الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

السينما العربية بين المحلية والقومية

Share

يبدو فى مقدمة هذا البحث ان هناك اهتماما خاصا باعتبار التاريخ للسينما المصرية مدخلا لموضوع السينما العربية بين المحلية والاقليمية وليس هناك تبرير خاص لهذا الاتجاه من التعصب المحلى باعتبار كاتب هذا البحث مصريا وانما هناك اكثر من سبب موضوعى لهذا المدخل اهمها أن السينما المصرية ليست فقط أعرق حركة سينمائية فى الوطن العربى واكبرها حجما فقط بل هى الحركة السينمائية الام التى نبعت منها بعد ذلك كل تقاليد وخصائص فى البلاد العربية الاخرى على المستوى المحلى والمستوى القومى .

لم تكن السينما المصرية بعيدة عن السينما الاجنبية تاريخا ولا مضمونا منذ يومها الاول . . .  فهى قد بدأت بعد عام واحد تقريبا من بداية المحاولات الاوربية لهذا الفن العظيم حين تم أول عرض سينمائى فى الاسكندرية فى مقهى " زافانى " عام 1896 . . .

وقد تكون القصة معروفة تاريخيا منذ ذلك التاريخ . . . ولكن المهم ان الاجانب المقيمين فى مصر فى ذلك الحين والذين كانوا سباقين دائما الى اكتشاف أسرع وأضمن الوسائل لاستغلال أموالهم فى مصر التى كانت دائما بشكل أو بآخر بقرة حلوب لكل ذوى الاطماع هؤلاء الاجانب المتمصرين - بحكم استغلال أموالهم أو مواهبهم التجارية على الاقل - هم الذين فطنوا الى استغلال هذا الكنز الهائل الذى بدأ العالم يكتشفه فى السنوات الخمس الاخيرة من القرن التاسع عشر : هذه الشرائط العجيبة التى تعكس صورا متحركة على شاشة بيضاء .

وهكذا بدأت أول عملية لاستيراد الافلام الى مصر وبناء صالات عرض بها منذ نجاح عرض الاسكندرية الاول فى 1896 بحيث أصبح عدد الصالات بعد ذلك وفى عام 1908 على التحديد هو خمس صالات بالقاهرة وثلاث بالاسكندرية وواحدة فى كل من بور سعيد والمنصورة وأسيوط .

ولكن السينما ظلت اجنبية بالنسبة للمشاهد المصرى طالما كانت قاصرة

على الشرائط المستوردة من الخارج والتى تقدم لهذا المشاهد " صورا " غريبة عنه سواء فهمها او لم يفهمها . . . وأصبح لا بد ان تكتسب السينما المصرية ملمحها المحلى الاول . . . بمعنى ان تقدم صورا مصرية بالضرورة . . وفى الاسكندرية أيضا - باعتبارها نافذة مصر على العالم الاوروبى ومركزا للتجارة الاجنبية أساسا - احضر " لاجارن " أول كاميرا أجنبية بمصورها الاجنبى ولكن ليلتقط بها أول صور " مصرية " قدمتها كاميرا سينمائية . . .

ومن المعروف تاريخيا ان أول هذه الصور السينمائية المصرية التى شاهدها المصريون عام 1912 هى : ميدان الاوبرا - السياحة حول الاهرام - الخديوى فى شوارع الاسكندرية - قداس فى كنيسة سانت كاترين - حركة المسافرين فى محطة سيدى جابر .

وحتى الفيلم الدرامى المصرى - أى ذلك الذى ينتقل من مجرد تسجيل الحركة بالكاميرا الى ان يحكى بها حكاية ما - فانه بدأ أيضا على أيدى الاجانب . . حين اشترك مصور ايطالى مقيم بالاسكندرية اسمه " البرتو دورسى " مع بعض الايطاليين الآخرين فى بناء أول " ستوديوهات " سينمائية فى مصر . . وهى مجرد قاعات جدرانها وسقوفها من الزجاج لتعكس الضوء اللازم للتصوير . . وكان أول مخرج لاول أفلام مصرية ايطالية أيضا اسمه " اوساتو " اخرج أول ثلاثة أفلام مصرية - لو صحت هذه الصيغة - هى " شرف البدوى " و " الزهور القاتلة و " نحو الهاوية " والتى لم يكن طولها يزيد عن 45 دقيقة . ولكنها عندما عرضت لاول مرة فى صالة " شانتكليه " بالاسكندرية لم تنجح نجاحا يذكر . . وكان هذا أول فشل للسينما المصرية على المستوى المحلى . . لانها لم تكن تقدم " موضوعات " بالشكل الدقيق للكلمة . . ولم تكن تحمل طابعا مصريا رغم ادعائها ذلك . . بدليل ان عناوينها كانت فرنسية . . وممثليها لم يكن بينهم مصريون . . بل ان القصة المعروفة عن احد هذه الافلام وهو " الزهور القاتلة " هى انه قدم آيات قرآنية بصورة مشوهة . . مما دفع السلطات المصرية الى وقف عرض هذا الفيلم . . وكان هذا أول صدام بين السينما المصرية والرقابة .

