الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

السلطان بين جدران يلدز*

Share

الفصل الثالث

يرفع الستار عن مجلس مشكل من باش كاتب والكاتب الأول وأبى الهدى واثنين من الخصيان

باش كاتب ( ويلاه ! ما أكبر مصائبنا وأشد عقابنا ! فقد أزفت ساعة الانتقام ، وأفل نجم السعد ، واقبلت أيام المحن ، وصواعق الاحن . قد ندمنا عما فات ولكن حيث لا ينفع الندم ! أواه ! " قدم البغاة ولات ساعة مندم " والبغي مرتع مبتغيه وخيم ، ليتنا نرجع الى دورنا الماضى حتى نعمل عملا نستميل به  قلوب أولئك الاحرار الذين لم نقاسمهم أيام محنتهم شظف العيش ومذلة الاغتراب ووعثاء السفر . بل كانوا يتجرعون كاسات المتربة ، ويتضورون جوعا ، ونحن نتناول ألوان الغذاء ، ونتأنق فى اقتناء الاطعمة اللذيذة . هم كانوا يبيتون متقلبين على أحر من الجمر ، متوسدين وسائد الهم والنكبات ونحن نبيت متربعين على الحشايا الناعمة ذات الاردية الحريرية المزركشة متكئين على وسائد الديباج ! رباه ! ما أدق حكمتك ! وما انفذ سهم قضائك ! وما أعلاك ! فكم تؤثر في قولك : " وتلك الايام نداولها بين الناس "

الكاتب الثاني ( دعنا أيها الرفيق من هذه المؤلفات فليس الوقت وقت وعظ وارشاد أو أوبة الى الله . فلندع هذا الى وقت آخر ، ولنتخذ نفقا فى الارض او سلما فى السماء حتى نفر من هذا القصر ، ونخلى الدار تنعى من بناها فان عساكر سلانيك أوشكت أن تداهم الاستانة بخيلها ورجالها ، وهناك الطامة الكبرى والرزية العظمى . وربما كنت أنا وانت فى طالعة المصلوبين فى ساحة أياصوفيا وعلى إثرنا يصلب هذا المعبد الدنئ ، ويعذب بأنواع التعذيب لانه كما نعلم من الرجال الذين أساؤوا الاستعمال ، وتهاونوا بذوى المقامات وعبثوا بأهل الافكار الحرة والمبادىء الوطنية

( الخصي مادر ) ويحك أيها المجنون ! أبلغ بك النزق وقلة الحياء بأن تخاطبني بمثل هذا الخطاب ، بدون عبارات الاطراء والتعظيم وسرد ألقابي العالية وأوصافى الرسمية ، وبالامس كنت لا أرض بك تقبل نعلى ؟

الكاتب الثاني ( أمجنون أنت يا أحقر الزنوج وأخس العلوج ! ؟ اتظن ان يومك الحاضر كأمسك الدابر ؟ يا لك من وغد دنئ وصعلوك غبي ! لبست لبوس المجد بدون استحقاق ، والمجد الكاذب سرعان ما يفارق صاحبه ، فيترك فيه الغطرسة والكبرياء

( مادر ) أراك خرجت عن حدود الادب يا أحقر العرب ! اتخاطبني بمثل هذه الكلمات الحقيرة ؟ إنني سأرفع لجلالة متبوعي مضبطة فى حقك أشكو له فيها من وقاحتك وجرأتك ليعزلك من كتابه المهابين ، ويسجنك فى جوف الارض خمس سنين ، وان لم يفعل هددته بالاستقالة من رياسة الخصيان ، وأزعجته ازعاجا لم يكن فى الحسبان !

الكاتب الثاني ( من هو متبوعك الذي تعنيه ؟ إن كنت تريد السلطان ، فهو بعد هنيهة سكون عبدا مثلك لاولئك الفتيان لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا تقلبه يد الاحرار كما شاءت الاقدار . فان قتلوه فقد عدلوا ، وان انزلوه العرش فقط فقد أبروا به ، وعاملوه بالحسنى وعفوا عنه

) بعد سكوت قليل يدخل حاجب يخبر بقدوم سعيد باشا كوجول فيتهيأ المجتمعون لاستقباله (

(سعيد) أراكم على حالة الارتباك والاضطراب ! أتولاكم الجنون أم جرعتم كاسات الهون أم أفزعتكم نفخة الصور أم أصابتكم صعقات موسى يوم دك الطور أم فررتم من القبور ؛ لذلك أرى جباهكم مصفرة ووجوهكم مكفهرة

( الجميع) أو ما علمت أيها الصدر ما وقع من الويلات ، وما استفحل من النكبات على أن الواقع أقل خطارة مما هو آت

( سعيد ) علمت ! ولكن لا يزعجني ذلك ! فقد كنت أتوقع هذه الحوادث على أننى تعجبت كثيرا حيث لمحتكم ، وانتم فى أشد حالات الوجل والانزعاج ، كأنكم لم تكونوا عالمين بقرب نزول صواعق النوائب والانتقام ؛ وقد جاءتكم النذر منذ أزمان

