الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

الصادق الفقي شاعر مبدع فى عهده

Share

وطنية الرثاء :

قد يتساءل البعض وهو يطالع هذا العنوان عن علاقة الرثاء بالوطنية والواقع أن لهذا التساؤل وجاهته ، ولكن متى تأملنا آثار الشاعر الفقى الرثائية تجلت لنا الصلة الوثقى بين الوجودين . وتأكدنا أن الرثاء عنده يختلف عنه عند غيره من الشعراء . فعموم قصائده فى هذا الميدان لم يقلها لمناسبات شخصية  فهو لم يرث فيها أصدقاء أو أقرباء وانما رثاؤه فيها كان لمناضلين ارتبطت حياتهم بالحركة السياسية بالبلاد من أمثال الشيخ عبد العزيز الثعالبى والباى محمد الناصر والباى محمد المنصف والاستاذ الحبيب ثامر وغيرهم

وكثرة ما سجله الشاعر في رثاء رجال الحركة الوطنية يدل على انه كان ينظر إلى الوجود الوطنى من جوانب متعددة احدها الجانب الرثائى . وقد تبين لنا من رثائه للباى محمد الناصر انه لم يكن ينتهج منهج الاقدمين فى البكاء وتعداد محاسن الميت الخلقية وانما هو يجاوز هذا المنهج ليصل بين الباى وبين الشعب برباط وثيق هو رباط الحب والاخلاص والوفاء والتضحية ومن هنا كانت قيمة هذه الآثار الرثائية

وإذا كان في بعض قصائده الاخرى لا يملك أن يمنع نفسه عن البكاء فانه بعد الفنية الذهولية التى تعتريه بحلول المصاب لا يلبث أن يستعيد رباطه جأشه ويتناول القضية من زاويتها الوطنية .

ها هو مثلا فى ذكرى أربعينية الشيخ عبد العزيز الثعالبى يستهل قصيدته بمقطع يغلب عليه فيه الاستسلام ويتصاعد منه صوت بكاء خاضع خضوعا مطلقا للقضاء والقدر ولكنه لا يلبث أن يلتفت الى الفقيد مناجيا مباركا كفاحه وتضحياته وما بذله فى سبيل الوطن والشعب

فى سبيل الاسلام اوقفت عمرا فى كفاح أعلنته مستمرا

قد كسوت الاوطان عزا وفخرا جبت أرض الاسلام قطرا فقطرا

وهو أيضا فى قصيدته التى رثى بها محمد المنصف باى الذى أقصى عن عرشه ووطنه ومات وحيدا فى ديار الغربية ارضاء لمطامح شعبه وعزة وطنه تسيطر عليه النزعة النواحية فى المطلع فقط ثم هو بعد هذا المطلع يسجل مآثر المنصف باى الذى ضحى بتاجه وعرشه فى سبيل وطنه والذى فضل الحياة الغريبة على أن يكون جلاد شعبه ليتكهن فى خاتمة القصيدة بالمصير الذى سينتهى اليه الظالمون المغتصبون فيقول :

يا مليكا ختمت أنفاسه فى بلاد حل فيها مرغما

نقضوا عهدا به قد دخلوا قطرنا المحبوب نقضا محكما

ان للجائر حدا فاصلا ثم ينهار كطود حطما

وحين أذيع نبأ سقوط الطائرة التى تقل بعض الزعماء القوميين ومن بينهم الشهيد الحبيب ثامر فى الثانى عشر من جانفى سنة 1949 ربط الشاعر بين الحادث وبين مدينة المؤتمر وهى ( كراتشى ) ووضع قصيدته ( حادث كراتشى ) وفيها تخليد لبطولتهم ونضالهم من أجل الحرية الوطنية

عافوا حياة الذل فى أوطانهم فثنوا لافراس الرحيل عنانا

أدوا رسالتهم فكانوا قدوة رفعوا الرؤوس وشيدوا البنيانا

وافاهم الأجل المحتم فجأة كيما ينالوا الخلد والرضوانا

هذه بعض النماذج الرثائية فى آثار الشاعر الفقى ومنها ندرك أنها لم تجار الآثار الرثائية التقليدية وانما هى تمتاز عنها بروحها الوطنية ونفسها الصادق .

