الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

الشعر على الشعر في (( أغاني الحياة ))، لأبي القاسم الشابي

Share

- 3 - ( * )

111 - الشعر والمصطلحات الجديدة : وضع الظاهرة فى اطارها التاريخى :

ان هذه المصطلحات التى عمد الشابى الى التصريح بها فى قسم من شعره تدعونا الى التساؤل عن الدواعى التى دفعته الى ذلك . ومن هنا فنحن فى حاجة ماسة الى وضع هذه القصائد في اطارها التاريخى لنتمكن من تنزيلها منزلتها من الحركة الشعرية فى عصر الشابى .

لقد كتبت قصائد ديوان (( اغانى الحياة )) بين سنتى 1923 و 1934 اى فيما بين الحربين العالميتين . وقد شهدت تونس في هذه الفترة نشاطا ادبيا تمثل فى رسوخ فنون ادبية مستحدثة فى الادب العربى - كالاقصوصة والمقالة - اتخذت لها منبرا المجلات الادبية (50) . وفى كتاب (( زين العابدين السنوسى )) (( الادب التونسى فى القرن الرابع عشر )) (51) مختارات من قصائد الشعراء

التونسيين فى تلك الفترة تدلنا على ان الحركة المجددة فى الشعر كانت فى بداياتها وكانت المحاولات التجديدية ضئيلة بالمقابلة مع المد التقليدى . لقد كان الشعر التونسى متوزعا بين اتجاهين غير متكافئين :

- اتجاه تقليدى طاغ يمثله (( قبادو )) ( 1812 - 1871 ) و (( خزندار )) ( 1881 - 1954 ) و (( آغة )) ( 1877 - 1946 ) وهو يمثل النزعة التقليدية المحدثة على مثال شعراء البعث فى الشرق ( (( البارودى )) ( 1838 - 1904 ) (( شوقى )) ( 1868 - 1932 ) (( الكاظمى )) ( 1865 - 1935 ) . ولئن كان هذا الاتجاه يرفض الاغراق فى المحسنات البلاغية والاغراب اللفظى - باستثناء قبادو - فانه كان يستمد نبراسه من الشعر العربى القديم فى عصور ازدهاره . ومن ثم فهو لم يتخلص من تصور الشعر من خلال الاغراض والمناسبات .

- اتجاه تجديدى يمثله الشابى اساسا . ويمكن ان ندرج ضمنه قسما من اشعار (( سعيد أبو بكر )) ( 1899 - 1948 ) و (( محمود بورقيبه )) وغيرهما . وفى اطار هذا الاتجاه يعبر الشابى عن رفضه لشعر الاغراض :

لا انظم الشعر ارجو     بـــــــــه رضـــــاء الاميـر

بـمدحــــــــــة او رثــــــاء      تهدى لرب السرير (52)

وينادي بالإنطلاق من ذات المبدع وتتبع حالاتها وجعلها الحكم الوحيد :

حسبى اذا قلت شعرا   ان يرتضيه ضميرى (52)

ومن هنا نجد هذه الدعوة القارة الى الطبيعة والحلم والخيال والمطلق وهى تؤول الى المصطلحات التى تتبعناها فى شعر الشابى .

وهذه المصطلحات التى تعرضنا إلى ثلاثة منها فى شعر الشابى هى مصطلحات الرونطيقية الغربية التى ظهرت منذ اواخر القرن 18 فى انقلترا والمانيا فى الادب والفن . وسعت الى احلال العاطفة محل العقل ، والخيال محل التحليل النقدى . ثم انتقل هذا المذهب الى فرنسا وايطاليا واسبانيا خلال القرن 19 . وقد دعا اتباعه الى الانعتاق من اسر الهيئة الاجتماعية ، والدخول فى منطقة الحلم او الاغرابية (Exotisme) او الماضى . وطالبوا بالتعبير عن الاحاسيس

تعبيرا حرا ، منادين بعبادة الانا ، وضاربين عرض الحائط بالمثل الاعلى للادب الكلاسيكى (53) .

ان تصفح اعمال الشابى يؤكد لنا انه اطلع على ما كتبه بعض الرومنطيقيين الاوروبيين كــ (( لامارتين )) و (( دى فينيى )) وغيرهما (54) . وهذه الآثار التى نجد اشارة اليها فى (( مذكرات الشابى )) (55) وفى رسائله (56) وفى محاضرته عن (( الخيال الشعرى عند العرب )) قد اطلع عليها الشابى مترجمة الى اللغة العربية . وهذه المحاضرة فى جوهرها دعوة عنيفة الى تغيير مصادر الالهام لان حاجات جديدة قد وجدت وترتبت عنها الحاجة الى (( ادب جديد )) :

(( لقد أصبحنا نتطلب أدبا جديدا نضيرا يجيش بما فى أعماقنا من حياة وأمل وشعور . نقرؤه فنتمثل فيه خفقات قلوبنا وخطرات أرواحنا وهجسات أمامانينا وأحلامنا . وهذا ما لا نجده فى الادب العربى القديم )) (57) .