( الجميع ) لا نعلم

( سعيد ) يا للعجب ! ألا تعلمون بذلك ؟ إنكم اذن تكذبون ! ألم تخدعوا السلطان وتغشوه حتى أوقعتموه فى شرك المصائب والنوائب ؟ ألم توسوسوا لجلالته صباحا ومساء بأن الشعب يكرهه ويبغضه ويترصد له الفرص للانتقام من شخصه ، وانزاله عن عرشه ؟ ألم تغرروه بصنوف الختل والخداع بأنه اذا أرخى العنان للامة وتركها تتمتع بحريتها الطبيعية وقع فى المكارة ؟ ففرقتم بصنيعكم

هذا بين التابع والمتبوع ، فتناكر الوجهان ، وتباغض الحبيبان . بل لم تقتصروا على ذلك ، وتقفوا عند هذا الحد ، فتدرجتم الى نشر مبدأ الجاسوسية بين الرجال ثم  أفشيتم عدوى هذا الطاعون بين النساء . فأصبح الرجل لا يفوه بكلمة بين أبيه وأمه وأخيه حتى يتردد صداها فى المابين . وبالرغم عن الذهب الذي ينساب عليكم ، ويدخل جيوبكم كل حين ، فقد طمعتم فى الزيادة ، ورضيتم بالهوان والتجسس على السلطان . فكنتم تذيعون لسفارات الدول بالنهار . أبرمه سيدكم بالليل ، رغبة فى جرايات ملوثة بأدران الخيانة والعار . وفي غضون ذلك كله ، الوطن يطالبكم بواجبات وتكاليف جعلتموها وراء ظهوركم كأنكم لا تعلمون . واتبعتم ما تتلو عليكم شياطين الاطماع . لو أبنتم لجلالة متبوعكم الحوادث على حقيقتها بدون قلب أو إبدال لما أوقعتموه فى الارتباكات والمشاكل ، وسلمتم أنتم من المعاطب والمصائب ، وبعدتم من مظان الخيانة ، ونبذ حفظ الامانة . وفي الوقت نفسه ، تكونون قد خدمتم وطنكم ونصحتم السلطان . ولكن حب الدنيا رأس كل خطية وأسس كل بلية .

الكاتب الثاني ( أنا يا صاحب الدولة برئ من هذه الوصمات بعيد عن الترهات والخزعبلات . وليس شأني في المابين الا شأن الصادق الامين . على أنني قد خدمت جلالته أجل خدمة يذكرها له التاريخ بمداد الفخر والاجلال . وسموك على علم تام بان مشروع بناء السكة الحديدية الحجازية هو سانحة من سوانح أفكارى . ولولا ابتكارى لذلك المشروع الجليل ، وتحريض للسلطان لابرازه من القوة للفعل لما اهتدت جلالته لذلك . وهو فخر عظيم للسلطان لا يمحيه مرور الايام وكرور الاعوام

( سعيد ) نعم ! ابتكرت هذا المشروع الجليل . ولكن ليس لوجه الله أو حبا فى نبيه أو رغبة منك في تسهيل الحج لقصاد بيت الله الحرام أو خدمة فى سلطانك . بل ترضية لمطامعك التى لا تقف عند حد ! لعلك تصيب من مجموع أموال الاعانات ما تبرد به علتك ، وتشفى غلتك المتأصلة فيك ! وهي حرصك على حطام الدنيا ، وتعشقك للدينار . وقد بلغت مأمولك ، ونلت سؤلك فكنت تدفع قرشا لبناء السكة وليرة لجيبك . على أنك لم تقصد من تمديد القضبان وبث هذه الدعوة بين أهل الايمان الا على أمل أن تجد قطارا سريعا يذهب بك الى الحجاز يوم يبايعك العرب خليفة فى خلافتك العربية التى تحلم بها وتمنى نفسك بها أنت وتلك الجماعة المعروفة .

هنا يدق الجرس ويدخل السلطان (

السلطان دعوتك يا سعيد لامر هام . فان المشاكل قد أحدقت بي ، والمحن قلبت لى أحداقها . وليس سؤال يرجوك لتذليل هذه الصعاب

( سعيد ) حقا ما تقول يا مولاى ! فانكم لا تدعوننى الا عند الشدائد سواء فى هذه المرة او فى المرات الاربع التى توليت فيها الصدارة . ولكن على كل حال

لا يهمنى من الامر شئ اذا كنت أقدم لوطنى خدمات هى عندى من أقدس الواجبات .

السلطان اه يا ابني ! دعوتك لتزيح عني هذه النوائب التى شوشت على وكادت تذهب بصوابي . وعليه فمن الآن اسندت اليك الصدارة

( سعيد ) شكرا لك . وما هى النوائب ؟

السلطان هي يا ابني : ان جيش سلانيك قد تمرد ، وانضمت اليه العصابات البلغارية والرومانية والصربية واليونانية . وكلهم مطالبون بالدستور ونشر القانون الاساسي . وبالرغم عن محاسنتى لضباط وعساكر الفيلق الاول الرابض بهذه العاصمة . فقد أظهر أولئك الضباط الميل والانحياز لاخوانهم في سلانيك . ومع اني رقيت أخيرا 82 ضابطا لرتب مختلفه ، فانني اعتقد ان ذلك لا يجدى نفعا . وقد جمعت مجلس الوزراء قبل هذه الآونة