ويعتبر جلال الشرقاوى المخرج المسرحى والسينمائى فى دراسة له بعنوان " حول تاريخ السينما " فى ج . ع . م ان التجربة الاولى فى تحقيق شريط قصير يمكن اعتباره مصريا الى حد ما " هى تجربة فيلم " مدام لوريتا " الذى اخرجه مخرج  أجنبى أيضا اسمه " لاريش " عام 1918 ولكن مثله أعضاء فرقة فوزى الجزايرلى وعرض لاول مرة فى دار سينما " الكلوب المصرى "

وكان حريا بهذا الطابع المصرى ان يتأكد بعد عودة محمد بيومى أول سينمائى مصرى درس السينما فى الخارج . . حين حمل من ألمانيا بعض الالآت التى صور بها فيلم " الباشكاتب " الذى مثله أمين عطا الله .

وتكمن أهمية هذا الفيلم ليس فقط فى انه أول جهد مصرى خالص فى السينما تمثيلا واخراجا . . بل فى انه قدم القصة التى أصبحت بعد ذلك قدر السينما المصرية كلها وربما حتى السبعينات . . وكانها حددت قصة " الباشكاتب " شخصية الفيلم السورى التى لم يستطع الفكاك منها حتى الآن . . وهى قصة الموظف الذى يقع فى غرام الراقصة . . فيختلس مبلغا من المال لينفق عليها ويتعرض لكل المآزق الميلودرامية التى أصبحت ملامح أساسية للفيلم المصرى بعد ذلك مع تغيير الصور والاساليب . . بحيث انها أصابت وترا حساسا فى مزاج متفرج السينما المصرى فأقبل على الفيلم الذى حقق نجاحا كبيرا . . ودفع أمين عطا الله نفسه الى تمثيل فيلم الثانى " البحر بيضحك ليه " الذى كان هو الآخر التقاء بوتر آخر من أوتار شخصية متفرج السينما المصرى وهو وتر " الاغنية " فقد كان اسم الفيلم هو اسم أغنية مصرية معروفة . . وكانت لهذا الفيلم قيمة أخرى هى انه أول لقاء بين السينما المصرية والمتفرج العربى . فحمله أمين عطا لله وسافر به الى لبنان وعرضه هناك .

فى السنوات القليلة التالية اشترك سينمائيون مصريون وأجانب فى دفع عجلة العملية السينمائية فى مصر حركة بعد حركة . . وظل الطابعان المصرى والاجنبى يتقاسمان ملامح هذه السينما وهى تحاول ان تكتسب ملامحها المصرية موضوعا ولغة وأداء . . فالى جانباسماء محمد بيومى وفواى منيب وأمين صدقى وعلى الكسار وجبران نعوم . . اشتركت فى وضع البدايات الاولى الساذجة للسينما المصرية اسماء بونفيل والفيزى اورفانيللى ورينيه تادريه . . حتى اخذ هذا الخلط فى الجنسيات شكله الرسمى فى أول شركة سينمائية بالمعنى الكامل للكلمة انشأتها عام 27 عزيزة أمير وكاتب تركى مقيم فى مصر هو وداد عرفى . . وهى الشركة التى لم يلبث ان ساهم فيها ايضا المصور الايطالى استيلو كيارين الى جانب الممثل المصرى اسنفان روستى . . وفى أول أفلام الشركة " دعاء الله " تحددت أيضا ملامح الميلودراما التقليدية التى أصبحت أساسا هاما من أسس الفيلم المصرى . . فليلى الفتاة الريفية تقع فى خطيئتها الجنسية المدمرة مع خطيبها أحمد الذى يعمل " ترجمانا " للسياح والذى يهجرها مسافرا مع احدى السائحات الى أمريكا فتهرب ليلى بفضيحتها وجنينها المحرم الى القاهرة لتواجه مصيرها المأسوى . . وهكذا تحددت منذ

أول فيلم كثير من القيم الاخلاقية التى تحكم الفيلم المصرى حتى اليوم . . ولم تتبدل هذه القيم كثيرا فى السينما المصرية منذ هذا الفيلم الذى تغير اسمه الى " ليلى " بعد ان اخرجه استفان روستى بنفسه وبدل كثيرا فى السيناريو الاصلى بعد انسحاب وداد عرفى من اخراجه واكتفى بتمثيل دور الخطيب الهارب . . والذى يؤرخون به كميلاد حقيقى للسينما المصرية عام 1927 حتى اننا نواجه المشكلة تقريبا - الفتاة التى تحمل سرا من شاب تصبح مأساتها هى محاولة الاجهاض أو اخفاء " جريمتها " عن المجتمع المحافظ - فى واحد من آخر الافلام التى انتجتها السينما المصرية عام 1972 والذى لم يعرض بعد فى القاهرة وهو فيلم " غدا يعود الحب " الذى تلعب فيه الممثلة نيللى نفس دور ليلى الذى لعبته عزيزة أمير منذ 45 عاما . . رغم ان هذا الفيلم الحديث الذى يستخدم تكنيكا جديدا تماما فى الالوان " والفلاش باك " مقلدا آخر أساليب السينما العالمية هو أول فيلم من اخراج نادر جلال . . وهو مخرج شاب جديد من خريجى معهد السينما القاهرى . . والذى يكتب فى عناوين فيلمه الاول هذا انه عن قصة احمد جلال . . وهو والده الذى كان واحدا من مؤسسى السينما المصرية . . . .

وكانت أول علاقة للاب الراحل بهذه السينما المصرية هى أنه ظهر ممثلا فى دور صغير فى فيلم ليلى هذا نفسه . . الذى يعود ابنه فيخرجه للسينما المصرية وبالالوان فى عام 1972  .

