الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

العربية واللغات السامية

Share

اللغات السامية :

حاول منذ القديم فقهاء اللغة احصاء اللغات المستعملة فى مختلف اقطار المعمورة كما حاولوا تقسيمها وترتيبها فى مجموعات على أساس الوشائج اللغوية التى قد تربط بينها . فمنذ العصور القديمة تم الوقوف على أواصر القرابة التى تصل بين اللغات المتواجدة فى الربوع الكائنة بين الفرات والبحر الأبيض المتوسط . وتلك القرابة بين مختلف تلك اللغات يسرت استعمال احداها كلغة دولية في مستوى العلاقات بين عدد من دول المنطقة وهذه اللغة التى وقع اختيارها لتكون جسرا بين الدول اذ ذاك هي الاكادية أى لغة أكاد _ وأكاد ( بتضعيف الكاف)  فى وادى الرافدين . ذلك أنها كانت يسيرة الفهم بالنسبة لاقطار يتخاطب الناس فيها بلغات مختلفة لكنها قربية من اللغة الاكادية . ولا شك أو قوة اكاد وسلطانها ساعدا على اختيارها بل فرضها كلغة دولية .

والطريف أن مصر الفراعنة كانت تستعمل اللغة الأكادية فى علاقاتها الخارحية لا سيما مع دول المنطقة الممتدة بين الفرات والبحر الابيض المتوسط ومنها الدويلات الكنعانية . ولئن اختار الفراعنة لغة أكاد فى علاقاتهم الخارجية فذلك لانتشارها فى الربوع السورية الفلسطينية وما سر انتشارها لا فى الوشائج اللغوية التى تربط بينها وبين سائر اللغات المتواجدة فى المنطقة . ومما يثبت قطعا استعمال الأكادية فى ديوان العلاقات الخارجية فى مصر الفراعنة أيام أخنتون مجموعة من الرسائل والوثائق الدبلوماسية كشف عنها الغطاء في خرائب تل العمارنة حيث كانت توجد عاصمة أخنتون وقد حكم هذا الفرعون مصر من 1370 الى 1352 قبل الميلاد .

وفي النصف الثاني من القرن السادس قبل تألق نحو الفرس وكانت الدولة الاخمينية نسبة لمؤسسها " هاخمنيش " وقورش من أعظم ملوكها وقد

فتح مدينة بابل سنه 539 قبل الميلاد وسرعان ما استولى على الهلال الخصيب لكن الاهم عندنا فى هذا الصدد هو اختيار اللغة الارامية من قبل الاخمينين لعلاقاتهم الخارجية ومعنى ذلك أن الأرامية أصبحت لغة دولية في القرن السادس قبل الميلاد ؛ ولا شك أن الاخمينيين فى اختيارهم لها راعوا اذذاك مكانتها فى المنطقة الناتجة لا فقط عن اشعاع الاراميين بل كذلك عن السهولة التى يجدها سكان أقطار ما وراء الفرات وسكان وادى الرافدين فى تعلم اللغة الأرامية واستعمالها . وسر ذلك فى الوشائج التى تربطها بمختلف لغات المنطقة . الى جانب عوامل أخرى كانت تساعد على نشر اللغة الأرامية منها كتابتها الأبجدية اليسيرة اذا ما قورنت بالكتابات الاخرى كالكتابة المصرية التصويرية والكتابة المسمارية المقطعية المستعملة فى وادى الرافدين وفي بلاد الأناضول عند الحثيين مثلا . وثبت أن اللغة الأكادية كانت لغة دولية خلال الالف الثانية قبل الميلاد وثابت أن اللغة الأرامية ارتقت الى تلك الوظيفة في يام الأخمينيين ولا شك أن القرابة التى تصل بين العديد من لغات المنطقة كانت من العوامل الفعالة لاقرار ذلك الاختيار وحيث كانت التجارب اليومية تثبت أن الكنعانى يتمكن من حذق العبرية أو الأرامية أو الأكادية أو العربية دون مشقة وعناء ولعله يفهم محتوى نص ارامى أو أكادى دون سابق دراسة عميقة للغة النص

بل ترى بعضهم لا يميز بين اللغة والأخرى لما بينهما من متين العلاقات والتشابه من ذلك نلاحظ أن النبى اليهودى " أشعيا " كان لا يميز بين لغة اليهود ولغة كنعان فيقول متوعدا مصر : " فى ذلك اليوم تكون خمس مدن من ارض مصر تتكلم بلغة كنعان وتقسم لرب الجنود ويقال لاحداها مدينة الشمس " ( من سفر أشعيا الفصل التاسع عشر ، الآية 18 ) ومما اثبت العلاقة المتينة بين اللغة الكنعانية واللغة العبرية نجاح القس برثيليمى Barthelemy فى قراءة النصوص الفنيقية وفهمها منذ بداية النصف الثانى  من القرن الثامن عشر وكان قد تمكن كذلك من قراءة اللغة التدمرية وفهمها مستندا الى العبرية وانطلاقا من نصوص مترجمة الى اليونانية .

