الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

السندبـــــــــــــاد

Share

ان سندبادك كان يوشى صدره بأظافر مقلوعة هى أظافر التى لم يحدثك عنها أول مرة .

طفولة الفنان

حدثنى عنها وعن زيارتها له بمكتبه وعن نسيانه لاسمها ولقبها ، ثم حدثنى عن احساسه بها ( كحبر على ورق )  لا   (كلحم ودم )  .

ثم فتح درج مكتبه وقال لى اقرأ ... ما نشرته هذه الأديبة الشابة بجريدة ( الصباح ) بصفحة الشباب ...

وقرأت " مذكرات فتاة " تلامس قلمها بحنان مجنح ، تلامسه بأناملها لا بالأصابع ...

وكانت لحظة الانبهار ! واتفقنا على " تشجيعها " حتى لا تتلاشى ألحانها الأثرية فى صفاقة الضجيج !

ولكن كيف ؟ فهو لا يعرف اسمها ولا عنوانها ... أما هى فقد تجردت من اسمها الصريح وكأنها قد عوضت جسدها بحضور نصف خيالى ، وعوضت وجهها بملامح وظلال مرسومة على الأفق ...

ثم ... كانت مبادرة الصديق الشاعر أو بالأحرى مفاجأته لى عندما قرأ لى قطعة من النثر الفنى " شبه معارضة " لما كانت قد نشرته تلك الكاتبة التى هى فى سن غير سنه ، وفى جيل

غير جيله ، وفى " حجم " من الحضور الأدبى الموشح بالظلال والدخان مخالف " لحجمه " الأدبى البارز فى أفق الحياة الأدبية ... ومن لا يعرف الشاعر عبد المجيد بنجدو ؟ والأوجه المتعددة التى ساهم بها فى الانتاج التونسى ؟

وبلا شك هذه المبادرة فى " الأخذ باليد " من طرف صديقنا جديرة بالتسجيل والاعتبار لا سيما اذا علمنا أن .. ( بنجدو ) لم يقف موقف المشاهد ، أو موقف " الوصى " وانما نظر الى جرح الكلمة من داخل التجربة ، وألغى بذلك المسافة والبعد بين جيل وجيل ، وبين تجربة عصر مثقل بالثمار وتجربة مرتعشة على ضفة " الصباح " ! .

انها شجاعة من صديقنا أن يتحول من مقعد " المراقب " و " المشرف " ليجلس فى مقاعد " الامتحان " اندماجا بلا مركبات وبلا مسبقات ذهنية ... " اندماجا " لا تبرير له الا طفولة الشاعر الأبدية .

عندما أدركتنى سفينتك كانت سفينتى قد أبحرت وابتعدت عن الساحل الذى كنت تستحمين فيه ، وعن صحراء الحرية ، وعن وهج الشمس ، وحتى عن العين التى كان يشرب المسافرون منها ثم يغتسلون ، ما زلت أذكر تلك العين وما زال ظمئى يحدثنى عن مائها ويروى لى عذوبته ، كانت عينا ثرة لذيذة ماؤها عذب شربت منه مرة فارتويت ولم أغتسل .

لقد بقيت بذاكرتى صورة باهتة من ذلك العالم البعيد ، صورة ضبابية من ذلك العالم الذي لم يعد بالامكان العودة اليه ، عالم يفصلنى عنه حائط الزمن ؛ وهل يقتحم جدار لبناته الايام وأطواله السنين ؟

أدركتنى سفينتك عندما كان لسفينتى مجدافان قضمتهما الأمواج  كما تقضم الجرذان قطعة الجبن ؛ وما يفعل بحار بمجدافين نخرهما الزمن ؟

وحتى ساعداى ، ساعداى اللذان كانا يمسكان بالمجدافين أصابهما الاعياء ، ولولا انى اتخيلهما قويتين لما دفعتا السفينة .

يداى كانتا فارغتين لا مجداف ولا سواعد ، ولكنهما كانتا والمجدافان فيهما يحركان السفينة ويدفعانها ، ولا أدرى هل كانتا تدفعانها الى الامام أم الى الخلف .

وبينما انا فى هذه الحيرة ، فى هذا الاعياء الذى كان يضنينى ، ينهكنى ، احسست فجأة بأن فتاة جميلة نقية كانت تطل من عينيك اللامعتين المتوقدتين .

