الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

الفن بين الصمم والببغائية *

Share

-6-

التزام الفن أولا

لا يكفي - إذن - أن يكون الالتزام نابعا من النفس ليكون أمرا طيبا . التلقائية لا تكفى ( 1 ) .

أتفق الناس بتونس على أن إلزام الفنان إجرام . لكنهم أغفلوا نوعا اخر من الالزام . اغفلوا إلزام الفنان لفنه . تحميله ما لا طاقة له به . تكليفه بشغل غير شغله ( 2 ) الالتزام الحق هو ذلك الذى تفرضه الحاجة ولا ينوء به ظهر الفن . والفنان الفنان من يميز حاجيات المجتمع خدماته الفنية . وهي غير خدمات الفلاح وغير خدمات المذيع ( 3 )

نعم . على الفنان أن ينظر . هذا واجبه . هنا نؤيد دعاة الاتصال. نعم . للفنان أن ينظر بعينه ويحكم بعقله ويشعر بقلبه . هذا حقه . وهنا نؤيد دعاة التعبير ( 4 ) .

وهنا يلتقي الواجب بالحق فيتعانقان

لكن هذا اللقاء يجب أن لا يكون مؤامرة . لكن هذا العناق يجب أن لا يكون خيانة لمقضيات الفن . هذا ما نلفت إليه نظر الفريقين ( 5 ).

الطين غير صالح لصنع الطائرات . والملعقة غير صالحة لحمل الحجر . ليس هذا عيبا .

الحمار عاجز عن حمل الأطنان . هذا العجز ليس عيبا فيه . هو خاصية فيه . والرجل الذي يتجاهل هذا العجز فيحمل حماره جبلا رجل مجرم ارتكب إثم إلزام شنيع  ( 6 ) .

والرجل الذي يحمل أكياسا من القمح بدعوى انه فعل ذلك ليحملها إلى الجائعين رجل لا يقل عن الأول إجراما . ولا عذر له أمام خالق ذلك الحيوان الابكم . النية لا تكفى . الرجل الرجل من تبين طاقة حماره فحمله وسعه . والفنان الفنان من تبين طاقة فنه فحمله وسعه ( 7 ) . بدون ذلك يكون الارهاق والانبطاح فلا حديث بعدئذ عن فن ودور ووظيفة ورسالة و و و . . .

لا عذر للفنان أمام صرامة التاريخ ( 8 )

فان رأته المحكمة الابتدائية - محكمة النفس الفردية التى استجاب لرغائبها - وان برأته محكمة الاستئناف - محكمه المجتمع الذى التزم رغائبه _ فقد لا تحول تلك التبرئة دون الحكم عليه بالاعدام من قبل محكمة التعقيب -  محكمة الفن الذى حمله ما لا يطيق ولا مرد لحكمة ( 9 ) . نعم الفنان لا يموت مقتولا بل يموت منتحرا.

فن الأزمة

قال علي شلفوح وغيره من التونسيين ( 10 ) وقال محمد برادى سكرتير

رابطة الكتاب فى المغرب ( 11 ) وقال أحمد بن بلة الرئيس الجزائرى السابق فى توجيهات أبداها لأعضاء اتحاد الكتاب الجزائريين ( 12 ) بأن المجتمع العربى يجتاز أزمة حادة من ازمات النمو وإن على الفنان أن يساير الزحف الجماهيرى.

1 - اتخاذ تخلف المجتمع العربى مبررا لتجنيد الفنان تبرير لا يقنع   أحدا . ذلك أن المجتمعات متخلفة دائما . هي متخلفة ما دامت لها آمال تنشدها وما دامت لها أهداف لم تبلغها . فهي - إذن - متخلفة عن بلوغ تلك الآمال والاهداف .

2- ألفنا إطلاق التقدم الاقتصادى على كل الميادين فنعتنا امريكا وروسيا وأوروبا بالتقدم الشامل . فهل نحسب العدوان على حساب التقدم ؟ والسباق نحو التسلح ؟ والأنانية الجشعة ؟ والتمييز العنصري ؟

هذه الشعوب المتقدمة اقتصاديا شعوب متأخرة إنسانيا . بل إن تقدمها النسبي قائم - أساسا - على ذلك التأخر الذى يحافظ على الفوارق بينها وبين الشعوب الفقيرة . أنانيتها الجشعة هى التى جعلت منها شعوبا معتدية فمتقدمة اقتصاديا . ثم انه لولا تخلفها النفسي ما كان بالارض مرض وما كان فقر وما كان جهل . ثروات الشعوب الصغيرة المنعوتة بالتأخر تنفق فى التسلح . أهذا هو التقدم الحقيقى الذى ننشده أم ننشد تقدما إنسانيا شاملا يشارك فيه الفنان بقسطه الفني ؟ ثم أليست هذه الشعوب المتسببة فى تأخرنا والعائقة لتقدمنا أحوج منا إلى انتاج فنى يصلح ما تخلف من وعيها ؟

