ننشر فبى ما يلبى مقالا للاستاذ الكبير والاديب الفذ الصادق مازيغ ابن فيه المرحوم الشيخ سالم بن حميدة من غير ان يذكر اسمه مكتفيا بالاشارة الى خصاله ومواقفه المعروفة لدى جمهور الادباء والمثقفين التونسيين وخاصة منهم ابناء الساحل .
وقد وافى الاجل الفقيد مساء السابع والشعرين من شهر افريل المنصرم عن سن تناهز الثمانين قضاها في العلم والعمل . يناضل من اجل افكاره بحماس المؤمنين وايمانهم وثقتهم وكانت له مواقف مشهورة فى قضية تحرير المرأة اذ دعا الى تثقيفها وتطورها منذ نصف قرن سواء فى مقالاته بالجرائد والمجلات او فى المحاضرات وكذلك موقفه من قضية الاصلاح الزيتونى الذى نادى به منذ سنة 1911 ( انظر مقالاته فى جريدة المشير ) والشيخ سالم بن حميدة اديب شاعر عرف به ونشر له الاستاذ زين العابدين السنوسى فى كتابه (( الادب التونسي فى القرن الرابع عشر )) ومن اشهر قصائده ميميته فى " حرب طرابلس " ، وقصيده " خيال الانسانية "، المنشور في" مرشد الامة " ، (سنة 1338 ه) . ( والذي مطلعه :
ضاق ذرعي والكون رحب فسيح
لم أجد ملجأ به استريح
من خيال ما انفك يدعو يصيح
ايها الناس ان جفني قريح
نادب ما نكثتمو من ذمامي وللفقيد آثار نثرية وشعرية ذات قيمة نرجو ان يكتب لها الظهور.
سأخصص كلمتى هذه للتحدث ولو ببعض اشارات خاطفة عن رجل من ابناء هذا البلد الساحلى توفى أخيرا عن سن عالية وما فتئ الى آخر لحظة مناط اجلالي واعظامى ، ومناط تقدير وتبجيل كل من عرفه من المواطنين
لقد تعرفت اليه وهو فى سن الشيخوخة وأتيح لى ان اجتمع به واتحادث معه فى عدة مناسبات ، وان وجدتها اليوم نزرة جدا ، بالنظر الى فضل الشيخ الراحل ، وباعتبار ما اضعته على من فرص . على ان شخصيته المتينة القويمة قد خلفت أثرا لن يمحى فى مخيلتى واحاسيسى وافكارى وانني لا تصور الساعة حياته فى شكل دوحة قد بلغت مدى اكتمالها ، فرسخت أصولها وبسقت فروعها ، وورقت ظلالها ، واينعت ثمارها . ولقد يبدو لى ، فى صوغ هذه الحياة المنسجمة وتدبيرها وتسييرها ، أثرا ملموسا لضمير يقظ وقلب نابض ، وعزم راسخ وفكر متفتح وعزم متغلب على الكوارث والعقبات .
لن اسمي الشيخ العبقرى الفيلسوف الراحل في عجالتي هذه ، وانما افعل ذلك اعظاما واجلالا ، وكيما يعرفه ذووه ومعاشروه ومقدروه من خلال هذه الانطباعات العابرة ولعل ابدع ما يصنع الحكيم ويصوغ الفيلسوف هو نحته حياته ، وخلقها ، ومنحها الكرامة والدعة والاطمئنان ، وابلاغها اجلها المحتوم فى طلاقة ويسر واتزان فى مثل ذلك الجو من عظمة انسانية حقة قد عاش بطلنا وفى مثل ذاك الجو انتقل الى دار الخلد فما اشبه حياته الجميلة بموته المفاجىء الجميل ، وكم اغبطه على نهاية حياة منسجمة الاطوار ، منتظمة فى سلك الحكمة والفكر ، منطبعة بطابع الجلال والوقار .
انني اخط هذه الكلمة بتاريخ الثلاثين من افريل ( نيسان ) وكان الاجل المحتوم قد وافاه ، رحمه الله ، منذ اربعة ايام أى مساء الخميس السابع والعشرين من افريل
وما اظن شيخنا قد انقطع " ولو برهة " ، عن نشاطه وحركته ويقظته الى آخر نفس من انفاسه . فلقد حدثت انه قد كان بصدد مطالعة جريدته اليومية فى ذلك المساء اذ دعى الى الرفيق الاعلى . ولا اقول باغته ولا عاجله الحمام فمن كان مثله فى الفضل ونقاوة الضمير وصلابة المعتقد وحسن الظن بالالاه المبدع الحكيم - من كان من طراز شيخنا فلن يباغت بشبح الحمام ، وهو الذى مافتىء من عهد ليس بالقصير يتأهب لتلك الساعة الوحيدة الحاسمة التى تكيف ملامح صاحبها الى الابد ، وتكتبه شقيا او سعيدا فى سجل لا يغادر كبيرة ولا صغيرة الا احصاها .