وفى هذه المحاضرة نجد احالات كثيرة على الادب الغربى بل ومقارنة بين الشعر العربى والشعر الاوروبى للتدليل على تفوق (( الصوت الغربى )) وثرائه :

(( ان الصوت الغربى هو لحنان مزدوجان فى آن واحد : لحن يتصل بأقصى قرار فى النفس ولحن متصل بجوهر الشئ وصميه . اما الصوت العربى فليس مصدره النفس ولكن مصدره الشكل واللون والوضع وشتان بين القشرة واللباب )) (58) .

وقد كان الادب العربى فى الربع الاول من القرن العشرين قد اكتشف الآداب الغربية . وبدأت حركة الترجمة فى مجالات عدة - كالقصة والمسرحية والشعر . . . - تدخل نفسا جديدا على الكتابات الفنية فى ذلك العصر . ولعل الحركة الرومنطيقية هى التى احدثت التغيير الاهم فى مسار الادب العربى الحديث . وسرعان ما ظهر لها اتباع موهوبون استطاعوا ان يستقطبوا اهتمام القراء وان يتيحوا لادبهم الرواج . وهو رواج متأت من ضيق المثقفين باسر الهيئة الاجتماعية وما تتضمنه من عسف سياسى ممثل فى الهيمنه التركية والانقليزية والفرنسية ، وتدهور اقتصادى جسدته سيطرة الاقطاع وغزو البرجوازية الغريبة ، وتناقض اجتماعى متولد من هيمنة القيم الاقطاعية التقليدية وبوادر تعزز القيم الذاتية التى قامت الرومانطيقية بترسيخها فى الادب والفكر . وقد كانت الرومنطيقية لسان الفرد الثائر على كل ما يخنقه او يطمس ذاتيته . لذلك راينا موحات الهجرة إلى العالم الجديد التى اعقبت مجازر 1860 فى لبنان وما تلاها من ظهور أدب يمجد القيم الفردية ويعمل على تحطيم كل ما يرمز الى المجتمع القديم من دين وعادات وطبقية .

اننا حين ننظر فى (( مذكرات الشابى )) نجد انها تكشف عن وعى حاد بالمجابهة بين الشعر التقليدى والشعر الجديد - وهى مجابهة جوهرية فى كتابات مجموعة (( الرابطة القلمية )) ومدرسة (( الديوان )) . يصف الشابى في مذكراته احد انصار القديم بانه اكثر الحاضرين فى المجلس (( جمودا وغباوة )) (59) . لانه كان (( يعتقد ان قبادو اشعر الشعراء جميعا وانه اوتى الشعر لصلاحه وانه لم يجد فى العصر الحاضر من يستطيع ان ياتى ببعض ما اتى به الاسبقون من التواشيح ولا يطرب للشعر الا اذا كان جناسا او تورية وما الى ذلك من كلف البديع )) (60) .

ومن هنا نتبين صعوبة الانسلاخ عن النمط الشعرى التقليدى فى مجتمع ما زال اغلب مثقفيه يرون ان القديم هو المثل الاعلى الذى ينبغى ان يحتذى به . لذلك لا غرابة ان نجد الشعر التجديدى مقطوع الصلات او يكاد بجمهور القراء وفى (( المذكرات )) فقرة كبيرة الدلالة يصف فيها الشابى لقاء جمع بينه وبين اديبين من معارفه ، وقد بادره احدهما بالقول : (( ان ادبك يا صديقى فن غريب

لا اظنه يعيش فى تونس [ . . ] واننى لعلى يقين من ان ادبك لا يفهمه فى تونس الا افراد قلائل لا يتجاوزون الاربعة او الخمسة على الأكثر )) (61) .

لا شك ان هذا القول على شئ كثير من المبالغة الا انه يصور الهوة الفاصلة بين شعر الشابى وبين الشعر التقليدى المتداول . ولعل الشابى كان ازاء هذه القطيعة او الجفوة امام خيارين : فاما ان يقرب شعره الى القراء بمحاذاة الانماط التقليدية المتعارفة ، وفى هذا انسلاخ عن خصوصية شعره ، واما ان يقرب القراء من شعره بالتصريح بمصطلحاته حتى يسهل اداء الرسالة التى يريد ابلاغها . وقد حاولنا من خلال هذا العمل ان نبين ان وعى الشابى بـــ (( غرابة )) شعره هو الذى دفعه من جهة الى اخراج مصطلحاته من حيز الكمون الى حيز الظاهر ، ومن جهة اخرى الى تفسير هذه (( الغرابة )) بــ (( غربة )) الشاعر واختلافه عن غيره من الناس . وفى (( مذكرات الشابى )) الحاح على هذه القضية يظهر جليا فى مذكرة يوم الاحد 26 جانفى 1930 حيث يقول : (( اننى شاعر . وللشاعر مذاهب فى الحياة تخالف قليلا او كثيرا مذاهب الناس فيها . وفى نفسى شئ من الشذوذ والغرابة احس انا به حين اكون بين الناس )) (62) .