ملامح اجتماعية :

الآثار التى عالج بها الشاعر بعض ملامح الوجود الاجتماع لا تكاد تذكر نحن إذا غضبضنا عن تلك التى قالها حاثا على العلم وعلى الاتحاد ونبذ الخلافات

لم نعثر الا على قصيدة اجتماعية واحدة هى قصيدته ( دمعة على الاخلاق ) التى أبرز فيها الكثير من أمراضنا الاجتماعية ودعا الى التخلص منها

وقد استهل الشاعر قصيدته هذه بمقدمة وجدانية تحدث فيها عن الهموم التى كانت تنتابه وعن احساسه بضيق الارض به وعن لوم العذال له اذ يرونه مغرقا فى أحزانه وبكائه ليتخلص من كل ذلك الى الرد على كل عاذل لم يدرك أبعاد مأساته ويبين له عظمة الامر وجسامة الخطب بما أصاب الوطن من صروف الدهر وأحداثه فيقول :

أرى وطنا قد توالت عليه صروف الزمان بغير انفصام

فقاضى الجهالة نفذ حكما تسح له غاديات الركام

وداء التنافر شبت لظاها توهن من قوة الالتحام

تركيز على محاربة الجهل والتنافر لانهما كانا فى نظر الشاعر وفى نظر غيره من الشعراء من أكبر العوائق التى تصد الشعب عن طريق التقدم ومن أشد الحواجز التى تسد فى وجهه طريق التحرر

لقد كان هذان الوباءان من أخطر الاوبئة الاجتماعية ولكن كانت الى جانبهما أوبئة أخرى كان لها أثرها فى تمزيق قوى الشعب وبالتالى فى وسم حياته بميسم الذل والانحطاط والضعف .

وقد تحدث الشاعر عن هذه الاوبئة : عن شرب الخمر والبغى والربا وعن النميمة والاغتياب والتحاسد وعن المفاسد عامة اذ يقول :

وريح الخمور تجر جزافا اتاسا حسوها لبحر الظلام

ونوق الوقاحة رابضة تعكر ماء الصفا والسلام

واحمرة الغي ناهقة تخبط فى عرصات الخصام

وأغربة البغي ناعقة تحلق فوق عظام الرمام

ها هو الشاعر قد جمع فأوعى استقصى الادواء وعددها وحاول أن ينفر منها بما أضافة لكل داء منها : فللوقاحة نوقها وللغى أحمرته وللبغى أغربته وهكذا .

وليس هذا فحسب كان سبيله الى المعالجة فهناك سبيلان آخران انتهجهما أولهما يبدو فى أسئلته الملحة المتتالية عن المنقذ وثانيهما فى التوجه بالخطاب المباشر للشعب حتى يسعى أبناؤه الى الخلاص ويسيروا قدما فى مدارج الحضارة والرقى

يقول فى تساؤله الملحاح عن المنقذ :

فهل من مشير لمنهج الهدى وهل من رشيد مفيد الانام

واثر هذا التساؤل الراجى المتطلع الى طريق الخلاص يتوجه الشاعر الى بنى وطنه يحثهم على التمسك بحبل الاتحاد والتسلح بنور العلم ويقول :

بني دينى الحق هبوا جميعا ولا تركنوا الدهر للانقسام

بنور المعارف شاكى السلاح تضيئون كالبدر ليل التمام

أعيروا رفاقى ولو نبذة من الالتفات لسوء النظام

هذه هي أبرز قصيدة كان الشاعر قد قالها فى الغرض الاجتماعى والى جانبها والى جانب بعض المتفرقات الاخرى الداعية الى العلم والاتحاد نستطيع أن نتلمس بعض البذور الاجتماعية فى قصيدة ( الاحلام المؤلمة ) وهي قصيدة مزج فيها بين الوجه الطبيعى للحياة فى يوم ربيعى مزهر وبين احساسه بعمق المأساة التى كان شعبه يتخبط فيها

يقول بعد مقدمة وجدانية طويلة :

... ولكننى صحت وا أسفى على وطن قد براه الضجر

تفشت به معديات الملاهى وقد فسد الخلق بين الاسر

وتلتحم النزعة الاجتماعية بالاحساس القومى فى قلب الشاعر فاذا به يختتم هذه القصيدة بروحه المتفائلة معبرا عن الاستعداد للتضحية والفداء لتحرير الوطن واعلاء لوائه حيث يقول :

سنعلى لواءك فوق الربوع ونجعل عصرك خير العصر

سيلمع نورك فى الخافقين وتبقى الى الناس جلى العبر

بين أحضان الطبيعة :

(( يلاحظ الانسان بسهولة أن أدبه مشبع بعاطفتين عزيزتين وهما أولا الروح الوطنية التى تشع بها أيام مزاولته القراءة بالعاصمة ثانيا ترديده وشدوه بوصف الطبيعة ولطائفها مما تلهمه جنات صفاقس وبدائعها )) .

