الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

اللغة والاسلوب في شعر الجواهري

Share

لقد شغل (( الجواهرى )) الناس فى ايامنا هذه وكثر المعجبون بشعره وادبه ، ولعلك تعجب ان وجدت ان من هؤلاء محبا له رفيقا به ومتنكرا له حاقدا عليه. ثم انك لتعجب اشد العجب ان وجدت ان بين المعجبين من لا يمت الى الادب بسبب ، ولكن هذا النفر يعرف الجواهرى ويقرؤه فيجد فيه المتعة على طريقته فى الفهم والقراءة . وما اظن ان العراقيين يختصون بهذا الاعجاب وحدهم. ذلك ان " الجواهرى " من الشعراء الذين لم يرضوا لانفسهم بالاقليمية الضيقة وانت واجد صدى ذلك فى شعره الكثير الذى قيل فى القضايا العربية العامة ،

فهو يذكر لبنان كما يذكر مصر وسورية وفلسطين وتونس والجزائر وهو القائل (( ناغيت لبنانا بشعرى جيلا )) ، ومن اجل ذلك فالجواهرى معروف فى هذه الديار العربية ، كما ان المتادبين فيها يقرؤون شعر الجواهرى فيجدون فيه الادب العالى والمادة الممتعة . وما اريد لنفسى فى هذه المقالة ان اتحدث عن الجواهرى حديثا عاما ، ولكنى قصدت ان اعرض لجانب من جوانب هذه الشخصية الادبية وهو جانب الشكل الذى اريد به اللغة والاسلوب ، وما اظن ان المعجبين بهذا الشعر قد اهتدوا الى سر اعجابهم به حق الاهتداء ، وهذا النفر الذى يتاح له ان يعجب ثم يعود لنفسه ليعلل سر اعجابه ، هم الادباء ، والادباء فى ايامنا طبقات عدة فيهم الذى ما يزال يعجب بالشكل القديم للقصيدة العربية باطارها المعروف الحافل بالوزن والثقافية ، وفيهم القائل بالجديد الذى يتناول الشكل والمضمون ، غير ان اولئك وهؤلاء معجبون به ، مطمئنون الى ذلك . واكبر الظن انهم يلتقون جميعا فى اعجابهم بطريقته فى صوغ هذا الادب وفى اعجابهم ( بالكلمة ) عند الجواهرى ، ومن هنا وددت ان اقول شيئا فى هذا الادب ،

على ان الذى اقوله فى هذه الكلمات القصار يؤلف ما احتفظت به لنفسى وانا اقرا الديوان قراءة عابرة وما علق بذهنى وانا استمع للجواهرى ينشد قصيدة فى مناسبة من المناسبات

وقد حرص الجواهرى على القديم من الشكل ، ولم يجد فى نفسه حاجة الى الخروج على تفاعيل الاوزان واعريض ( الخليل ) ، كما انه التزم القوافى الواحدة في سائر قصائده ، ولم يلجأ الى تعدد القوافى مع مراعاة الوزن الا فى قصيدتين اثنتين ، وهما ( افروديت ) و ( انيتا )

واظنه اراد ان يجرب هذا النهج الجديد ليبلو اثره فى نفسه ثم اثره فى نفوس المعجبين بشعره ، ولم يكن هذا النهج الجديد بالخروج الكبير عن الطرائق التقليدية المعروفة ، فقد جرب اصحاب الموشحات شيئا من هذا الموضوع قبله بقرون طوال .

ولعل فى حرصه على القديم من الشكل صيحة ونداء الى المتادبين من الاحداث فى ايامنا هذه والداعين الى الخروج عن ( عمود الشعر ) فكانه اراد ان يقول لهم : ينبغى ان يبقى للفن ادواته واسبابه وان لا يغفل جيلنا الجديد وسيلة من وسائل التعبير وآلة من آلاته صقلتها العصور فصلحت لاداء كثير من خلجات النفس فى عبارة موجزة تغنى كثيرا عن الترسل والاسهاب ، وكانه اراد ان يرد على من يهاجم هذه القيود ليقول لهم : ان صاحب الفن والموهوب من الادباء يستطيع ان يحرز على الابداع وان يكون له كل ما يريد وهو محتفظ بالشكل المعروف ، وان هذا لا يمنع من التجديد الذى يدعو له جمهرة المتادبين الناشئين ، وان المذاهب الشعرية والادبية عند الغربيين كثيرة منضاربة ، وهى

من غير شك دليل قلق وحيرة ، وان الذى حدث عندنا ان هو الا صدى لما جد عندهم ، ولكن هذا القلق وهذه الحيرة لم يمنعا من بروز الشاعر المفلق الفذ الذي يشق طريقه غير آبه بهذا الجدل القديم فيعجب به خلق كثير ، ويكون من عداد الخالدين ، وقد تم للجواهرى شىء من هذا والقزم سادرون فى معمعان الجدل بين الشكل والمضمون .