فرأيت من فريد باشا ميلا واضحا لطلاب الدستور لذلك عزلته واسندت اليك الامر عسى ان تأتينى بدواء ، فعجل وصف لى الدواء الناجع ايها النطاسى الماهر :

( سعيد )الدواء يا سيدى هو أن تعلن بالدستور ونشر القانون الاساسى ليسكن اضطراب الشعب

السلطان عجبا ! عجبا ! أرجعت عن فكرك يا سعيد وقد كنت أعهدك على خلاف هذا المبدأ ! فكيف تغيرت سياستك ، وتبدلت مباديك

( سعيد ) لا ! لا يا مولاى ! لم ارجع عن فكرى ، ولم تتغير سياستى . ولكن الايام تغيرت ، فيجب أن نجاريها ! نعم كنت أقول بغير هذا الفكر . ولكن جلالتكم تعلم ان الوقت الذى كنت أرى فيه برنامجى السياسي هو العلاج المفيد قد ذهب ، والناس الذين كنت اعتقدهم ينشرحون لمقاصدى قد تبدلت أراؤهم . كنت أقول برأي لما كانت الاحوال غير ما هى عليه الآن ، والدول لها ثقة بنا ، والشعب يرى أقل اصلاح نقدمه له كمحض تفضل منا . أما الآن فالامة تئن تحت نير المظالم ووقر المغارم . وما ذلك الا من سوء تصرف الخونة والاشرار من الولاة والمتصرفين سيما وان المجالس النيابيه قد عمت سائر بلاد مجاورينا . ولم يبق على الحالة القديمة الا نحن . فاذا كانت جلالتكم تروم

نسكين الاضطراب والشغب واقامة الدليل على محبتها للشعب ، فلتعجل  بالاعلان بالدستور ، وبذلك تكون جلالة مولاى قد خدمت الوطن خدمه عظيمة وحقنت دماء ملايين من النفوس . أما التوانى والتسويف ، فلهما وقت مضى ، وليس هذا وقتهما . ويجب قبل كل شئ ان لا تفكر جلالتكم أن الذين دبروا هذه الحركة ، واستمالوا الجند اليهم يتقهقرون بدون ترضية . ولا ترضية الا  بالاعلان بالدستور . أما غير ذلك ، فمن المحال ان يرضوا به وهم يملكون القوة الادبية والمادية ، وبايديهم مفاتيح مستودعات الذخائر والاسلحة . عجل

يا مولاى قبل ان يسرى الداء ويعز الدواء ؛ فان ثورة العساكر وبال عظيم والحذر ! الحذر ! ان يذهب بكم التوانى للوقوع تحت طائلة المسؤولية

( السلطان وهو يرتجف ) كيف العمل يا ابنى . اه فقد وقعت فى الشرك . ( سعيد ) قلت لجلالتكم أن نجاححكم موقوف على كلمة تفوهون بها وهى الاعلان بالقانون الاساسى

( السلطان ) إنهم خانوني يا سعيد قتلهم الله واخفوا على الامور حتى تهددنى الخطر وروعتني الخطوب فان والى منستير قد القى عليه الثائرون القبض ودخلوا الى الثكنات فاستولوا على الاسلحة والذخائر وشمس باشا الذى كنت اعتمد على اخلاصه وتفانيه فى حبى قد القوا عليه القبض وربما قتلوه

( سعيد ) اى شمس هذا يوم لا شمس فيه ولا خلة فان السماء تلبدت بالغيوم والسحم عم الافق والشفق أحمر كثيرا . وهو انذار بكثرة الدم المسفوح اذا جعلتم التوانى رائدكم وظروف الاحوال تنبئ بالوبال وجلالتكم قد اصبحت بين الناب والظفر فالعجل ! العجل ! والا فيا خيبة الامل . .

) بعد ذلك يدق الجرس فيدخل على السلطان حاجب بيده تغراف من حسين حلمى ) .

( الحاجب ) سيدى ها قد ورد تلغراف من صاحب الدولة حسين حلمى باشا مفتش الاصلاحات بالولايات المقدونية

( السلطان ) عجل بقراءته .

( الحاجب يقرأ ) مولاى ان الثائرين قد أعلنوا الدستور فى أكثر بلدان الولايات المقدونية ، وهم في حماسة زائدة ، وهيجان عظيم . وقد راموا أخيرا القاء القبض على وضربوا لى أجلا ؛ فاذا لم تعلنوا بالدستور فان حياتى تكون فى خطر والامر لكم وعلى كل حال فانا رهين اشارة جلالتكم ولا أبالى بتضحيتي إذا كنتم تستفيدون منها انما أكثر خوفى على شخص جلالتكم . ) حسين حلمى

السلطان أسمعت يا سعيد كيف تجرأوا على وأرادوا ارهاقى لعنة الله على الجواسيس ! فهم الذين شجعوني على مصادرة الشعب وحقروه فى عيني

( سعيد ) سمعت ! ولكن الى متى انتم فى تردد . فان الوقت أضيق مما يتردد فيه وأنا أخاف كثيرا من نتائج هذه المماطلة والتؤدة

( السلطان ) لست بمتردد . وانما اذا وقع الاعلان به هو فانى أخاف على حياتي من الارتجاعيين ومن الآخرين

