إذا تناولنا من تاريخنا درس الفترة التى سبقت تسلط الرومان على بلادنا لاحظنا أن المؤرخين يتحدثون تارة عن الفنيقيين والحضارة الفنيقية ويتحدثون طورا عن البونيقيين والحضارة البونيقية . وقد تراهم ينعتون نفس البقايا الأثرية بالفنيقية تارة وبالبونيقية تارة أخرى حتى يخيل للقارئ أن لا فرق بين الفنيقيين والبونيقيين وأن لللفظتين نفس المحتوى . ولا فرق بالتالي بين الحضارة الفنيقية والحضارة البونيقية . والحقيقة فى رأينا دون ذلك كما سنحاول إبرازه فى هذه الأسطر المتواضعة .
ولكن من هم الفنيقيون ؟ لقد ورد هذا الاسم فى كتب القدماء من يونان ورومان . ولعل أقدم النصوص التى أوردت اسم الفنيقيين وتحدثت عنهم هى أشعار هوميروس صاحب الملحمتين . وجاء اسم الفنيقيين فى كتب المؤرخ اليونانى هيرودوت (Herodote) وغيرهما كثيرون . فالكلمة اليونانية التى استخدموها فى هذا الصدد هى ( Phoinikes ) وإن سطرناها بأحرف لاتينية فذلك لأسباب مطبعية بحتة .
أما المصادر اللاتينية فلقد تحدثت هى الأخرى عن الفنيقيين تسميهم ( (Phoenices ومن بين هاته المصادر نكتفى على سبيل المثال بذكر تيت ليف (Tite -Live) المؤرخ وبذكر الشاعر فرجليوس ذلك الذى تغنى بملحمة غرامية عاشتها ديدون (Didon) وهى التى تعرف عند الفنيقيين بعليسة .
تحدثت النصوص اليونانية اللاتينية إذن عن الفنيقيين وهم الذين كانوا حسب هاته المصادر نفسها يقطنون باقصى السواحل الشرقية من البحر الأبيض المتوسط وهى السواحل التى تمتد بين خليج الأسوس شمالا وجبال الكرمل جنوبا . وكانت هاته الأمة الفنيقية تسكن مدنا أسسوها كالعقد المنضود على شاطئ جميل نشوان تهده موسيقى الأمواج وتنعشه بعطرها أشجار الأرز السامقة تحكى غنجها من أعلى جبال لبنان الشاهقة الفخورة بنصاعة عمائمها الوهاجة .
فالفنيقيون هم الذين ملؤوا هاته الربوع بضجيج حياتهم ضجيج تجسم فى قصور الملوك ومعابد الآلهة وموان للسفن وأرصفة تلتقى فيها الحضارات بما تحن به السماء وتنتجه الأرض وتخلقه العبقريات وتسبكه الأيادى بخشونتها ولطفها . وتحسم ضجيج الفنيقيين بتلك الربوع فى منازل ومقابر وجواهر وتمائم وقصص وأساطير وغيرها من مظاهر الحياة فى الدنيا وما وراءها . فهى أفراح وأتراح وزغاريد ونواح وفيها البسمة والدمعة وفيها الحب وفيها البغضاء .
اولائك هم الفنيقيون . والثابت أنه اسم يونانى الأصل . وتناول بعض فقهاء اللغة اليونانية لفظة ( Phoinikes ) بالدرس قصد الوقوف على معانيها وفهم الأسباب التى جعلت اليونان يلقبون أولائك القوم بالفنيقيين . فيبدو أن كلمة ( Phoinikes ) تعود إلى المادة اليونانية ( Phoinix ) ولها معنيان . فهى تشير الى شجرة وتشير إلى لون . أما الشجرة فهى النخلة واللون المشار إليه بلفظة ( ×Phoini ) هو الأرجوان .