ان وعى الشابى بغربته الروحية والفكرية عن مجتمعه قد نمى فيه هذا الاحساس الماساوى الذى انعكس فى نظرته السوداوية الى الواقع والى منزلة الانسان فى الوجود عموما . ولعل التصريح بالمصطلحات الشعرية هو بمثابة الكوى التى يفتحها الشابى من حين الى آخر للتخفيف من وطأة الفجيعة ، والمواصلة العيش مع الناس والكتابة لهم .

الخاتمة :

لقد حاولنا ان نركز هذا العمل على موضوع لا شك انه كان يشغل بال الشابى اثناء كتابته وهو الشعر على الشعر . وقد افضى بنا هذا البحث الى تبين جملة من المصطلحات الجوهرية التى يدور حولها شعر الشابى وهى العاطفة والخيال والطبيعة . وان كنا لا ندعى الاحاطة بالمصطلحات الشعرية التى صدر عنها الشابى نعتقد ان هذه المصطلحات التى تعرضنا اليها بالدراسة على درجة كبيرة من الاهمية اذ هى بمثابة المفاتيح التى تمكن القارئ من الولوج فى عالم الشابى الشعرى .

وقد سعينا - خلال هذا العمل - ان نبين ان التركيز على هذه المصطلحات له غايتان :

1) غاية تهديمية : إذ اتخذت هذه المصطلحات لنقض الصورة الصدئه التى ورثناها عن الشعر من عصور الانحطاط . وهو الشعر الذى لا يعدو ان يكون اداة وبضاعة تحتاج الى الصقل والتزويق .

2) غاية بنائية : سعى من خلالها الشابى ان يبرز مثلا اعلى للشعر جديدا . ولتحقيق ذلك عمد الى ربط الشعر بالانا المبدع فقلص من تلك الفجوة التى كل تفصل بين الشاعر وبين ما ينظم جاعلا الشعر صورة للأنا فى مختلف حالاتها العاطفية .

وبان لنا انا الشابى كان يعمد - لترسيخ هذه المصطلحات الجديدة - الى تبنى طريقة تدرجية ، جاعلا مصطلحاته فى حركة انتقالية من الانغلاق الى الانفتاح . فهو يرسم للشعر حدودا ضيقة ( العاطفة - الذات - الغاب ) سرعان ما تتسع وتنسرح متجاوزة كل الحدود المالوفة . انها تقنية ثقب المفتاح الذى يتيح للباب ان ينفتح على العالم الارحب .

ولكن هل توجد هذه المصطلحات فى كل قصائد الديوان ؟ ينبغى ان نشير اولا الى ان مفهوم الشعر يختلف عن القصيدة من حيث ان المفهوم مجرد اما القصيدة فهى تحقيق مادى للمفهوم . ومن هنا نجد انه من العسير ان يتحقق المفهوم تحققا شاملا وافيا فى القصيدة الواحدة . ونحن حين نتصفح الديوان نجد فيه بعض القصائد التى لا صلة لها بهذه المصطلحات التى بسطنا الحديث حولها ومنها اغلب القصائد الوطنية (63) . فنحن لا نكاد نعثر فى هذه النصوص على شعر على الشعر . ولعل ذلك يعود الى ان الشابى فى هذه القصائد لا يقطع الصلة بالمفهوم المتداول للشعر . ومن هنا نلاحظ غياب المصطلحات التى حاولنا اثباتها فى ديوان (( اغانى الحياة )) على اننا لا ننكر ما يربط بين الرومنطيقية والوطنية من صلات تتمثل اساسا فى قوة الرفض لكل ما يكبل الفرد ومن توق

الى التحرر (64) . ولكننا نشير الى ورود قصائد وطنية عند معاصرى الشابى من الشعراء التقليديين .

اننا فى هذه القصائد نشهد انطفاء جذوة الانا العاطفى وصعود نجم الجماعة العاقلة التى تريد التخامس من الاستعمار . ان الشابى يخرج فى هذه القصائد من ذاته ليعبر عن طموح شعبه الى التحرر . وهذا ما يفسر غياب الشعر على الشعر لان الشابى فى هذه النصوص لا ينقض ممارسة قديمة ولا يؤسس مفهوما جديدا . ومن هنا نكاد لا نرى اثرا لتلك المصطلحات . ويصح هذا القول على جل القصائد ذات النفس الحكمى (65) .

ان عملنا هذا يظل مبتورا ما لم يعززه بحث رديف يتناول ملامح التجديد فى شكل القصيدة عند الشابى . ولئن كان (( الطاهر الهمامى )) (66) و (( ص مصلح )) (67) قد اعتنيا بهذا الجانب فاننا نظل فى انتظار عمل اكثر عمقا يتناول ثوابت البنية الشعرية عند الشابى لمحاولة استخلاص التجاوز الذى انجزه بالنسبة الى الشعر الذى كان ينسح فيه اصحابه على نمط القدامى فى اعتماد وحدة البحر والقافية وتحديد الطريقة التى اعتمدها الشابى لاخراج هذه  المصطلحات الجديدة فى شكل مخصوص .

اشترك في نشرتنا البريدية