تكمن أهمية فيلم " ليلى " أيضا فى أنه أعطى السينما المصرية طابعها القومى لاول مرة . . فرغم ان عرضه الاول فى سينما متروبول كان فى 16 اكتوبر 1927 وبعد بضعة اشهر من عرض فيلم مصرى آخر هو " قبلة فى الصحراء " الذى اخرجه ابراهيم لاما ومثله شقيقه بدر لاما وبعض الاجانب المقيمين فى الاسكندرية التى تم تصوير الفيلم فى صحراء فيكتوريا القريبة منها الا ان ( ليلى ) اعتبر أول فيلم مصرى لان منتجته عزيزة أمير ومخرجه استفان رستى وكل ممثليه كانوا مصريين خلصاء . . فى الوقت الذى استمرت فيه محاولات العناصر الاجنبية والمتمصرة فى تطوير العملية السينمائية . . ولم يكن غريبا ان تصبح الاسكندرية منافسا للقاهرة باعتبار الثغر موطنا لكثير من الاجانب . . فبدأت فى الاسكندرية تجارب الاخوين لاما اللذين أنشآ ما يشبه الاستديو الصغير هناك . . ثم انشأ توجو مزراحى أيضا استديو صغير فى باكوس عام 1928 . . وتبعه الفيزى اورفانيللى عام 1930 باستديو آخر فى حى المنشية .

والغريب ان يبدأ الفيلم المصرى يدعم ملامحه المحلية الصرفة بعد ذلك من خلال محاولات مزدوجة من السينمائيين المصريين الاوائل ( فيلم " بنت النيل " الذى انتجته عزيزة امير عام 1929 عن قصة محمد عبد القدوس واخراج احمد جلال ، بعض السينمائيين الاجانب أو المتمصرين الذين كانت بواعثهم التجارية غير متناقضة أو ربما مرتبطة بمحاولة الارتباط اكثر بالملامح المصرية . . فنحن نرى المصور الايطالى ستليوك كيارينى ينتج عام 1929 فيلما كوميديا هو أول فلام سلسلة " كشكش بيه " الناجحة جدا شعبيا والتى سبق ان مثلها فنان شعبى عظيم هو نجيب الريحانى الذى سبق ان مثلها على المسرح المصرى واستلهم فيها شخصية مصرية تماما مرتبطة بظروف تلك الحقبة الاقتصادية والاجتماعية وهى شخصية عمدة القرية المصرى الثرى الذى وقع فى براثن راقصات كباريهات القاهرة لكى يستنزفن منه ثمن القطن . . ومن المعروف ان شخصية " كشكش بك " التى قدمها الريحانى فى المسرح والسينما معا كانت من أول محاولات هذا الفنان ذى الموقف الاجتماعى فى النقد والسخرية الواعية والسابقة لزمنها احيانا . . من كثير من الاوضاع الاجتماعية الفاسدة فى الفترة التى عايشها من تاريخ مصر .

وكان مقدرا ان تكتسب السينما المصرية ثقلا اقتصاديا وفكريا له وزنه الكبير فى مسارها كله بعد ذلك بدخول بنك مصر مجال استثمار أمواله فى هذا النشاط الجديد من خلال شركة مصر للمسرح والسينما التى انشأها طلعت حرب فى 25 يوليو 1925 والتى ظل نشاطها قاصرا على المسرح منذ ذلك التاريخ حتى تأكد البنك أن نزوله ميدان السينما أيضا اصبح عملية مضمونة العائد الاقتصادى خلال تلك السنوات القليلة التى ظل يراقب فيها المحاولات الاولى للقطاع الخاص فى السينما حتى تأكد من نجاحها . . فبدأ البنك من خلال شركة المسرح والسينما يجس نبض المغامرة السينمائية الجديدة ويقتحمها تدريجيا بانشاء معمل سينمائى على سطح بنك مصر ثم بشراء معمل محمد بيومى وايفاده هو نفسه الى أوروبا لشراء آلات جديدة للتحميض والطبع .

وكان مقدرا لهذا العمق الاقتصادى للسينما المصرية ان يتوافق مع العمق البشرى الذى كان ينقصها فى غيبة فنان السينما المصرى الحقيقى حتى عاد الفنان الكبير محمد كريم من دراسته للسينما فى المانيا ليصبح أول " فنان " حقيقى فى بدايات السينما المصرية . . ولم تكن صدفة بهذا المفهوم ان يكون أول ما فكر كريم فى اخراجه للسينما هو قصة " زينب " للدكتور محمد

حسين هيكل . . والتى اصطلح على اعتبارها أول " رواية " فى الادب المصرى الحديث بالمعنى الفنى . . فقد كان هذا تأكيدا لمحاولات تأكيد الشخصية المصرية التى توافقت فى " زينب " موضوعا واخراجا وتمويلا . . ورغم ان مصور الفيلم " جاستون ماردى " كان اجنبيا كما هو واضح الا انه كان يشغل منصب المدير الفنى لشركة مصر التى يملكها بنك مصر . .

وكانت الكاميرا التى يستخدمها هى أول كاميرا تملكها الشركة . . وكان هذا التعاون مع الفنيين أو الحرفيين الاجانب ضرورة يفرضها نقص الحرفيين المصريين المدربين وهو نقص موجود فى بدايات السينما فى البلاد العربية كلها . . ولكن هذا لم ينقص شيئا بالطبع من الملامح المصرية " لزينب " الذى تدور احداثه فى بيئة مصرية صميمة وفى جو الصراع الاجتماعى بين براءة الريف وبورجوازية المدنية كما تصوره هيكل بالطبع .

