الشعب الذى بهر العالم بصموده ، وأظهر بطولات لفتت اهتمام العدو والصديق ، وأقام الدليل على أنه لا يعوض بكيانه بديلا ولا يفرط فى ذاتيته مهما تقلبت الاحوال وتفرعت سبل الايديولوجيات والمذاهب هو الشعب الفلسطينى .
أصابه الاستعمار مثل غيره من الشعوب العربية ولكنه افتكت أراضيه وشرد منها وهو وحده الذى شرد ، قال له إخوانه العرب حينذاك : نحن نكفيك المؤونة ونحن نطرد عن أرضك ، أرضنا ، الدخيل ونمكنك من حقك ، حقنا مهما كلفنا ذلك ونحن الاقوياء . رضي مكرها بالهزيمة وافتك منه جزء آخر من أرضه فكانت أجزاء تحت نعال الصهيونية وأجزاء أخر بيد اخوانه العرب وهو فى هذه وتلك محكوم في أمره يعانى السجون أو غربة النفس ، تحت الخيام أو الغربة جسدا وروحا .
وشغل عن أمره وعن افتكاك أرضه سنوات طويلة ، وتجاذبته من هنا وهناك أفكار ومذاهب وإيديولوجيات ووعود أنسته ، وإن لم تنسه تماما ، التفكير الجدى فى مصيره والاخذ بناصية الامور كما يجب ، من هنا الناصرية ومن هناك البعثية بألوانها القزحية الضبابية وبينهما الانتهازية والمناورات العملاقية تلعب أدوارها الأقزام فى واجهات السياسة .
وأين فى كل هذا الشعب الفلسطينى والأرض الفلسطينية ؟ لا شئ غير المأساة التى يعيشها الشباب والكهول فى الخيام يمدون أيديهم الى الاعانات الدولية أو حياة التشرد والمغامرة التى اضطر اليها النابهون منهم . ولكن ضمير الشعب الفلسطينى لم يفتأ حاضرا فى كل مكان ينبه ، ويحفز ويخز ويستجيب له فى العلن والسر كل من لم تحجب عنه غشاوة الترهات حقيقة العمل الصحيح الذي ينتظر هذا الشعب البطل بأكمله ، وبدأت تتنبه العزائم وأتاهم صوت من تونس ( 1 ) يذكرهم بالواجب ويرفع عن اعينهم الغشاوة وقدم لهم تجربة شعب .
وتجربة الشعب التونسى فى كفاحه التحريرى وثورته على الظلم والاستبداد ، بدأت منذ سنة 1864 عند انتفاضة شعب بدون زعامة حقيقية ( 2 ) ثم انطلقت التجارب والمحاولات لفك قيود الشعب من هيمنة البايات والمستعمر وظهرت حركات النخبة تدافع في اخلاص عن كيان الشعب ولكن فى عزلة عن الشعب متمسكة تارة بالخلافة العثمانية وطورا بالحركة الاصلاحية السلفية الافغانية وما اليها سواء انتمت الى عبدو أو رشيد رضا وتارة اخرى بمفهوم العروبة الذي بدأ ينفصل عن مفهوم الاسلام مع حركة عبد العزيز الثعالبى وضبابية المفاهيم واختلاط التقييم فى اللعشرينات . وفى كل هذا كان ضمير الشعب ينبه كل غافل أن ليست الطريق هذه الطريق وأن الامر لا يعدو - ونحن في القرن العشرين قد تبلورت الوطنيات فى العالم وتحددت معالم الشعوب - أن يكون كفاح شعب يريد ان " يستقل بالدعوة لنفسه " كما يقول ابن خلدون ويقرر مصيره بنفسه ليتحكم في خيرات أرضه ومجهودات أبنائه ليوزعها بعدالة بينهم جميعا من دون حواجز الايدولوجيات والمذاهب والدعوات الدينية وغير الدينية المخلصة فى غفلة او المدفوعة تحت نوايا مسترابة . وظهرت في الثلاثينات عزيمة واضحة غرضها هو هذا بالضبط لم شتات الشعب التونسى ليمسك الامور بنفسه فكانت حركة الحبيب بورفيبة التى نجحت في تخليص الشعب من كل الاوهام السابقة واللاحقة ، من التعلق لكل ما يحول الشعب عن غايته القصوى وهى الاطاحة بنير الاستعمار والاستعباد للظفر بالسيادة من أجل الحياة الكريمة . وكانت الاوهام والعراقيل كثيرة تستخدم تارة الاسلام مطية وتارة اخرى العروبة وطورا الشيوعية وطورا آخر الاشتراكية . ولكن حركة الحبيب بورفيبة عرفت كيف تفضح المتاجرة بالدين وبالعروبة والشيوعية والاشتراكية والطرقية وجميع الظواهر التى كانت في العصور الغابرة تحشد الجماهير من أجل خير موعود وتقام دول وتشاد أنظمة فتثرى بعض العائلات ويموت خيار الناس ولا خير يأتي . وتبقى الاغلبية الساحقة تهدهدها فكرة أو تحجب عنها الحقيقة القوة الغاشمة وكبت الحرية .