لقد نودى الى الخلود ، ودعي الى موطنه الموعود وكأنما استجاب دعوة مألوفة بسمعه معهودة لديه . دعوة الخلاص والاخلاص ، والاسلام والسلام ،
والصفاء والحبور ولاغروان يدعى تلك الدعوة الملائكية النورانية ، وان يلبي النداء بعجيب السرعة و الارتياح ، ومزيد الغبطة والانشراح ، وهو البطل المجاهد المسلم النقى الدين الصادق المقال المخلص اعماله لله ولخير الوطن والمسلمين الاغرو ان يحيى الراحل حياة طيبة . وان ينتقل انتقالا طيبا الى الرفيق الاعلى وان يبعث كذلك مقاما محمودا وهو المصلح الحكيم المتفهم مقاصد الاسلام والمسلط انوار عقله على سلوكه فى هذه الحياة او ما كان مؤمنا بوحدة المصير الانساني في الدارين ، وبعدم انفصال هذه المرحلة الموقوتة الفانية عن اختها التى اعدت للبقاء - وهو ما نجده فى قوله صلى الله عليه وسلم : " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا . "
لقد كان بطلنا الشيخ يعمل لدنياه ، ولكنه كان الى ذلك وفي عين الوقت بعمل لآخرته - اذ لا فضل فى نظر المسلم للدنيا عن الآخرة ، ولا معنى للتنسك والانقطاع عن مجال العمل الخلاق . ولا آخرة تصلح وتستقيم لبنيها دون عمل بناء في دنياهم ، واخلاص لحقيقة وجودهم فى هذه الديار كأوادم قد شرفوا بالعقل . وبهذا المعنى كان شيخنا التقى المسلم الحكيم الفيلسوف من اجل المؤمنين العاملين لصلاح الحال والمآل ، ولخير الآخرة والدنيا . ولقد يكون في سيرته واعماله اسوة حسنة لنا وبالخصوص لفتيان هذا العصر . لقد اسلفت لكم انه انتقل الى رحمة الله مساء السابع والعشرين من افريل ، لكن آخر عهدى برؤياه ، ولا أقول بمجلسه كان يوم السبت الخامس عشر من نفس الشهر اى قبل موته رحمه الله ، بما دون الاسبوعين ولقد تجلى لي يومئذ بغتة ، وفى موطن ما كنت اتوقع رؤيته فيه . كان ذلك حوالى الساعة الثالثة بعد الزوال وانا مع زوجتى على متن سيارتنا نجتاز الزياتين والاغراس والحقول فى طريقنا الى ( ابى على ) واذا شيخنا يخطو مسرعا ناشطا باوفر ما يمكن من حيوية على حاشية الطريق .
ولقد عرفته وزوجى من اول وهلة ، ولاول نظرة ، على الرغم من السرعة ولسوف تبقى تلك الصورة الخاطفة مرسومة فى ذهننا الى الابد . وانها فيما اعتقد ، لاروع دلالة على جلال الفكر وانتصار الروح ، وصلابة الايمان ، ورسوخ الثقة بالله لم يكن فى تلك المشية وتلك القامة وذلك الهندام اى اثر للوهن والاستسلام ... كانت قوة عجيبة خفية من صنف لا أرضى تنفث حياتها وتبعث جمالها في ذلك الجثمان . وارجع الآن الى تلك الصورة التى انطبعت فى اعمق اعماقى ، وهى تستعيد اليوم كامل معناها ، وقد انتقل صاحبها الى عالمه المنشود ، ومنهله المقصود . ارجع اليها متأملا اشارتها ، مستكشفا أسرارها مستوضحا عبرتها . اذ ما أظنها قد عرضت الى من باب الصدفة ، لكنني ارى
يد الآزال وضعتها بغية انارة الطريق واماطة اللثام . ولعل في عجيب قسماتها الجواب المقنع والحل الشافى الذى ينشده الحيارى الهائمون في مشاكل الحياة والممات . ومجاهل الكيان والمصير...
ان الخارقة العظمى منحصرة في كلمة واحدة وهي - (( الايمان )) الايمان وقرينه الملازم (( العمل )) - وان سر الخلد والبقاء السرمدى لمنحصر في هذين اللفظين . ولقد كان المعنيان متجليين بوضوح فى تلك الصورة الخاطفة التى التقطتها يومئذ ، صورة الشيخ الفيلسوف المسلم الدائب العامل المباشر تجواله بحزم ونشاط لا ينتابه فتور . لقد كان شيخنا رحمه الله يحسن توزيع اوقاته بين الذكر و العبادة والخلوة الروحية ، وبين العمل والكدح والنشاط المثمر الخلاق . لقد كان رجل الصوفية والفكر والتأمل الوديع والتجرد والانقطاع . ولكنه كان الى ذلك محبا للنشاط مقبلا على شؤون هذه الحياة ، ولقد كان ، طيلة حياته المليئة بالكد ، وتحمل المسؤوليات ، ممتثلا للخطة الواضحة القيمة التى رسمها القرآن اذ يقول " وابتغ فيما اتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا .."
