الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

الشيب .. وما قيل فيه

Share

توطئة :

الالفاظ كالاشخاص : منها الحلو الجميل كالحب والسعادة والهناء ومنها القبيح الدميم كالبغضاء والهجر والظلم ، ولعل كلمة ( الشيب ) تعد من الصنف الثانى لدى أكثر الناس فان نفوسهم لا تطمئن اليها ، وان آذانهم تنفر من سماعها وتشمئز منها ، وذلك راجع الى ان الشيب نذير الهرم والهرم نذير الموت .

رأيت الشيب من نذر المنايا       لصاحبه وحسبك من نذير

المرحلة الاخيرة :

والشيب هو بياض الشعر بعد اسوداده، وقد تكلم الناس فيه فى القديم والحديث فأكثروا وعدوه انتقالا من مرحلة الشباب الغض الناعم ، الى مرحلة الشيخوخة الخشنة البغيضة ورأوا فيه انتقالا من حال النشاط والعزيمة والقوة الى حال الضعف والعجز والوهن وهو فى حد ذاته نذير لصاحبه بانقضاء أيام الغبطة والمرح والسرور لاستقبال أيام الحزن والهم والالم ، واشارة الى قرب انتهاء ساعات العمر ، والدنو من حافة القبر ، وقد ورد فى الاثر : ما من شعرة تبيض الا قالت لاختها استعدى فقد قرب الموت .

موعظة :

والشيب كما قلنا علامة الكبر ونذير الموت ، قال تعالى : ( وجاءكم النذير ) قيل فى تفسيرها انه الشيب ، وقد جعل الله سبحانه هذه العلامة الواضحة لتكون موعظة لصاحبها وليعلم علما لا شك فيه انه جاز مراحل عمره حتى بلغ آخرها ، ولم يبق له من أيام حياته الا القليل ، فاذا لم يتعظ بها ساءت خاتمته . ورد عن ابن عباس رضى الله عنه انه قال : من أتى عليه أربعون سنة لم يغلب خيره على شره فليتجهز الى النار

وقال عبد الملك بن مروان : من لم يتعظ بثلاث لم ينفعه شئ : الاسلام والقرآن والشيب .

ميزات :

والى جانب هذه الصورة المنفرة لا نستطيع أن ننكر بعض الميزات والصفات الحسنة للشيب فهو المرحلة التى تنقل المرء من جو الصخب والشغب والتعب الى جو السكينة والهدوء فيخلد الى الراحة والاستقرار ويخلو الى نفسه وينظر الى ما حوله بعين الاعتبار ويفكر فى أمور الحياة بحكمة وروية وبحث واستقصاء ، واذا جلس الى أولاده واحفاده شعر فى قرارة نفسه بغبطة بالغة وسعادة شاملة واحس بالراحة والطمأنينة ، واذا كان من أهل العلم أو الادب جلس بين كتبه وأوراقه جلسة ممتعة يشعر بها الا أمثاله .

وقد اعتاد الناس ان ينظروا الى ذى الشيبة نظرة التوقير والاحترام وان يسترشدوا بآرائه التى أنضحتها التجارب وصقلتها حوادث الحياة ، ويلاحظ ان لذى الشيبة منزلة خاصة فى مجالس الناس ومجتمعاتهم ، تعارفوا على ذلك حتى أصبح طبيعة فيهم . ورد فى الاثر : من وقر كبيرا لكبر سنه أمنه الله من فزع يوم القيامة .

أقوال الشعراء فيه :

وردت عن كثير من الشعراء أبيات ذكروا فيها الشيب ووصفوه واتفق أكثرهم على ذمه ومن أحسن ما ورد فى ذلك قول الفرزدق :

والشيب ينهض فى الشباب كأه             ليل  يصيح  بجانبيه  نهار

شبه الشعر الاسود بالليل ، وشبه الشعر الابيض بالنهار ، وهو يبدو أول ما يبدو فى جانبى الوجه - وهما العارضان - كما

يبدأ النهار بالظهور فى آخر الليل ببياض قليل ثم ما يزال ينتشر حتى يطرد الليل .