( سعيد ) لا تخف ! فان الامة تصير بعد ذلك كلها مخلصة لكم . واذا كنتم تعنون بالآخرين المقربين من بلاط جلالتكم ، فانهم بعد الدستور لا يسعهم الا  الخضوع لقوة ارادة الامة . فلا خوف منهم ولا من الاحرار

السلطان اذن أنا فاعل إذا كنت تضمن لى ذلك

( سعيد ) أضمن . وأزيدكم أخرى . فان الامة تزداد تعلقا بكم وحبا فيكم وتنادى باسمكم وتدعو لكم بطول البقاء

( ثم يكتب الارادة ويقدمها لسعيد )

السلطان ( ها هي الارادة يا سعيد باعلان الدستور ونشر القانون الاساسي . خذها يا ابنى ، واذهب للباب العالي ، واعلن بذلك رسميا فى أقرب وقت حتى لا تزداد الحالة تحرجا ، والثورة التهابا

( سعيد ) بارك الله فيكم وجازاكم خيرا عن الامة والوطن ، وابقاكم ما كر الجديدان .

( ويقول ليعش السلطان ثلاث مرات فيتبعه الحاضرون )

الفصل الرابع

( يرفع الستار عن السلطان وحده وبعد برهة يدق الجرس فيأتيه باش  كاتب ) .

( السلطان ) أصحيح يا جواد أن حسن فهمى محرر جريدة سربستى قد قتل ولم يعرف القاتل ، وادارة الضابطية أظهرت التكاسل فى البحث عن الجانى كان لها فائدة فى اخفائه أأوعز لها بذلك ! وأن قتل حسن كان السبب فيه التنافس السياسى :

( جواد ) حقيقة يا مولاى أن حسن فهمى قد قتل ، والجانى لم يعرف الى الآن . أما قولكم ان قتله كان مسببا عن المناظرة السياسية ، وإن إدارة الضابطية قد أهملت تتبع الفاعل لغرض أو إيعاز ، فذلك لا علم لى به .

( السلطان ) إن حسنا يا جواد فتى ذكى ناشط صادق الوطنية ، وهو من أعيان حزب الاتحاد الحر العاملين . فاذا أهملنا أمره ، ربما ظن حزبه الذى أصبح من القوة بمكان ، اننا نميل مع الاحزاب . والسلطان او الملك فى عرف السياسة يجب ان يكون فوق الاحزاب . ومن جهة اخرى ، قد يظن أن قتل حسن كان

بمؤثرات جمعية الاتحاد والترقى . فينشأ عن ذلك تقاطع بين الحزبين يعود بالضرر على الوطن . وأنا غاية آملى أن تبقى أفراد الشعب متضامنة لذلك أرى من المناسب ان نقدم ترضية لحزب الاتحاد الحر ، وتلك الترضية هى أن نكون نفقة جنازة حسن فهمى من جيبي الخاص  كما يكون دفنه بمدفن بعض الجدود المقدسين

(جواد) فليكن ما تريد يا صاحب الجلالة

( السلطان ) فاصدع بهذه الارادة يا جواد . فانى أريد ان تكون جنازة حسن على غاية من الابهة والرونق حتى تسكن ثائرة الاختلاف بين سائر أفراد أمتى خصوصا فى هذه الاوقات التى نريد أن نعمل فيها جميعا بنشاط لترقية شأن المملكة ، ووقاية الدستور الذى من الله به علينا

( يدخل السلطان . وبعد دخوله يغير المنظر ، ويرفع الستار على جماعة من جمعية الترقى تحت رئاسة أحمد رضا ( .

( أحمد) أعلمتم ما وقع أخيرا من الحوادث المدهشة

( الجماعة ) لا .

( أحمد) يظهر ان السلطان غير مخلص للدستور وهو يتربص الفرص للايقاع بحزبنا ، والقضاء على ثمرة اجتهادنا ، وقد لاحت على أفعاله بوارق ذلك . وقد كنت قلت لكم غير ما مرة : انه غير مخلص ، ومن المستحيل أن يخلص للدستور بعد أن تربع على منصة الحكم المطلق اربع وثلاثين سنة ، فعارضتموني وآغررتم بدموعه الساكبة ليلة المأدبة ، وقوله لكم إنى أود أن تضحى حياتي فى سبيل مصلحة بلادى . فغرتكم تلك الترهات ، وحسبتموه دستوريا بكل معنى الكلمة .

( الجماعة ) ما فعل أيها الرفيق ؟ فقد ازعجتنا تصريحاتك وروعتنا تلويحاتك

( أحمد ) ألم يبلغكم ما فعل السلطان ؟ فقد أنفق من جيبه الخاص بسخاء على جنازة حسن فهمى ، وأمر بدفنه بمقبرة السلاطين

( الجماعة ) بلغنا ذلك . ولكن لم نجعل لهذا العمل أدنى اعتبار لاعتقادنا انه لم يكن الا ترضية لجمعية الاتحاد الحر .