من ذلك نشأت نظريتان فى ضبط الأسباب التى جعلت اليونان يطلقون اسم الفنيقيين على الذين كانوا يقطنون بالسواحل التى ذكرنا منذ حين . فالنظرية الأولى تقول إنهم لقبوهم بالفنيقيين إشارة إلى وفرة النخيل فى بلادهم . لكن المعطيات الجغرافية تحول دون هذا التفسير والمعلوم أن بلاد الفنيقيين ليست من التى اشتهرت بواحاتها ونخيلها .
بقيت النظرية الثانية وهى القائلة إنهم لقبوا بالفنيقيين اعترافا لهم بفضلهم فى اختراع الأرجوان تلك المادة التى تستخرج من بعض الأصداف وتستخدم صبغ منسوجات الصوف والكتان بلون أرجوانى بنفسجى . وأثبت أهل الذكر فى هذا الميدان أنه لون يتغير بتغير درجة الحرارة التى تسلط عليه أثناء الصبغ . وتجدر الاشارة إلى تفوق النظرية الثانية أى تلك التى تربط بين اسم الفنيقيين والمادة اليونانية التى تعنى الأرجوان . على كل فذلك ما أقرته أحدث الدراسات حول هذا الموضوع ونذكر منها على سبيل المثال ما جاء فى كتاب " عالم الفنيقيين " الذى ألفه المستشرق الايطالى (1) سباطينو هسكاتى الصادر بمدينة ميلانو سنة 1966 .
لا شك أن الفنيقيين كانوا من كبار التجار فى عصرهم مما جعلهم يجوبون البحار ويؤسسون المصارف والمدن على شواطئ البحر الأبيض المتوسط وقد
تعرفوا على سواحله الغربية منذ الألف الثانية قبل الميلاد فلقد أثبتت النصوص القديمة أنهم أسسوا مدينة أوتيك سنة 1101 . وفى أواخر القرن التاسع قبل الميلاد برزت للوجود مدينة فنيقية كبرى احتضنتها شبه جزيرة من ربوعنا قرب " توناس " وسموها " قرت حدشة " ومدلول العبارة : المدينة الحديثة وقالوا العاصمة الحديثة . واعترى العبارة الفنيقية تحريف حرفى صوتى حتى بلغتنا فى ثوب " قرطاج " .
فقرطاج إذن مدينة فنيقية باعتبار مؤسسيها الأولين لكن سرعان ما بلغت أشدها وعملت على تحمل مسؤولياتها وخط طريقها حسب إرادتها وقد ساعدتها ظروف سياسية عسكرية على تزعم المدن والمراكز الفنيقية بغربي البحر الأبيض المتوسط . ليس المجال هنا للحديث حول الظروف التى مرت بها قرطاج والمدن التى أسسها الفنيقيون بالمغرب الكبير وبصقلية وبسردانيا وجزر البلجار وجنوب اسبانيا . لكنه من الجدير أن نشير الى ظاهرة نلمسها فى النصوص اللاتينية ومنها تسربت إلى الكتب والدراسات التاريخية .
ففى هاته النصوص اللاتينية نجد فضلا عن كلمة ( Phoenices ) التى يطلقونها على سكان البلاد الفنيقية الشرقية كلمة ثانية وهى (Poeni) وبها يشيرون إلى الذين فى رأيهم ينتمون إلى الحضارة الفنيقية ويقطنون بالأصقاع الغربية من البحر الأبيض المتوسط . وكلمة ( Poeni ) مشتقة من نفس المادة اليونانية التى تولد عنها اسم الفنيقين أى مادة ( Phonix ) بمعنى الأرجوان كما أسلفنا . ولكلمة poeni)) اشتقاقات عديدة منها نعت (Punicus) وإليه تعود كلمة " البونيقيون " . يقول الرومان ( Lingua punica ) مثلا فنقول " اللغة البونيقية " .
