(( هى اقصوصة . او هى مقالة - ان شئت .. _ عثرت عليها بين اوراقى المنسية .. انها كتبت قبل عشرة أعوام ؛ على انها بالذات ليست من واقعية انما هى صورة من صور الحياة لا اعدو الحقيقة ان قلت انها فى دنيا الناس كثيرة النظائر والاشباه ))
كان كثيرا ما يتندر على زميله (( اديب )) فى ادارتهما الحكومية ، حيث يشتغلان معا فى قسم واحد ، وفى عمل واحد بالتضامن اذا شئت، او بالتناوب إذا شئت وكان كثيرا ما يتحدث اعنى (( نسيبا )) عن تخلف زميله المحظوظ . تخلفا متواليا فى الدوام ، وتخلفا متواليا فى الانتاج ، وتخلفا متواليا فى كل مضمار .
وكان (( نسيب )) هذا ابن وقته _ كما يقولون _ فهو لا يترك أى فرصة تلوح الا ويستغلها اتم الاستغلال ، وفى ذكاء عجيب، لحسابه الخاص، وعلى حساب من? على حساب الآخرين ، من زملاء المصلحة فى الاعم الأغلب ومن الاصدقاء وغير الاصدقاء كذلك، فأما حصة (( اديب )) من هذا الحساب الجارى باستمرار ... فقد كانت ولاجدال - حصة الأسد ، ان صح هذا التشبيه !
حدث فى أحدى المرات ان اطال اديب غيابه فى احدى اجازاته المرضية، وكانت خطيئته التى ارتكبها بحق انه لم يقم كما يجب بتجديد هذه الاجازة ، واذن فهى فرصة من الفرص جديرة بالاهتبال ... ان نسيبا وهو نموذج الرجال الذين يدينون بالفلسفه الواقعية فى الحياة هيهات ان يغفل او ينام، او يفكر وهو ينشد الوصول الى اهداف العمليه فى اى عتب او ملام ... واذن فما كان منه الاان يؤدى مهمته على اكمل الوجوه ... ها هو يشيع فى الناس مختلف الاقاويل عن هذا الغياب وما يخفى وراءه من اسباب ...اقاويل شتى واسباب شتى، توجد ،او هى قد اوجدت ٣٦١
بالفعل من الحبة قبة .. اقاويل شتى واسباب شتى، تحمل الجميع او هى قد حملتهم فعلا على ان يظنوا كل الظنون ، فى الزميل الغائب عن العيون .. واذن فهو لن يعود وثم ماذا بعد هذا ?
بعد هذا لابد مماليس منه بد .. لابد من الرجوع الى الروتين،لابد من تطبيق المادة كذا والفقرة كذا؛لابد من عملية فصل تتلوها_بطبيعة الحال عملية - تعيين! وكان (( اديب )) بالنسبة الى هذه العملية واحدا من اثنين، بل كان اديب الهدف المقصود، او كبش الفداء ! * * *
ويأبى الله الاما يريد ، ففى اللحظة الاخيرة عاد (( اديب )) من سفره الطويل وما كان سفرا طويلا بالقياس الى سواه ، ولكنه كان سفرا طويلا حقا بالقياس الى الجو الذى يحتويه، والى المحيط الذى قدر له ان يعيش فيه !
لم يكن (( اديب )) كما كان يصوره (( نسيب )) بالرجل القدم ، او الرجل البليد ! ولم يكن (( اديب )) بالرجل الفاشل فى عمله الرسمى ،او فى اي عمل من الاعمال! ولكنه كان طيب القلب الى حد السذاجة،وهذه هى احدى اخطائه التى لا يدله فيها وكانت له جريمة كبرى فى احد الايام ، جريمة كبرى ارتكبها ضد القانون كما كان يقول .
كانت جريمة (( اديب )) هذه هى انه فى السنة التى تخرج فيها (( نسيب )) من مدرسته الثانوية ، وتطلع الى ان يكون موظفا ؛ فما كان من (( اديب )) الساذج اديب الذى لم يقرأ فى علم النفس اي شيء ، اديب الذى لم يكن يفهم حينذاك من حقائق الحياة الاقليلا من قشورها ... والا ما تقوله الكتب ... ما كان من اديب هذا الاان يعمل ثم يعمل ثم يعمل من اجل ماذا ? من اجل ترشيح نسيب العمل الذى كان من حظه فيما بعد ان يؤول اليه !
وليس هذا ويتم الفصل ... بل انه - وهنا سر الجريمة - لم يتردد فى ان يلعب الدور الهائل ، الدور الذى يمقته كل المقت، ويزدريه كل الازدراء ،لم يتردد اديب فى ان يسير _ وللمرة الاولى _ على طريقة الوصوليين ... فهو يدس جوابا رأى انه ٣٦٢
من اجوبة الاختبار الصعبة ؛ يدسه بين اوراق نسيب ، وفى غفلة من الرقيب بعد ان لاحظ عليه انه يتصبب عرقا ، وانه كاد ان يصبح من الرسوب قاب ساعتين أو ادنى !
وقد كان اديب يسر الى اصدقائه دائما انها جريمته الوحيدة فى الحياة من هذا القبيل ، وكان يضيف بانها لم تكن فى الواقع الاضرورة من تلك الضرورات التى تبيح المحظورات ... اجل هى ضرورة من الضرورات يبررها ان هدفها كان انسانيا محضا !
واخيرا يفوز نسيب فى الاختبار ، ويرسب اولئك الآخرون التعساء؛وما كان هو بأفضلهم ، وما كانوا هم بالراسبين لو اخطأ نسيبا نجاحه الموهوم !
أهي جريمة حقا ?!
قد يقول الناس جميعا : (( لا . ليست هذه جريمة ! )) وقد تأتى الأخلاق هى الأخرى ، فتقول ايضا ما يقوله الناس !
ولكنها خطيئه على كل حال ، خطيئة لا شك فيها من ناحية القانون على الأقل ؛ نعم انها خطيئة قد لا تضر القانون (( موضوعا )) ولكنها أضرته (( شكلا )) وقد لاتمسه فى الصميم ، ولكنها مسته فى الروتين ..!
هى خطيئة على كل حال مهما تكلفنا فى تبريرها، وتحليل معاذيرها الانسانية، افتكون كفارته عنها انه لقى فى هذه الدنيا جزاءه عليها عادلا ?! ام انه لا يزال بعد يحسب فى عداد الخاطئين ، رغما عمالقيه من جزاء، وما أمره من جزاء ?! (( ع ))