هذه هى شهادة الاستاذ زين العابدين السنوسى فى معرض حديثه عن أدب الشاعر الصادق الفقى . وقد ألقينا نحن نظرة على أدبه الوطنى والقومى كما كشفنا عن بعض آثاره الاجتماعية وان كانت ضئيلة وعلى ذلك وحتى نكون قد استوعبنا جميع الاغراض التى كان الشاعر قد اهتم بتناولها يجدر بنا الان أن ننظر فى آثاره التى صور بها مظاهر الطبيعة .

على اننا قبل أن ننظر في هذه الآثار الطبيعية - تدفعنا موضوعية البحث - حتى نحل شاعرنا المحل الذى هو أهل له بين أقرانه - أن نشير الى حياة الطبيعى كما تجلت في قصائد الديوان العربى قديمه وحديثه :

لقد أخذت الطبيعة مكانها فى الشعر العربى أول ما أخذت باعتبارها وسيلة من وسائل ابراز الصفات فى من يراد وصفه وخاصة صفات الحبيبة . فخدها الورد وعيناها النرجس وأسنانها البرد وشعرها الليل وقدها الغصن ... وهكذا .

هذه هى الملامح الاولى للطبيعة فى وجودنا الادبى العربى وهى الملامح التى نلمسها فى الآثار الجاهلية والاسلامية الاولى وما زلنا نلمسها حتى فى أشعارنا الحديثة .

ومنذ العصر الاموى تعمق الشاعر فى استغلال الوجود الطبيعى فهو اذ يصوره كان يهدف الى تجميل مجالس الحب والخمرة . ولعلنا ندرك ذلك بوضوح فى شعر عمر ابن أبى ربيعة الغزلى وشعر أبى نواس الخمرى

ثم كان الطور الثالث الذي بدت الطبيعة فيه وقد تملكت قلب الشاعر فهو يعنى بتصويرها لذاتها باعتبارها مظهرا جماليا ومن أبرز من يمثله البحترى وابن خفاجة .

أما الطور الرابع فكانت تبدو فيه وقد انصهر الشاعر مع عناصرها المختلفة واتخذ منها مجتمعه المتكامل الذى يعوضه عما افتقده فى مجتمعه الواقع ومن ألمع من يمثل هذا الطور ابن زيدون والشاب وكثيرون من الشعراء الرومانسيين

هذه هى الاطوار التى مرت بها حياة الطبيعة فى الوجود الادبى العربى فاذا أردنا من خلال تعرفنا عليها ان نحكم على شاعرنا الفقى أمكن لنا أن نقول انها قد تمثلت فيها ملامح من الاطوار الثلاثة الاولى أما الرابع فلا نكاد نستشعر له وجودا .

لقد كانت حياة الشاعر الخاصة وادعة مطمئنة وهو لم يتمرس بالمأساة ولم يعان الغربة الروحية ولم يحس بالضياع فى مجتمعه الواقعى حتى يتخذ من الطبيعة واقعه المثالى الذى يلجأ اليه تخلصا من محنته ومأساته كما فعل الشابى مثلا .

وحياته المطمئنة الوادعة هي التى جعلته يهتم بوصف مفاتن الطبيعة باعتبار وجودها الخارجى ووصفه هذا كان لذاتها تارة وكان لتجميل مجالس الانس أخرى .

وها هو فى قصيدته ( بين الزهور والاوتار ) يترنم بمعالم الجمال فى حضن الطبيعة ليتوصل الى الغرض الذى كان يهدف اليه وهو تجميل ساعة الوصل التى لا تفوقها أية ساعة :

قر عينيك واحتفل بالشادى يتهادى بمسرح الانشاد

وانظر البلبل الاغن طروبا يتغنى بغصنه المياد

وانس وجدا يجدد الشوق طبعا وهو من طبعه شديد العناد

فى رياض فتانة ساحرات فى ضياء من بدرها الوقاد

بين زهرى قرنفل وأقاح بين ورد ونرجس صياد

ورنين الاوتار ينقش فى القلـ لب سرورا فماله من نفاد

أى شئ أعلى من الوصل قدرا فهو عيد من أبهج الاعياد

أما فى قصيدته ( الورد ) فهو يهتم بالجمال الطبيعى لذاته يبرزه ويجليه ويرى فيه ما يرى المحب فى حبيبته . فلم يكن تغنيه بالورد فيها الا لأن الورد

كان يمثل فى احساسه وجودا جماليا خاصا فهو يتعلق به تعلق العاشق الولهان بمن يحب يهتز طربا حين لقائه به ويحترق شوقا حين ابتعاده عنه :

يا ورد لولا اشتياق ما طار عنى المنام

يا ورد مهما افترقنا منى عليك السلام

وكقصيدته هذه قصيدته ( جنة ) وان كان تمثيلها لهذا الطور يبدو بصورة أعمق وأدق يقول فيها :

بهر البهار وهز من أكمامه يبدى نشاطا بعد طول هيامه

وفي غسق الدجى مستهزئا بصبيب غيث منعش وغمامه

تلك بعض النفثات من تفاعل الشاعر مع الوجود الطبيعى وهو تفاعل يتلاءم مع حياته الخاصة حيث كان يعيش بين بساتين صفاقس وجناتها الوارفة وحيث لم تعترض وجوده نكبات كتلك التى اعترضت غيره من الشعراء الرمنسيين .