ومع تعدد الدراسات وتعمق الباحثين تأكد أن لغات المنطقة الكائنة بين وادى الرافدين والجزيرة العربية والبحر الابيض المتوسط تشكل مجموعة واحدة لها من أواصر القرابة ما يعلل تنزيلها فى أسرة واحدة ولعل من عبر عن ذلك لاول مرة بشكل واضح لا غبار عليه هو المستشرق الالمانى شلوزل A.L.Schozel فى الجزء الثامن من فهرس الادب التورانى والشرقي الذى

كان يشرف عليه ايشهورن  J.G.Eichhoru وكان ذلك سنة 1781 . كتب المستشرق شلوزل فى هذا الصدد : " من المتوسط الى الفرات ومن بلاد ما بين النهرين الى شبه الجزيرة العربية تسود كما هو معروف لغة واحدة وعليه فالسوريون والبابليون والعبريون والعرب كانوا أمة واحدة . والفنيقيون الحاميون أيضا يتكلمون بهذه اللغة التى أود أن أدعوها " سامية "

ولأول مرة تستعمل نسبة " سامى " للتعريف بمجموعة من اللغات وبالتالى للتعريف بمجموعة الشعوب التى تتخاطب بتلك اللغات العديدة وأساس هذه النسبة ما ورد في سفر التكوين من التوراة فى خصوص الشعوب وعلاقاتها بأبناء آدم ونوح .

وشاع استعمال تلك النسبة فى كتابات الذين يعالجون قضايا تلك المنطقة التاريخية والحضارية واللغوية بوجه خاص حتى أننا نقول اللغات السامية والشعوب السامية والحضارات السامية وما زالت قضية أصولها أو مسقط رأسها يحظى بعناية المؤرخين ولا نريد معالجة هذه القضية المتشعبة بل نكتفى بذكر بعض الحقائق :

أ ) اثبت البحث العلمى في ميادين الانثروبولوجيا أن لا وجود للعرق الصريح وذلك منذ طفولة البشرية فالنظرية العرقية سقطت وليس من عالم مختص مخلص لعلمه يؤمن بها فنظرية ابناء سام لا طاقة لها على الصمود

ب ) وثابت أيضا أن الشعوب أو الحضارات التى تلقب أو تنعت بالسامية اصطلاحا كانت منتشرة على اختلافها وتنوعها فى ربوع الهلال الخصيب منذ فجر التاريخ ومعنى ذلك أن المؤرخ يقف أمام أمر مقضى ويبدو من المرجح أن اللبنات الاولى من "الانشاء " الذي نسميه بالشعوب السامية أو الحضارات السامية أو اللغات السامية أخذت شكلها فى ربوع الهلال الخصيب ولكن كيف ومتى ؟ لا ندرى !

ج ) وثابت كذلك أن للشعوب السامية وللحضارات السامية واللغات السامية طاقة شعاع واستيعاب جعلتها تتوسع " عرقيا " وتتمثل شعوبا وقبائل عديدة مختلفة مما ساعدها على التوسع جغرافيا وتزداد عمقا وثراء

اللغات السامية : أقسامها وملامحها :

إن أقدم ما لدينا من الوثائق حول اللغات السامية يعود الى بداية الألف  الثالثة قبل الميلاد ولعل أقدم المعطيات اللغوية السامية وردت فى نصوص

سومرية تلك التى عثر عليها فى مدن جنوب الرافدين ومنها أور وأوروك ولجش ونفر وغيرها . ثم تاثرت النصوص الاكادية فى حكم سلالة سرجون الاول " شروكن " (2371-2316 قبل الميلاد ) وما انفكت تنتشر اللغة الاكادية بفرعيها البابلى والاشورى عبر العصور وتجاوزت الحدود الرافدية خلال الالف الثانية .

