الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

الشامة

Share

شمس باريس الربيعية الدافئة أخرجت (( نديم غالب )) اللبنانى المقيم فى باريس ، من شقته الصغيرة باكرا ، كما أخرجت عشرات الالوف من الباريسيين الى الشوارع والحدائق العامة ، بعد انحباسهم الطويل بسبب البرد والمطر .

لم يفكر نديم غالب طويلا بالمكان الذى يحلو ارتياده فى مثل هذا اليوم . خط المترو القريب من مكان سكناه يوصله مباشرة الى ساحة (( الايتوال )) ، ومن هناك يتوجه على قدميه ليزرع القسم الاعلى من شارع (( الشانزيليزيه )) ذهابا وإيابا ، يراقب ما تعرضه المحلات الانيقة من أزياء جديدة ، أو يجلس فى إحدى مقاهى الرصيف يتصفح جريدة أو يغرق نظراته فى طراوة وجوه الحسان . ونادرا ما يتوجه الى مكان آخر كلما غادر شقته للترويح عن نفسه ، الا اذا استدعى الامر ذهابه الى مكان معين بدافع معين . وهو فى جميع تحركاته وتنقلاته فى باريس يتجنب الارهاق قدر الامكان بناء على نصيحة الطبيب ، لان حضوره الى باريس كان ، فى بداية الامر ، بقصد الاستشفاء من مرض مجهول كما قال له رؤساؤه وأطباؤه فى لبنان . ولكنه عزم فى قرارة نفسه ، يوم تبلغ قرار تسفيره ، على البقاء لاطول مدة ممكنة ، بعيدا عن أجواء بلده بعد أن قام ، طيلة سنتين كاملتين ، بواجبه القتالى فى أشد ساحات القتال ضراوة وخطورة . ومنذ ما يقرب من سنة بدأ يشعر بألم غريب يستقر فى مؤخرة رأسه كلما تعرض رأسه للشمس الساطعة أو لدفء مرتفع الحرارة . ولم يتوصل الاطباء العسكريون والمدنيون الى معرفة سبب هذا الألم . رؤساؤه اهتموا للامر على نحو بالغ الجدية ، فسلوكه وانضباطه وبلاؤه فى شتى أنواع القتال صفات يندر وجودها لدى الكثير من المقاتلين . وعندما اختاروا له باريس لوجود من يستقبله فيها ويعتنى به ، شعر نديم غالب بأنه يولد من جديدا ، والمرء بحاجة الى مثل هذا الشعور فى بعض مراحل حياته . وعلى الرغم من العناية الطبية الفائقة التى تلقاها فى باريس ظل سبب

هذا الألم الذى يضربه فى مؤخرة رأسه مجهولا . حكاية الشمس لم ترق كثيرا للاطباء الفرنسيين ، ربما لان للشمس مكانة خاصة فى نفوسهم بسبب ندورة ظهورها . الراحة وتجنب الارهاق أمران ضروريان جدا ، مع المراقبة الدورية . وبعد ثمانية أشهر من إقامته فى باريس بدأت حدة الألم ، عندما يضربه فى مؤخرة رأسه ، أضعف مما كانت عليه فى السابق ، وخوفه من حرارة الشمس بدأ ، هو الآخر ، يتلاشى .

رصيده فى البنك جيد ، وايجاد عمل مناسب له ليس ، عند الضرورة ، بالامر الصعب ، لذلك لن يفكر بالعودة الى لبنان فى الظروف الراهنة . الساحة ملآى بالمقاتلين الى درجة التخمة ، ثم إن حدة المعارك قد خفت كثيرا . والقتل ، مواجهة ، بواسطة الآلات الحادة والخوازيق والمسدسات السريعة الطلقات ، مع ما يتطلبه من أعصاب فولاذية لدى القاتل ، أصبح نادرا بعدما أعطى نتائج باهرة . فلا ضير عليه إن هو لم يتحمس للعودة . من حقه أن يستمتع قليلا بالحياة ، والاقامة فى مدينة كباريس ، متى كانت مضمونة النفقات ، فرصة لا تتاح كثيرا .

