمنا الأرض ! . . زحفت على جلدك . . مزقته بالمخالب . . ألقت عليه الجمر والشرر . احتراق عشبك المخضر . . فيه احتراقنا . . انسحاق زهرك الغض . . فيه انسحاقنا . .
يا أمنا الحالمة المنبطحة للشمس تمر الغيمة السوداء . . يمر الرعب . . تلوى الزهور الغضة أعناقها . . وتحزن بصمت . . تمر الغيمة السوداء . . ينمو العذاب فى القلوب . . يكبر الغيظ . . تمر الغيمة السوداء . . يغلي الحقد ولا تلوى الازهار أعناقها . تمر . . ترفع الازهار الغضة رؤوسها . . تلوح بقبضاتها . . تمر الغيمة . تقصف الرقاب . . تلقي الجثث . . الحطام . . الاشلاء . . فى السفوح والوهاد . . تنثر بطاقات الهوية فى كل الجهات . . وتنفض يديها فى مهب الريح .
ما عادت البراعم غريرة كثيرة اللهو . . ساذجة - كمثلك يا أمنا - لا تشعر بالخطر تفتحت عيونها . . زايلها الحلم . . وأدركت حقيقة الأشياء والعناصر
تمر الغيمة السوداء . . تمر تقصف الرقاب . . تمر تعصف . . تمر تصهل صهيل الفرس المسعور . . تلقى بقبضتيها الجمر والشرر . . وتنفض يديها فى مهب الريح .
ما عادت البراعم غريرة ساذجة . . فما لوت أعناقها . . تفتحت عيونها . . فأدركت ما أدركت . . وصممت على الصمود والبقاء
3 - الزنابق
سمعت عن زنابق ثلاث ، قد ملت الصبر . . والغيظ . . والغضب المكتوم . تشدها الأرض إليها يشدها الضعف إليه . . ويضع الصباح - كلما مر - فى مآقيها الدموع . . ويمضى تاركا لها أحزانها . . فتمسح الدموع باشمئزاز . . وترفض الأحزان
تمر الغيمة السوداء . . تمر تقصف الرقاب . . وتلقى الجمر والشرر . . احتراق جسمك احتراقنا يا أمنا المنبطحة للشمس تهدهد الأحلام والأوهام
ما عادت هذه الزنابق غريرة ساذجة . . فما لوت أعناقها . . ولا هلعت . . تبادلت النظر . . تغامزت . . تآمرت على حزنك واستسلامك . . وأحلامك الانسانية . انتزعت جذوعها من الارض بقوة ، ونزلت السهل بعزم وتصميم .
عند مدخل المدينة كانت الزنابق الثلاث تتضاحك وتتعابث وتتماسك بالأيدى .
فى المدينة كانت الزنابق الثلاث تسخر من جند الأسوار العالية . . سدنة الأبراج . . أعوان الجمارك . . حراس الحدود . . عيون المخابرات .
طاردت المدينة الزنابق . . جرى الحراس خلفها . . حتى افترقت أيديها المتشابكة . . تناوشتها الدروب ، والدوائر ، والدور ، والدورات ، والدوران فى الحلقات المفرغة .
وفى ذات ربيع طالعتنى ضاحكة ساخرة . . كلها تحد . . وجوهها تشرق . . فى معلقات ضخمة تغطى جدران مدينة عربية كبيرة تدعى بيروت .
وقفت انظر اليها في أول الصورة تمش صفا بثلاث من خلفها ثلاث اخرى بعدها ثلاث وثلاث فى طابور طويل لا ينتهى
رمقت الزنبقة الأصغر والأبهى فى فرح ودهشة . . غمزت لى بعينها ونزلت من الصورة لتلقانى على الرصيف ، وتروي لى حادثتها مع الغيمة المرعبة ، والجند والحراس ، وأكياس المتفجرات التى تطوق منها الصدور والخصور .
4 - الرحيل
طاردت المدينة الزنابق . . جرى خلفها الحراس . . جند الأسوار . . سدنة الأبراج . . أعوان الجمارك . . عيون المخابرات . لكن أيديها عادت تشتبك . وفى بعض أيام الربيع قررت ان تعود إليك - يا أمنا الأرض المنبطحة للشمس تهدهد أحلاما إنسانية قديمة .
صعدت الزنابق هضبة عالية . . الغيمة السوداء التى ملأت طفولتها أحلاها مزعجة . . تمر دوما . . وتصهل دوما . . وتقصف الرقاب دوما . . وترمى بالأشلاء في أحقاف السهل صرخت الزنابق الغضة بجنون . . لوحت بقبضاتها فى الهواء . . مدت أذرعتها الزغباء لتمسك بالغيمة .
زمجرت العاصفة ، . . ورمت قبضة الجمر والشرر . . مستثيرة كل العناصر : مستعينة بكل ريح
ما عادت الزنابق غريرة ساذجة - يا أمنا - فما لوت أعناقها . بكل ما لها من قوة . . بكل ما لها من اسلحة . . بكل ما بها من حزن وغضب . . تدرعت واحتزمت . . تماسكت بالأيدى . . وركلت أديمك المحروق - يا أمنا الحالمة أرجلها الصغيرة . . وطارت .
زنابق ثلاث قررت الرحيل نحو الغيمة السوداء . . اندفعت اليها بكل ما بها من حزن وغضب . . كومة انفجار . . صاروخا ذا ثلاثة رؤوس رزقزلت السماء . . تزعزعت الغيمة الغول . . انفرج جوفها . . بانت فيه كوة عظيمة لمعت منها بعض خيوط الشمس
بكى التنين . . أن الاعصار . . انتحبت الغيمة السوداء واندلق من قبضتها المرتخية شرر بادى الحمرة . . خابى البريق
أما الزنابق . . البراعم . . الأيدى المتشابكة . . الرؤوس الثلاثة . . كومة الانفجار . . صاروخ " الخالصة " . . فانها تابعت اندفاعها نحو الأعالى . . وقد أحست أنها أخف حملا . . وأوفر نشاطا .