وفي الوقت الذى كانت فيه الدول الرافدية تستعمل اللغة الاكادية او اللغة البابلية الأشورية كانت مناطق أخرى المتواجدة وراء الفرات تستعمل لغات سامية لها خصوصيتها منها اللغة الأمورية واللغة الكنعانية كالأغاريتية ومنها كذلك لغة عثر عليها فى السنوات الاخيرة فى سورية بالمنطقة المعروفة بتل مرديخ على الطريق الرابطة بين دمشق وحلب : كان من حظ فريق إيطالى العثور على مدينة عظيمة يبدو أنها بلغت أوجها خلال الالف الثانية قبل الميلاد وقد كان ملوكها أو حكامها معاصرين لحمورابى وتسمى هذه المدينة إبلا Ebla كشفوا الغطاء عن القصر وجدوا مكتبة القصر وعلى رفوفها آلاف الرقم تحمل نصوصا بلغة قريبة من الكنعانية كتابتها مسمارية مقطعة تم الى حد الآن احصاء ما ينيف عن 10.000وثيقة توجد كلها محفوظة فى متحف حلب . فهذه الوثائق العديدة أضيفت الى ما يزيد عن مائتى الف وثيقة مسمارية معروفة من ذى قبل .

أضف الى هذه المجموعات الوثائق اللغوية السامية التى عثر عليها فى أوغاريت وفي مختلف المدن الكنعانية والفنيقية والارمية كما لابد من اضافة النصوص العربية والعبرية والحميرية والسبئية والاثيوبية . فالمادة ضخمة كما وكيفا وتعود الى مجموعتين :

أ ) المجموعة الشرقية وتشمل الاكادية والبابلية والاشورية - وتتميز هذه المجموعة فى مستوى الفعل حيث تكون صيغة الماضى وصيغة المضارع بواسطة زوائد سابقة او سوابق Prefixes أما الديمومة فتكون صيغتها بواسطة زوائد لاحقة أو لواحق Suffixes .

ب ) المجموعة الغربية وتنقسم الى قسمين : قسم شمالى غربى وقسم جنوبى غربى ، ومن مميزات هذه اللغات استعمال اللواحق لصيغة الماضى واستعمال الزوائد واللواحق لصيغة المضارع.

فالقسم الجنوبى الغربى يشمل العربية الشمالية القديمة المعروفة عن طريق النقائش اللحيانية والثمودية والصفوية ثم العربية التى تمثل لغة الشعر

الجاهل ولغة القرآن ونجد فيه كذلك لهجات الجنوب ( جنوب الجزيرة ) كاليمنية والسبئية والحضرمية ولهذا الفرع تنتمى اللغة الاثيوبية بمختلف لهجاتها .

أما القسم الشمالي الغربى فهو يتكون من الكنعانية ( أوغارتية وفنيقية ويونيقية وبونيقية حديثة ) وفيه العبرية والارمية بفروعها ( التدمرية _ النبطية والسريانية )  .

الفنيقية :

ان اقدم الوثائق الفنيقية المكتوبة لا تتجاوز حدود القرن الحادى عشر قبل الميلاد مع العلم أن النصوص الأوغارتية لا تدخل فى زمرة النصوص الفنيقية فهي تختلف عنها لا فقط فى مستوى شكل الحروف بل فيها ما يميزها صوتيا ومعجميا وقد عثر فى خرائب أوغاريت على مجموعة كبيرة من الرقم الأغارنية أثناء الحفريات التى كان يشرف عليها أثارى فرنسى Claude Schaeffer - كلود شيفير - ولما تم الوقوف على محتوى هذه النصوص الأوغارتيه بفضل مجهودات جبارة قام بها ثلة من كبار فقهاء اللغات السامية القديمة تغيرت المعطيات المتعلقة بالكنعانين وبالفنيقيين واختفت اتجاهات ونظريات كانت تعتبر الكنعانيين والفنيقيين عاجزين جبلة على المساهمة فى بعض الميادين الحضارية فكان بعض المؤرخين لا يتحرجون من القول بأن بنى كنعان الفنيقيين لم يصلوا الى مستويات الخلق الادبى والفنى حيث كانوا فى رأيهم لا يهتمون إلا بالتجارة وكسب المال . فجاءت النصوص الاورغارتية تفند هذه الاقوال والنظريات التى لا تخلو من العنصرية شعر بها أصحابها أولم يشعروا . وذلك فضلا عن الكنوز اللغوية والمواد التى يجد فيها اللغوى أو " الألسنى" مجالات بحث تمتاز بالفساحة والعمق .

أما النصوص الفنيقية فلقد التقط الكثير منها فى خرائب المدن الفنيقية نفسها كجببيل Byblos وصيدة Sidon وصور ولما كان الفنيقيون قد توسعوا فى حوضى البحر الابيض المتوسط انتشرت حضارتهم وانتشرت لغتهم كما تشهد به النصوص الفنيقية التى تم العثور عليها فى قبرص خاصة في أقطار الحوض الغربى من البحر الابيض المتوسط منها جزيرة صقلية وجزيرة سردانيا وجزيرة مالطة والمناطق الجنوبية من شبه جزيرة الايبار على أن البلاد المغربية تمتاز عليها جميعا بغزارة ما عثر عليه فيها من

النصوص الفنيقية وبتنوعها وتمتاز كذلك بثبات اللغة الفنيقية فيها حتى دخول العرب فكان أهل الريف أيام القديس أوغستنوس يتخاطبون باللغة الفنيقية ويؤمنون انهم من أصل كنعانى وفى رأى بعض المؤرخين أن اللغة الفنيقية فى بلاد المغرب ساعدت على انتشار اللغة العربية لما بين اللغتين من أواصر القرابة .

