الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

الطالب والحياة

Share

إن الطالب هو ذلك الشاب الذى توصل بجهده ومجهوداته الى اقتحام الجامعات والمدارس العليا . انه شخص تعلقت همته بمواصلة الدراسة ، وبمواصلة البحث والتعمق فى فهم الاشياء التى تدخل فى نطاق اختصاصه . وهو بهذه الرغبة فى المواصلة والمتابعة يكشف عما فى قرارة نفسه من استعدادات وطاقات ولهفة نحو البحث والاستقصاء . وهو متحمس ومغامر ومتطلع الى ما وراء معارفه الضئيلة التى سبق أن تحصل عليها فى ما مضى من أيامه . انه يريد أن يعرف .. وأن يفهم ليكون أقدر على التفكير وأقدر على التلاؤم مع المجتمع وأقدر على تحمل مسؤولية حياته وحياة عائلته ومجتمعه وأمته . وليس الطالب من يطلب مالا أو جاها وانما هو من يطلب العلم والمعرفة لأن للمال أو الجاه طرقا أخرى غير الجامعات والمدارس العليا وغير اضاعة العمر وراء طلب المعرفة . ثم ان مثل هذا الطلب الذى يتطلب العمر القصير كله لا يرجو منه مالا وفيرا ولا جاها كبيرا ولكن فقط نصيبا من السعادة وحياه أفضل .

أما الحياة التى نعنيها فهى لا تتجزأ ولا تنقسم الى حياة اجتماعية وأخرى سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية الى غير ذلك وانما هى كل هذه الاقسام مجتمعة ومتلاحمة ومتكاملة . ان الحياة فى مفهومها الشامل هى كل ما نراه ونسمعه ونلمسه ونشمه ونتذوقه ونفكر فيه ونفعله . فهى فكر وهى عمل وهى شعور . وهذا كله يؤدى بنا الى القول بأن الحياة وجود حى للفرد أو الافراد .. وجود له معنى وله علاقات وله تأثير .. يأخذ ويعطى ، يفيد ويستفيد . وجود له مكانة وله مسؤولية . وبلا مسؤولية وبلا مشاركة وبلا تجاوب وتعاطف ووعى وشعور ليس هناك وجود وبالتالى ليست هناك حياة . والحياة الحقيقية ترفض حدود الزمان والمكان : فهى الامس واليوم والغد - ماض وحاضر ومستقبل . والحياة هى منزلنا وشارعنا وهى التاجر والخضار .. والسوق ودور الشباب ودور السنما والثقافة وهى المتحف والمعرض والتلفزة

والاذاعة والاجتماعات والمحادثات واللقاءات . الحياة هى كل هذا الخليط الحى والهائل الذى يؤثر فى وجود الافراد والجماعات وهى هذا المحيط المتنوع الذى يحدد تفكيرنا وسلوكنا ويرغمنا على التجاوب والتلاؤم والتعامل معه . هذه هى الحياة التى نبحث عن صلة الطالب بها وموقفه منها .

