الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "المنهل"

القصص, كادت تشغله ؟ ولكن !

Share

إحسان طالب بالسنة الثالثة الثانوية يكاد يكون مثال الطالب ، سواء فى الاخلاق أو الاجتهاد ، فى طبعه خجل يبعده عن مشاكسات زملائه الطلبة وصخبهم ومقالبهم تراه فى ساحة المدرسة منفردا إلا من كتاب يطالع فيه أو قصة أدبية من قصص يوسف السباعي أو إحسان عبد القدوس ، وإن خلت يده من كتاب تراه مضطجعا فى جانب من

الساحة واضعا يده على ذقنه يحلم ويتخيل مستقبله وما تخبؤه له الايام فى طياتها ؛ ويحلم ككل مراهق فى فتاة الاحلام ، سبكها خياله الخصب واضفى عليها من التوشية والتحسين حتى تبدت له فى فكره " فينوس " ربة الجمال

وبالرغم من هذا الخيال الخصب فقد كان الحياء الذى فى خلقه يبعده عن مخالطة الفتيات والطالبات ، فتراه يغض طرفه حياء كلما مرت به فتاة فى الطريق ، ويحمر خحلا إذا التقت عيناه بعيني إحداهن عرضا ومصادفة ، ولهذا وجد الاحلام مادة واسعة يفعل فيها ما طاب له أن يفعل .

كان إحسان دائما فى طليعة الطلبة فهو الاول فى كل فصل ؛ ولم يكن يخشى من منافسيه غير سعيد الذى لم يقل عنه ذكاء ، ولكن سعيدا هذا كان له من الشقاوة نصيب الاسد ، ولم يكن يلقى بالا لدروسه ، أو مذا كرتها والاستعداد لها وكان يعتمد على ذكائه كل الاعتماد ، ومع كل هذا الاهمال كانت رتبته الثانية فى صفه ولم يكن يحقد على إحسان بل كان يحترمه ويقدره فقد جعلت عزلة إحسان جميع زملائه يحترمونه ويحبونه وكثيرا ما كان يحلو لهم وخصوصا لسعيد ان يداعبوه مداعبات لطيفة ، ولكنه كان يبتسم لهم غير مشجع مكتفيا بكتبه راضيا بصحبتها .

وكالعادة جاءت نتائج الفصل الثاني : إحسان الأول بامتياز ، والثاني سعيد ، وكان الفرق بينها غير شاسع . . وهنا سعيد زميله إحسانا وهناه جميع الطلبة وتمنوا له النجاح المطرد .

وجاءت نتائج الامتحان الى والد سعيد ، وبها تذكرة قيل فيها : ان ذكاء سعيد لا يقل عن ذكاء زميله إحسان ، وقد تفوق سعيد فى الرياضيات والانشاء ولو ضاعف اجتهاده لكان من الممكن أن يكون الاول فى صفه ، وفى ختام المفكرة تمنيات لسعيد بدوام التقدم .

ولم يبق على الفصل النهائي والامتحانات النهائية سوى شهر ، وإحسان جاد فى دروسه سابح فى احلامه وفتاة احلامه ، ماض فى عزلته وانطوائه ينظر الى المستقبل بعين الرجاء والأمل .

وذات يوم حمل له البريد رسالة أدهشته كثيرا وأعجبته فقد كانت الرسالة من طالبة معجبة بذكائه وتفوقه . بدأت الرسالة بقولها : " عزيزى إحسان . . تحيات واشواق وقبلات . . " قبلات ! هكذا بلا مقدمة ولا معرفة ، ولكنه فى سره أحس بالزهو والسرور ، وهذا هو شعور كل شاب اذا شعر بأنه محبوب وخصوصا إذا أحبه الجنس اللطيف ، واستطردت المعجبة تقول : " لو أردنا اختيار مثال للذكاء