وناولتنى رقعة .. رقعة لم تكن بيدك بل كانت بيدى ، تجاوزتها ولم أقرأها ، كانت كصفحة جريدة تحيط بها أخبار كثيرة ، أخبار تتحدث عن قرية الأطفال ، وأخرى بها قصيدة تتحدث عن الجزر والد .

سلمتنى الصحيفة التى كانت بيدى ، وعدت من حيث أتيت تدفعين سفينتك التى طواها البحر ، البحر البعيد . وتصاعدت الأمواج مزبدة فحجبت السفينتين معا ، وطوتهما كما يطوى الحاضر الماضى .

كانت سفينتها تبحر الى بلد ناء جميل ، اما سفينتى فكانت فى طريق العودة منه ، ولقد ادركت بعد ان قرأت الرقعة ، كلمة كانت تفيض بها عيناها - لقد استمعت الى هذه الكلمة كما تستمع انت الى كلمة تقال بصوت مرتفع صارخ ، كلمة كانت ذات حروف ضخمة ، ذات حروف بارزة حمراء ، قالت لى عيناها ألما تعرفنى ؟

وسددتا الى نظرة مخيفة كان فيها اتهام ولوم .

لانها كانت تحسب اننا نعيش فى مدينة واحدة ، وفى حارة واحدة ، وفى بيت واحد ، بيت يسكنه اشقياء  النفوس ، وكانت تحسب انى احد حراس هذا البيت لذلك كانت تقول لى عيناها ماذا كان يشغلك عني لم  لم ترنى قبل اليوم ، اما انا فقد سالت نفسى نفس السؤال واتحدت كلمتى بكلمتها حتى لكأنهما كلمة واحدة ذات صوت واحد تفجرت خلف لسانينا ، وبحثت عن هذا الذى كان يشغلنى عنك فلم اجده لا شىء لا شىء الا ان يكون قد عشى بصري .

هى أمامى ، ملء عينى ، أنشق رائحتها ، وينبعث من جسمها دفء كاد يحرقنى . انظر اليها ولا اراها حين كنت ابحث عنها ، ابحث عنها كما يبحث الماضى فى فى ابعاد المستقبل واجوازه البعيدة لم ترها عينى وحتى يداى كانتا قصيرتين .

وعدت الى الرقعة اقرأها ، التهمها كما يلتهم الجائع الطعام الشهى بعد ان كنت بدأت قراءتها بغير حماس وبدون أى اهتمام كما يقرأ أى امرىء رسالة لاتهمه .

وكنت كلما انتقلت من احدى كلمات الرسالة الى اخرى ، احساسست باننى اضعت شيئا وتناوبنى الندم والحيرة ، وشعرت بالاختناق ، الاختناق الذى بصيبك عندما تضيع جوهرة ثمينة .

جوهرة القيتها بيدى طوعا ، رميتها فى البحر كما ترمى نفايات الاشياء وتلقفتها الامواج عندما اصبحت أحس بأنه لم تعد لى قدرة على السباحة والغوص فى أعماق البحار .

تعذبت كثيرا ، لجأت الى مرفا فى البحر كان يقال له مرفأ النسيان فاذا هو دفين العاصفة غريق تحت صراع الامواج تغطيه الموجة الغاضبة الصاخبة حتى اذا انجلت عنه غطته موجة اخرى اكثر صخبا وعتوا .

حتى لكأن الامواج نفسها تحولت الى كلمات - ما كان اشد حديث الامواج على السمع ، قالت لى الامواج وكانها ( هى ) تحدثنى :

الا تعرفنى ايها الرجل ، وهذه سماتى وملامحى بادية لعينيك ؟

انت لا تعرفنى رغم انك تدعى انك احد حراس هذه المدينة وأحد رواد هذه السواحل ، هكذا قالت لى الامواج ، والامواج فى حديثها لا تكذب ، ولا تصمت الا اذا هدأت العاصفة ، والعاصفة لا تهدأ الا لتعود ، عيناها ما زالتا تنظران الى من خلال هذه الامواج متحدثتين الى قائلتين لى انت لم تكن سوى شاعر متحفى لا تعرف دفء الشمس التى اشرقت اليوم ، انك تبدو لى ما زلت تعيش تحت اشعة شـمسك القديمة وتصطلى اشعتها . وانت لا تعرف ان شـمس الامس لا تدفئ لذلك بقيت اعضاؤك قطعا من الجليد ، يا هيكلا من جليد يقف تـحت قرص شمس ذاهبة تحت شـمس منحوتة فى شكلها ولونها ، وهل ادفأت الشمس المنحوتة الاجسام الباردة ؟ . . هكذا قالت ، وهكذا استمعت اليها تتحدث ، انا لا اتهم اذنى بالكذب ، ثم اخذت تحدثنى عن الحرية وعن بحر الحرية وعن صحراء الحرية والعين التى شربت منها حتى ارتوت ، وعن رحلتها الاولى والثانية والثالثة مع سندباد شقى واى سندباد لم يكن شقيا ، كل