ولقد رسم شيخنا بدوره ، لجيلنا وعصرنا ، لافرق بين شيب وفتيان ، ونساء ورجال ، ابدع وانجع منهاج لحياة اسلامية نقية كفيلة بالخير والاسعاد وبلوغ ذروة الآمال فى آلدارين . حياة عابدة خاشعة وان كانت يقظة واعية . حياة صوفية متسامية وان كانت خائضة ميدان العمل والسعى والانتاج . حياة مخلصة لماضى الدين ومبادئه القارة ، وان اتجهت الى الاصلاح واستنارت بضياء العقل وتخلصت من ربقة التقليد والجمود ، ورأت وجوب الانصياع لتطور الازمان وتغير الظروف والاوضاع والاحوال ، مما جعل التجديد امرا لا مناص منه ان اردنا حفظ الجوهر واللب من شريعة الاسلام .
هكذا تجلت لي العبرة والموعظة البالغة ، يا شيخنا الصوفي الفيلسوف من حياتك الطويلة النقية الثرية المخصبة ، وكذلك ، بالطبع ، من اواخر ايامك وحتى من حمامك المنسجم الوديع . ولئن لم ابلغ النهاية في كشف السر واماطة اللثام ، اذ تحولت الآن من عالم الملك والشهادة الى ماسماه حجة الاسلام ابو حامد الغزالى عالم الغيب والملكوت - لئن لم ابلغ النهاية فى رفع الستر عن دقائق معناك وحقائق مثواك ، فهنالك دلائل واشارات ان خفيت عن العين الظاهرة ، فانما ترى بعين هى عين القلب . ويقول حجة الاسلام ابو حامد الغزالي رضي الله عنه عن تلك العين اللامادية انها " خلقت فى قلب كل انسان ولكن الانسان جعل عليها غشاوة كثيفة من شهواته واشغاله الدنيوية فصار لا يبصر بها ولا يتصور ان يبصر بها شيئا من عالم الملكوت ، ما لم تنقشع تلك الغشاوة عن عين قلبه . ولما كانت الغشاوة منقشعة من اعين الانبياء عليهم
السلام فلا جرم نظروا الى الملكوت وشاهدوا عجائبه ونظروا الى الموتي في عالم الملكوت فشاهدوهم واخبروا عنهم . " وكذلك يقول انه حامد " ان انوار البصائر المستفادة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن مناهج الاعتبار تعرفنا احوال الموتى على الجملة وانقسامهم الى سعداء و اشقياء .."
فلئن لم يرفع الستار الحاجز الى حين بيننا وبينك يا شيخنا الوقور ، فهنالك دلائل واضحة تشعرنا بحسن منقلبك ، وطيب مثواك فى رياض الخلد وحدائق رضوان ، وما اخالك الامستأنفا هنالك تجوالك وسعيك ما بين تلكم الظلال الوارفات والافنان المتهدلات ، والحدائق الخضيلة الغناء ، مثلما مثلت وشخصت لي بهذه الديار الفانية على حاشية الطريق ، فى عشية الربيع المزهر الانيق ، متوجها الى اغراس التين والزيتون ...
لن اعمد الى تحبير مرثية منمقة فى التفجع عليك والتأوه لفقدك على وتيرة مألوفة ، مرددا قوالب بعينها ما خلتها تلائم المقام او تتفق مع حقيقة كفاحك الموفق وسعيك الاغر ومصيرك المظفر الى آفاق العز والبقاء ... وكذلك وقد منحت بعض اللمع الشافية عن سرك الخفى ، ومآبك الفسيح السرمدى كذلك لن انشد في حقك على غرار شاعر المعرة وفيلسوفها الحيران :
جهلنا فلم نعلم ، على الحرص ، مالدي
يراد بنا والعلم لله ذى المن
اذا غيب المرء ، استسر حديثه
ولم تخبر الافكار عنه بما يغني
انك الفيلسوف المؤمن الموقن العامل الكادح الذى لم يترك لعقولنا وضمائرنا مجالا للذبذبة و الحيرة و الاكتئاب والتساؤل عن المصير . ولئن لم نأخذ عنك فلسفة مبوبة منسقة مكتوبة ، ومذهبا مدونا ملفقا ، فلدينا من حياتك الجميلة الواضحة اجل كنز فلسفى عملي يقتني لبهجة الحياة ، ولهجعة الحمام ، ولموعد القيامة والحشر لقد كنت المؤمن العامل ، وكنت الصوفى المتفلسف الجسور كنت احد رواد نهضتنا في عصر عز فيه المرشدون والرواد - كنت في الرعيل الاول من المجاهدين والمحررين والمجتهدين فى تفهم مقاصد الاسلام وحقائق الايمان . كنت فى طليعة من هتك حجاب الجهل والضلال ، واماط البرقع البغيض وابان سبيل التربية الصحيحة القيمة المجدية لسائر بناتنا واخواتنا . فسلام عليك يوم ولدت وسلام عليك يوم قضيت وارتحلت عن دنيانا ، وسلام عليك يوم تبعث حيا .
- سوسة 2 ماى 1961-