ما أكثر الناس فى الشانزيليزيه ، وما أجمل هذا الشارع ، إنه مفخرة باريس ، كما كان يطمح أن يكونه شارع الحمراء فى بيروت ، ولكن أين هذا من ذاك . الوجوه التى تحيط به من كل جانب تبدو ، رغم انغلاق بعضها ، عامرة بسعادة هادئة مطمئنة ، قد ينعكس على قسمات ذلك البعض أثر من هم أو من شقاء ، ولكن الخوف بهويته اللبنانية ، لا وجود له على الاطلاق الخوف فى بلده أصبح جزءا عضويا فى تركيب البشر ، ألفوه وألفهم ، يفتك فى نفوسهم بقبول ضمنى منهم ، يمضغه الآكل مع طعامه ويشربه مع شرابه ، وينتقل مع الدراهم ومع المصافحة من يد الى يد ، ويسبق الرجل الى مخدع زوجته أو عشيقته ، ويكمن بين الكتب والدفاتر فى محفظة التلميذ ، ويطل من بين أسطر الجريدة ، ويتراقص مع نبرات خطب القادة وأشباههم ، ويتنقل بين شفاه العشاق ، ويمتطى صوت النواقيس ونداءات المؤذنين ، ويستبطن عقل المفكر ، ومناغاة الطفل ، وأحلام العذارى ، وشبق المغتلم . ووجوه الناس فى باريس مختلفة تماما ، وقد أدرك نديم غالب هذا الاختلاف الكبير ، منذ الساعات الاولى لقدومه ، وتمنى أن تنتقل اليه عدوى هذا الاطمئنان الرضي . بعض الذكريات السود تفرض نفسها عليه عليه فرضا فى بعض الاحيان ، ولكن وسائل طردها من ذهنه كثيرة ، فالجميلات من النساء بمتناول اليد ، وأنواع المغريات لا تحصى ، ونوادى القمار الراقية مشرعة

الابواب ليلا ونهارا . إنها باريس . فلا موجب للعودة أبدا . لم يعد يستطيع رؤية الدم ، ومنادمة الموت ، وسماع شخير الاوردة المقطوعة ، وفحيح الاوامر السادية .

وشمس باريس تداعب الوجوه النضرة ، وتتكسر أشعتها الدافئة على عري الزنود وألق السيقان . وهو وإن كان قد استعاد ثقته بالشمس ، إلا أنه ظل يشعر ببعض القلق كلما توهجت فوق رأسه . ولكن الشمس لا تنذر ليوم بأذى يطاله ، فحب الحياة يملأ صدره ، ويسرى مع الدم الى كل ذرة فى جسده . من الصعب أن يتحل المرء بنظره من جميع وجوه الحسان دفعة واحدة ، لذلك يضطر الى التركيز على بعضها شرط أن يحسن الالتقاط بسرعة .

