انه العلامة الضليع احمد بن حسن بن محمد ابو طالب الامام كان قوام اشعاعه الكبير هى طاقات قوية من المثل العريقة فى الاصالة قوة ايمان بالله تجعله نموذجا من النماذج البشرية الرفيعة وقوة ارادة في التطبيق العملي في حياته الخاصة والعامة جعلت منه رائدا محبوبا فى بيته وعشيرته وقطره بجبال اليمن الشمالية اقليم " صعدة " وقوة فقه عقلي ونفسي جعلت منه باحثا دينيا علميا اديبا اجتماعيا بهذه الخصال الرفيعة . كانت هذه الشخصية ذات مكانة فى القلوب والعقول . ينتهي نسبه الى الامام القاسم بن محمد جد الاسرة المالكة ، فى اليمن . و احمد بن حسن بن محمد بن قاسم بن مطهر بن محمد المؤيد ابن الحسين المتوكل على الله بن على ابي طالب بن احمد بن الامام القاسم بن محمد وقد ذكر السيد العلامة الضليع محمد زبارة فى كتابه الضخم نشر العرف بنبلاء اليمن بعد الألف ) بان اسلافه كانوا امراء مخلاف صعدة وحكامها . والرجل مزيج من الثقافات الاسلامية العامة شأنه شأن الرجال الخدامي الذين أولعوا بحب المعرفة والقدوة
الحسنة وهو من الطراز الذي يرى ان التضلع في دراسة التشريع الاسلامي ومعرفة أسراره يحتاج إلى موارد غزيرة من المعلومات العامة في اللغة والأدب والتاريخ وعلوم البلدان .
انتقل هذا الرائد الكبير الى رحمة الله بتاريخ ٤ ذي الحجة من عام الف وثلاثمائة وثمانين ١٣٨٠ وكان سبب وفاته تأثره بداء السرطان ، سرطان الامعاء ، وكنت على اتصال به عن طريق المراسلة بوساطة ولده الوالد العلامة السيد محسن بن احمد أبو طالب الامام . وقد كنت اعرف اى شخصية هو وآية قوة علمية عامة فيه عن طريق رسائله التى ترد الى العلامة الثبت الشيخ عبد الله العمودى صاحب كتاب اللامع السليماني فأجد في هذه الرسائل متعة السليماني فأجد في هذه الرسائل متعة المناقشة الفكرية الاسلامية وفي فنون عدة
لغوية وادبية وعلمية . وياما اشتقت الى رؤية هذا الرجل الثبت كثيرا ما يشيد برسائلى اليه ويجيب عليها اجابة العارف المرشد النبيل .
وكان اللقاء . ولكنه كان لقاء اولا واخيرا . . لقاء يمتزج بفرحة التعرف ولوعة الاسى كان هذا اللقاء في مدينة أبي عريش وفي شهر ذي القعدة عندما نزل إلى ربوع مقاطعة جازان للمعالجة في مستشفى جازان الكبير وزار مدينة ابي عريش في طريقه الى جبل النضير ، ولقد شاهدته لاول وهلة رجلا عملاقا صاحب عضلات طويلة وتكاد هيبته ووقاره تطغيان على هيكله الجميل الضخم وكان التسليم والتقبيل وكان الحديث والمناقشة . واذكر ان المناقشة كانت صلة لحديث سابق بينه وبين ولده السيد محسن في الشفعة وشفعة الجوار بصفة خاصة .
أما تاريخ حياته العلمية فقد كان من الدوافع الاساسية لتضلعه وجوده فى بيت عريق بالعلم والمعرفة ، فقد درس القرآن وحفظه على يد ابيه حسن بن محمد ابو طالب الامام ودرس الفقه وعلوم الآلة والادب على السيد العلامة على بن حسين الحوثي شيخ العلامة عبد الله بن على العمودى وقاضى السيد محمد الأدريسي في جبل النضير . ودرس في اصول الفقه والحديث والتفسير والنحو والصرف وعلم البلاغة على فضيلة القاضي العلامة احمد بن على الصعدى . وقد كان الفقيد رحمه الله سباقا متلهفا للمعرفة ايا كانت فله عدة مشايخ في تهامة والجبال منهم السيد العلاقة محور حيدر النعمى واستجاز من علماء كثيرين اجازة عامة منهم العلامة عبد الله العمودى والعلامة الواسعي
عاش حياته في ايام الامام الأدريسى
كشخصية فذة لها شهرتها استقامة ودينا ومكانة وعراقة ، وقد قلده الامام الادريسي مناصب حكومية مرموقة ومنها قيادة الجيوش .