انها نفثات لا تبعد كثيرا عن تلك التى خلفها لنا البحترى أو سجلها لنا ابن خفاجة قد نلمس فيها بعض أنفاس التقليد ولكنها لا تخلو من التعبير عن تجارب الشاعر الذاتية .

خصائص فنية :

ان الحديث عن هذه الخصائص يقتضينا أن نصنف الاثار الى أقسام والا نعتبرها ممثلة لوحدة عضوية لها خصائصها المتشابهة او الموحدة . فالشاعر قدمر فى حياته الادبية بمراحل والمواضيع التى تناولها تختلف فى اساس اتجاهها ولذلك كانت الاختلافات بين هذه الخصائص وكان الاختلاف فى الحكم عليها .

وكانت أولى المراحل التى مر بها الشاعر هى مرحلة التقليد ونحن لم نسجل نماذج منها باعتبارها لا تمثل الشخصية الادبية له ، وتشمل ما كان قد قاله فى مناسبات آنية كتلك التى كانت تقال فى حفلات اختتام السنة الدراسية أو فى الاغراض الخاصة بصفة عامة

ثم كانت المرحلة الثانية وهى التى يمثلها شعره القومى والاجتماعى باعتباره يمثل شعر الانبعاث وكان يعد صورة للتجديد والانعتاق من قيود الماضى

وقد سجل الشيخ محمد الفاضل بن عاشور للشاعر مأثرة سبقه فى معالجة الاحداث القومية والخروج بالشعر من طور الجمود والتحجر اذ قال عنه وعن الشاعرين السويسى وأبن حميده

(( ان روح الانبعاث الاسلامى والغيرة على عزة الاسلام وعزة راية الخلافة قد حركتا القرائح بالشعر الحماسى المتولد عن الاحداث الحية والمتأثر بما تحركه تلك الاحداث من الشعور القومى السامى فتطورت روح الغيرة القومية الى شكلها الايجابى العملى الذى يشيد بالروح الكفاحية ويدعو الى الجهاد ويمجد المجاهدين فكان أقرب الاحداث مساسا باحساس الشعراء التونسيين هو حدث حرب طرابلس فاندفع صالح سويسى وسالم بن حميده والصادق الفقى يصرفون حماسهم فى وصف المعارك ومواقف الابطال ))

هذه هى شهادة الاستاذ محمد الفاضل بن عاشور وعلى أساسها يمكن ان نقول : إن السمات المميزة لشعر الصادق الفقى تتمثل فى تخلصه من سيطرة الالفاظ وفي عنايته الكبرى بالموضوع أو بعبارة أخرى فى اخضاعه الالفاظ للمعانى . وبهذا الاعتبار يمكن ضمه الى مجموعة شعراء عصر النهضة فى الشرق من أمثال الزهاوى والرصافى وحافظ والبارودى ومن اليهم

وبعد أن حكمنا على الاثار الآنية الخاصة بأنها لا تتميز عن القصائد التقليدية التى سبقت عصر النهضة وبعد أن قلنا عن الاثار القومية الممثلة لعصر الانبعاث بأنها لا تكاد تختلف فى سيرها العام عن الاثار المشرقية الممثلة لهذا العصر يبقى علينا أن نضع شعره الطبيعى فى المحل الذى يجب أن يوضع فيه وأعتقد أننى لمحت الى ذلك فى الابان كما قلت ان هذا الشعر قد قصر اهتمامه على ابراز الموصوفات الخارجية دون ربطها بالوجود النفسى كما لمحت الى السبب فى ذلك ايضا حين قلت انه يعود الى ان الشاعر كان قد عاش حياته هادئة وادعة ولم يتمرس بالوجود المأسوى الذى كان شعراء الرمنسية قد تمرسوا به .

(( ان الصادق الفقى شاعر مبدع في عهده وان كان تيار الزمن قد خلفه بعيدا عن ركب المجددين المحدثين ورحم الله ابن رشيق حيث يقول (( كل قديم من الشعراء فهو محدث فى زمانه بالاضافة إلى من كان قبله ))

اشترك في نشرتنا البريدية