وغيــداء كالبــدر المنيـــر تطلعـت
أو الشمس ، بل ابهي من الشمس والبدر
تــراءت واومـت بالسلام ، وقبلت
بنانا ، والقت بالبنان على الصدر ؟
فكــادت لها نفســي تــراجـع غيها
وتهتك استار الصيانة والستر
بهذه الابيات الغزلية المترقرقة سلاسة وعذوبة ، الفياضة صفاء ولطفا ، الرنانة انغاما والحانا اقدم شاعرنا التجيبي صاحب صياغتها ، ومنبع فيضاتها فهو الذى تراءت له تلك الحسناء مقبلة اطراف البنان بعد السلام مشيرة باصابعها اللجينية الى ما فى صدرها من جمال وابداع
ذلكم هو شاعرنا التونسي وطنا ، القيروانى مولدا ، المهدوى مسكنا : أبو طاهر اسماعيل بن احمد بن زيادة الله التجيبي
ولد بالقيروان فى أواخر القرن الرابع للهجرة وسكن المهدية وهى فى عنفوان الشباب متلألئة الانوار علما وأدبا ، فنا وعمرانا فاذا هو من صفوة من استنشق هواءها وتغذى بلبان فطاحل علمائها يرفع رأس الوطن الوطن اينما حل ونزل وهو الشاعر المتجول المتنقل وما بلغنا عنه كاف رغم قلته ، لمعرفة ما كان عليه وان غفل عنه اكثر من ألف فى التراجم لان اثره الادبى البليغ الذى وصلنا كاف للتعريف به ومنه نستنتج ما كان عليه فى صحبته للاخوان وتنقله بين البلدان مما يطرب المطالع ويهز السامع ويترك الفرد فى رغبة للزيادة غير قانع تطربنا افكاره وتشرح صدورنا اثاره وتنعش نفوسنا اشعاره
لقد كان التجيبي شاعرا رقيق الاحساس حكيم الاسلوب يؤثر العقل متغلبا على عواطفه واندفاعات نفسه فخورا بارومته ومحتده قليل التكلف عديم التزلف كثير الاجلال لاخوانه واصدقائه
انفرد بالترجمة له السيوطى فى بغية الوعاة حيث قال : " اسماعيل بن احمد التجيبي من اهل اللغة والفضل الوافر قرأ على يعقوب ابن خرازاد
ونظرائه من شيوخ مصر " والتجيب هو مؤلف كتاب " شرح المختار من شعر بشار بن برد " وقد اعتنى بكتابه هذا الاستاذ محمد بدر الدين العلوى من علماء الهند وحققه ونشره باعانة الاستاذ عبد العزيز الميمني بجامعه عليكرة بالهند في سنة 19234 ومن خلال تأليفه هذا نعلم عنه اشياء كثيرة عن حياته وشيوخه واصدقائه واسفاره والمطلع على كتابه يرى ما كان عليه من ملكة لغوية غزيرة المادة متسعة الرواية تنبئ عما كان عليه صاحبها من ذكاء وفطنة
واطلاع واسع في الادب العربي ، ولا غرابة فقد كان يروى ديوان المتنبي عن أبي عبد الله الحسين بن حاتم الازدى عن ابن جنى عن أبى الطيب المتنبى ، ولا عجب فمن شيوخه الذين تطلب عليهم وروى من فيض ادبهم ابراهيم الحصري صاحب زهر الآداب ، وأبو القاسم الاسكندرانى ، وغيرهما من شيوخ القيروان وايمة الاندلس والقاهرة لان التجيبي كان كثير الاسفار قليل الاستقرار فيما يبدو - مما كان له بليغ الاثر فى أدبه وفتح لخياله آفاقا بعيدة وألوانا عديدة .
ففي سنة 406 هـ. 1015 م. نراه بمدينة مالقة الاندلسية فاذا هو يقضى بها ليالي ، تؤثر على شعوره كل التأثير ويحدثنا عنها فينقل لنا لونا من ألوان الحياة في تلك الناحية باسلوبه الادبي الرفيع ، ونثره الفني البديع فيقول
كنت بمدينة مالقة من بلاد الاندلس سنة ست واربعمائة ، فاعتللت بها مديدة انقطعت فيها عن التصرف ولزمت المنزل وكان يمرضني رفيقان كانا معى يلمان شعثي ويرفقان بي وكنت اذا اجننى الليل اشتد سهرى وخفقت حولى اوتار العيدان والطنابير والمعازف من كل ناحية ، واختلطت الاصوات بالغناء فكان ذلك شديدا على وزائدا فى قلقى وتألمي فكانت نفسى تعاف تلك الضروب طبعا وتكره تلك الاصوات حبلة ، واود لو اجد مسكنا لا اسمع فيه شيئا من ذلك ويتعذر عل وجوده لغلبة ذلك الشان على اهل تلك الناحية وكثرته عندهم " .