ونحن اذ نحاول تحديد هذه الصلة فاننا سنقتصر على بسط المشكل مختلف معطياته . وأصل المشكل هو عزوف الطالب عن الحياة أى عدم اكتراثه بما يجرى خارج نطاقه واختصاصه . فالطالب اليوم بحكم انتمائه الى طبقة الطلب وبحكم ميوله واتجاهاته الفكرية نجده لا يهتم بما يقع فى الشارع وفى المدينة أى لا يتابع الاحداث ولا يعيش تجارب الآخرين أو يتعرف عليها فكل ما لا يمت بصلة الى ميدانه لا يعنيه وكل ما لا يتكلم عن مشاكله من قريب او بعيد لا يروق له . كأن ميدانه هو كل الحياة وجوهرها الحقيقى وكأن ميدانه هو ميدان كل الناس . ولا يعرف هذا الطالب المحترم أن ميادين الحياة تختلف وتتفاوت وتتعدد وكلها لها صلة بالحياة . فهى اذن هامة اذا ما اعتبرناها مصدرا ومنبعا لثقافة محلية أخرى نضيفها الى ما عندنا من رصيد ثقافى قديم . والحقيقة أن المفهوم الشامل للثقافة لا يحدده ميدان ... انما الثقافة هى معرفة أحوال كل الجماعات البشرية دون تمييز أو تفضيل . ولكن ما يؤسف له هو أن نرى الطالب الذى هو أولى من غيره بالبحث عن المعرفة حيثما كانت وفى أى وقت كانت ، نراه ينظر الى الحياة من زاوية واحدة ، ويحمل فى ذهنه فكرة التمييز بين الثقافات ولا يفكر بجدية فيما هو خارج عن نطاق اختصاصه وهو يعلل هذه اللامبالاة سواء بكثرة الدروس وانعدام الوقت الكافى والمناسب أو بقلة الامكانيات هذا اذا لم يصارحك بالحقيقة وهى أنه لا يميل الى قراءة الجرائد والمجلات أو لا يميل الى مشاهدة الافلام والمسرحيات أو زيارة المتاحف والمعارض . وربما يقول لك محاولا اقناعك بأن المسألة هى فقط مسألة ميل طبيعى ، وانه لمن غريب الامور ان نفرض على الناس ما لا يميلون اليه . والحقيقة انه بقدر ما فى هذا الكلام من صدق وجدية فانه ليعطى صورة مشوهة للطالب الذى يتميز خاصة بلهفته المتزايدة الى المعرفة والذى يعبر بمواصلته للدراسة العليا عن هذه الرغبة والحب للمعرفة فلولا هذا الحب لا نقطع عن التعليم ووجد لنفسه شغلا مناسبا يكفيه عناء الدراسة واضاعة العمر . فاذا كان القصد شريفا والمعرفة هى الهدف الاساسى فكيف يعتقد الطالب بأنه يمكن أن يجد كل شئ داخل اختصاصه ؟ وكيف يتناسى أهمية علاقاته بالناس بما فيهم الفلاح والتاجر والعامل بما فيهم أبوه وأمه واخوته بما فيهم عمادته وبلديته

ومعتمديته ؟ وكيف يجرؤ على التدخل فى العديد من المشاكل وهو على هذه الحال من ضحالة الثقافة ؟ وبما أن صلة الطالب باختصاصه ليست سوى صلة بجزء ضئيل من الحياة فانه أولى بنا أن نتساءل عن ماهية صلته بأكثر ما يمكن من ميادين الحياة .

إن مهمة الطالب كما نراها لا تقتصر فقط على الجدية والمثابرة فى الدراسة ولكنها تتعدى ذلك الى التعايش مع الواقع الى فهمه والتجاوب معه ، الى المشاركة فى تطويره واصلاحه وبذلك يكون الطالب من جهة قد نمى من ثقافته وتحصل على تجارب هامة تساعده فى حياته وتكون بلاده من جهة اخرى قد وجدت فيه العنصر الواعى والصالح الذى يريد أن يفيد مجتمعه بما له من ثقافة ليس بمقدرة كل الناس التحصل عليها ... إذن فوجب ألا يترك الطالب دروسه ويهملها ولكن أن يكون دائم التعطش والحماس الى المعرفة . وجب عليه أن يجرى وراء هذه المعرفة بكل الوسائل . وبما أن منابع المعرفة كثيرة فوجب عليه أن يأخذ بطرف من كل شئ . المهم أن يكون ملما وواعيا حتى لا يفكر وهو على خطأ وحتى لا ينظر الى الامور من زواياها الضيقة . وان الثقافة المتنوعة هى سبيلنا الى الفكر الواضح والفكر الواضح هو سبيلنا الى السلوك المستقيم والنجاح فى تحمل المسؤولية فعلى كل طالب أن يطالع الصحف والمجلات وأن يشاهد الافلام الثقافية وأن يزور المعارض والمتاحف وأن يحضر الاجتماعات والمحاضرات بمختلف أنواعها وألا يفرق بين ما يميل اليه وما لا يميل اليه لان الثقافة لا تتجزأ . وعلى كل طالب أن يتعلم من الحياة ، من كل الناس على مختلف مستوياتهم ، عليه ألا يرى فى هذا السعى تعبا او مضيعة للوقت انما ربحا وخبرة ولذة . وانها حقا لمتعة أن نكون دائما فى نشاط وحيوية وعلى اتصال مباشر بالواقع والحياة . فلنتعلم كيف نحب الآخرين وكيف نعطيهم أكثر مما نأخذ منهم لنوطد علاقاتنا بهم ونرى قيمتنا من خلالهم لان الانسان لا يوجد الا بغيره ولا يكتشف نفسه وينميها الا بغيره . فما أحوج الطالب الى المشاركة مع الغير فى أفراحه وأتراحه وما أحوج الطالب الى أن يساهم بثقافته ومجهوده الخاص فى الخلق والابتكار وبذلك لا ينعزل عن الحياة فى مفهومها الشامل وتكون صلته بها أقوى وأمتن من ذى قبل .

اشترك في نشرتنا البريدية