الفيلم الغنائى :

ولم يكن دخول السينما العالمية عالم الصوت فى 1927 مجرد تحول تكنيكى بالنسبة للفيلم المصرى أصبح به فيلما ناطقا . . وانما أصبح الصوت فى الفيلم المصرى ايذانا بدخوله عالما فكريا كاملا يحكمه منطق تجارى أصبح هو السائد فى مستقبل السينما المصرية كله وحتى اليوم لقد أصبحت الاغانى والرقصات هى المادة الاساسية لكل الافلام المصرية تقريبا منذ ذلك الحين . . وكان المنتجون يدركون بذكاء طبيعة الوجدان المصرى والعربى الذى يخاطبونه . . وهو وجدان شديد العاطفية تحرك اشجانه واحلامه قيم رومانتيكية ويحمل فى اعماقه تراثا عريقا من الشعر والحلم . . ولعبت الاغانى والرقصات فى السينما المصرية دورا كبيرا فى عملية " التعويض " العاطفى التى لابد منها فى مواجهة واقع اجتماعى متخلف وضغوط سياسية قوية . . وهكذا اصبحت هذه الاغانى والرقصات هى القسمات الغالبة على الانتاج السينمائى المصرى . . واصبح المطربون هم نجوم السينما الاول ايا كانت قدراتهم التمثيلية وبدأت سلسلة متعاقبة من افلام نجوم الغناء ظلوا على قمة الانتاج السينمائى من ام كلثوم وعبد الوهاب وفريد الاطرش الى عبد الحليم حافظ . . مرورا بالفترة الذهبية للفيلم الغنائى الاستعراضى المصرى عند ليلى مراد وانور وجدى ومحمد فوزى وشادية وحتى عبد العزيز محمود وكارم محمود اللذين كانا من نجوم السينما المصرية الكبار يوما ما . .

وكانت القسمة الثانية الاكثر شيوعا وتأثيرا فى الفيلم المصرى هى الكوميديا بالطبع . . وهى مرتبطة أيضا بنفس التركيب البالغ التعقيد للنفسية المصرية التى كلما ازدادت حزنا كلما ازداد امعانها فى الهروب بالضحك . . وهكذا عرف الفيلم المصرى دائما نجومه الكوميديين من نجيب الريحانى وعلى الكسار الى فؤاد المهندس ومحمد عوض مرورا بعدد كبير من الممثلين الهزليين الذين حققوا ثروات ضخمة وعددا لا حصر له من الافلام حتى لقد أنتجت السينما المصرية سلسلة كاملة من الافلام يلعب بطولتها اسماعيل ياسين وتحمل اسمه .

واصبحت الشخصيات الرئيسية فى الفيلم المصرى ثلاثا لابد من توفرها : المطرب أو المطربة والراقصة . . والمهرج . . وهو لا يعدو عن كونه مهرجا بالفعل لان احدا من ممثلى الكوميديا فى الفيلم المصرى - باستثناء الريحانى- لم يرتفع بمستوى الضحك الى الفلسفة او النقد او مجرد المغزى الجاد وراء الضحكات .

والان السينما المصرية كانت اعرق صناعات السينما فى البلاد العربية لاسباب عديدة سيجئ ذكرها تباعا ضمن هذه الدراسة . . فقد كان طبيعيا ان تنتقل هذه الملامح المميزة للفيلم المصرى الى السينما العربية كلها مع بعض الاستثناءات المرتبطة بالظروف التاريخية لنشأة السينما فى كل بلد عربى . . وأصبح نجوم الغناء والرقص والكوميديا المصريون هم اكثر النجوم شعبية فى الوطن العربى كله . .

نشأة الكاوبوى العربى

وقد كان مقدرا لموجة الغناء والرقص والكوميديا هذه ان تنحسر بانحسار شمس نجوم الغناء والرقص والكوميديا فى مصر . . وهى ظاهرة غريبة تتطلب كثيرا من البحث . . فلماذا نضبت المواهب بالفعل فى هذه المجالات الرئيسية الثلاثة فى السنوات العشرين الاخيرة ، ولماذا لم تظهر مواهب جديدة فى نفس قدرة أم كلثوم وعبد الوهاب وليلى مراد ومحمد فوزى والريحانى وتحية كاريوكا وسامية جمال وفريد الاطرش ؟ ولماذا بعد ان كف هذا الجيل عن العطاء لم يظهر جيل ثان ليس فقط على نفس المستوى . . بل ولا حتى على مستوى أقل ولكنه يكفى لتجدد تيار الحياة فى هذه الملامح الرئيسية فى السينما العربية .

لقد شهدت المنطقة العربية كلها هذا الشحوب الواضح والمخيف فى المواهب الفنية عموما خلال السنوات العشرين الاخيرة بحيث بقيت بعض الاسماء القديمة على القمة بحكم قيادتها التاريخية وحدها رغم ضعف عطائها وتناقصه الطبيعى بحكم الزمن وجفاف القدرة واصبحت الكثرة العددية فى فنانى الوطن العربى مجرد كثرة عددية . . لا مجال للمقارنة اطلاقا بين قيمتها الفنية وقيمة جيل الكبار السابق . . بحيث لم يعد هناك وسط كل الاسماء العديدة التى افرزتها الحركة الفنية فى الوطن العربى بعد توقف الجيل القديم أو ثباته على القمة . . ما يمكن ان نعتبره قيمة فنية خاصة سوى فيروز والرحبانية . . وهم فى تصورى ظاهرة فريدة لها اسبابها وظروفها الخاصة التى لا تعكس حالة الفن العربى فى الفترة الاخيرة بوجه عام . . ويتبقى المحصلة النهائية هى ان هذا الانحصار الواضح فى حركة الفن العربى كانت نتيجة حتمية للظروف السياسية والاجتماعية المتردية التى شاهدتها المنطقة . . وازمة الحرية الخانقة وانحسار كثير من التيارات الوطنية والديموقراطية ثم التطورات الفاجعة لقضية فلسطين التى يكفى كمظهر مادى لها تلك الهزائم العسكرية الثلاث المتعاقبة فى 48 و 56 و 67 التى ادت بلا شك الى خفوت شرارة الفن فى الوجدان العربى وروح القهر المعنوى التى لاشك فيها والتى ادت بدورها الى انهيار كثير من المثل والاحلام الرومانتيكية الحس الشعرى والغنائى الموهوب الذى كان يميز الوحدان العربى دائما . . بحيث اصبح هذا الوجدان اكثر ميلا والشك واليأس وانحدار الذوق الجمالى والقبول بفنون اكثر غلظة ورخصا وافتعالا هى بطبعها فنون فترات الجزر القومى فى التاريخ الانسانى كله وبالتراث فى البلدان العربية .