فلقد عثر فى تونس والجزائر والمغرب الاقصى على آلاف النصوص الفنيقية والبونيقية والبونيقية الحديثة وما انفكت هذه المجموعة من الوثائق اللغوية الثمينة تتكاثر مع مر السنين وتعدد الحفريات والمكتشفات ولا شك أن لبلادنا القسط الاوفر - قسط الاسد - فى مجموعة هذه النصوص الفنيقية فلقد كشف الغطاء فى توفات صلامبو على أنصاب مسطورة يفوق عددها 6.000 على أنه لم يقع إحصاء تلك النصب بكل ضبط وقد تلاشى بعضها منذ القرن التاسع عشر ومنها ما تم الاستلاء عليه ويوجد اليوم فى بعض المتاحف الاجنبية فى أوربا وأمريكا وآسيا فتجد الانصاب البونيقية فى المتاحف اليابانية والروسية والفرنسية والبريطانية وتجدها فى متاحف الولايات المتحدة وغيرها .

على أن النصوص الفنيقية والبونيقية فى تونس ليست وقفا على مدينة قرطاج ومعبد التوفات فيها بل عثر على نصوص كثيرة فى مناطق اخرى فيصح القول إن ما لدينا اليوم من النصوص الفنيقية والبونيقية والبونيقية الحديثة يغطى كامل مناطق البلاد مما يثبت مدى انتشار اللغة الفنيقية ومدى نفاذها فى مختلف المستويات الاجتماعية : من المدن والقرى التى تم العثور فيها على نصوص فنيقية أو بونيقية حديثة أذكر على سبيل المثال : سوسة ومكثر وطبرسق ودفة وبلة والديماس ( بقالطة ) وتجغط قرب مدنين وتطاوين وبوعرادة وتلالسة فيما بين المهدية والجم وغيرها من المناطق الاخرى على أننا نفتقر إلى خارطة النصوص الفنيقية والبونيقية والبونيقية الحديثة فى تونس والى مثلها بالنسبة الى الجزائر والمغرب الاقصى .

وليس من الغريب أن يتوفر هذا العدد الكبير من النصوص الفنيقية فى بلاد المغرب إذا ما عرفنا أن أهل البلاد أقبلوا على تلك اللغة وتشبعوا بها حتى اصبحت لغتهم فالملوك اللوبيون من نوميديين وماوريين لم يتحرجوا من استعمال اللغة الفنيقية فى قصورهم ودواوين ادارتهم وكانت الفنيقية لغة

الديانة وكانت لغة التخاطب فلا شك أنها انتشرت أفقيا ونفذت فى الاعماق عموديا يستخدمها الاعيان وتستخدمها العامة كما يتبين ذلك جليا فى شواهد القبور مثلا . على أن ذلك لا يعنى انقراض اللغة اللوبية فلقد ثبتت هى الاخرى فى بعض الجزر الجبلية أو الصحراوية النائية وتراها أحيانا تتعايش مع اللغة الفنيقية ولا أدل على ثباتها من وجود ما لا يقل عن مائة لهجة بربرية فى المغرب الكبير كلها من فروع اللغة اللوبية لكن هذه قضيه قد تبعدنا عن محور اهتمامنا اليوم .

تلك هي اللغات السامية فى عجالة . فعندما يقف الباحث أمام هذه المجموعات بفروعها المختلفة يتبين ما لها من عراقة ومجد ويرى أن النصوص السامية من أقدم ما عرفه التاريخ ليس للغة الآرية نصوص تضاهى ما يحق للغات السياسية أن تفتخر به . آلاف مؤلفة من النصوص الاكادية تعود الى الالف الثالثة والالف الثانية قبل الميلاد فاذا أضفت اليها ما عثر عليه فى مدينة مارى على الفرات ومدينة ابلا فى الشام وفي مدينة أوغاريت على الساحل السورى ثم النصوص الأرمية والعبرية والفنيقية والعربية القديمة ثبتت لك غزارة هذه المواد اللغوية التى كما عرجت منذ حين تمكنك من متابعة هذه اللغات السامية منذ أواخر الألف الرابعة قبل الميلاد ومعنى ذلك أن الرصيد اللغوى الذي يمثله بنك اللغات السامية يغطى ما ينيف عن ستة آلاف سنة ومعنى ذلك أن لبعض العناصر اللغوية من التاريخ الثابت المضبوط ما لا يقل عن 6.000 سنة مع تواجد جغرافى يغطى أقطارا مترامية الاطراف عبر كثبان الصحارى وأمواج البحار فمادة كتب ومادة قرأ تجدهما في النصوص الاكادية وتجدهما فى أفواه الجماهير العربية التى ما انفكت تطالب بحقها فى التربية و الثقافة . إنه لأمر مثير حقا جدير باهتمام المؤرخ واللغوى والألسنى لا سيما ان كان من أبناء العروبة ، والعروبة حضارة لا عرق واللغة من أبرز مظاهر الحضارة وأمتنها وأثقلها وزنا فى حياة الانسان وسلوكه باعتبارها الوالدة والمولودة .