( أحمد ) لا ! لا ! ليس بترضية . فان تصريحات السلطان لجواد بك يفهم منها ان الرجل يضمر الغدر ، وينوى الفتك بنا . على ان عمله هذا مع حسن فهمي ليس الا تشجيعا لحزب الاتحاد الحر ليقاومنا ويناقشنا الحساب حتى اذا اشتغلنا

بمقاومة مناظرينا وجد منفذا ينفذ به من مضايق الدستور الى ساحات الحكم الرحبة . وقد بان لى الآن انكم لم تقفوا على حقيقة الرجل ، ولم تفقهوا دهاءه وحيله . ولو كنتم تقدرون الحوادث حق قدرها ، وتستنتجون من الماضى قياسا للحاضر لما اغتررتم بتظاهراته وانعطافه الكاذب . فان الشكل الذى غلق به  مجلس المبعوثان الاول أراه تجسم الآن حتى أصبح مرثيا . ولا عجبا ! فالتاريخ يعيد نفسه ، والليالي كلها أخوات

( الجماعة ) نحن لسنا بمغفلين ، ولا مغترين . ولكن الرجل تناهى فى الدهاء الى حد أصبح فيه لا يدرى له كنه ، ولا تفهم له حقيقة . وبما أننا نعتبر حقائق الامور من ظواهرها فقد تحصحص لدينا اخلاص السلطان للدستور لعلمنا ان القوة معنا وهي الجيش . والسلطان اعرف الناس بان من كان معه الجيش لا يغالب ولا يضام

( أحمد) نعم هذه حقائق ثابتة . لكن أنتم لا تجهلون أن السلطان غنى وله مكانة اكتسبها بطول مكثه على العرش . فهو يستطيع أن يبذل المال . ويستعمل الجاه في سبيل معاكستنا اذا غفلنا عنه . على اننى أشعر بأن حزب الاتحاد المحمدي لا بد له من غاية سافلة . وقد دلنا التاريخ ان تخليط الدين بالسياسة لا يراد منه الا نيل الملك ، واشهار دعوة الحكم المطلق . وبدون شك أن الحزب المشار اليه يجرى وراء هذه الغاية والمظاهرة التى أجراها هى بمثابة تمهيد لهذا المقصد .

( الجماعة ) أصبت أيها الزعيم . وقد أثر فينا كلامك الحر . وعليه ، فلا بد من مراقبة السلطان وبث العيون والارصاد وراء حزب الاتحاد المحمدي

( أحمد ) فليكن ما ترغبون لأنه من أجل مقاصدى

) السلطان في قاعة يدخل عليه خصى من خصيان القصر (

( الخصي ) مولاى ! إن حزب الاتحاد المحمدى قد ثار ثورة هائلة ؛ وانضم لهذا الحزب جماعة من العلماء وعدد غير تافه من قدماء الضباط . وقد تجمعوا في زهاء خمسين ألف نفس ؛ وذهبوا جميعا الى سراى المبعوثان ، وأحاطوا بها بقصد الفتك بأحمد رضا وبعض الاعضاء خصوصا اسماعيل جاهد بك محرر طنين . ولما لم ينجحوا في اعمالهم بالمجلس أجروا حركة ثورية ، وأكثروا من طلق البنادق في الجو ، واعتدوا بالفتك على كثير من الضباط المنتسبين لجمعية الاتحاد والترقي وهم يصرخون : الدين ! الدين

( السلطان ) يضحك كثيرا ثم يقول : انني لا أحب الثورات والقلاقل . وأود أن أتمم بقية حياتى فى هدوء وسلام ، وان تكن مملكتى فى سكينة . ولكن كل شئ بقضاء وقدر . خذ أيها العبد الامين هذه الخمسين ألف ليرة ، ووزعها

على قدماء الضباط لعلهم يكفون عن الهيجان ، وينسحبون من حزب الاتحاد المحمدى ؛ إذ ربما كان الباعث لهم على هذا الانضمام هو قلة ذات اليد وكان بغضهم للدستور ناشئا عن حرمانهم من المرتبات التى كانوا يتقاضونها من قبل . ولكن أوصيك أن توزع ذلك المقدار من المال بطريقة سرية حتى لا يفطن الدستوريون بذلك ، فيظنوا انى أروم القضاء على الدستور بتشجيع خصومهم ومناظريهم في السياسة مع انك تعلم كم أميل للحكومة المقيدة سيما فى الوقت الذى استعد فيه الشعب لذلك . وقد اشتعل رأسى شيبا وصرت أشعر بالميل للراحة .

عند آخر كلمة يسمع ضوضاء وصراخ فيطل من النافذة فيجد الحزب المحمدى (

( الجمهور ) لتعش ! لتعش ! لتعش ! أيها السلطان العادل ! إننا جئناكم لناخذ التأكيدات والضمانات في العمل بالشريعة المطهرة ، ونبذ القوانين الأروباوية ، وعزل أحمد رضا بك وبقية الكفرة ، واسقاط حسين حلمى باشا من الصدارة وان تحافظوا على الشريعة السمحاء والعمل بأوامرها ونواهيها حتى لا نبتعد عنها فى كل اعمالنا قيد شبر

( السلطان ) أوصيكم يا اولادى بالهدوء والسكينة والابتعاد عن كل مشاغبة والاحتفاظ بالدستور . وأنا أضمن لكم السير على منهاج الشرع العزيز وأحلف لكم بشرفى وشرف الخلفاء من آل عثمان إنى لا أخالف شريعة ينبوع الحكمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

( الجمهور ) قد اطمأنت خواطرنا . دام بقاؤكم أيها الخليفة العادل ! فلتعش فلتعش ! فلتعش !