وطبيعى ان ينعكس هذا كله على السينما العربية . . باعتبارها جماع هذه الفنون كلها وطبيعى ان تختفى موجات الازدهار التى شهدتها هذه السينما فى وقت ما . . بحيث تنحسر موجات كاملة من هذه السينما . . وابتداء من الموجة الغنائية الاستعراضية التى ازدهرت فى منتصف الاربعينات . . الى موجة الواقعية النقدية التى بدأت " بالعزيمة " عام 1939 وحتى سلسلة أفلام صلاح أبو سيف التى بدأها عام 1951 بفيلم " لك يوم يا ظالم " عام 1951 ثم " الاسطى حسن " 1952 وهى نفس الفترة تقريبا التى قدم فيها يوسف شاهين فيلمه الاول ذا الابعاد الاجتماعية الواضحة " صراع فى الوادى " . .

وقد حققت الافلام الغنائية اكبر نسبة لها فى السينما المصرية فى السنوات من 50 الى 1955 والتى وصلت قمتها عام 51-1952 بالتحديد . . حيث تم

التعاقد مع 46 من نجوم الغناء والمؤلفين باعتبارهم اكثر النجوم رواجا فى  السينما المصرية خلال ثلاثين سنة .

ولقد كان مستحيلا ان تستمر الاغنية فى السينما العربية محتفظة بنفس تقاليدها خارجها . فاذا كانت هذه الاغنية قائمة بطبعها على النفس الطويل وبطء الايقاع وتوفر الوقت للتطريب والارتجال الملون والاعارة الوترية لنفس المقطع من أجل تحقيق اكبر قدر من الاشباع . . فان هذا كله كان يتعارض بالطبع مع السينما كفن سريع الحركة قائم على الصورة المتغيرة الايقاع . . ولقد حققت الافلام الغنائية الاولى قدرا متفاوتا من الصدمة لجمهور الفيلم . . ولكنها لم تلبث ان اكتشفت الحل فى اخضاع الاغنية الشرقية بشكل أو بآخر لمقتضيات السينما . . فاختفى التخت الشرقى نفسه ليحل محله الاوركسترا الحديث . ولعب عبد الوهاب بالطبع دورا كبيرا فى تحديث الاغنية السينمائى وتغيير ايقاعاتها وتقاليدها وجعلها اقرب الى القوالب الغربية . . وكان هذا التغيير فى الاشكال الموسيقية للفيلم العربى متوافقا مع تغييرات أخرى فى ملامح هذا الفيلم نابعة من التغييرات السريعة فى المجتمع المصرى نفسه . . وهكذا تغيرت الموسيقى والشكل السينمائى للاغنية مع تغير وحدات الفيلم الاخرى من ديكور وملابس واثاث . . والتى اصبحت كلها اكثر عصرية واقرب الى الطابع الاوروبى الذى كانت تقترب منه حينا من حيث الشكل وليس المضمون بالطبع - طريقة الحياة المصرية نفسها فى بعض قطاعاتها البورجوازية التى كانت موضوعات الافلام قاصرة عليها دون الطبقات الشعبية .

وهذا الاتجاه الى تحديث الاغنية السينمائية والذى بدأه عبد الوهاب وصل الى قمته فى سلسلة افلام عبد الحليم حافظ الذى يعتبر آخر جيل المطربين الكبار فلقد كان اتجاهه الغنائى فى افلامه هو الشكل العصرى الأكثر تقدما ونجاحا لتقاليد السينما العربية الموسيقية . وهذه مسألة مرتبطة بلون الغناء الجديد الذى قدمه عبد الحليم فى عمله الموسيقى كله - فى السينما وخارجها منذ ان ظهر عام 1952 وحتى الآن - والذى كان تعبيرا موسيقيا واضحا عن تغيرات كثيرة طرأت بالفعل على الحياة المصرية كلها منذ هذا العام . . الذى لم تكن صدفة انه عام قيام الثورة .