هذه تجربة الشعب التونسي وما زالت مستمرة الى اليوم تبعد عن الجماهير كل الترهات والخرافات التى تتعلق بشعارات اتخذت من كلمات الحق باطلا : من القومية العربية التى فرقت التى العرب اكثر مما وحدتهم ، من الوحدة التى
شتت الصفوف ولم توحد ، من الاسلام الذي دعا الى الاخاء فكانت الفرق والنحل فكأن كل الذي جعل ليوحد بين الشعوب العربية فرقهم : الدين، اللغة ، التاريخ المشترك علاوة على ما ينخر شعوب العالم كلها من دعوات فوضوية يسارية كانت او يمينية بينما الشعوب كلها لا تتوق الا الى السلم والحرية والكرامة لتقتسم خيرات عرق الجبين بعدالة ولينتفى الفقر والجهل والمرض .
لقد فهم الفلسطينيون أنه لا مناص من تخليص القضية الفلسطينية من كل ما علق بها وأن الامر لا يعدو ان يكون الا كفاح شعب من أجل استرجاع أرضه والتحكم فى مصيره من أجل اسعاد جماهيره وانه ليس قبل الذاتية الفلسطينية والهوية الوطنية ولا بعدها شئ وهذا هو الذى فهمه العالم وأعانه على المضى فيه فكانت منظمته العتيدة التى وحدت الاتجاهات من اجل الكفاح وأبرزت تصميم الشعب الفلسطينى على افتكاك حقه مهما كلفه ذلك ، وحقه يتمثل فى الايمان بأنه شعب له كيانه وله أرضه ومن واجبه أن يتحكم فيهما بفرض سادته . وهذا الذى فهمه حتى بعض اليهود فى اسرائيل نفسها .
ذلك أن العصر عصر وطنيات ولا يمكن تجاوز هذه المرحلة الى المجموعات الواسعة إلا بتوطيد أركان الجزء - الوطن - ليثبت الكل ويصمد أمام الزعازع . لهذا فان الشعب الفلسطيني الذي عرف الاستعمار البسيط مع الانفليز والاستعمار التوطينى ثم الاستعمار التهجيرى ليس أمامه الا الخطة التى واجهت بها جميع الشعوب المستعمرة وهي تخليص كفاحه من كل ما يعرقل نجاعته وفاعليته أى الايديولوجيات والمذاهب .
هذه الطريق هى التى ستوصل الشعب الفلسطينى الى استرجاع حقه والطريق ما زالت طويلة على ما يبدو ولكن كلما تكتل الشعب الفلسطينى ووحد صفوفه وضبط الخطة بقيادة محكمة وكافح باستبسال مثلما هو فاعل اليوم كلما قربت ساعة الخلاص .
وساعة الخلاص هى الساعة التى يلتحق فيها الشعب الفلسطينى بركب الشعوب العربية التى تعمل وهى تتحكم فى مصيرها اليوم ، سواء عن طريق حكامها او بمعزل عنهم ، لتبرز شخصيتها وتعمل على استيفاء اخص خصائصها لتخلق الثروة وتقوى فى وحدات متميزة جبارة يكون من السهل على كل واحدة منها فى وقت من الاوقات أن تنصهر فى وحدة مع التنوع بدون ضبابيات الايديولوجيات ولا خيالات المذاهب ولكن لتحافظ على خصائص كل شعب ارتقى الى مرتبة أمة فتبرز هذه الأمة فى أمم ضامنة لشعوبها الخير والحرية والعدالة والسلم ، مبعدة عنهم الجهل والفقر والمرض والاوهام لتصبح فى يوم من الايام امما فى أمة .