وقد كان للجواهرى كل هذا بعد ان اجهد نفسه واتعبها فى التمرس بالكلمة المفردة ، والاستمتاع بسحرها ، ولها فى ذهنه وروحه مكان خاص وطلسم خاص يقف منه موقف الانفعال والاعجاب فيعرفها وتعرفه وينطلق بها فيصبح منها عنصرا مخالطا كالماء والخمرة ، كالدم المطابق منقولا الى الدم وكلقاح الشجر محمولا الى شجرة اخرى )) . وقد اجهد الجواهرى نفسه واتعبها وقرأ كثيرا وحفظ كثيرا واعجب بالذى قرأه وحفظه ، واتخذ من هذا كله مادة يضيفها الى تجاربه فى معالجة الكلمة ومعاناتها وهو يتوجه الى الادباء الناشئين ليحفزهم على انتهاج السبيل الشاق فى التهيؤ للادب والاضطلاع بالفن ، فهو يقول (1)

(( من خال منكم سهولة كلمة (( التعبير )) فليرجع الى صوابه . .. . . وان الكلمة النافذة الصالحة الباقية هي تجربة قاسية ومراس متمكن ومعاناة شاقة وادراك عميق وحس مرهف وهو الى ذلك كله قدرة على التحويل والتطوير،

وعلى المزج ، وعلى ملاشاة المزيج بحيث يبدو صرفا خالصا ، انها قدرة على ذلك كله قبل ان تكون قدرة على الخلق والابداع ، هذا هو سر (( الكلمة )) ولنقل هذا هو كلمة السر فى ان يكون الفرد منا اديبا او لا يكون وهذا هو سر الكلمة واختها فى النثر ، وهذا هو سر قافية يتراهن على عدم امكان زحزحتها باحسن منها ))

ومن هذه الكلمات يبدو شىء يمس الاسلوب الذى ثقفه الجواهرى ، ولزمه حتى كان له ما كان ، وهذا الاسلوب يقتضى النظر الدائب والجهد المحض ومعاناة داجيات الكتب والاسفار ، والذى يقرأ شعر الجواهرى يجد اثر هذه الطريقة المضنية ماثلة لعينيه . ومن اجل هذا فهو يرى (( ان اديبا لم يحفظ البحترى وابا نواس وابن الرومى والمعرى وابا تمام والمتنبى ، او لم يدرس الجاحظ والاخطل وابن قتيبة وابن الاثير وابا الفرج ودعبلا والقرآن ونهج البلاغة لا يمكن ان يكون شاعرا ولا كاتبا ابدا . . . . وان قرا مليون رواية وكتاب اجنبى ، وان درس خمسين عاما اساليب الشعر والادب الغربى وان استوعب كل النظريات وكل المبادىء والعقائد وان الم بثقافات العالم ، وان تعاطى كثيرا من لغاتها وان مارس الحياة وان تمرس بها واحترق بتجاربها . . . . . .))

ولكن الجواهرى يستدرك فيقول : (( ولكن ان يكون له بعض الشئ من هذا وهو قد قام على ذلك الاساس العربى الراسخ فامر عظيم وعقبى ذات شان وعبقرية مضمونة ، والا اديبا وشاعرا عبقريا لم يقم على اساس من لغته ))

وفي هذه الكلمات الواضحة دعوة الى الشباب للتزود بالزاد اللغوى ومعرفة الكلمة واختبارها قبل التهيؤ للمرحلة الاخيرة وهى مرحلة الانشاء والبناء وفى هذا ايضا نداء اليهم ان اتعبوا انفسكم لتحوزوا (( شرف الكلمة ))  (( فخر المفردة )) و(( عقبى القافية ))

والذى يقرأ الجواهرى قراءة طويلة يؤمن ان شيئا من عبقرية الشاعر يخص اسلوبه ولغته فللجواهرى اسلوب خاص ولغة خاصة ، ولعل ذلك راجع للطريقة التى اخذ بها نفسه في ايام صباه وكيف انه نجح فى الاستفادة مما قرأ وحفظ مضيفا إلى ذلك كله تحاربه فى الحياة التى اهتدى اليها بسعة ادراكه وحدة ذكائه . وسنعرض لهذا الادب الجميل لنتبين ذلك ما استطعنا الى ذلك وقد قال الجواهرى الشعر وهو شاب لم يتم العشرين من عمره ، ولكنك لو