وفيما كان نديم غالب يسير بنشوة وسط الزحام ، بدا له على مسافة عدة أمتار ، قبالته ، وجه إنسان انجذبت نحوه عيناه بقوة لا ترد ، إنه يعرف صاحب هذا الوجه ، يعرفه جيدا . ربما كان على خطأ ، أو أن الامر اشتبه عليه ولكن صاحب هذا الوجه ليس غريبا عنه ، شعر أسود فاحم وشاربان أنيقان ، وعينان واسعتان براقتان ، وسمرة مضيئة ، وقامة متطاولة مع شامة عريضة سوداء فى وسط العنق ، استجمع كل ما لديه من طاقة على التذكر . الشاب يقترب منه ، ومع كل خطوة يخطوها كل منهما نحو الآخر يزداد يقين نديم غالب بأنه رأى هذا الوجه من قبل وعرف صاحبه ، ولم تكن معرفته به معرفة عابرة ، (( أين ؟ )) كان أن يجهر بالسؤال عندما التقت نظراته الحائرة بنظرات الشاب ، وتحركت شفاه العابر على نحو خيل اليه معه بأن الشاب قال ، أو هو أراد أن يقول شيئا ، ولكنه تجاوزه ، وبدت لحظة التجاوز كأنها صخرة هائلة الحجم تهوى على رأسه من مكان مرتفع جدا . لقد رآه حتما فى مكان ما ، وفى مناسبة ما ، إنه لا يشك فى ذلك أبدا . بل كلمه وسمع صوته ، ولاحظ طول قامته وأناقة شاربيه وشدة اسوداد الشامة العريضة فى وسط عنقه . ونظرات الشاب ، عندما التقت بنظراته ، تدل على نحو قاطع بأن الشاب ، بدوره قد عرفه ، فهو يحمل أيضا بعض العلامات الفارقة كضخامة وجهه الأبيض الحليق ، وأثر حرق قديم فى أسفل خده الايسر ، وأنف مدبب . ولكن لماذا لم يكلما بعضهما البعض . كان ينبغى عليه أن يبدأ هو بتوجيه الكلام الى العابر المحير، أن يغمغم بتحية على سبيل التجربة ، أن يتظاهر بالابتسام على نحو ودى ، أن يتوقف عن السير خلال لحظة التجاوز . ولكن لا يجب أن يترك الحيرة تستبد

به على هذا النحو العنيف ، فقد يكون صاحب هذا الوجه شخصا يشبه آخر سبق وعرفه من قبل . (( لا )) . قالها نديم غالب بصوت مسموع ، إنه على يقين قاطع بأنه يعرف هذا الشخص بالذات . لا يمكن لهذه الشامة أن تكون فى حجمها وفى موضعها وفى نتوئها عند أكثر من شخص واحد . توقف عن السير مترددا . لماذا لا يلحق به . استدار الى الخلف بسرعة غير عابىء باصطدامه بأحد المارة . غاية من الوجوه الغريبة والاقفية المختلفة الاحجام . كيف السبيل لرؤيته ثانية . وبمعزل عن ارادته تحركت ذاكرته متجهة على نحو عكسى تلتقط الايام والساعات والاحداث ومختلف التفاصيل منذ اليوم الذى غادر فيه بيروت الى أيام القتال الاولى : أسلحة متنوعة ، حواجز من أكياس الرمل ، سيارات عسكرية ، سكاكين حادة ، حرائق ، انفجارات راعدة ، معارك ، انتصارات ، هزائم ، قتل ، دماء ، جثث ، دمار ... ولكن صورة الشاب لم ترد فى زحمة الصور المتلاحقة . عاود السير ببطء . قسمات وجوه المارة بدأت تتغير ، الخوف يغلف النظرات الرضية ، وهج الشمس يشتد . لم يستطع ابعاد صورة العابر من ذهنه . أين شاهد هذا الوجه من قبل ؟ ، (( أين ؟ )) قالها بصوت مهموس . نظراته تضطرب قليلا . وجوه المارة ، جميع المارة ، تتجه نحوه برعب قاتل . الشمس تغدو حارقة كشمس بيروت فى شهر آب . (( شهر آب ! )) . تسمر فى مكانه . الشارع العريض يضيق بالمارة وبالسيارات، الأبنية الضخمة تكاد أن تتعانق فواق رأسه . شهر آب . إنه (( هو )) ، هو بالذات بشعره الاسود الفاحم ، وعينيه البراقتين ، وسمرة وجهه المضيئة ، والشامة العريضة السوداء . حاول أن يستنجد بالمارة ، فلم يخرج الصوت من صدره ووقفت ذاكرته عند حاجز شارع بدارو فى بيروت قبل ست سنوات ، يوم أفرغ رصاص رشاشه فى صدر هذا الشاب نفسه ، بعد أن استجوبه لبضع دقائق ، ثم حز بسكينه الضخم عنقه عبر الشامة العريضة السوداء ، وألقى برأسه ، مع العينين البراقتين والشاربين الانيقين والسمرة المضيئة الى رفاقه عند الحاجز .

وحاول نديم غالب أن يجرجر قدميه الى أقرب جدار ، ولكنه لم يصل .

اشترك في نشرتنا البريدية