ثم يرجع السلطان الى الغرفة التى كان بها وبعد الجلوس يدخل عليه حاجب (

( الحاجب ) فى هذه الساعة جاءت رسالتان تلغرافيتان

السلطان اقرأهما .

( الحاجب يقرأ ) بناء على استياء الفكر العام والاضطراب الذى أحدثه الحزب الجديد الذي سمى نفسه بحزب الاتحاد المحمدي تحيلا على الجهلاء والبسطاء لغاية سافلة : وهي مناهضة الدستور واسقاطه لاسباب ستنجلي حقيقتها فاني رأيت من المفيد للوطن أن أقدم استقالتى من رياسة مجلس المبعوثان وسيلاقي كل ما قدمت يداه                       ( أحمد رضا )  .

( السلطان ) يسوؤنى والله ان يستقيل أحمد رضا ، وهو فيما أظن فتى ذكى ولكنه حسنا فعل ؛ فان حزب الاتحاد المحمدى يرى اسقاطه واجبا . اقرأ لي  . الرسالة الثانية أيها الحاجب !

الحاجب يقرأ ( مولاى أنت تعلم جيدا أخبار الحركة الممقوتة التى قام بها الحزب الجديد ، ومطالبته بقحة إسقاط من الصدارة . وحيث كان وجودى فى وظيفتى من البواعث على تزايد الهيجان والقلاقل ؛ ومن جهة أخرى ، فانى لا أريد أن اتحمل تبعات المسؤولية . فالمؤمل أن تقبلوا استقالتى من الصدارة العظمى

( حسين حلمي )

( السلطان ) لا حول ولا قوة الا بالله . يعز على ان يفارق حسين مسند الصدارة ، وقد عرفته منذ القديم رجلا مخلصا سواء فى مدة ولايته باليمن أو, في مقدونيا . نعم إنه فرط وأخل بواجبه فى اخر الحوادث المقدونية لكنه على كل حال أفضل من غيره

السلطان يتحادث مع توفيق باشا (

( الحاجب ) مولاى ان صاحب الدولة توفيق باشا قد حضر ، وها هو ينتظر الاذن من جلالتكم للمثول بين أيديكم

( السلطان ) فليدخل .

( توفيق ) طلبتم منى يا مولاى الحضور منذ اربعة ايام . وحيث كنت متوعك المزاج فقد تأخرت عن اجابة أمركم السلطانى . ولما ادركتنى النقاهة سارعت بالمثول بين يدى اعتابكم

( السلطان ) ان حسين حلمي قد استقال . على أنه لو لم يفعل ذلك لعزل . ، لكنه جرى على المثل ) يبدى لا بيد عمرو ( . ولذلك فقد عولت على اسناد الصدارة اليكم لثقتي بمقدرتكم واخلاصكم لعرشنا الأنور

) توفيق ( بمزيد الخجل يا مولاى أعرف جلالتكم إنى لا أقبل ما تفضلتم به على فى مثل هذه الاوقات التى اصبحت فيها الثورة على الابواب والامه فى هيجان واضطراب . وزيادة عن ذلك ، فقد شعرت منذ مدة بالتعب والعجز عن القيام بمهام السياسة حيث بلغت من الكبر عتيا .

( السلطان ) انني قد رقيتك يا توفيق لمسند الصدارة لاعتقادى إنك خير كفء لها ؛ فأرجو أن لا تعرض على الاعذار الملفقة ، وقد عهدتك وعرفتك حازما ناشطا بالرغم من كبر سنك

) توفيق يؤدى المراسم ثم يستلم ختم السلطنة (

( السلطان ) ارسل يا توفيق منشورا لكافة الولايات العثمانية وضح فيه رغبتى السلطانية فى اجراء العمل على مقتضى الشريعة المحمدية ، واذهب بأمان الله

للباب العالي واصدغ بهاته الارادة فى عاصمتنا أيضا كي تطمئن الخواطر ويزول الخوف والفزع .

( بعد خروج الصدر يدخل خصي يخبر السلطان بما يأتي )

( الخصي ) ساءت الاحوال وتفاقمت الاخطار يا مولاى ! فقد كثرت اعتداءات عساكر القصر على نجباء ضباط المدارس ، وعلى أعضاء مجلس المبعوثان حتى اختفى أكثرهم من الابصار ، وكثر اللغط فى قتل فلان والتمثيل بفلان. إلا . أن الامر الجدير بالذكر والعناية هو ما تواترت به الاخبار من أن أعضاء المبعوثان المنتسبين لجمعية الاتحاد والترقى قد فروا جميعا الى سلانيك حيث مركز جمعيتهم وحصن منعتهم . وجلالتكم تعلم ما وراء هذا الفرار من النوائب والاخطار . وتعلم ايضا ان هذه الجمعية بيدها تسيير حركة الفيلق الثاني والثالث حيثما تريد

( السلطان يرتعد ) حسبنا الله ونعم الوكيل ! رباه ما حيلتى إزاء هذه الكوارث فقد تنازلت عن كل امتياز ، وتصاغرت حتى تضاءلت ! فيا ليت شعري ماذا يكون ؟ لا ريب عندى انهم يسعون وراء خلعي ليستريحوا منى ، ويأمنوا على دستورهم الجديد . أجل انهم محقون فى ذلك . فقد طاردتهم كثيرا ، ونازلتهم حينا من الدهر حتى اصبحت ثقتهم بي بعد ذلك من رابع المستحيلات . نعم نعم ! أنا الذى جنيت على نفسي والله يمهل من جار ، وينقم . انا لله وإنا اليه راجعون .