ولكن الحقيقة الغريبة هى ان هذا الحجم الهائل للغناء والرقص فى السينما العربية فشل فى ان يطور نفسه كثيرا منذ ان تخلص من تقاليد التخت الشرقى . . صحيح ان الايقاع اصبح اسرع وزمن الاغنيات أقل وطابعها اكثر أوروبية

. . ولكن الدور الذى تلعبه الاغنية فى بناء الفيلم بقى نفس الدور . . مجرد استراحة بهيجة توقف التطور الدرامى للفيلم لكى تطرب المتفرج . . بحيث أصبح يمكن بسهولة ان تنتزع الاغنيات والرقصات تماما من الفيلم لكى تحس ان بناءه لم يفقد شيئا ولم يختل . . وهذا فشل كبير للاغنية والرقصة كوحدة من وحدات بناء الفيلم . وهذه الوضعية مشابهة تماما ومن عدة وجوه بالفيلم الهندى . . وقد يفسر هذا رواج الافلام الهندية فى المنطقة العربية كلها رواجا أقرب الى الاكتساح منذ فيلم " سانجام " بالتحديد الذى أصبح ظاهرة ملأت الفراغ الذى حدث لدى متفرج الفيلم العربى بعد انحسار موجة الافلام الغنائية المحلية .

ولكن السينما العالمية حين تستخدم الغناء والرقص - وكثيرا ما تستخدمها فانها توظفهما توظيفا عضويا . . بحيث يصبحان جزءا من بناء الفيلم المتكامل . . وهذا يفسر لماذا لم تعرف السينما العربية حقيقة ما يمكن اعتباره فيلما استعراضيا او دراما غنائية أو كوميديا موسيقية - حسب اختلاف التسميات - بالشكل الذى عرفته السينما العالمية - والامريكية بالذات - وفى افلام شهيرة نجحت كثيرا فى المنطقة العربية رغم اختلاف اللغة مثل " سيدتى الجميلة " و " صوت الموسيقى " و " قصة الحى الغربى " وكثير غيرها .

مجتمع الميلودراما :

وقد يبدو للوهلة الاولى ان هذا الميل الغريزى للكوميديا من ناحية وللرقص والغناء من ناحية أخرى . . يعكس نفسية عربية سعيدة ومحبة للبهجة . . الا اننا لن نحتاج كثيرا من الجهد لاثبات العكس . بل ان هذا الميل بالذات هو تأكيد لنزعة " الهروب من الواقع " كما قلت . . وهو التعويض الفنى المبهج عن بيئات محلية واقعة تحت ضغوط سياسية واقتصادية واجتماعية قاسية . . مع فقدان للقدرة على " المقاومة بالعمل " وتعرض حرية التعبير والنقد لكثير من الضوابط . . ويبدو هذا كله واضحا من استقراء الظروف التاريخية للمنطقة . . بحيث لم يبق هناك مفر من النكوس الى داخل الذات واستجلاب ارخص المتع الفنية فى عالم من الاوهام الداخلية الممنوعه من الانطلاق الا بالحلم . ولقد أصبحت السينما هى أرخص هذه المتع بعد تراجع المسارح الدرامية والاستعراضية التى كان عملاؤها غالبا من طبقات اجتماعية تمت تصفيتها أو ضربها اقتصاديا .

ولقد ادرك كتاب السيناريو فى السينما العربية كلها تقريبا هذا الميل الفطرى لدى المشاهد لان يتوحد مع شخصيات الافلام فى فجيعتها . . حتى تتساقط دموعه مع كل مظلوم أو مقهور . . وهى نفس رغبته فى التوحد مع هذه الشخصيات فى حالة قدرتها الاقتصادية الفائقة التى تجسدها الافلام العربية دائما فى ديكورات فخمة وملابس زاهية وأثاث غنى وسيارات فارهة .

وشاء الطابع المركب والبالغ التعقيد للشخصية العربية ان يكون الوجه الآخر لهذا الميل الواضح للبهجة المفتعلة . . هو الميل الواضح أيضا وبنفس الحجم للحزن المتعمد . . وهذه مسألة قد لا يكون هذا مجال تحليلها نفسيا أو اجتماعيا ، ولكن المهم هنا ان الظروف والاصول النفسية السابقة خلقت عالما كاملا من المأساة من الفيلم المصرى لم يلبث ان انتقل - مثل كل ملامح هذا الفيلم المحلية - الى كل الافلام العربية . . وطبيعى - مادام المجتمع العربى مجتمعا للميلودراما - ان يصبح الفيلم المصرى عالما قائما بذاته . . وان يصبح سجلا للفواجع والنكبات والاحزان والصدمات والآمال المحبطة دائما والصدف السيئة والمعجزات المنتظرة . . والتى احيانا ما تحدث بفعل القدر وحكمة السماء غير القابلة للتفسير لا المراجعة .

ويعتبر الفيلم المصرى - والعربى عموما - ان الحياة مأساة حتى يثبت العكس . . ومن هنا فان محور القصة هو غالبا هذه المأساة . . وحتى عندما تبدأ الاصوات هادئة وعادية وموحية بالامل فلا بد ان تنقص المأساة لتهدم هذا الهدوء فى اى وقت . . وقصص الحب فى كل افلامنا تقريبا تعترضها عقبات من كل نوع . وهذا مرتبط بالطبع بنظرة مجتمعنا للحب . . فهو مرفوض اخلاقيا ما لم تصحبه مبرراته الشرعية المعترف بها من الجميع . . وانطلاقا من الرغبة الخفية - المادية أحيانا والماسوشية أحيانا أخرى - فى تدمير الحب . . فان كتاب السيناريو يضعون أمام قصص الحب فى الافلام التى يكتبونها كل العقبات الممكنة : الفوارق الطبقية . . وغدر الاحباب أنفسهم . . والحوادث القدرية . . وتدخل " العزول " أو المنافس للعاشق الذى لابد منه فى كل فيلم لاستكمال عنصر الشر أو " النكتة " بالتعبير المصرى . . ولكى يصبح هناك مبرر للصراع طول الفيلم بين البطل والشرير الذى ينتهى حتما بهزيمة الشرير وتحقيق لحظة الراحة والشماتة والتطهر لدى المشاهد العربى .

