الى العربي فلاح
أخي وتلميذى بالسنة الثانية باعدادية الذكور بسوسة
جعلت من " حادثك المؤلم " انتصارا والميت واحد بين يديك وتحت رجلي تبكي - لديك - دعابته ) وقد تحبون شيئا وهو شر لكم ( ويداعب - لدى . بكاؤه ) وقد تكرهون شيئا وهو خير لكم ( . هو - لديك - موؤود وهو - لدى - نواة ذاك اخراج للميت من الحي وهذا اخراج للحي من الميت .
فارم بالجيفة وهات يدك نسع الى البقاء قبل أن يبتلعنا الفناء
فنحن لا نحارب الموت . انما نحارب حياة الموت
ح . ب
" جبت المدينة طولا وعرضا وعلوا وسفلا قبل أن أستقر فى هذه الشقة المتواضعة القابعة فى طابق خامس
عملت خياطة حينا وغسالة أحيانا لكى أعيش الكفاف والعفاف . سهرت عاملة لكيلا أسهر نادمة . فضلت أن يلومنى شبابى لضياعه على أن تلومنى لضياع شبابك . رأيت فيك انتصارى رغم خيباتى . رأيت فيك أمل الغد بعد يأسى من اليوم . فلم أحطمه وقد تحطم يومي . لم أدنسه كيلا أخسر الغد بذنبي كما خسرت اليوم بدون ذنب " ان ضاعت الزوجة فلن تضيع الام . ان طلقنى زوجى فلن يطلقني ولدى " كان هذا مبدئي وسبيلي . عملت الليل والنهار وكلى سؤال دوار : " أترانى نجحت فى القيام بدور الاب والام ؟ " جاهدت كى اكون حاضرة دائما ، كى لا أترك فى حياتك فراغا . كنت أتساءل دائما عما كان يجب أن أفعله لو كنت أبا لم أتزوج خشية أن أضيع الابوة والامومة معا . فضلت أن أجاهد . كنت اعلم أن ألذ الطعام ما سال فى طبخه عرق الجبين ودمع العيون . تحديت المصير . مصير المطلقات . مصير المنبوذات . رفضت المصير البغيض لضحية هذا الحلال . فضلت مصير النواة الصالحة التى تنبثق عنها الثمار . فشققت صخر القلوب وحاربت جفاف الزمان كى أصنع لك من موتى حياة . رجائى أن تكون زكى الحياة
" تحديت الناس وقد اتخذوا كلهم وجه رجل واحد ، وجه أبيك . كان يخيل الى أنى أغسل وجوههم اذ كنت أغسل ثيابهم ، فأزداد فى عملي اندفاعا . كان يخيل الى أنى أغرز الابرة فى قلوبهم حينما كنت أرقع
أسمالهم فأدفع بها وأشد الخيط شدا . وكان يخيل الى أنى أشرب دماءهم حينما كنت أتلقى مليماتهم القذرة فأشهدك سعيدة حينما كنت تتناول طعامك متلمظا .
" ألم يرم أبى ؟ ألم يقذف بى - انا - زوجته - فى تأفف ؟ ألم يرم بى كما يرمى الاثرياء بجواربهم المثقوبة ؟ بلى ، ولم يتورع عن الرمى بك اذ رمى بى رمى برجله مع جوربه ورمى بالنواة ونبتتها الطرية . فحملت فى النفس غربتى وغربتك أنت يسوعى اليتيم .
" قلت لك ان أباك قد مات وأعدت القول مرارا . لكنك كنت تعود الى السؤال " ماما ، متى يأتى بابا؟" فاجيبك " بابا مات " فتنظر الى بعينين كفوهتى بركان : " لماذا ؟ ماما ! لماذا مات ؟ " وكنت أضطر الى تجاهل السؤال حتى يختنق فيموت . لكنه كان يجد له على لسانك منفذا " ماما ! الى أين ذهب ؟ " وفررت من الجواب مرارا متظاهرة بالانشغال غير أنك كنت تلاحقني من غرفة الى غرفة ومعك سؤالك المسدد حتى أشفقت عليك مرة وقد سمعت لسؤالك غصة . فأشرت من النافذة الى الافق البعيد " انظر ! بابا ذهب الى هناك " فقلت : " آه ! " قلتها بلهجة غريبة ما انفك يرن ما حملته من دهشة وخيبة
كنت أحس بشيء يلجمنى عن التصريح بالحقيقة ، كنت أريد أن أجنبك المرارة كيلا تحمل فى نفسك حقدا . فسعيت أن أقتله - ويلي - بلا حقد
ولقد ندمت على جوابى أعواما لما أحدثه فى نفسك من فراغ عمره السراب . والارض الخصبة يعمرها العرعار ان لم تعمرها الاشجار والزهور ولقد عانيت الكثير فى سبيل اجتثاث العرعار الذى زرعه جوابى وسقاه توقك الى أبوة . وقد اتضح أنى لم أنجح . فلم تكن تفارق النافذة حتى تعود للتشبث بحافتها محملقا من خلال زجاجها فى الافق البعيد ، فى الدخان المتصاعد من سطوح المنازل ، فى الطيور المحلقة . فى قطع السحاب . حيث أشرت ، حيث ذهب أبوك