( يدخل توفيق (

( توفيق ) قلت لكم إننى لا أريد تحمل اية مسؤولية ، وأنا فى هذا السن . لا أريد أن ألوث سمعتى ، وأنا على ابواب القبر

( السلطان ) ماذا جرى ؛ فقد هالني تغير سحنتك وعبوس وجهك !

( ( توفيق ) جرى ما لا تحمد عقباه ! فان خمسة وعشرين ألف من عساكر الفيلق الثالث قد عسكرت بعددها بسان استفانوس تحت قيادة حسنى باشا منتظرة قدوم الفريق الاول حتى إذا حضر داهمت الاستانة واقتصت من المجرمين جزاء وفاقا .

بعد خروج توفيق يدخل على السلطان جواد وبيده منشور (

( جواد ) ها قد أرسل لكم قائد الجيش بسان استفانوس منشورا

( السلطان ) اقرأه .

) جواد يقرأ ( ليكن فى علمكم انى عما قريب أهاجم الاستانة بقصد القاء القبض على العساكر الثائرة ومطاردة كل من له شبهة فى تدبير الحركة الممقوتة التى أخلت بالامن وحماية الدستور من عبث كل عابث . وبناء عليه أرجوكم أن لا  تتأثروا من هذه الاعمال ، ولا تظنوا أنها موجهة ضد شخص جلالتكم

الامضاء : ) قائد الجيش المهاجم (

( السلطان ) لقد ساءت الاحوال وتبعثرت الآمال ، وكأني واقع فى الفخ لا محالة . إلاهى ! يعز على أن أفارق عزتى الباذخة ورفعتى الشامخة . انني اشعر بالوبال وخيبة الآمال إن الاحلام المزعجة لم تفارقني هذه الايام كلما نمت . إن أحلام الشر لا محالة خلاف أحلام الخير . آه !

إلى الله أشكو إننى كل ليلة           اذا نمت لم أعدم طوارق أوهام

فان كان شرا فهو لا بد واقع            وان كان خيرا فهو اضغاث أحلام

ثم يبقى السلطان برهة وبعدها يقول لجواد (

( السلطان ) اسمع ضوضاء يا جواد ! كما انى أسمع صوت طلق المدافع عن بعد

( جواد يذهب ويعود )

( جواد ) مولاى ان الفيلق الثالث الذي كان معسكرا بسان استفانوس قد وصل وأقام الحصار على الاستانة . وقد بدأ يطارد العساكر الثائرة برمي القشلات بالقنابل حتى يرضخوا للقوة ويرجعوا عن غيهم

( السلطان يرتعد ( ماذا يروم قائد الفيلق ؟ هل يقصد بعد هذه الاعمال التعدى على قصرى أو يريد خلعي ؟

( جواد ) لا ! لا ! يا مولاى ، فان محمود شوكت قد صرح قبل حضوره مع عساكر الفيلق الثالث بأنه لا يقصد محاصرة قصركم المنيف او الاعتداء عن شخصكم الشريف ، ما دام مولاى سلطانا ، فان هذه الصفة تخولكم وحدك مزيد الاحترام والاجلال . وعلى فرض اصرار عساكر القصر على العناد والمكابرة فانه يجوز ان تنازلهم عساكر سلانيك ، وأن ترميهم بالقنابل . ولكن كل ذلك يستدعى الاعتداء عليكم . فكونوا مطمئين

( السلطان ) أتظن انهم سيفعلون ذلك .

( جواد ) لا . لا . ولكن ان بقيت جنود حامية يلدز على التمرد ، فانه قد يكون ممكنا اتخاذ الوسائل التى ذكرتها لكم

السلطان ( حسبي الله وتعم الوكيل ! فقد حان وقت القصاص مني والتنكيل بي فالاولى والاجدر إزاء هذه الحوادث الفرار وامتطاء ظهر أحد الزوارق ذلك خير لى وأبقى

بعد ذلك يقع الحصار على يلدز فيجمع السلطان حوله أخلاطا من رجال القصر ) .

( السلطان )            لكل شئ اذا ما تم نقصان

فلا يغر بطيب العيش إنسان

          هى الامور كما شهدتها دول

من سره زمن ساءته ازمان

نعم ! فقد جاء زمن الاساءة ! جاء الوقت الذى قضى الله ان ألاقي فيه ما قدمت يداى ، واتجرع كاسات السم الزعاف الذى طالما جرعته لنابتة وطني الجديدة فاقصيتهم الى البلاد المحرقة والاصقاع النائية بعد ما امتلأت بهم رجات السجون . ولكن حقيقة ) ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (

ثم تذهب الرجال ويجلس حذو السلطان غلام ويكون قد قطع المدد عن القصر حتى ضوء الكهرباء (