ويعجبني قول ابن نباتة فى الشيب الذى يبتسم بخبث فى وجه الفتى ويضحك على ذقنه :

تبسم الشيب بوجه الفتى

   يوجب سح الدمع من جفنه

وكيف لا يبكى على نفسه

   من ضحك الشيب على ذقنه ؟

وقال أحد الشعراء :

عريت من الشباب وكنت غضا

    كما يعرى من الورق القضيب

ونحت على الشباب بدمع عينى

         فما نفع البكاء ولا النحيب

فيا ليت الشباب يعود يوما

          فأخبره بما فعل المشيب

والبيت الاخير مشهور على الالسنة ويروى عن الجاحظ قوله :

أترجو أن تكون وانت شيخ

     كما قد كنت أيام الشباب ؟

لقد كذبتك نفسك ليس ثوب

      دريس كالجديد من الثياب

وقال الآخر فى التحسر على الشباب الذاهب والبكاء عليه :

شيئان لو بكت الدماء عليهما

    عيناك حتى يؤذنا بذهاب

لم يبلغا المعشار من حقيهما :

    فقد الشباب وفرقه الاحباب

النساء والشيب :

والمرأة بطبيعتها تميل الى الفتى اليانع إذا كان غضا لدن العود جميلا ذا عزيمة وقوة وتبغض الشيخ الكبير ، وتفر منه كما يفر المرء من البلاء النازل ، ومهما تحبب الكهل

الى المرأة الشابة فلن يرى منها الا اعراضا .

يروى ان رجلا أشمط مر بامرأة ذات حسن وجمال فقال : يا هذه ان كان لك زوج فبارك الله لك فيه والا فاعلمينا .

فقالت له : كأنك تخطبنى ؟ قال : نعم .

قالت : ان في عيبا . قال : وما هو ؟ قالت : شيب فى رأسى . فثنى عنان دابته يريد الانصراف فقالت له : على رسلك ، فلا والله ما بلغت عشرين سنة ولا رأيت في رأسى شعرة بيضاء ولكننى أحببت أن أعلمك انى اكره منك ما تكره منى ، فرجع الرجل وهو يتمثل بقول ابن المعتز :

وأين الغوانى الشيب لاح بمفرقى

  فاعرضن عنى بالخدود النواضر

وقال الشاعر :

سألتها قبلة يوما وقد نظرت

  شيبى وقد كنت ذا مال وذا نعم

فأعرضت وتولت وهى قائلة

  لا والذي أوجد الأشياء من عدم

ما كان لى في بياض الشيب من أرب

  أفى الحياة يكون القطن حشو فمى؟

وانظر الى البيت الاخير وكيف شبه الشاعر الشيب بالقطن ، ومن المعلوم ان الفم لا يحشى بالقطن الا بعد الموت .

ولقد أجاد ابن المعتز حين قال :

فظللت أطلب وصلها بتذلل

  والشيب يغمزها بأن لا تفعلى

فهو يصف نفسه حين راح يتقرب الى صاحبته ويطلب اليها بخضوع وذل ان تجود عليه بالوصل وهى تلحظ الشيب في رأسه فيدفعها ذلك الى رفض طلبه. وقد وردت كلمة (يغمزها) تحمل في طياتها من المجاز والكناية ما لا تخفى على من تذوق طعم البلاغة .

ومثل ذلك قول الشوعر وهو دعبل الخزاعى :

لا تعجبي يا سلم من رجل

  ضحك المشيب برأسه فبكى

وهو تشبيه لطيف بما اشتمل عليه من الاستعارة اللطيفة والمقابلة الموفقة .

مغالطة :

وممن مدح الشيب من الشعراء - وهم قلة - قول الشاعر :

رأت وضحا في الرأس منى فراعها              فريقان مبيض به وبهيم تفاريق شيب فى السواد لوامع          فيا حسن ليل لاح فيه نجوم

وقال الآخر :

عيرتني بالشيب وهو وقار

     ليتها عيرت بما هو عار

ان تكن شابت اللوائب منى  .

     فالليالى  تزينها  الاقمار

ولو تأملنا فيما قاله هذان الشاعران لوجدنا فيه مغالطة ظاهرة ولعبا بالالفاظ لا يغير من الحقيقة شيئا ، فالشيب لا يمكن اعتباره وقارا ولا جمالا الا في نظر الرجال فحسب أما الغوانى ربات الحجال فان هذه الزخارف اللفظية لا تنطلى عليهن ولا تبدل من طبيعتهن ، وقل ان تجد امرأة تميل الى ذى الشيبة أو ترضى به ، فهى تحب الشاب الجلد القوى الممتلىء نشاطا ، وان الشيب فى نظرهن شين ، والشين فى اللغة النقص والعيب . هذه هي سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله بديلا .

الرياض :

اشترك في نشرتنا البريدية