لكن لا بد من الاشارة إلى واقع مر ولعله من أبرز مظاهر التخلف عند الشعوب العربية ذلك أن العرب ما زالوا يزهدون فى كنوزهم اللغوية ومن علمائهم من لا يشعر بقيمة الرصيد اللغوى الذي تم افتكاكه من طبقات النسيان بعد ازاحة التراب المتراكم عليه ويتجلى ذلك بكل بيان عندما نلاحظ الفراغ الذي يشكوه العالم العربى المعاصر فى ميدان الدراسات السامية فتكاد لا تجد عربيا واحدا وراء النصوص الاكادية ومن اغرب ما سجلته هذه

السنوات الاخيرة عدم اهتمام "العرب" بما تم العثور عليه فى خرائب تل مرديخ بالقطر السورى : كشف الغطاء عن احدى العواصم السامية القديمة وفى قصر الملك وجدت قاعة الرقم أو قاعة الكتب والوثائق والارشيف - آلاف الوثائق التى اهتز لها علماء الغرب أيما اهتزاز وتحدثت عنها الصحف اليومية فضلا عن المحاضرات والدراسات المختصة التى احتضنتها الجامعات ومراكز البحث العلمى فى العديد من الأقطار الاوربية والامركية حتى كاد العالم الايطالى بتناتو يزور الدنيا كلها تعريفا بكنوز تل مرديخ اللغوية أى برقم تل مرديخ دون ما يشعر بها العالم العربى بل كان الحدث حدثا بسيطا تكلمت عنه بعض الصحف باحتشام لا أذكر أن الصحف التونسية - ولسنا أقل عروبة من الاقطار الاخرى - تحدثت عن ذلك الاكتشاف العظيم وكان الامر كذلك بالنسبة لنصوص مدينة مارى : ولدراستها واستغلالها واستنطاقها تاريخيا وحضاريا ولغويا سخرت أحدث الوسائل التقنيه كالعقل الالكترونى والاعلامية Informotioue وكان الامر كذلك بالنسبة لنصوص أوغاريت التى حركت المؤرخين واللغويين والالسنيين الغربين فهذا يتناولها من الوجهة التاريخية باحثا عما قد يثرى معرفته حول الشرق القديم عامة وحول الكنعانيين خاصة وهذا يتناولها لتسليط أضواء على بعض الزوايا الغامضة من التوراة وهذا يفحصها أملا فى ايجاد حلول لقضايا لغوية نحوية كانت أو صرفية أو معجمية ومنهم من يأمل فى المزيد من فهم النصوص الكنعانية أو الارمية مثلا عن طريق النتائج اللغوية التى قد يصل اليها دارس النصوص الأوغارتية والملاحظ أن تفسير التوراة قد استفاد كبير الاستفادة من تحليل تلك الكنوز السامية المختلفة فلا يجهل التفسير التوراتى أو الانجيلى ما قد تفيد به النصوص الاكادية والنصوص البابلية الاشورية والنصوص الارمية والنصوص الامورية والنصوص الكنعانية كما ابدى اهتماما كبيرا بآخر ما جد فى هذا الميدان أى برقم تل مرديخ بل يبدو أن الصهيونية حاولت استغلال تلك النصوص لتدعيم نظرياتها وطموحاتها ولعلها تريد عبثا اثبات الوجود العبرى فى أرض كنعان منذ بداية الالف الثانية قبل الميلاد أو حتى منذ الألف الثالثة وتتخذ من ذلك شرعية تاريخية .

ومهما يكن من أمر فلم يكن يحدث تل مرديخ وقعة فى القطر السورى ولا فى أى قطر عربى آخر ولكن لما كان من الصهيونية ما ذكرت شعر الاخوة فى سورية ببعض الحيرة أمام تلك الكنوز ولكن ما العمل وليس فى سورية من يحسن قراءة وتفسير هذه الوثائق ؟ وبعد الاخذ والرد عهد بتلك الكنوز

الثمينة الى ثلة من علماء المسماريات لفحصها ونشرها وتفسيرها حتى تدخل فى الدورة اللغوية والعلمية وتصبح فى متناول كل من قد يريد استغلالها باعتبارها تراثا مشاعا ومساهمة فى سبك الحضارة البشرية .