سندباد شقى ما دام البحر بحرا . واوجعنى ان يمد السندباد يده ليجذبها فاذا هو يقلع اظافرها ، ويترك اطراف اصابعها دامية ، واذا هى تعد اصابعها فاذا هى حمراء بدون اظفار . الاظفار سلاح فتاك يقى القطط الوديعة ضراوة الذئاب وتهريج الكلاب امرأة بلا أظافر ، أسد بلا مخالب ، لم يبق لها سلاح سوى دمعة فى عينها لم تبكها .

حلق هذا السندباد عاليا ثم عاد الى بلد الاشقياء البعيد الذى يبعد عنه مسافة قياسها خمسون سنة من الزمن ، عاد وهو يوشى صدره بأظافر مقلوعة اشارة الى بطولات قديمة لولاها لم يعد يقوى على الحياة ، عاد بهذه الاظفار المقلوعة اسلابا من المعركة يدلل بها عن بطولته وظفره ونصره . مسكينة ( هى ) لم تكن تعرف طبع السندباد ، ولا تعرف انه كان طوال حياته يقلع الاظافر ، حتى اظافر التى لم يحدثها عنها فى اول مرة ، السندباد او درافيلا كان قلاع اظافر ومصاص دماء ولما يزل لقد كان سندبادك رجلا ، اما سندبادى انا فقد كان امرأة على غير ما ترويه الاساطير القديمة . امرأة اخذتها من جزيرتها الوديعة عندما كنت احد بحارى الحرية ، ولكنها ماتت وانا لم ازل فى نصف الطريق ألم ترنى بعدها وحيدا اجدف فى البحر على غير هدى وفى غير وجهه ، انا اعيش لاننى لم اصدق بانها ماتت لذلك كنت اليوم تريننى ابحث عنها يا سندبادتى الشقية ، يا من اصبح يجمعنى بك هذا الامس الشقى وتعلو سمائى وسماءك شمس ميتة بلا ضوء ولا نار ، الا تسمعيننى يا من اخفيت جمالك خلف جلدك ، وراء عينيك وتحت ابتسامة يابسة ذابلة ما زالت منها بقية فوق شفتيك ، فى عينك نظرة ضائعة فيها صورة من ضياعك ، هى كنظرتى التى ترسم صورة اخرى من ضياعى .

نحن ضائعان يجمعنا الضياع شريدان يوحد بيننا الشرود ، الا ترين انه لا ينبغى ان يلتقى الضائعان . ما اجمل الضياع وما اروع الوحدة ! ان اصوات الملاحين عادت تقلقنى تفزعنى ، أليس من الافضل ان اعيش بعيدا عن الملاحين وان تكونى انت ايضا تمثالا تهرب اليه الارواح الشاردة ؟ اليس من الاجدر بك ان تجعلى من صدر سندبادك واجهة تصففين عليها الاظافر المقلوعة ؟

اظافرك المقلوعة اعادت الى مأساتى الحياة ، لقد كانت مأساتى فى اغفاءة دائمة ، لقد تكدس عليها ركام الايام حتى امست مطوية فى قبر النسيان ، لقد جرفت هذا القبر ومررت عليه كالعاصفة وعريت مأساتى وكشفت عنها فاذا

هى هيكل بلا لحم ، واذا هى جمجمة الماضى جمجمة الشمس التى لم تعد ،  وظلت مأساتى هيكلا بلا حركة الا ما تحركه العاصفة ، حركة بلا ارادة بلا فعل مساكين هى هذه الجماجم التى يتهمها الناس باطلا بالفعل فى حين انها لم تفعل شيئا ولن تفعل شيئا ، انت يا سندبادتى لك لحم كثير يغطى هيكلك الذاوى الضاوى فأعيرينى نصف ما عندك من لحم أكس به هيكلى العارى .

عودى عاصفة كما كنت وارجعى من الطريق التى جئت منها واحملى معك التراب الذى نثرته هنا وهناك حتى يوارى الرمة البالية . آه ما اقسى صيحتك وما اكثر ما كانت تحدثه فى نفسى من اصداء .

اشترك في نشرتنا البريدية