ويكمن خطر الافلام الاجنبية وسيطرتها على سوق العرض العربية فى

تأثيرها المادى على اقتصاديات الفيلم المصرى - باعتباره أكثر الافلام رواجا فى المنطقة - فقط . . وانما فى السيطرة الفكرية الخطيرة التى انسحبت من تقليد السينما العربية لمواصفات الجنس والعنف والابهار الشكلى والديكورات الخرافية والابطال الذين بلا عمل كما يقدمها الفيلم الامريكى الى التأثير الاكثر خطرا على ذوق مشاهدى السينما فى البلاد العربية الذين أصبحوا هم أيضا اسرى تقاليد الفيلم الامريكى ومفاهيمه الضارة التى يزرعها فى نفوس المشاهدين والتى تبلغ مداها فى منطقة ليست مرتفعة الثقافة بطبعها .

لقد انتشرت أفلام الحركة كما يقدم الفيلم الامريكى نموذجها الناجح والذى أصبح " علامة تجارية " للسينما السهلة التى تحقق أكبر عائد . . انتشرت هذه الافلام بشكل ما فى السينما المصرية فى السنوات الاخيرة . . وهى أفلام يلعب بطولتها غالبا فريد الاطرش ورشدى أباظة ويتخصص فى اخراجها حسام الدين مصطفى ونيازى مصطفى وحسن رضا وغيرهم . . ولا تقدم هذه الافلام للمشاهد أى متعة فنية أو فكرية ذات قيمة . . وانما تعتمد على شعبية نجوم المغامرات المعروفين . . كما انها لا تدور حول أى مشكلة ذات طابع محلى . . لانها تتجاهل الواقع المحلى الى عوالم وهمية من معارك العصابات والمهربين واللصوص وجرائم القتل التى تكتمل دائما باستخدام عنصر الاغراء الجنسى واستطاع هذا النوع من الافلام ان يملأ الى حد ما فراغ الكويميديات والافلام الموسيقية . . وان يصبح هو أكثر اشكال الانتاج السينمائى رواجا لدى القطاعات الشعبية .

وطبيعي ان يكون ثمن هذا كله هو التجاهل الكامل لمشاكل الواقع العربى فباستثناء بعض الافلام القليلة ليوسف شاهين وصلاح أبو سيف وتوفيق صالح وكمال الشيخ وبركات . . فليس هناك ما يمكن اعتباره سينما واقعية . . وبالنسبة لمصر فان هناك تجاهلا كاملا للريف فى الافلام المصرية - باستثناء بعض المعالجات النادرة وغير الناضجة غالبا - وهذه مأساة تعكس وضعية السينما العربية كلها فى تجاهلها المخجل للواقع المحلى - فضلا عن القومى - اذا ادركنا حجم الريف المصرى شعبا ومساحة بالنسبة لمصر كلها . فالسينما المصرية اذن تتجاهل 70 % تقريبا من مشاكل الارض المصرية . . وحتى النسبة الباقية فانها تعالج مشاكل المدن . . وانما تختار قاعات ضئيلة جدا من بورجوازية المدن . . بعد ان تقوم بتحريفها وتزيفها وتفريغها من مضمونها الاجتماعى الصحيح .

ولا يمكن ان يتحدث احد عن العمق السياسى للسينما العربية اذا كان الحال هكذا . . لانه لا يمكن الاعتراف بما يمكن تسميته " سينما سياسية " فى البلاد العربية رغم انتشار هذا النوع من السينما فى العالم كله الآن .

بل ان مجرد الاهتمامات القومية فى السينما العربية لا تتعدى بعض المبادرات الفردية أو المغامرات احيانا . . وافلام المناسبات احيانا أخرى . . وهى أفلام رديئة المستوى فنيا فى الغالب واقرب الى روح الدعاية او الخطابة .

وفى سوريا بدأت المحاولات الاولى لصنع سينما محلية منذ ان بدأت أول آلة عرض سينمائى أحضرها الاتراك الى حلب فى عام 1907 . . ثم بدأت محاولات الخلق عام 1928 بانشاء شركة سورية للسينما باسم " حرمون فيلم " التى انتجت أول أفلامها " المنهج البرئ " الذى أخرجه أيوب بدرى ( تاريخ السينما السورية لصلاح ذهنى ) ولكن المحاولات الناضجة لصنع سينما سورية لم تبدأ الا مع بداية الخمسينات ومن خلال المحاولات الضرورية لبعض الشبان . . الى ان تم تكريس ميلاد السينما السورية رسميا بانشاء المؤسسة السورية للسينما عام 1923 التى انتجت أول افلامها السورية الخاصة " رجال تحت الشمس " والذى تناول ثلاث قصص عن المقاومة الفلسطينية ايمانا من مدير المؤسسة الشاب عبد الحميد مرعى بأن قضية فلسطين هى هم العرب القومى الاول الذى يجب ان يعالجه السينمائيون فى البلاد العربية جميعا . .

ومؤسسة السينما السورية نفسها تجسيد للطابع القومى للسينما العربية من حيث انها تقوم على جهود عدد من الشبان فى كثير من البلاد العربية . . وآخر أفلامها مثلا " المخدوعون " مأخوذ عن رواية " رجال فى الشمس " لغسان كنعانى الفلسطينى ومن اخراج توفيق صالح المصرى .