ومن الاندلس نراه بالبلاد المصرية يتنزه مع صديقه ابن اسحاق الانصارى الاشبيلي يقرية قرب الجيزة وتقع عينه على ازهار الاقحوان المشرقة البديعة فيترنم :
كان الاقحوان وقد تبدت
محاسنه فراقت كل عين
عماد زبرجد وقباب تبر
تحف بها شرافات اللجين
او هو بالاسكندرية فى جلسة ملأ جوها الانس وزقزق فى سمائها بلبل السرور وعطر انفاسها زهر الاخوة مع صديقه أبى الحسن الشيبانى الذى يقول
عنه التجيبي : " انه من جياد الادباء المتصوفين وجلة الفضلاء المتورعين يبادله المساجلة ويناقله الفكاهة حتى اذا انشده الشيبانى
قم يا غلام فقد بدا الفجر
واسق النديم فما به سكر
من قهوة ما كدت احسبها
فى الكأس لولا اللون والنشر
باتت تداريه مشعشعة
بكر تطوف بكأسها بكر
يهتز تحت ثيابها غصن
ويضئ تحت نقابها بدر
يمازحه بقوله " اما غلامك يا ابا الحسن فانا اعرفه ، ولكن قل لى من كان نديمك على هذه الشعشعة ؟ ؟ " .
عندئذ اطرق أبو الحسن فى حياء ثم رفع رأسه فى ابتسام الصديق للصديق وقال :
أنظن يا أبا طاهر انى فعلت ما قلت ؟ فوالله ما شربت خمرا ولا مسكرا منذ شببت وعرفت ما يزين ويشين ولكن ما فى النفس من حب الادب وارادة التصريف فى فنون الصناعة الشعرية يحدوني على عمل هذا ، وذلك كلما رأيت وصف معنى لشاعر أطالب نفسي بمباراته ومجاراته " .
قال أبو طاهر : نعم . . انما اردت ممازحتك ؟ والشيباني هذا هو الذى يصفه التجيبي بقوله :
خل بلوت خلاله فوجدتها
محمودة فى الجهر والاسرار
علقت يدى منه باروع ماجد
جم الفضائل طيب الاخيار
كرمت ارومته واشرق وجهه
وصفت خلائقه من الاكدار
وقد كان التجيبي مخلصا لاصدقائه وفيا لخلانه وكلهم من الادباء المعاصرين له امثال الربيعي الصقلي شاعر ملوك صقلية الكلبيين ، وكانت بينهما مراسلات ومساجلات وأبو بكر الغوثى والغالبى وغيرهم وكان مع اصدقائه على اتصال أدبى وخاطب صديقه أبا بكر الغوثى بقصيدة من أبياتها :
فانك مصف فى اخائك مخلص
ولست كمدخول الاخاء منافقه
يماذقني في الود حين ارافقه
ويذكرني بالسوء حين افارقه ؟
ولكنك الخـل الذى قد بلوته
فكان كما يستنشق المسك فاتقه
وفي سنة 415 هـ - ) 1024 م . ( اتفق مع صديقه الغوثى هذا على السفر الى المهدية من الاسكندرية وخالف الغوثي الوعد وسافر صحبة شبان من القيروان فقال يعاتبه :
افردتني ورضيت غيرى مؤنسا
بئس البديل هشيمهم بربيعي
لو ان عاذلكم الى سعى بما
ألقى اليك لكنت غير مطيع
لكننــا شتـــان بين موكــل
بالعهد يحفظه وبين مضيع
وتلاقيا بالمهدية وتصافحا وكان للود سلطان على قلبيهما وانشده الغوثى مجيبا عن قوله :
والله ما ارضى الورى بك كلهم
بدلا وفيهم اسرتى وجميعي
فاعذر اخاك وثق بمالك عنده
من محض ود ليس بالمصنوع
هكذا كان التجيبي مع اصدقائه محافظا على الود وقانون الاخوة ، صريحا فى عتابه لايمانه بانه عمدة دوام الصحبة
وما كان التجيبي من شعراء المدح والتزلف حتى اذا عاتبه بعضهم فى ذلك قال :
وقائلة فارق سكونك واضطرب
فما الرزق الا بالترحل والحل
علام تحشمت المشقة طالبا
علوم ذوى الالباب فى الحزن والسهل
إذا لم تنل بالعلم مالا ولا علا
ولا جانبا م الاجر فالعلم كالجهل
هكذا قالوا له واستمع اليه فيجيبهم في نفس القصيدة فى شمم الاباة بما كان عليه فى حياته وبما اشتهرت به عائلته التى هو فرع منها :
فقلت لها منيت نفسك ضلة
وعلة ما منيتها قلة العقل
امثلي يبغى الرزق من غير ربه
وذو العرش رزاق الورى واسع الفضل
جريت على آثار اسرتي الالي
شأوا في مدى العلياء بالقول والفعل
ولا خير فى فرع اذا طاب اصله
ولم يك ذا طيب يدل على الاصل
هذا هو أبو طاهر التجيبي الذى حدثنا عن نفسه وصحبه وتنقله فى كتابه السابق الذكر ، وما علمنا مولده بالضبط ولا وفاته ومدفنه انما يمكن ان نقول انه عاش الى ما بعد س 438 هـ . 1046 م . لانه فى هذه السنة التقى بأبي مروان الطبنى بالاسكندرية