على أن أبواب الجامعات العربية ما زالت موصدة أمام هذه الكنوز اللغوية وكأنها لم تدرك مستوى الشعور الواعى بقيمتها ولو أن هناك بعض المحاولات المتواضعة التى غالبا ما تكون يتيمة اصحابها لا يجدون المناخ المساعد على اليناعة والازدهار وقد ظهرت تلك المحاولات فى مصر والعراق خاصة حيث بدأ العراقيون يهتمون أكثر من ذى قبل بالدراسات المسمارية كما توجد بعض المحاولات الفردية التى بقيت محدودة .

وهذا الزهد في كنوز لغوية يعود بعضها الى الماضى السحيق يبعث على الدهشة والاستغراب عندما نلمسه فى الذين يعنون بشؤون اللغة العربية ويجهدون فى فهمها والوقوف على قوانينها وعلى المراحل التى مرت بها مفرداتها وتراكيبها - ليس هنا المجال لذكر كل المساعدات التى قد يجدها اللغوى والألسنى عامة فى تعرفه الى هذه المادة اللغوية الغزيرة عددا المختلف فى ملامحها ومن حيث مكانها وزمانها ولكن لنكتف بالاشارة إلى بعضها .

1 ) وصف اللغة العربية :

لا شك أن وصف اللغة العربية وصفا علميا أى وصفا أنتوميا وفزيولوجيا لا يتيسر اذا بقى الواصف فى حدود اللغة العربية لان الوصف العلمى يعنى الفهم والوقوف على كنه الامور أى على أسباب الظواهر والتحولات والمرور من شكل الى شكل ومن محتوى الى محتوى فيه من القديم وفيه الجديد صوتا ومعنى فالعمل عسير كما قلت لكن فى الرصيد اللغوى السامى القديم - على مختلف مجموعاته وفروعه - الكثير من المفاتيح التى تساعد على فتح الابواب الموصدة . وكم من قضية لغوية فى العربية تصبح واضحة كل الوضوح اذا ما استعان اللغوى الالسنى بفوانيس اللغات السامية القديمة .

من ذلك مثلا قضية وصف اللغة وصفا زمنيا Diacronique  لا شك انه من الضرورى ترتيب التراث اللغوى العربى ترتيبا زمنيا ثم ملاحقة العناصر الفردية والتراكيب ومعاينة سلوكها عبر الازمنة ولا شك أن الالسنى المحيط بمحتويات الكنوز اللغوية السامية سيتمكن مع بعض العناصر والتراكيب تجاوز حدود النصوص العربية وهي فى غالبها حديثة نسبيا ويلاحق تلك

العناصر والتراكيب عبر آلاف السنين قبل الميلاد ولقد أشرت منذ حين الى مادة " كتب " ومادة قرأ اللتين توجد فى وثائق عريقة موغلة فى القدم وثابت أن كل ما لدينا الآن فى خصوص العربية محاولات لوصف اللغة و وصفا أفقيا تزامنيا وعلى هذا الاساس ألفت المعاجم العربية القديمة كاللسان لابن منظور .

2 ) اصول الألفاظ :

إن العلاقة بين هذه القضية والتى سبقتها متينة اذ البحث عن أصل الكلمة يعنى العودة الى المعنى الاول أى الى المعنى القديم الذى تولدت عنه معان حديثة واذا اعتبرنا الهيكل الحرفى كوعاء أو ظرف فالبحث عن أصل الكلمة يفيد البحث عن أول أو أقدم مظروف استوعبه الهيكل الحرفى أو قل حواه الهيكل الحرفى أى ذلك الذى سميناه وعاء أو ظرفا وبديهى أن يوجد القديم فى القديم فاذا أردت أن تقف على أصل مادة " قرأ " فلا يكفيك البحث عن معانيها فى نصوص حديثة والحال أنها توجد فى نصوص عديدة تتجاوز حدود الالف الثانية قبل الميلاد فلا بد اذن من الرجوع الى تلك النصوص القديمة أكادية كانت أو أمورية أو كنعانية أو غيرها من النصوص التى عثر عليها أو يقع العثور عليها فى مستقبل قريب أو بعيد والنتيجة التى قد يدركها الالسنى تصبح أداة فى سوق البحث العلمي ويستفيد منها أصحاب الاختصاصات المختلفة من مؤرخ ومفسر وغيرهما كثير فلا شك أن دراسة عمودية لمادة " قرأ " يستفيد منها المفسر اذا تناول أولى آيات القرأن الكريم " اقرأ باسم ربك ..... " والامثلة كثيرة فى هذا الصدد .