لقد كان السينمائيون السوريون حريصين على الاحتفاظ بطابعهم العربى المحلى أولا حتى على مستوى المحاولات الانشائية الاولى . . وهو ما لم يحدث حتى للسينما المصرية التى ولدت من خلال جهود الاجانب كما اوضحنا . . ولا فى السينما فى المغرب العربى - الجزائر بالذات - التى ولدت أيضا من خلال التعاون المشترك مع سينمائيين أجانب . . رغم حرصها على ان تصبغ محاولاتها الاولى بصبغة قومية خالصة فارتبطت كل افلامها المبكرة تقريبا بصراع الشعب الجزائرى من أجل الاستقلال . .

اذا كانت العربية الفصحى هى الرباط التاريخى للعرب جميعا وباعتبارها اساسا لغة القرآن . . الا ان اللهجات المحلية لهذه اللغة الواحدة حولتها الى اكثر من لغة . . بحيث أصبح تفاهم الانسان العادى بلهجته المحلية مع عربى آخر مشكلة من مشكلات الوحدة الثقافية فى الوطن العربى . . وهى مشكلة محلولة فى أجهزة الاعلام الرسمية ( الصحف والاذاعات ) ولكنها تمثل احدى العقبات الخطيرة بالنسبة للسينما العربية . . ولا انسى مدى المى حينما شاهدت فى القاهرة الفيلم الجزائرى العظيم " معركة الجزائر " وعلى الشاشة ترجمته بالعربية الفصحى للهجة الجزائرية التى يدور بها حوار الفيلم . . والتى كنت احس باننى احب وقعها رغم انى لا افهمها تماما . . بل لقد كانت محنة اللغة اكثر ايلاما حين شاهدنا فيلم فيروز " بياع الخواتم " الذى اخرجه المخرج المصرى يوسف شاهين فى بيروت وعلى الشاشة أيضا ترجمة بالفصحى تم عرض فيلم فيروز الاخر " سفر برلك " فى القاهرة فى العام الماضى ورغم تعاطف جمهور المشاهدين المصريين مع الفيلم فقد كانت لهجته اللبنانية عائقا أمام فهمهم له مع غياب الترجمة . .

وهى محنة حقيقية اذن ان نضطر لوضع ترجمة على الشاشة للافلام العربية تماما كما نضعها للافلام الاجنبية . . فمن المؤكد ان العرب يودون باخلاص ان يشاهدوا افلامهم . . ولكن لهجاتها المحلية تقف حائلا دون ذلك . . وبالنسبة للشمال الافريقى مثلا - الجزائر وتونس والمغرب - كانت المشكلة افدح . . فبعد الاستقلال واجه حتى المثقفون الجزائريون مثلا مشكلة فهم أفلامهم نفسها ما لم تكن ناطقة أو مترجمة للفرنسية . . وفى حركة الازدهار الزائف للسينما اللبنانية المعتمدة على نجوم مصريين محبوبين وعلى تقاليد تجارية متأثرة بالسينما الامريكية والاوروبية مما لا يعطيها وزنا قوميا أو محليا ذا قيمة . . . فقد كان الحل الذى وصلت اليه الافلام اللبنانية لكى تصبح مفهومة فى البلاد العربية جميعا . . هو اعتماد العامية المصرية لغة لها . . سواء بالنسبة للنجوم المصريين الذين يشتركون بكثرة فى هذه الافلام أو حتى بالنسبة للممثلين اللبنانيين انفسهم . . فالعامية المصرية هى اكثر اللهجات العربية المحلية فهما وتقبلا لدى جمهور السينما العربية كله . . طالما انه لا يمكن توحيد لغة الافلام العربية فى الفصحى مثلا التى قد تصلح لنوع خاص من الافلام التاريخية أو الوطنية ولكنها لا تصلح بالقطع لافلام الحياة اليومية المعاصرة . . " وانى اعتقد شخصيا أن هذه المشكلة مرتبطة بالمشكلة الاجتماعية . . وان هذا التباين بين اللغة الفصحى والكلام العادى المألوف مرده الى النسبة المئوية المرتفعة لعدد الاميين . . وعندما يعم التعليم مختلف الفئات فى البلدان العربية

. . فان اللغة المستعملة فى الكتاب ستقترب بالبديهة من اللغة المستعملة فى الكلام المألوف . . ولتؤلفا معا فيما بعد لغة واحدة ( جلال الشرقاوى اللغة فى البلدان العربية ) .

وفى تصورى - عل ضوء هذه الدراسة العاجلة عن العناصر المحلية والقومية للسينما العربية - ان هذا التقارب بين لغة الكتابة فى الوطن العربى ولغة التخاطب اليومى . . هو تقارب حتمى . . وهو مجرد نموذج لاحتمالات المستقبل الذى ينتظر السينما العربية . . نحو مزيد من الوحدة وتحقيق الطابع القومى الذى لا يبدو اصيلا وعميقا بما يكفى فى السينما العربية الآن كما اوضحنا . . بل والتأكيد أيضا على الطابع المحلى لسينما كل بلد عربى على حدة . . وهو الطابع الذى لا يتعارض فى حقيقته مع الوحدة القومية للوطن العربى كوحدة تاريخية ونضالية واحدة . . وهى مشاكل مرهونة - فى السينما العربية وفى الحياة العربية كلها - بعاملين اساسيين : انتصار النضال العربى القومى على كل التحديات الاستعمارية والصهيونية التى تعوق حركته ومزيد من الحرية والتقدم الاجتماعى نحو الافضل لكل العرب .

اشترك في نشرتنا البريدية