أما في عهد الامام الشهيد يحيى بن حميد الدين فقد تولى القضاء ثم استقال وفضل العكوف على الدرس والتدريس والارشاد وكان آخر ما كتب قبل موته اتمام شرح قصيدة الهبى الصعدى فى كتاب مستقل يسمى " المدد الوهبي يشرح منظومة الهبى . كان هذا الشرح قد اتم منه الشيخ العمودى النصف ثم ارسله للمترجم له رحمه الله فاتم الباقى
رحلاته
وقد رحل الفقيد الى الحجاز في عام ١٣٢٦ لأداء فريضة الحج وزيارة مسجد الرسول فى وفد كبير من اصحابه وتحدث كثيرا عن الذكريات الاليمة التى كان الحجاج يلاقونها فى ذلك العهد واعظم حادثة اصطدم بها هو انتشار وباء الكوليرا الفتاك وقد دفن اصحابه ما عدى خمسة اشخاص .
الفقيد صدى نفسيا عميقا في المخلاف الشمالي بخلاف صعدة وقد رثاه امير لواء صعدة ووزير الدولة اليمنية السيد العلامة يحيى بن حسين الامام شرف الدين بقصيدته الرائعة ، وهذا نصها :
خطب دهي الاعلام والاقطارا
وغدا النسيم لهوله اعصارا
ومصيبة عظمت وعم بلاؤها
وضرامها الانجاد والاغوارا
ورزية سلبت عقول ذوى النهى
وانهد اس المكرمات وغارا
رزء على آل الرسول دهاهم
وبنجمهم قد نشب الاظفارا
هب النعي بفقد اعظم سيد وأسى الضعيف بما له وأمارا
ريب المنون قصمت طودا شامخا عنت الاكابر عنده اكبارا
وفجعت امة يعرب فى سيد شرفت ارومته وطاب نجارا
ورميت عن قوس المنون سميدعا بطلا الحميا ضيغما زآرا
فقدت بنو العرب السماحة والسخا بوفاته ومهابة وقارا
فقدت مثال فضائل ومناقب والبحر جودا والسراة فخارا
السيد المفضال نجل أئمة لما يزالوا في العصور منارا
والعابد الاواه ان جن الدجى وكساه من حلل الظلام ستارا
فعليه فلتبك المساجد انها فقدت حياة ليلها ونهارا
وعليه فلتبك العلوم لفقدها شيخ الشيوخ وبحرها الزخارا
وعليه فلتبك المدارس اذ غدت ثكلى يساجل دمعها الانهارا
صبرا ذويه فكل حى هالك الا الاله الدائم القهارا
فأعيذ اسرة أحمد أن يحزنوا وابوهم قد جاور الاخيارا
ما مات من هم ابنه خلفا له نجما يشع على الدنا انوارا
بل الاله ثرى الفقيد برحمة وحباه غيث كرامة مدارا
ورثاه ولده السيد محسن بن احمد ابو طالب الامام بقصيدته هذه
رزء اطار النوم والافكارا
واسال دمع المقلتين غزارا
رزء تذوب له النفوس وتغتدى
من رعبه هذى القلوب حيارى
أضت به تلك النسائم لافحا
ابكى بها الاوراد والازهارا
من حرها وكذا الرياض اوارا
جلل اصيب الدين فيه فعطلت
احكامه فطوى به الاسفارا !
يا احمد انا بموتك لم نذق
نوما فأوحشنا الزمان وحارا
هذى المدارس عطلت من بعد ان
كانت به للطالبين منارا
ما كنت احسب قبل موتك ان ارى
جبلا هوى تحت الثرى وتوارى
ما كنت احسب قبل موتك ان ارى
لحدا يضم بطيه التيارا
يا سيدا اوحشت آلك وحشة
وتركتهم رهن الهموم اساري
يبكون سيدهم وجامع شملهم
والصادق العزمات والمغوارا
يسعون بالابصار نحو سريره
كالارض تنشد في السماء غزارا
قد كان موئلهم وكهف رحابهم
والأريحى المفضل المدرارا
لكنه الموت الزؤام وحكمة
من ربنا أجرى بها الاقدارا
والدهر مملوء الاطار عجائبا
وغرائبا لا تنتهي اطوارا
ولئن صفا في الدهر يوم واحد
فغدا ترى فى طيه اكدارا
والمرء في غرر الشباب مؤمل
ان لا يرى افق الحياة سرارا
ان الذى خلق الحياة وضدها
جعل البقاء لوجه ايثارا
قد عشت تامر بالتآخي ساعيا
وتزيل بين الاقربين نفارا
لم تتخذ غير الصراحة مذهبا
ترضى الاله وتغضب الاشرار
ما قط داهنت الغواة وهكذا
سار الاباة على الدنا احرارا
وتركت احمد زخرف الدنيا فما
تلقي بها من غبطة ديارا
وعرفت من آفاتها وصفاتها
عبر الحياة وضيقها اسرارا
وعرفت ان مقامنا فيها سوى
حين يمر كثاقب سيارا
وعرفت مهما عشت فيها لم تنل
غاياتها او تقضي الاوطارا
فارحل كما رحل الربيع مخلفا
ارجا يسير بروضة معطارا
وارحل الى جنات عدن خالدا
جاور بها آباءك الابرارا