3 ) قضية العربى والدخيل :

لقد اهتم علماء اللغة العرب بهذه القضية ووضعت معاجم للمفردات الدخيلة وقد يشير أصحاب بعض المعاجم العربية الى المفردات الدخيلة . لكن ليس من اليسير دائما التمييز بين الدخيل والعربى اذا كان الدخيل من أصل سامى ينتمى الى بعض اللغات السامية كالأرمية والفنيقية وقد يكون الدخيل دخيلا من حيث شكله أو من حيث محتواه أو من حيث الشكل والمحتوى معا . فهذه كلمة " جهنم " يقول ابن منظور انها من جهنام وهو القعر البعيد وبه سميت جهنم لبعد قعرها وقال اللحيانى : جهنام اسم أعجمى . ويقال هو فارسى معرب وأورد الازهرى فى جهنم قولين : قول الذين كانوا يعتبرون الاسم أعجميا وقول الذين يعتبرونه عربيا - وقيل هو تعريب كهنام بالعبرية _ .

وحكى على ابن يونس أن جهنم اسم أعجمى - على أن ابن خالويه يعتبرها عربية . فلو كان علماء اللغة اذ ذاك يحسنون العبرية لما اختلفوا فى شأن جهنم وثبت لديهم أن الاسم من أصل عبرى دخل العربية عن طريق التوراة . لكن لا ندرى هل كان ذلك قبل الدعوة الاسلامية أم معها .

اللغة الفنيقية والعربية فى المغرب :

من المعلوم أن الفنيقيين لعبوا دورا كبيرا فى بلاد المغرب عامة وفي تونس خاصة ولقد انتشرت اللغة الفنيقية انتشارا كما تشهد به آلاف النقائش التى تغطى قرونا عديدة : إن أقدم نقيشة فنيقية عندنا فى تونس تعود الى القرن السادس قيل الميلاد كما توجد نقائش سطرت بالخط البونيقى الحديث Neounique تنتسب الى القرن الاول بعد الميلاد ولعل بعضها يدرك القرن  الثانى ميلاديا كالتى عثر عليها فى منطقة بوعرادة . وسبق ان اشرت الى ثبات اللغة الفنيقية فى المغرب الى أيام الفتح العربى ويبدو أن ذلك يسر انتشار اللغة العربية فى افريقية . فلا شك اذن أن اللسان العربى وجد رصيدا فنيقيا ساميا فى بلادنا وابتلعه كما ابتلع الرواسب اللغوية الاخرى مما يحتم على الدارس اللغوى أو الألسنى اعتبار تلك الرواسب لا سيما بالنسبة للهجات العامية أو الدارجة التى تمتاز بتشعبها وثرائها من حيث أصولها ومركباتها لا من حيث امكاناتها وقدراتها ففيها اللاتينية وفيها البربرية - اللوبية - ولا شك أن فيها ما يعود الى الرواسب الفنيقية على أنه من العسير الوقوف عليها لما لها من أواصر القرابة مع اللغة العربية ولعل الملامح الصوتية و " السيميوية " Semantique من الوسائل التى قد تساعد على عزل هذه الرواسب الفنيقية ومعرفتها من ذلك كلمة عندنا فى الدارجة التونسية : منصبة . وهي مشتقة من مادة " نصب " المعروفة فى لغات سامية عديدة منها العبرية والفنيقية والعربية وغيرها . لكن وجودها فى الدارجة التونسية يجعل ارجاعها الى العربية أمرا بديهيا منطقيا لا سيما وصيغة " مفعلة " من الصيغ العربية العريقة . تفيد اسم المكان وما قد يلحق به .

فاذا عدنا إلى مادة " نصب " نرى مشتقاتها تتمحور حول محورين : " التعب والدفع " على أن هناك بعض الاعلام الآدمية أو الجغرافية أو غيرها لا أدرى هل تعود الى أحد هذين المحورين أم الى محاور أخرى . وتوجد فى العربية صيغة " منصبة " كما ورد فى اللسان بمعنى الكد والجد والتعب فيقال " عيش ذو منصبة " أى فيه كد وجد أى عيش متعب - لكن لا علاقة بين هذا

المعنى والمعنى الذى تحويه كلمة " منصبة" المستعملة فى بعض المناطق التونسية وخاصة فى الساحل ذلك أن هنا " المنصبة " هي الحجرة الكبيرة والغريب أنها تستعمل بالخصوص إذا كانت الحجرة قذيفة يقال مثلا : ضربه بمنصبة . أو رمى عليه منصبة الى غير ذلك .