تبينت قصائده فى ايام الشباب وجدتها تذكرك بالقصائد العامرة اشراق ديباجة وبراعة مبنى واحسست ان زاد الشاعر فى الثقافة العربية الاصيلة موفور ، وان الغرر من الشعر القديم حاضرة فى ذهنه وقلبه ، ولعل خير مثال على الذى ذهبت اليه قصيدته التى نظمها وهو فى عهد الشباب الغريض وذلك فى سنة  1921 مخلدا فيها الثورة العراقية الاولى ومشيدا بمواقف الغر الميامين من رجالها :

لعل الذى ولى من الدهر راجع

             فلا عيش ان لم تبق الا المطامع

غرور يمنينا الحياة وصفوها

            سراب وجنات الامانى بلاقع

ومما زهانى والقلوب ذواهل

            هناك وطير الموت جاث وواقع

وقد بح صوت الحق فيها فلم يكن

            ليسمع الا ما تقول المدافع

وهكذا يستمر الجواهرى الشاب فى هذه القصيدة على هذا النمط من القوة واشراق الديباجة ، ولعل القصيدة من قصائد الحرب الفريدة التى قيلت فى هذا القرن ، وهي كما اشرت تعيد الى ذهنك غرر القصائد فى هذا الباب الذى نظمها المتنبى وابو تمام تخليدا ليوم من الايام

ومثل هذه القصيدة سائر قصائده التى نظمها ايام الشباب كما فى قصيدته التى عنوانها (( ليلة من ليالي الشباب )) والتى نظمها سنة 1928 ، وكقصيدته التى اسماها (( جربيني )) والتى نظمها سنة 1927 ، وانت اذا القيت نظرة على هذه القصيدة بدا لعينيك منها بناء شامخ يعيد الى سمعك القصائد القديمة المخجلة ببنائها ومادتها والتى يقول فيها :

وستشجين اذ ترين مع البزل القناعيس حيرة ابن اللبون

(( والبزل القناعيس )) و (( ابن اللبون )) ذات اطار قديم وقد اقتنصها الشاعر من قول صاحبه القديم :

وابن اللبون اذا ما لز فى قرن

                 لم يستطع صولة البزل القناعيس

وانت واجد شيئا من هذا الموضوع فى قصيدة اخرى من قصائده التى نظمها يام الشباب وعنوانها " الذكرى المؤلمة " والتى نظمها سنة 1927 وهو يصطاف فى ربوع ايران الجميلة وهذه القصيدة تذكر بالقصائد التى تستخف السمع والتى حفل بها ادبنا القديم على اختلاف عصوره :

اقول وقد شاقتنى الريح سحرة

                   ومن يذكر الاوطان للاهل يشتق

حبيب الى سمعى مقالو احمد

                 (( أأحبا بنا بين الفرات وجلق ))

والمراد باحمد الشاعر الخالد ابو الطيب احمد بن الحسين المتنبى المشهور وفى البيت اشارة الى قول المتنبى :

أأحبابنا بين الفرات وجلق

                  يد الدهر لا اخبرتكم بمحال

ومن قصائده الحافلة بالقوة والمزهوة بالحياة قصيدة من قصائد ايام الشباب وقد نظمها سنة 1924 والتى يقول فيها :

لا اريد الناى انى

        حامل فى الصدر نايا

وقد ظل الجواهرى يقذف بهذه البينات التى هى خلاصة للثقافة العربية القديمة وذوب للنفس الشاعرة الرقيقة وهو الحاذق الصناع الذى يعطيك من هذا المزاج شيئا جديدا لا تراه فى القديم ولا تحسبه عند القائلين بالتجديد وهو نمط جواهرى شق طريقة ادبية خاصة وجدت قبولا عند المتادبين وكانت هناك مدرسة جواهرية تحسها وانت تقرأ لنفر من الشعراء العراقيين ، ولا ارى بى حاجة للتدليل على ذلك . ولنسمعه فى قصيدة له اسماها (( عتاب مع النفس )) يقول :