3 - اجتازت ألمانيا واليابان وإيطاليا أزمات حادة . فأين انتاجها الفنى المساير لتلك الأزمات ؟ أين الفن النازي والفاشى ؟

الأرض  اليوم تلاحمت أجزاؤها أكثر من أى وقت مضي . فان كان على الفنان أن يساير شيئا أليس عليه أن يساير زحف الانسان فى كل مكان ؟

أليس على الفنانين أن يوحدوا جهودهم فى سبيل الضرب على أيدى العابثين أيا كانوا وأينما كانوا بتلقيح مجتمعاتهم نفسها ضد الفساد بأنواعه ؟ ( 13 )

ألا يمكن أن نتحدث عن التمييز العنصري بتونس بدون أن يكون بها تمييز

عنصرى ؟ ألا يمكن أن نتحدث عن أخطار السباق نحو التسلح بتونس بدون أن تكون مشاركة فى ذلك السباق ؟ ألا يمكن أن يعتبر ذلك خدمه للمجتمع التونسي نفسه ؟ ألا يمكن أن يعتبر ذلك تلقيحا ؟ ثم أليس التلقيح افضل من العلاج ؟

نعم . لقد كنا نطالب بهذه الخدمة الفنية لو كان الفن يخضع لشئ . لكنه لا يخضع ولا ينقاد . هو إما فن وإما لا شئ ( 14 )

الفن من نفس الانسان . ونفس الانسان كالزئبق سريعة الانزلاق سريعة العطب . الفن كالجندب ( البلالة ) حسب تشبيه مارون عبود . إن أجبرته على البقاء ببدك ترك لك فخذه الجافة وطار.

هو لا يخدم شيئا . ليس وسيلة لشئ . لا يخدم غرضا برانيا خارجا عن الانسان . هو من الانسان وإليه . فلا خادم ولا مخدوم . هو من الانسان المنتج والمستهلك وإلى الانسان المنتج والمستهلك . وقد يكون منتج الفن مستهلكا له . وقد يكون مستهلك الفن منتجا له - وإن لم يشعر - موضوع وإيحاء .

الفن كالبكاء أو الابتسام .

إن من يبكى استعطافا أو استرحاما لا يبكى بل هو يستعطف أو ي يسترحم . إذ فى إمكانه أن " يستعمل وسيلة " أخرى غير البكاء .

إن من يبكى لا يختار ولا يتساءل . ولم يتساءل ؟ هو لا يبكى من أجل شئ أى لهدف معين ولا يبكى حتى من أجل البكاء . هو يبكى وكفى !

إن من يبكي لا يبدأ بالجلوس إلى مبكى ولا يقول : إنى أنوى البكاء للتفريج عن نفسي أو للتعبير عن حزنى أو لابلاغ نواحى أو لايصال بؤسى أو لأبكى . . .

نعم . يمكن أن نعزله إن أزعج الناس . فيبكى وحده . لكن لا يمكن أن نطلب منه التزام الابتسام أو التزام بكاء معين مهما كان نبل الغايات . الغايات .

الوجد - وحده - يربط وجدان الفنان بالوجود . يحول الوجدان - لديه - الى وجود . يحول فرض نفسه إلى فيض فنى . فلا حاجة بقلبه إلى لقب أو سبب.

وهو فى كل هذا يحادث نفسه إذ يحادث الناس . يستجيب لنداء وجدانه يضحك ضحك الفنان أو بكاءه وكثيرا ما يضحك إذ يبكى الناس وكثيرا ما يبكى إذ يضحك الناس ( 15 ) .

فهنالك الذكرى تذكروها ونسوها . وهنالك آمال زاغوا عن طرق تحقيقها وهنالك آلام حجر الترف المادى قلوبهم دون الاحساس بمرجعها .

قالت الدكتورة بنت الشاطئ : الأديب وجدان مجتمعه ( 16 )

ونقول : الفنان وجد مجتمعه لا وجدانه . أما الوجدان فوجدان الفنان . هنا ينعقد اللقاء الكريم والعناق الحلال .

أما وجدان المجتمع فحزب . وأما وجدان الحزب فجريدة ( 17 )

- يتبع -

اشترك في نشرتنا البريدية