( السلطان )        أرى كارثات الدهر ليس لها حد    

فمن نكبة تخفى ومن نكبة تبدو

           رمتني الليالى بالرزايا فكلما

تخلصت من ضد أتى بعده ضد

             هو الدهر لا تركن اليه فانه

أخو كدر من طبعه الغدر والنكد

             اذا ما صفا يوما تقلب بعده

خصيما ترى من لحظه يبدر اللد

         فعش أيها المغتر فيه مسات

ولا تحتفل بالمجد ان وفد المجد

ولا تغرر بالصفو ان هو قد أتى

فسرعان ما يأتي لدى قربه الصد

            فلا خير للسلطان فى دولة غدت

على حرف الاعدام قد ساسها الجند

            عثت فى نواديها السياسة مثلما

عثا مشركو الاعراب لما بدا الرشد

                ولا خير فى شعب يخون أميره

ويسعى بكل الجهد ان ينثر العقد

الى الله أشكو ما الاقى زمن الجفاء

فما غيره يرجى اذا صمد العبد

الوداع ! الوداع ايها الوطن المحبوب ! اغفر لى بحقك فقد أهملت بعض ما يجب على نحوك فرماني الله بالارزاء عقابا وانتقاما . كان يتحتم على أن اتخذك معبودا لاني متى أحببتك وذدت عنك فقد احببت الله وذدت عن حماه . ولكنني  واحسرتاه ! قدمت صالحي الذاتي عن صالحك فنكبت واحتقرت وسيكون عار التاريخ أشد وطأة على وأمر نكالا . إن حرموني من الحياة فى عرصاتك فانني سأحظ بنومة هادئة فى بطن أديمك ، واتمتع بشميم تربتك الطاهرة ، تلك التربة التى اعتقدها أغلي وأثمن من روحي وأعز من ولدى وعشيرتى . أيها الأب الشفوق ، فان عقوقك كفر لا يستثاب صاحبه وذنب لا يرحم مقترفه

استودعك الله أيها الوطن العزيز . فانى أرجو ان القى الله ؛ وانت راض عني  . ذلك لان شخصك على أراه تضعيفا فى العذاب ونكبة دونها هول يوم الحساب . اغفر لي زلتى ، وارحم شيبتى بحق السماء وما بناها والأرض وما دحاها والجبال وما أرساها والانهار وما أجراها والنجوم وما أجلاها والكواكب وما ابقاها والنفوس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها سلام عليك وتحية ما لمع برق وسكب ودق . سلام عليك وتحية ما هبت نسمات الصبا وطلعت فى الافق الجوزاء . سلام عليك وتحية ما تميلت الاشجار وغردت فوق غصونها الاطيار . سلام عليك وتحية بل ألف ألف تهدى اليك بكرة وعشية

) وعلى اثر هذا يدخل على السلطان خمسة من مبعوثي الامة بزعامة أسعد باشا (

( السلطان ) ما سبب مجيئكم ؟

أسعد ( نحن أتينا من قبل المجلس العمومي لابلاغكم ان الامة قد خلعتكم استنادا إلى فتوى من شيخ الاسلام جوز فيها خلعكم او انزالكم عن العرش بدون ترجيح احد الطرفين . ولكن المجلس قد رجح جانب الخلع . وهذه صورتها

" اذا كان زيد امام المسلمين غير في الكتب المقدسة ورفع منها بعض المسائل  الهامة ثم أمر بإحراقها ؛ بعد أن فعل بها ذلك ظلم الرعية وأخذ اموالها واغتصب حقوقها فقتلها وسجنها وعذبها ونفاها وأذاقها كل أنواع المظالم والقسوة وبعد أن أقسم أن يتبع الطريق السوى حنث في يمينه وأراد اثارة حرب أهلية تجلب على البلاد والعباد الدمار والهلاك فضلا عن أمره باطنا بالقتل وسفك الدماء .

إذا فعل كل هذا ، فهلا يمكن إما حرمانه من شرف الايمان والسلطنة

" وإما خلعة حسبما يراه الرجال الاختصاصيون أهل الرأى ؟ " الجواب نعم .                    ( سيد محمد ضياء الدين )

السلطان ) لعن الله من كان سببا فى هذه الفتن والقلاقل ! ولكن الله حكم عدل يعاقب الظالمين ويعاقب كلا بما جنته يداه . هكذا قدر الله ولكن حياتي وحياة عائلتي ؟

( أسعد ) ان الامة العثمانية أمة شريفة الاصل كريمة العنصر . فهى لا تمس حياتك .

( السلطان ) حيث أصبح من البديهى انه لا يراد بقائى هنا فأؤمل ان يصير نقلي مع عائلتى الى سراى جرغان

( أسعد ) إننا سنبلغ طلباتكم الى مجلس الامة

( بعد خروج الوفد يقول السلطان )

علام أرى الاقوام مالوا الى خفضى

وما هالهم ان يبدلوا العهد بالنقض

                      على أن لو كانت لديهم روية  

لما فرطوا فى وصدوا على حفظي

               تجاوزت اغلاق السياسة والدها

فكنت أنا فى كل من دب فى الارض

                ومن كان فى أسر الحياة مقيدا

يرى من صروف الدهر وعظا على وعظ

( تمت الرواية )

تنبيه : إن كل الاشعار التى بهذه الرواية هي من إنشاء المؤلف الا بيتين .

اشترك في نشرتنا البريدية