فيبدو على ضوء ما سبق أن النصوص اللاتينية تميز بين الفنيقيين فى الشرق فتسميهم ( Phoenices ) وبين الفنيقيين فى الغرب فتسميهم ( Poeni ) وقد ذهب فى اعتقاد بعضهم أن الفرق بين الفنيقيين والبونيقيين لا يتجاوز المفهوم الجغرافى . فمضمون هاته النظرية أن المؤرخين الرومان أرادوا اجتناب الخلط واللبس بين الفنيقيين الذين يقطنون المدن الفنيقية فى الشرق ومن أهمها صور وجبيل وصيدا وبين الفنيقيين الذين بقطنون المراكز والمدن الفنيقية على سواحل غربى البحر الأبيض المتوسط . كذلك لفظة ( Phoenices ) تحمل القارىء الى الشرق ولفظة ( Poeni ) تتوجه به إلى الغرب .
لا يخلو هذا التفسير من بعض الصحة لكنه فى رأينا لا يشير إلى كل ما
تحتوى لفظة (poeni) . أجل إن البونيقيين هم الذين ينتمون إلى الحضارة الفنيقية ويقطنون بربوع تهدهدها أمواج غربى البحر الأبيض المتوسط . على أن ذلك لا يحتم انتسابهم جنسيا إلى الذين أقبلوا من السواحل اللبنانية بل من المرجح أنهم ينتسبون غالبا إلى الأرض التى حل بها ركب الفنيقيين . فالبونيقيون في مغربنا مثلا هم نتيجة لقاء الأفارقة بالعناصر الفنيقية التى أقبلت من الشرق . وقد يكون ذلك اللقاء حضاريا وقد يكون صهرا بين الأجناس . مع الملاحظ أن المزج بين الأجناس كثيرا ما يكون سببا أو نتيجة للقاء حضارى .
كذلك نتبين أن البونيقيين ليسوا أولائك الفنيقيين الذين غادروا صور أو جبيل أو صيدا وأسسوا مدنا على شواطئنا كأوتيك ولبدة وحضرموت واستوطنوها بل هم الذين تولدوا عن ذلك اللقاء الحضارى بمعناه العميق الفسيح . فالحضارة البونيقية ليست حضارة الفنيقيين بغربى البحر الابيض المتوسط بل هى حضارة طريفة تولدت عن احتكاك الحضارة الفنيقية الشرقية بحضارات وجدها الفنيقيون فى ربوع تطل على مياه غربى البحر الأبيض المتوسط .
إن الحضارة البونيقية فى بلادنا هى نتيجة احتكاك الحضارة الفنيقية الشرقية بحضارة الأفارقة . فالعناصر التى تتركب منها حضارتنا البونيقية عديدة مختلفة فهى وان غلبت عليها الألوان الفنيقية الشرقية لا تخلو من العناصر الحضارية الاقليمية الوطنية كما يبدو ذلك جليا فى ضريح دقة وهو كما تشير إليه النقيشة من عمل بناء نوميدى أو قل إنه يحمل اسما لوبيا . ونلمس ذلك أيضا فى صورها رسموها بطلاء أحمر على جوانب إحدى قبور جبل ملزة بالوطن القبلى .
على أن تلك الحضارة البونيقية ليست جملة العناصر الحضارية المختلفة التى أشرنا إليها بل هى خلاصتها وفى الخلاصة إشارة إلى جديد طريف له من المميزات ما يجعله يختلف اختلافا جذريا عن العناصر الأولية التى تولد عنها .
فالفرق فى رأينا بين الفنيقيين والبونيقيين كبير وله ابعاد مختلفة منها الجغرافية ومنها السياسية ومنها البشرية وينتج عن ذلك كله أبعاد حضارية فالفنيقيون هم الذين كانوا يقطنون بالسواحل اللبنانية الحالية وكانوا يترددون على سواحلنا منذ الألف الثانية قبل ميلاد عيسى وحضارتهم فنيقية بما يتضمن ذلك من عناصر مختلفة ومميزات ليس المجال هنا للحديث عنها .
ولما ألقت سفنهم مراسيها فى موانى غربى البحر الأبيض المتوسط وحلوا بهذه الربوع وأسسوا فيها المصارف والمدن واحتكوا بأهل تلك الربوع فأثروهم واستثروا تولدت عن ذلك حضارة جديدة طريفة سموها الرومان " حضارة بونيقية " وأطلقوا على الذين سبكوها اسم البونيقيين .