والعبقرية والاخلاق لما صلح غيرك ليكون هذا التمثال ، ففيك من الصفات الحميدة أجملها ، أضف الى ذلك ما تتمتع به من قوام رياضى رشيق هو الذي جذبني إليك ، وكأن فيه قوة مغناطيسية اسرة تهفو اليها القلوب . . " والى اخر ما هنالك من عبارات الأعجاب ، والحقيقة انها عبارات الغزل . . وختمت الرسالة بقولها :

" . . ان هذا الاعجاب الذى اكنه لك كامن فى نفسى منذ مدة ليست بالقصيرة ، وقد ترددت فى كيفية تعبيرى لك عن هذا الاعجاب ، ولم أجد بدا من الكتابة إليك لأخفف ما يضطرم فى نفسى من شوق إليك ، مؤملة أن أحظى منك برد جميل بأنشائك الرائع وخطك الجميل فأكون لك شاكرة ولجميلك حافظة واسلم

للمعجبة والمحبة الى الأبد - " سناء "

وذكرت له عنوانا قائلة : إن هذا العنوان غير مباشر تفاديا للمضايقات . واضطرب إحسان وجالت فى فكره خواطر عدة وظل طوال ذلك اليوم فى حلم جميل ، لم يع من دروسه ولم يسمع من أساتذته شيئا وكانت أجوبته آلية ، فقد وقع تحت هذا الكابوس الجميل . وما يتم أن خرج من المدرسة حتى ذهب الى البيت وجلس فى غرفته وأغلقها عليه وبدأ يعيد تلاوة الكتاب الرشيق وهو يعجب بروح كاتبته الجميلة التى تكاد تبرز من ثنايا سطوره ، ويعجب بهذا الاسلوب الانشائي الرائع وهذا الخيال الجميل ، لقد ضربت هذه الرسالة الوتر الحساس فى نفسه وغدت فى روحه الخيال الجامح وبدا له أن فتاة أحلامه الخيالية تكاد تكون حقيقة واقعة .

وانثنى الى كتبه يتصفحها ولكن سطورها استحالت إلى نسخ من الكتاب الحبيب ولم يستطع المذاكرة ونام وهو تحت تأثيره الجميل وقد طبع الخط والاسلوب فى مخيلته لا يبارحانه ، وانتابه حلم التقى فيه بالحبيبة فأذا هى أجمل مما تصورها وبدات تبث له الشوق وتشكوله اللوعة ، وشرح هولها شعوره الفياض نحوها وتابط ساعدها وسارا الهويني على ضفاف نهر ساج يتبادلان النظرات الصامتة البليغة ، وفجاة زلقت رحلها وسقطت فى الماء وصرخت مستغيثة وهم بألقاء نفسه وراءها لينقذها ولكن الصرخة ردته الى وعيه وأفاق من النوم كالملهوف . .

وذهب الى المدرسة وطيفها فى خياله ، وبدأ يسود لها ردأ لرسالتها فتارة يكتب وتارة يمزق ، وكلما كتب عبارة قفزت الى ذهنه عبارة اجمل وظل طول اليوم يعيد كتابة الرسالة حتى تمت أخيرا على نحو أعجبه ، وعطر الرسالة ووضعها داخل ظرف ، وفى اليوم الثاني أودعها الى البريد وظل ينتظر الرد فى لهفة وهو لاه عن دروسه ، وبعد يومين جاءه الرد أكثر روعة وأكثر قوة فكاد يطير فرحا وسرورا وسارع الى الرد ؛ واستمرت المراسلة بينهما أسبوعين لا يلقى الى دروسه بالا ، ويعيش فى الجو الذي هيأته له فاتنة لبه .

وفى حصة من حصص الأنشاء طلب الاستاذ منهم كتابة موضوع عاطفى ؛ وهنا سنحت له الفرصة ليظهر فى هذا الموضوع ما يجيش فى صدره من عواطف الهمتها إياه الفاتنة المحبوبة ، فكتب وأجاد .