عتبت ومالى من مع

ك من معتب

حول قلب

على زمن

أ نلصق بالدهر ما نجحتوى

ونختص نحن بما نحتبى

كان الذى جاء بالمخبثات

غير الذى جاء بالطيب

ولكن زعمت بان الزمان

دان يسف مع الهيدب

وافضل من روحات النعيم

على النفس مسغبة المترب

وانت حين تقرأ هذه الابيات تحس أنك قريب من محجلة المتنبى المقصورة والتى جاءت من هذا (( المتقارب )) السمح وهى تشبهها فى هذا الهيكل الفخم المتين ، ثم انظر استعماله (( الهيددب )) للسحاب القريب من الارض لتفطن ان الشاعر لا يتحرج فى استعمال الكلمة فهو يقتنصها من بعيد ويعيدها قريبة مانوسة اليك ، وهو اشد من هذا جرأة ، يعرف كيف يحتال على الصيغ لتاتي طيعة سهلة ، الا تراه فتح الواو فى (( الروحات )) لتاتى مع النسق الموسيقى المطرب ولم يبال بالمالوف المعروف وعنده من هذا الباب شئ كثير

وانت اذا قرات قصائده على وجه العموم وجدت ان الشاعر يستحضر فى ذهنه قصائد فلان وفلان من اعلام الشعر القديم دون ان يعمد اليها ودون ان يكون لارادته يد فى ذلك ايضا ، وهو يتمثل اولئك الاعلام فى صورة فنية بديعة وكانهم معه فى موكب واحد فهو يقول فى قصيدته فى رثاء عدنان المالكى من القادة السوريين مثلا :

اذا الذؤابة من غسان تنفحها

يوم السباسب بالاطياب اطيار

واذ نبيغ بني ذبيان تحضنه

من آل جفنة انداء واسمار

والعيش في ليل داريا يرن به

للبحترى بما غناه مزمار

واذ ابو الطيب الشريد فى حلب

نجم تضاء به الافلاك سيار

و (( ليل داريا )) هو ليل البحترى الشاعر الذى جاء فى قوله :

العيش فى ليل داريا اذا بردا

والراح تمزجه بالماء من بردى

وهو حين يقف منشدا فى عيد المعرى الالفى تهتز خرائد المعرى فى هذه القصيدة ويتخذ منها مادة يعيد اليها حياة جديدة فهو يقول :

زنجية الليل تروى كيف قلدها

وساهر البرق والسمار يوقظهم

والفجر لو لم يلذ بالصبح يشربه

فى عرسها غرر الاشعار لا شهبا

بالجزع يخفق من ذكراه مضطربا

من المطايا ضماء شرعا شربا

فى هذه الابيات اشارة الى قول المعرى :

ليلتى هذه عروس من الزنج عليها قلائد من جمان

والى قوله : ايضا

يا ساهر البرق ايقظ راقد السمر

لعل بالجزع اعوانا على السهر

والسمر فى قول المعرى نوع من الشجر الصحراوى وليس السمار كما توهم الجواهرى .

والى قوله :

يكاد الفجر تشربه المطايا

وتملأ منه اوعية شنان

ثم انك حين تقرأ القصيدة تحسبها من روائع الشعر القديم لولا عبارات جاءت بها طبيعة جيلنا الجديد ومن ذلك قوله فى قصيدته فى رثاء المالكى :

ومر طيفك بالفرسان فانعقدت

عليه كالحلم المخمور ابصار

فعباراته (( الحلم المخمور )) توحى ان قائلها يعيش فى دنيانا هذه والشاعر جرىء كما بينا وهو فى جرأته يريد ان يقول ان الاديب هو الذى يصنع اللغة والقاعدة وليست اللغة من صنع المتحذلقين المتفيهقين ومصداق هذا جاء فى قوله :

لم يبرح الغدر يلقى العون من خور

وما يزال حمى الخوان خوار

الا ترى انه رفع (( خوار )) على غير المتفق فى الاصول النحوية ، وفى هذا تذكرة لنا بما حدث بين الفرزدق الشاعر والنحوى القديم الذى انكر على الشاعر قوله :

وعض زمان يا ابن مروان لم يدع

من الناس الا محسنا او مجلف

والقصة معروفة مشهورة . هذه كلمات قصار وددت ان اسجل فيها شيئا بدالى وانا اقرأ شعر الجواهرى الكبير فاعجب به وامتع نفسى به ايما متعة . *

* لقد أنست أسرة الفكر بالصديق الدكتور السمرائى صاحب هذه الدراسة القيمة فى الاسابيع الماضية حيث زار الاستاذ تونس والقى محاضرات عن اللغة العربية على طلاب الجامعة التونسية ونحن اذ نشكره على عنايته بالفكر نرجو له عودة طيبة الى العراق الشقيق ونأمل ان تتجدد زيارته الينا فى المستقبل .

اشترك في نشرتنا البريدية