لا شك أن اللغة العربية أوجدت علاقة بين مادة نصب والحجارة من ذلك الانصاب أى التماثيل الحجرية التى كانت تمثل الآلهة فى الوثنية العربية قبل الاسلام . ومنها النصبة أى السارية وكثيرا ما تكون من حجارة - ومنها التناصيب أو الانأصيب وهى الحجارة التى تنصب على رؤوس القبور يستدل بها ومنها النصائب كذلك وهى الحجارة تنصب حول الحوض ، يسد ما بينها من الخصاص بالمدرة المعجونة وواحدتها نصيبة . فبالنسبة الى ما ورد فى اللسان لا وجود فى لغة العرب لمعنى الحجرة المنصوبة فى صيغة " منصبة" وكأنها صيغة استأثر بها محور " التعب " والمنصبة كما قلنا تعنى التعب والمشقة .

إذن كيف يمكن تفسير وجود منصبة فى الدارجة التونسية بمعنى الحجرة ؟ قد تكون هذه الصيغة أضيفت الى محور " الرفع " فى بعض اللهجات العربية كاللهجة التونسية لكن لماذا التونسية - هل هي مجرد صدفة ؟ نحن نعلم أن الصدفة كلمة تقال عند جهل الاسباب الحقيقية . وعلى كل فلا ننسى أن بلاد المغرب عرفت لغة سامية قبل تقبلها للغة العرب وكنا أشرنا إلى مدى انتشارها وثباتها أمام اللاتينية خاصة فى القرى والارياف أى فى الطبقات الشعبية ومن المادات اللغوية المعروفة فى لغة بنى كنعان اى اللغة الفنيقية مادة " نصب " ومن الصيغ التى ثبت وجودها صيغة " منصبة " لكنها تعنى هنا الحجرة الجنائزية تلك التى تنصب على رأس القبر يستدل بها ولقد عثر فى البلاد التونسية على عدد كبير من هذه " المنصبات " أو التناصيب كما يقال فى العربية وكثيرا ما تحمل نصا يبدأ بكلمة " منصبة " ثم يأتي ذكر اسم الميت ونسبه وعمره . وفى بعض الاحيان تدغم النون فى الميم فتصبح الكلمة " مصبة " عوض " منصبة " . وفي بعض الاحيان تعوض كلمة منصبة بمرادف " أبن "بمعنى الحجرة ومنها البناء وبنى . فالخلاصة أن البلاد المغربية عرفت صيغة " منصبة " بمعنى " الحجرة المنصوبة على القبر " منذ عهد قديم وقبل انتشار العربية فى افريقية . ولعل ذلك ما يفسر وجودها فى الدارجة التونسية ؟ إني لا استطيع القطع فى هذه القضية لكننى واثق من ضرورة اعتبار التاريخ

اللغوى للمنطقة إذا أردنا دراسة لغتها أو لهجتها فهناك رواسب لغويه تعود الى العصور ولا بد من أخذها بعين الاعتبار عند الوصف اللغوى والوصف العمودى يتطلب معرفة مختلف الابعاد الحضارية المتعاقبة منها والمتزامنة .

تلك بعض المحاور التى تثبت ضرورة الاهتمام باللغات السامية والأمثلة التى ورد ذكرها تبين في رأيى أن الوصف لا يتسنى لمن اختار البقاء فى دائرة اللغة العربية دون اعتبار ما للغة العرب من أواصر القربى مع اللغات السامية الأخرى . فاني أعتقد رأسخ الاعتقاد أن اللغة العربية تستفيد من الاضواء التى قد تسلط عليها من زوايا اللغات السامية المختلفه كالاكادية والأرمية والحميرية والفنيقية وغيرها ويستفيد منها الواصف لاشكال اللغة العربية وتراكيبها ويستفيد منها مؤرخ الالفاظ ويستفيد منها دارس العلاقات بين الاصوات والمعانى بين البنية الصوتية والمحتوى أو الشحنه أو قل بين الظرف والمظروف .

تلك بعض الخواطر طرحتها كما طرأت على واغفروا لى عدم الاحاطة بالمصطلحات الفنية ذلك أننى في الواقع متطفل على الدراسات اللغوية وعلى الالسنية بالذات لكننى مؤمن بما قلت كما أومن بثقل المسؤولية الملقاة على عاتق المختصين في الدراسات اللغوية والمختصين فى فقه اللغة العربية حتى يعملوا تسخير اللغات السامية لدرس العربية دراسة علمية تربط الماضى السحيق بالحاضر والمستقبل . أليس من الغريب أن تبقى العربية فى معزل عن أخواتها ؟

اشترك في نشرتنا البريدية