" كنت حافة النافذة مقياسا لقامتك . بها كنت الاحظ تدرجك وكأني بها قد أعانتك على النمو اذ أصبحت فارع القد شابا ولم تتجاوز الحادية عشرة ، لم تنس . لم أكن أتوقع أن لا تنسى . وكثيرا ما فاجأتك وأنت تنظر من زجاج النافذة فتخفض بصرك كالخجول وتنصرف . وقد فضلت أن أصمت . فضلت - ويلى - أن أكذب
" حتى سد الافق يوما وتحول الى هيكل خشبى نصب لبناء عمارة شاهقة زادت موقع شقتنا حقارة
" وجاء يوم الاحد . فخرجت كعادتك لتلتقى بأندادك فى الحى . . كنت أحاول أن أحول بينك وبين هذا الخروج رغبة فى استعمال سلطة الاب . غير أنى لم أكن لاصمد تحت الرجاء طويلا . هل كان ذلك ضعفا ؟ لست أدرى . كل ما أعلم هو أنك خرجت بينما عدت الى الانهماك فى الطبخ أليس كافيا أن يخلو أسبوعى من الاحد وتخلو حياتى من السند حتى أحول بينك وبين خرجة الاحد ولقاء الند ؟
" وحانت منى التفاتة الى نافذة المطبخ فاضطربت عيناى ثم جمدتا . لم أصدقهما أول الامر ثم خضعت ، رأيتك . انك أنت . ما فى ذلك شك وانك أنا . وفتحت النافذة أعتزم الصراخ غير أنى عدلت عن ذلك خشية أن تفاجئك الصرخة فترتبك وتسقطا )
" كيف استطعت أن تصعد الى مثل ذلك الارتفاع ؟ كيف تسلقت كل تلك الاخشاب ؛ هل تذكر ؟ لا شك أنك تذكر ؟ ربما استعملت فى ذلك المدرج الخشبي الوقتي . ربما استعملت المدرج الداخلى الذى تم بناؤه ثم نفقت الى الاخشاب . ربما . كل ما أعرف هو أنك كنت هناك عصفورا فى قفص هائل ذبابة تتدلى بخيط عنكبوت جمرة تتعلق بقلبي . ثغرة فاغرة فاها شاخبة فى كبدى . كنت تنظر الى فوق . ما انفككت تنظر الى فوق . وتتدرج وتدور وتنحني ثم تستقيم وتقبع ثم تنتصب وتشرئب بعنقك الى فوق . فانحنيت لانحنائك وانتصبت لانتصابك ودارت بى الدنيا حيثما درت وارتعشت ركبتاي فتشبثت بحافة النافذة تشبثك بالاخشاب . لقد تبادلنا الادوار والمواقف . نعم . تبادلنا المواقف . لكن الى حين . وكدت تبلغ قمة الهيكل حيث كان يجرى بناء الطابق الاعلى وحيث يقف أحد العملة منهمكا في شغله ، وفجأة . رأيتك تشرئب بعنقك للمرة المائة فى اتجاه ذلك الرجل وسمعت صوتا فالتفت الرجل الى مصدر الصوت . الى أسفل
" وتراقصت أمام ناظرى الاخشاب صفراء حالكة الصفرة وعرانى دوار حينما رأيت جسدا ينهار
" ولم استيقظ الا على صوت ينادينى : " ماما ! ووجه محموم يلامس وجهى فلم أشعر الا وذراعي تطوق بك ولم أشعر الا والسؤال ينفر من صدرى محشرجا : " لم فعلت هذا ؟ " فأجبت بين شهقة وأخرى ودموعك تغسل وجهي " كنت اريد أن أساله عن عدد الاخشاب الباقية . ماما ! أقسم لك برأسك . برأس بابا . لم أكن أقصد " فهمست وأنا أمسح على جبينك المتفصد بخصلات شعرك المتمرد : " هل مات ؟ " كنت أريد أن أسمعك صوتي كيلا تحس بعزلتك فأجبت : سمعتهم يقولون : " بوقرندة مات "
فارتج كيانى لكنى ضممتك الى صدرى وهدهدتك حتى رحت فى نوم
عميق وتركتك تنام . وهل يغير من الامر شيئا لو قلت لك ان بوقرندة لقب لا بيك ؟ ألم يكن - بعد - قد مات ؟ "
هذه الرسالة تلقيتها من زوجتى - نعم ، من زوجتى - بعد وفاة أمي بيوم واحد . وليس لك أن تتساءل ان كنت قد أقمت لها جنازة أو جنازتين هذا لا يهمك .
انما نقلت اليك هذه الرسالة لتعلم أن هذا الذى حدث قد حدث لى وقد يحدث لك . كنت . وقد تكون - ملاكا أو شيطانا . أردت أن أسد الطريق فى وجه ولدك كيلا يكون ملاكا أو شيطانا فيكون أحدكما الشيطان