وثانى يوم بينما كان فى الساحة دعاه أستاذ الأنشاء وقال له : إنه أعجب بموضوعه أيما إعجاب ؛ ولكن موضوع زميله سعيد يكاد يضارعه روعة وقوة وخيالا ، وعرض عليه أن يقرأه حتى يحكم على ما فيه من قوة ، وذهب مع الاستاذ وبدأ يقرأ الموضوع وفعلا وجده من الروعة والقوة فوق ما يتصور ولكن ماذا ! ! إن الخط والاسلوب الأنشائى غير غريبين عليه . . وبدأ يقدح زناد فكره ويعتصر ذاكرته ، وفجأة ومضت فى رأسه فكرة دهش لها أول الامر ثم تبسم ،و وجم قليلا وعادت الى فكره حوادث الحلم وكيف أنه كاد يلقي بنفسه بالنهر لولا أنه صحا وعاد الى وعيه ، وعزم على أمر . . ثم استأذن من الاستاذ بعد أن قرظ موضوع زميله وخرج .

وفى تلك الليلة أخذ إحسان كتبه ، وأقبل عليها بشوق ولهفة يكاد يلتهم ما فيها التهاما ولم ينم الا متأخرا ، وفى الليلة الثانية زاد نشاطه وهمته حتى عوض ما فاته من دراسة خلال الاسبوعين الماضيين ؛ وجاءه كتاب من سناء " فرأه وهو يضحك ورد عليه ببليغ العبارات وأرق الكلمات واستمرت المراسلة بينهما على هذا النحو ، ولكنه لم يترك الدراسة بل ضاعف النشاط والهمة . .

وأزف موعد الفحوص فبدت همة إحسان الجبارة فى المطالعة والاستذكار وكأن به حمى وشوقا للدراسة لم يعهدهما فى نفسه وظهر أثر الدراسة فى الشحوب المحيط بعينيه ، وغضون وجهه ولكنه لم يبال واستمر على ذلك .

وجاءت الامتحانات وأبدع إحسان أيما أبداع ، وكأنه أراد تحقيق ما قالته سناء فكان مثال العبقرية وجاءت النتيجة بتفوقه الساحق على زميله سعيد تفوقا ليس له نظير ، وكان ترتيبه الاول كما هو عهدنا فيه

وبعد أسبوع ذهب الى بيت زميله سعيد ليهنئه ، فقد كان الثاني فى الصف ، فحياه هذا ورحب به وكان على شفتى إحسان ابتسامة مرحة لا تفارقه ، ولما اختلى هو وزميله فى الغرفة بعد خروج والد سعيد وإخوته الصغار انفجر إحسان ضاحكا مخالفا عادته وطبيعته ، ونظر الى سعيد نظرة ذات معنى وقال له : لقد كادت إحدى المعجبات المحبات ان تفسد نشاطى الدراسي " وكدت القى بنفسى وراءها فى النهر ولكنى صحوت ! نعم لقد صحوت إذ عرفت خطها واسلوبها الانشائى ففهمت قصدها وأخذت الحذر ، وظلت غافلة حتى انتهت الفحوص وعاد الى الضحك ، وتنهد سعيد لخطته التى احبطتها قوه ملاحظة زميله إحسان وضحكا سويا وتصافحا .

وبعد ذلك لم يعد إحسان ذلك الشاب المنطوى على نفسه السابح في احلامه صار مرحا نشيطا يخالط زملاءه ، ويضاحكهم ، وبين الفينة والفينة يسال سعيد أحسانا وهو يضحك : " من أين عرفت خطها واسلوبها ؟ ! " فيجيبه إحسان ضاحكا : " من دفتر الانشاء " . . وقد عرف القراء ولا شك ان " سناء " لم تكن سوى سعيد الذي أراد بهذا المقلب أن يشغل إحسانا لتسنح له الفرصة ويسبقه

) عرعر - خط الأنابيب (

اشترك في نشرتنا البريدية